الفصل 5
الفصل الخامس
من لطف الله الخالق بمخلوقاته أن زرع النسيان في نفوسهم.. وعلمهم سُبل التجاوز وتخطي المراحل في حياتهم.. هناك من يعتبر النسيان نقمة، لأنه يمحو كل شيء ولا يفرّق بين الأشياء الجميلة التي نحب تخليدها والإبقاء على ذكراها.. وبين الأشياء السيئة التي عكّرت صفو حياتنا وذقنا معها مرارة أيامنا..هو يأتي على كل شيء ويجرفه معه دون تمييز.. لكن الأكيد أنه لولا النسيان لظللنا واقفين عند كل ذكرى موجعة نندب حظنا ونتساءل عن السبب -والسؤال هنا لا مكان له من الإعراب- فكل شخص وكل انسان يتعرض لتجارب واختبارات في الحياة تقوي إيمانه بخالقه.. إذن فالنسيان نعمة تجنبنا الوقوف والتطلع دائمًا لما خلّفناه وراءنا.. حافز ومحرك لنا لنتقدم ونتجاوز ونبدأ من جديد..
***
بعد عامين..
لكل بداية نهاية.. جملة منطقية تحمل يقينًا عميقًا أن دوام الحال من المحال، كل صفحة نبدأ بكتابة أسطرها في هذه الحياة لابد أن يأتي عليها وقت نطويها فيه لننتقل للصفحة الموالية، صفحة نأمل أن تحمل بين سطورها هذه المرة فرحًا نطمس به حزنًا ذبلت له أرواحنا وتكدر عمق قلوبنا.. وكل صفحة نخطّها تتراءى لنا من عمق الوجع المخطوط فيها أنها لن تنطوي، وستظل ملازمة لمسار حياتنا..عنوانًا لكل أيامنا.. فنذهل بعد مضي وقت بتلاشيها في بوابة النسيان، وتواريها خلف ذاكرة المشاغل الحياتية الصاخبة..
إنها سُنّة الحياة..
يقين عميق واقتناع يغزو روحها وهي جالسة في ذلك اليوم الربيعي الندي إلى طاولة في مقهى مطل على منظر طبيعي خلاب.. بتلذذ وتروٍّ تستطعم رشفات القهوة بالكريمة كما تحبها، وتعبئ أنفاسًا معطّرة بنسيم الصباح محملة بروائح الزهور العبقة في الأرجاء، بينما تهديها الشمس أولى خيوط أشعتها فترسل لمسات دافئة مداعبة لوجهها، لتستكين لها تغمض عينيها تتشرب أوردتها ذاك الدفء الساري فيها، وتتقبلها بامتنان وحمد، فكل يوم تستيقظه متنعمة بالصحة تشكر الله عليه..
تنهيدة مفعمة بالإيمان تتصاعد بصدرها والسلام يغزوها وينشر رايات الأمل في نفسها، هكذا هي الحياة، تمضي ولا تبقى على حال..
ذاك يقينها الذي أخذ بيدها حتى تخطت كل تلك العراقيل والمراحل التي أبطأت سير حياتها لفترة من الزمن، يقين مترسخ أمدّها بالقوة والشجاعة على الكفاح والنضال ضد عدو غزا جسمها دون إنذار..
لم تكن العلاجات سهلة.. بل قاسية في كل مراحلها، مصاحبة بالآلام والأوجاع المضنية..
كم من وخز إبر تحمل جسمها؟.. وكم من ضربة مشرط علّمت عليه؟ وكم من سمّ وعلقم تشرّبته أوردتها ليميت ذاك الغازي المحتلّ لجسمها، فتموت معه كل خلاياها ويغدو جسدًا بلا لون ولا حياة، وها هي بعد معاركها المحتدمة تنتصر، وتجلس إلى نفسها في لحظات استرخاء لا تبخل بها عليها، تهنئها وتحثّها على الجلد وتمدّها بالعزم كل مرة، إنها "نفسها" الوحيدة التي تستحق نيل شرف كل انجازاتها ولها تعيش أيامها، كل ألم شعرت به كان دافعًا لها لتنهض بعده وتقاتل طامعة بغدٍ مشرق تحياه والرضى عن نفسها يغزوها، لأنها استطاعت محاربة العدو وأفنته في أرضها..
ابتسامة متألقة تنبثق من شفتيها تهدي امتنانًا واطمئنانًا لتلك القادمة نحوها، تشق طاولات المقهى وتجذب المقعد المقابل لها قائلة بحبور وحماس، وهي تجلس و تضع هاتفها وحقيبتها أمامها على الطاولة:
" هل انتظرتي طويلًا؟ طرأ أمر جعلني أتأخر عنك"
" لم أنتبه لتأخرك، استغليت الوقت في الغوص في تأملاتي، أنت تعلمين"
تبتسم نجاة بينما تتعلق عيناها بذاك النقاء والصفاء الروحي المتجلي على صفحة وجهها، موجة ارتياح واطمئنان تجتاحها كل مرة تنظر فيها إليها، وتقرأ ذاك السلام الساكن لروحها فتسعد بقوة إرادتها التي ساعدتها على تخطي كل تلك العقبات التي صادفتها..
" أخبريني إذن.. هل أنت جاهزة ومستعدة للتطوع واعطاء كل ما لديك؟ لا أريد أن أسمع أي نواح أو شكوى حول التعب أو قلّة النوم"
ترتسم نظرة مشاكسة في عيني وفاء وهي ترد عليها بمراوغة ودلال:
" وهل تهون عليك حبيبتك وابنة خالتك؟ دمك أنا يا نجاة "
تطالعها نجاة من بين رموشها المتوعدة وهي تقول بحزم:
" وقت الجد لا أفرق بين القريب والغريب، الكل سواسية عندي.."
كانت جادة في كلامها ولا تمزح، فهذه ليست المرة الأولى التي تشارك معها فيها وفاء في أعمال التطوع مع فريقها، وهذه المرة الحملة الطبية التي تجوب بعض المدن ستصل أيضًا القرى البعيدة، ليستفيد سكانها من فحص وعلاج مجاني، ونجاة تصر على أخذها معها لتندمج وتستفيد، فالتطوع في الخير يطهر الروح ويحيي الإنسانية في القلوب..
" أنا جائعة جدًا لم أفطر بعد، سأذهب لأغسل يدي وأعود بينما تطلبين لي فطورًا شهيًا.. اتفقنا؟ "
تنفذ وفاء فورًا وهي ترفع يدها تشير للنادل بالحضور بينما تنسحب نجاة للحمام، وما كادت تختفي حتى انطلق هاتفها في رنين متواصل، وشاشته تضيء وتعلن عن اسم مضى زمن لم تلتقي بصاحبه..
جابر!..
أما زالا على تواصل؟
تتساءل بفضول شقّ نفسها فجأة وذاكرتها تعود لذلك اليوم الذي قرأت فيه رسالته لها من هاتفها، لم تفاتحها أبدًا بموضوعه ولم تأتي يومًا على ذكر أنها تتواصل معه، وقد عزت ذلك إلى أنها ربما تجنب مشاعر الاحراج لكليهما بحكم أنه كان متقدمًا لخطبتها هي قبلها.
***
بعد يومين..
تخرج تبحث بعينيها عن زاوية خالية لتركن فيها إلى نفسها قليلًا، ترنو إلى هاتفها تستكشف الرسائل الواردة إليها وكلها-طبعًا- من والدتها ولقمان وآية، الكل لا يزال يقتله القلق عليها واهتمامهم بها لا يتوقفون عن إظهاره بشتى السبل، حتى بعد شفائها وعودتها لحياتها الطبيعية بشكل عادي، لا بل هو أكثر من عادي، سابقًا كانت حياتها شبه روتينية لا تملؤها بأي شيء، كانت تحصر نفسها في خانة الانتظار..انتظار تحقيق أحلامها.. ولم تعرف معنى السعي وراءها..معنى أن تنطلق وتنتزعها رغمًا عن أنف الزمن، بينما الآن وهبت نفسها لعمل أي شيء تقدر عليه لتكسب نفسها وذاتها، تشارك في الأعمال التطوعية وتساعد الآخرين، والأهم، قررت العودة لصفوف العلم والمعرفة تغني رصيدها بما يفيدها، وتنهي دراستها التي أهملتها كسلًا وخمولًا، أملًا في تحقيق مراتب لم تصل إليها سابقًا..
" كيف حالك يا وفاء؟ "
صوت عميق بنبرة غير خفيّة تجذب انتباهها المركز على شاشة الهاتف.. لحظة سكون وتفكير تَطّلبها إدراكها قبل أن تهتدي إلى رفع عينيها، تستكشف ذاك الواقف أمامها مخيمًا عليها بطوله الفارع..
لطالما أحسّته يشكل خطرًا عليها، ربما بسبب طوله وضخامته، لكنها باتت أفكارها تتخذ منحى آخر مختلف، باتت ترى من خلاله سعادة ابنة خالتها نجاة، تلك السعادة التي تنطقها عيناها وتشع بها ملامحها، تحكي أن هذا الضخم أمامها هو صاحب الفضل بها..
ابتسامة تلقائية ترتسم على شفتيها عكست أفكارها.. ثم نهضت ترسم سماحة وترحيب لم يعتدهما من قبل منها، ورقة صوتها ولطفها يزيدان من حيرته:
" جابر! كيف حالك؟ يا لها من صدفة سعيدة لقاؤنا هنا"
كلمات تلقائية صادقة ألقت به في دائرة صدمة وسكون للحظات، لم يلحظ خلالها يدها الممدودة نحوه بمصافحة أخوية..
يتخلص من جموده اللحظي ليقترب أكثر تحدّه الطاولة وتفصل بينهما، يده تلامس يدها قبل أن تسحبها سريعًا وابتسامتها المتألقة لا تزال تزين شفتيها بينما يقول:
" أنا بخير.. شكرًا على سؤالك.. "
ثم تريث لحظة يشملها فيها بنظرة تركيز واهتمام يقرأ بها ما يمكن أن تخفيه إجابتها وتداريه عنه وهو يسألها:
" كيف حالك أنت يا وفاء؟.. أراك بخير.. أعني.. "
لم يختل توازن ابتسامتها بل ازداد بريق عينيها المشع وهي ترد بفخر تكمل كلامه:
" المرض لم يقضي علي كما كنت أظن، بل أنا من قضيت عليه.. "
أنفاسه المحشورة في صدره يطلق سراحها ليحل محلها موجة ارتياح غمرته بالرضى، وهو يرى اليقين والإيمان العميقين المزينين لصفحة وجهها المشرقة وكلماتها تعكسهما بعمق.. كان يخشى هذه المقابلة.. يعترف بهذا..لولا الحاح نجاة عليه لطيّ صفحة عمّرت طويلًا وآن آوان وضع نقطة النهاية فيها وترك كل ما مضى خلفه..
عامين تقريبًا مضيا لم يرها فيهما خوفًا من أن يقرأ استسلامًا من قبلها أصابها، لكنه كان مخطئًا.. لم يكن يعرفها بهذه القوة لتواجه ما حدث معها بصمود، وتظل شامخة بثبات لا تتزعزع ولا تتأثر بزوابع تحاول اقتلاع صمودها..
لا يكاد يتعرف عليها.. يعترف أنه قد وقف للحظات ذاهلًا عندما وقعت عيناه عليها جالسة في هذا المكان، بدت وفاء أخرى غير التي كانت، كل شيء تغير بها، حتى طريقة ارتدائها لثيابها.. وأيضًا.. عيناه تتريثان مع سيل أفكاره عند حجابها الملتف حول وجهها وعنقها:
" تحجبت.. "
لم يكن سؤالًا بقدر ما كان اقرارًا مصاحب بلمحة فخر سكنت نبرة صوته لم تخطئها، فتومئ برأسها مجيبة وأصابعها ترتفعان تلقائية تعدل حجابها:
" الحمد لله، كانت خطوة خشيت دومًا اتخاذها، لكن الله ثبتني عليها "
" مبارك عليك يا وفاء، يليق بك"
تهز برأسها وحمرة الحياء تزين وجنتيها فتسأله بعفوية وتلقائية:
" كيف عرفت أننا هنا؟ هل نجاة من أخبرك؟ "
تندم فورًا على سؤالها وهي ترى التوتر الذي تراقصت به نظراته كأنما افتضح أمر يخفيه، فتعضّ على شفتها السفلى ندمًا توبّخ نفسها على عدم حذرها..
" أجل، كان لدي عمل في المدينة وبالصدفة علمت منها أنكما هنا، لهذا أتيت لأرا.. لأراكما معًا وأطمئن عليكما"
تهز برأسها أيضًا وقد تمكن منها التوتر والخزي من نفسها لأنها أحرجته بهذا الشكل، وفضحت معرفتها بتلك العلاقة التي تجمعهما والتي أكدتها لها نجاة قبل يومين، عندما علّقت هي على تلك اللمعة المتألقة التي تسكن عينيها منذ بعض الوقت فتسألها بمشاكسة:
" هل تخبرينني من له الفضل بهذه السعادة الناضحة من عينيك، وتشرق لها ملامحك بحيوية ونضارة بهذا الشكل؟..أهو فارس الأحلام المنتظر؟ "
" هناك شخص أعرفه منذ فترة ليست بالقصيرة، اتفقنا أن نعطي لـ أنفسنا فرصة للتعرف على بعضنا البعض، وأن نتريث ولا نتسرع، أنت أول شخص يهمني أن تقابليه وتعطيني رأيك خاصة وأنه.. "
صمتت وقد ازداد توهج وجنتيها حياءً، قبل أن تضيف وهي تطلق أنفاسًا مكتومة بـ احراج:
" ينوي التقدم لخطبتي قريبًا"
تعود من تلك الذكرى ليواجهها نفس الارتباك الذي سيطر على نجاة ذلك اليوم مسيطرًا على جابر، بكل ثباته وصلافته السابقة تتجلى عليه هزيمته أمام الموقف، تتذكر أنها ناوشت نجاة ذلك اليوم واتهمتها بالتكتم وأنّبتها قائلة بتذمر:
" أيتها المحتالة المخادعة، تعرفينه منذ زمن دون أن تبوحي لي أو تفضفضين بلواعج الغرام الذي يؤرقك ليلًا، ما هذا يا خائنة؟ ما هذه الصداقة المغشوشة التي تجمعنا؟.. "
لم تلقى اجابة على كلامها لكن تلك الضحكة الرائقة الخجولة والمختلجة بسعادة نابضة فضحتها، وكشفت عن صدق المشاعر التي تحملها في صدرها للفارس الغامض..
يليقان ببعضهما البعض..
تبتسم بحنو ولأول مرة تعترف أن جابر لم يكن بذلك السوء الذي كانت تراه به سابقًا، فكما يقولون: مرآة الحب عمياء، وهي كانت مطموس على عيونها لم تكن ترى سوى..
عبست بنفور واستنتاجاتها تقودها لذكريات محتها من صفحة وجودها ورمتها في مكب النسيان غير نادمة، بل هي نادمة لأنها خُلقت من الاساس..
تلمح نجاة قادمة كطوق نجاة فعلًا ينقذها من هذا الموقف المحرج الذي وضعت نفسها فيه، لتسارع الى الانسحاب وإخلاء الساحة لهما قائلة بلطف ولباقة:
" ها هي نجاة قادمة، لقد سعدت بلقائك، أتمنى أن تأتي لزيارتنا عندما تعود لمدينتنا، بعد إذنك، فلدي عمل أقوم به.. "
انحناءة خفيفة من رأسها دون أن ترفع عينيها المطرقة بتهرب، تلاها انسحابها الفوري قبل أن يرد وداعها له تاركة الفرصة لهما لينفردا ببعضهما.
***
" لم تفارقك عيناه منذ أن جلسنا"
تعلق نجاة بمكر وضحكة تسلية تغالبها، لتنظر إليها وفاء بـ اجفال تراقصت له عيناها لم ينطلي على نجاة ودهائها:
"ماذا؟.."
تضيق نجاة عينيها بشك وهي لا تصدق عدم الفهم الذي ترسمه لتجيبها بجرأة أكبر:
" أعني كمال.. لم يتوقف عن ملاحقتك بعينيه منذ أول يوم، حتى أنه سألني إن كنت مرتبطة"
تلوي وفاء وجهها بعبوس وهي تزجرها قائلة:
" توقفي يا نجاة ولا تكوني سخيفة، أنا أعلم أنه لم يسألك عن شيء"
تضحك نجاة بغبطة وكأنها وجدت ضالتها وهي تقول بمداهنة:
" إذن فأنت تلاحظين نظراته إليك والاهتمام البادي نحوك؟ هيا اعترفي"
زفرت وفاء بتأفّف بينما تكدرت صفحة وجهها بـ استياء عارم، وتلك المنطقة التي تحاول نجاة جرّها إليها تشكل منطقة حساسة بمواضيعها وترفض الخوض فيها.
لا تنكر أنه لم تفتها نظرات اهتمام الرجل منذ أول يوم، لكنها أيضًا تتعمد تجاهلها فهي لا تزال تناضل من أجل العيش لنفسها والاكتفاء بها، واحتمال دخول شخص ما لحياتها بهذه الفترة غير وارد، هي لا تعرف عنه شيئًا وهو أيضًا لا يعرف.. يكفي أنه لا يعرف شيئًا عن مرضها الذي حتى وإن تراجع حاليًا، إلا أنها لا تزال تواضب على العلاج والمراقبة الطبية واحتمال عودته لا يزال واردًا، وهي لا تريد أن تدخل لـ أي تجربة خاصة وأن تجربتها الأولى والوحيدة تركتها محطمة زاهدة في كل شيء..
يطول صمتها وعينا نجاة تلاحقان اختلاجاتها وتعاقب تعابير وجهها لتسألها بلطف:
"ما بك يا وفاء؟ لماذا تضايقت بهذا الشكل؟ لقد كانت مجرد مزحة"
تطلق تنهيدة مفعمة بـ الاسى وهي ترد عليها قائلة:
" لم أتضايق منك أنت يا نجاة.. أنا فقط.. أنا لا زلت أحاول العودة لحياتي السابقة، وأي شخص سيحاول الدخول إليها الآن سأكون مذنبة وآثمة بحقه، وأنا لا أريد أن أظلم أحدًا، فرجاء مثل هذه المواضيع لا أريد الخوض فيها سواءً كانت دعابة أو جدية"
" لماذا تقولين هذا يا وفاء؟ أي إثم وأي ظلم؟ هل تنوين دفن نفسك والعيش وحيدة ما تبقى من حياتك؟ "
" كمال ذاك.. هل يعرف بمرضي؟ "
تسألها وفاء فجأة بحزم وتحدٍّ تجابه أي مناورة منها لإخفاء ما لا يمكن إخفاؤه، فتطالعها نجاة بعدم فهم وكأنها تحدثت بالالغاز وهي تسأل:
" لماذا تتكلمين وكأن مرضك معدٍ أو يشكل خزيًا وحرجًا لك، إنه مجرد مرض ككل الأمراض الأخرى، وأنت بحمد الله قد تعافيت منه، فلماذا تصرين على جعله عقبة تعترض سير حياتك؟ بينما يجدر بك نسيانه والالتفات لحياتك ومستقبلك"
" لست أنا من يعتبره عقبة.. "
تغمغم بعبوس تلتقط هاتفها تدفن فيه وجهها لتهرب.. تهرب من موقف ومواضيع تجلب لها الاوجاع والاحزان، لكن نجاة كانت لها بالمرصاد وقد أقسمت أن تجعلها أقوى من أي موقف تتعرض له:
" ماذا تعنين؟ هل ستطلقين أحكامك المسبقة قبل التجربة؟ "
زفرة حارة مفعمة بوجع مدفون سببه جرح متقرح لم يندمل.. وكيف يندمل؟ وهو يشق الروح ويبتر الكرامة وعزة النفس.. ناشرًا مشاعر خزي وخذلان أنهكا كاهلها المثقل..
" أي تجربة يا نجاة؟ أي تجربة؟ إذا كان الشخص الوحيد الذي تعلق به قلبي ومنحته كل وجودي، مانحًا إياي وجوده كذلك وكل كينونته، مقسمًا قسمًا ويمينًا ألا يتخلى عني مهما كانت الظروف، قد اعتبر مرضي عقبة في وجه سعادتنا، فكيف أصدق أن شخصًا غريبًا بالكاد أعرفه سيكون أكثر تفهمًا وعميقًا بتفكيره؟.. بربك يا نجاة"
تراقب نجاة انتفاضتها بهدوء واحتواء كبيرين، متفهمة لما يصيبها من نوبات عصبية تتملكها، فما مرّ بها ليس بالهيّن أبدًا وهي فخورة بها لـ أنها استطاعت تجاوز تلك المرحلة من حياتها..
تطلق أنفاسها بهدوء وهي تقول بتروٍّ وصبر:
" وفاء ألم تفكري قبلًا أن الله قد أراد لك الخير عندما أظهره على حقيقته؟ هل تدركين أن تلك العلاقة التي جمعتكما لثمان سنوات دون ضوابط الخطبة الشرعية محرمة وقد نهى الله عنها في كتابه الكريم؟ وتعتبر بابًا من أبواب التجاوزات الشرعية المحرمة التي قد تحصل بين الرجل والمرأة، من يرضى على نفسه أن يعرض الفتاة التي سيرتبط بها لمثل هذه التجاوزات لحسابه الشخصي فليس رجًلا، ولن يكون أمينًا عليها ولن يصونها كما يجب..لم أخبرك بهذا سابقًا ليقيني أنك لن ترضي أن تسمعي أي كلمة قد تسيء إليه، كما أنني لم أرغب في التسبب بالحزن لك، لكني لم أرضى يومًا عما يحدث بينكما.. كنت أراه يستغلك وأنت راضية"
لم تظهر وفاء تفاجؤها من كل ما قالته فقد أدركته متأخرة، ما حدث معها جعلها تدرك حقائق ومفاهيم كانت غائبة عنها، جعلها تغوص وتقرأ كتب الفقه والدين وأحكام الشرع في ما كان يجمعها بمراد، لم تكن تأخذ كلام لقمان لها سابقًا عن حكم الشرع في تواصل الفتاة برجل أجنبي عنها على محمل الجد، كانت تضع لنفسها حجج وذرائع واهية حتى وجدت نفسها ممن يتهاونون بالمحرمات، فيستبيحون صغائر المعاصي غافلين عن أنهم بهذا سيرتكبون رويدًا رويدًا كبائرها..
" اسمعيني جيدًا يا وفاء..نحن لا نكيل الناس بمكيال واحد.. ليس معنى أن هناك أناس يتمتعون بقدر وافر من النذالة والخسة تسببوا لنا بالآلام أن يكون كل البشر مثلهم.. كل شيء في هذه الحياة يوجد فيها الصالح والطالح.. والحمدلله فالخير قد خلقه الله في هذه الحياة وخلق معه الأمل.. فلماذا نيأس من رحمته؟ كمال فاعل جمعوي عايش حالات كثر لمرضى السرطان وغيرها من الأمراض، وهو شخص مثقف وواعٍ ولن يفكر بتلك الطريقة الرجعية المتخلفة التي تصفين، هناك حالات كثيرة من مرضى السرطان تعافوا من المرض وعاشوا حياتهم بشكل عادي، هناك من تزوج وأنجب الأولاد.. فقط ضعي ثقتك بالله ولا تيأسي، وتوقفي عن هذه الأفكار التشاؤمية الغبية"
تطالعها وفاء معجبة -رغم كل أفكارها السوداوية- بذاك اليقين والثقة اللذيْن تجيد بثّهما في نفسها دائمًا، لن تستطيع إنكار فضلها على ما وصلت إليه من بعد الله، فلولا وقوفها بجانبها ومساندتها لكانت ربما استسلمت وأعلنت هزيمتها، لكن هذه الفتاة القوية أمامها لم تترك لها الفرصة لذلك.
لم تعقب على كلامها.. لم تقتنع به لكنها أيضًا لم تجد القدرة على نقاشها ومحاولة افهامها لوجهة نظرها.
***
بعد أسبوع..
تجلس في غرفتها وشعور كاتم بالضيق والاختناق يحتلها، أنفاسها تتثاقل في صدرها وتأنيب ضمير وندم يناوش عزيمتها ويضعفها..
كيف سمحت بهذا؟ كيف طاوعتها نفسها لتنصاع وترضخ في الأخير وتمشي في هذه المهزلة -كما أسمتها نفسها العليلة- المدبرة بحقها؟ هي لا تعرف.. وهل كانت تملك خيارًا آخر؟ ووالدتها ولقمان قد استلماها ومارسا عليها كل أنواع الضغط العاطفي الذي يتقنانه وتضعف لهما أمامه..ونجاة تلك.. رأس الحية المدبرة.. تقسم أنها ستجعلها تندم.. كيف ذلك؟ هي لا تدري..
لم يمضي سوى يومان على عودتهما للبيت حتى فاجأتها بما تضمره لها في نفسها..
"عريس يريد التقدم لخطبتك.."
جملة ألقتها عليها وفرّت كأنها ألقت قنبلة موقوتة انفجرت عليها وفجّرتها، وتركتها لوالدتها ولقمان يلملمان أشلاءها..
" قابليه فقط وتحدثي معه، لا أحد سيجبرك على شيء"
"أعطه فرصته يا وفاء، هذا حقه المكتسب، ما دام قرر طرق باب الاصول ودخل البيت طالبًا الحلال"
" لن نستطيع رده "
وغيرها من العبارات المبتزّة والملغّمة والتي تجرّدها من أسلحتها الدفاعية وتتركها عرضة للضعف والاستسلام..
كانت أشبه بالفريسة التي تقترب من المصيدة وروح المؤامرة والمكائد تعبق روائحها من حولها، كلهم تحالفوا عليها.. كانت ترى تلك النظرات الصامتة بينهم والمليئة بكلام كثير لا يفهمه سواهم، يحيطونها بغلالة الجهل والغفلة عما يدبرونه لها، وها هي تنصاع في الاخير وتقرّر تنفيذ مطلبهم، ونفسها تُضمر انتفاضة أخيرة لها تثبت بها أحقيتها في اختيار الطريقة التي ستعيش بها حياتها..
" هيا يا وفاء، الرجل ينتظر"
صوت نجاة الهاتف وهي تدلف لحجرتها يخرجها من لجّة تلك الهواجس والافكار التي تقض مضجعها، فيزداد عبوسها ولا تتوانى عن توجيه نظرات غيظ واتهام لها وبداخلها تتوعدها ألا تمرّر لها فعلتها هذه بسهولة..
تمرّ بها وهي تقرأ روح الدعابة والمشاكسة التي تلبستها وكأنها مغتبطة بهذا المأزق الذي حضّرته لها، فاكتفت بتنبيهها واعدة متوعدة:
" لن أسامحك على هذا"
لم تؤثر بنجاة وهي تهز بكتفيها بخفة، فهي مستعدة لفعل أي شيء لتخلق السعادة لها حتى وإن كلفها هذا ابتعادها عنها..
" وأنا لن أطلب أن تسامحيني يا وفاء..لم أفعل ما فعلت إلا لـ أني أحبك"
تفحمها بردها ويقينها من صدقها، فتتجاوزها تخشى على حنقها منها أت يخفت قبل أن تأخذ حقها منها..
تقف أمام مدخل غرفة الضيوف تمنح نفسها فرصة أخيرة لمراجعة قرارها، وكأنها تملك البثّ فيه وهي أساسًا مساقة وقد أخذت على حين غرة وزجّ بها هنا في لحظة غدر..
كانت شبه متأكدة من يكون العريس، لكنها لم تعتقد أبدًا أن يتهور ويتسرع بطلب يدها في مثل هذا الوقت القياسي، وهو بالكاد تحدث إليها بضع كلمات موجزة على سبيل التحية..
لابد أنه مندفع أهوج وهذه النقطة ستساعدها في إبراز أسباب رفضها..
تسمي بـ الله ثم تتحرك بخطوات متمهلة هادئة ورأسها مطرق إلى الأرض، لا تنوي منحه أي فرصة لـ اظهار أي نوع من الشفقة أو التعاطف اللذيْن باتت تكرههما، فما تنوي اخباره به لن يأخذ وقتًا طويلًا، فهي متأكدة من أن أيًا من عائلتها قد أخبره بمرضها، وبمجرد أن يعرف هذا سيقرر الانسحاب من تلقاء نفسه..
" السلام عليكم.. "
ألقت التحية بنبرة حملت بعضًا من نفاذ صبرها ولم تنتظر أن يكمل تحيته محمحمًا يجلي صوته، لتبادره بالقول دون مقدمات:
" هل أخبروك عن مرضي والعلاجات التي لا زلت آخذها"
صدى أنفاس متلاحقة بتفاجؤ تتمازج مع أخرى محتدّة من قبلها تحكي انزعاجًا وعصبية لا تكاد تتحكم بهما..
" لست بحاجة لـ أن يخبرني أحد بشيء يا وفاء، فما يصيبك ينفذ مباشرة إلى روحي وقلبي يصيبهما ويشاركانك آلامك وأوجاعك"
كلمات سلسة عميقة تخترقها.. عيناها تجمدتا في محجرهما جاحظتان بصدمة وعدم تصديق..
تلك النبرة.. ذلك الصوت..
تشهق ذهولًا وعيناها ترتفعان لتقابلها وقفة جابر الواثقة.. يتصدى لتفاجؤها وصدمتها بعنفوان وخيلاء صامدين.. يهديها أكثر من مجرد دليل على عدم تلاعب خيالها بها.. يهديها يقينًا راسخًا مترسخًا أنه على العهد باقٍ.. حتى وإن كان عهدًا بطرف واحد مع تعنتها وصدّها الدائم له..
تتراجع لا إراديًا خطوة للوراء ودوار مداهم يتملكها، بينما يغشى ضباب خفيف الرؤية لديها..
" جابر!.. "
همسة بـ اسمه انسلخت وانفلتت من بين شفتيها كـ إقرار لحقيقة تواجده وليست تتوهم، فتتجاوب معها نفسه التواقة وكلمات تلقائية من صميم روحه المدلهة تنساب وتغرقها:
" ويح جابر! أي حظ كتب له أن يسمع أخيرًا وقع اسمه كيف يكون ممن ملكت كيانه؟ "
صدمتها لا تزال تسمرها مكانها بينما تغزوها كلمات تغزله بها السلسة، فتخترقها اختراقًا تزيد من تشتّتها وضياعها..
" كيف؟!.. "
همسة أخرى تطلقها دون تفسير لها، فيسارع إلى الرد بما أسعفه به قلبه الولهان:
" ألا ليت هذه الشفاه التي تعطّفت على حروف اسمي تضمها بين ثناياها.. تتعطف على هذا الملهوف بصدري تمنحه الحياة بـ إعلانها الرضى والقبول"
غزله يستفيض ويفيض بين جنبات صدره يغمرها.. ورده فاق توقعها.. خارق لكل منطق في عرفها..
ونجاة؟!..
لم تطرح تلك الـ كيف إلا كسؤال على هذا..
هي تعرف بحضوره؟ كيف ذلك؟
ضباب وتشوش طغى على كل تفكير لديها حتى باتت لا ترى أمامها أي شيء، الموقف هزمها ولم تستطع الصمود أمامه طويلًا فهربت.. لاذت بالفرار لأنها أحست بنفسها محاصرة.. اندفعت تخرج من غرفة الضيوف بخطوات متعثرة.. وشت بكمية التخبط والمشاعر المزعزعة المرتجة بكيانها.. تلاحقها عيناه بلوعة وحسرة ووجيب قلبه يفضح زلزال المشاعر بصدره عبّر عنها بتنهيدة حارة محترقة ..
زوج من العيون المترقبة تلاحق هرولتها وخطواتها الناهبة للدرج بوجهها الشاحب كأنما رأت شبحًا، فيتنهد لقمان متبادلًا نظرات احباط مع والدته قبل أن يتحرك نحو القاعة يستطلع الوضع من جابر..
جابر الذي كان لا يزال واقفًا مكانه، ملامحه المبهوتة تحكي أنه لم يتوصل للتحدث معها حتى، ليحاول إقناعها بصدق مشاعره..
يدنو لقمان منه مربتًا على ذراعه بمؤازرة وهو يقول بلطف:
" امنحها الوقت لتستوعب، أنت أصريت على ألا تعرف هويتك حتى لا ترفض مقابلتك"
واصراره لم يأتي بأي منفعة، فها هي تلوذ بالفرار وتقطع عليه الطريق الذي مهّده طويلًا دون طائل.. نفسه تسخر منه وتستهزئ وقد كان يظن أنه سيستطيع احتواء صدمتها وجعلها تسمع ما لديه، لكنه كان متفائلًا بزيادة..
ابتسامة جامدة ترتسم على شفتيه وهو يلتفت للقمان يؤكد له بقين عميق:
" سأمنحها العمر بـ أسره يا لقمان فقط لترضى، وأنا لن أستسلم بهذه السهولة، لا يزال هناك جولات ومناورات.. لن أمكنها من رؤية استسلامي وانسحابي بتلك السهولة، بل إن استسلامي وانسحابي في عرفي يعد سقوطًا ما بعده قيامة، وهذا القلب الصامد كل هذه السنوات لن يتنازل عن فرصته ولو على فنائه.. "
***
باندفاع تدلف الى غرفتها لاهثة بملامح مصدومة كأنما رأت شبحًا..
تناظرها نجاة بحاجبين مرتفعين وحالتها تسترعي انتباهها وتثير حفيظتها:
" كيف لم تخبريني؟.. "
سؤال مشتّت ضائع يصدر عنها لتزداد حيرة نجاة فتسألها:
" أخبرك بماذا؟ "
تساؤلها وحيرتها يثيران الشك في نفسها..
هل تعلم حقًا أن العريس هو جابر؟..
" جابر.. تقدم.. لخطبتي.. "
تتقطع الكلمات من بين شفتيها بتلكؤ تنتظر أن ترى دليلًا يؤكد لها أن ما اعتقدته طيلة الفترة الماضية لم يكن من نسج خيالها..
تلهث وعيناها شاخصتان إليها تقرأ ذاك الالتواء الممتعض على شفتيها، وتلك النظرة الناقمة وهي ترد بنزق وغيظ:
" لا أعرف ماهية تلك اللعنة التي أصابته ليتشبث بك بهذا الشكل.. هل أنت متأكدة أنك لم تلجئي للسحر الأسود لتوقعي به؟ "
كلمات نزقة تحمل دعابة بين طياتها لم تستوعبها لتهمس مبهوتة:
" أنت تعلمين؟.. كيف هذا؟ لقد كنت أظن أنكـ.. "
تبتلع بقية كلماتها بينما تناظرها نجاة بتوجس وشك تسألها:
" كنت تظنين ماذا؟ "
" أنك وجابر.. "
تركت الجملة أيضًا معلقة دون تفسير لم تكن نجاة بحاجته لتدرك ما تعنيه، فتنطلق في ضحك عابث مجنون غير مصدقة المنحى الذي اتخذته بـ أفكارها..
" أنا وجابر ماذا؟.. لا أصدق.. "
تستغرق في ضحكها مجددًا لتهتف بها وفاء بـ اندفاع تملكها لثانية من الزمن:
" أنت بنفسك أخبرتني أن هناك شخص بحياتك"
توقف نجاة ضحكاتها وتناظرها بحاجبين مرتفعين دهشة وتسألها:
" ولماذا تفترضين أن ذاك الشخص هو جابر؟ "
" أنت على تواصل معه.. أنا أعرف.. "
تتلاشى الكلمات من فمها وتخفت تدريجيًا بينما تطرق برأسها حرجًا وخزيًا وقد كشفت تلصّصها على هاتفها ذاك اليوم، فتباغتها نجاة الاستجواب وهي تضيق عينيها فيها بشك تسألها بشر نابض من عينيها:
" وكيف عرفت؟ هل كنت تتجسّسين يا وفاء؟ "
تنكس وفاء برأسها تخفي خزيها بينما تعبس ملامحها وفمها يلتوي ممتعضًا وهي تقول بـ اعتراض:
" لم.. لم.. كيف تتهميني هكذا؟ لقد.. رأيت اتصاله بك بالصدفة.. ثم.. لقد.. جاء لرؤيتك ذاك اليوم.."
عينا نجاة تضيقان أكثر وأكثر وهي تتحرك نحوها، يتلبسها دور المحقق الباحث عن دلائل واستفسارات..
" أولًا من سابع المستحيلات أن يحدث شيء بيني وبين جابر، ليكن هذا في معلومك، لأنه ببساطة رجل وفيٌّ لمشاعره الصادقة.. الحب عنده شيء مقدس لا يمس.. عقيدة يتشبث بها ولا يحيد عنها.. وأنا لست مجنونة لـ أتعلق بشخص كل شيء فيه يفصح عن الفتاة الوحيدة التي ملكته بكل جوارحه ولن تحتل غيرها مكانها..ثانيًا وهذا هو الاهم.. لماذا لم تتحدثي معي بهذا وتسأليني لـ أدحض لك كل ظنونك وشكوك؟.. هل شعرت بالغيرة؟"
تنفرج شفتاها وتتسعان استنكارًا تؤازرهما ملامحها المستهجنة وهي تنظر إليها تهتف بغير تصديق:
" الغيرة؟! ولماذا أشعر بها؟ "
تهز نجاة كتفيها ببساطة وتقول:
" ربما تشعرين في قرارة نفسك أن جابر ملكية خاصة لك، تعلقه الشديد بك ومحاولاته المستميتة لنيل رضاك تجعل عقلك يستسلم طواعية إلى أنه لن ينظر لغيرك .. "
شهقة عدم تصديق تطلقها وفاء بينما تتوقف نجاة أمامها تواجهها بنظرات ثاقبة تستشف كل دليل يؤكد كلامها..
" لم يأتي لرؤيتي ذلك اليوم كما تزعمين.. بل قطع كل تلك الاميال ليراك أنت.. ولم يكن لديه أي عمل بالمدينة حينها.. بل قد سافر خصيصًا لعلمه أنك فيها.. هل هناك شيء آخر تريدين معرفته؟ "
تدفعها دون رحمة أو شفقة تلقي بها في طوفان معلومات خافية عنها تغرقها.. حقائق مطموسة تتكشف لها تخرسها بصدمة وينعقد لها لسانها.. بينما نظرات نجاة المتفحصة والمستكشفة لا تفارقها تبحث عن شيء لن تهنأ قبل أن تجده، فتستمر في استدراجها لتسألها بغتة دون مواربة:
" صدقًا يا وفاء.. أريد أن أعرف ماذا كان شعورك عندما اعتقدت أن هناك ما يربطني بجابر؟ "
تبادلها وفاء نظراتها المستكشفة بواحدة أخرى تائهة وحائرة عكست ما بداخلها..
بماذا شعرت عندما اكتشفت أنهما على تواصل؟ لا شيء.. أو ربما شعرت لكنها لم تبالي به، فهي لم تضع في حسبانها أبدًا أن يكون جابر لا يزال متشبثًا بها بعد كل ما حدث..
" هل شعرت بالغيرة؟ "
تعيد طرح سؤالها كأنها تبحث عن الدليل في مواطن خفية تجيد إخفاءها، فتتلقى نظرة منتفضة من عينيها حملت رفضًا وعدم تقبّل، فتتعمق في البحث أكثر وهي تسألها بتحذير مبطن:
" أم تقبّلت احتمال علاقتنا بسماحة نفس وإيثار غبيان؟ "
تصلها زفرتها المنزعجة وهي تطرق بعينيها تأكيدًا لسؤالها، فينتفض الغضب في نفس نجاة من جحودها ونكرانها..
" هل أنت عمياء وغبية؟ أم تدعين هذا فقط لـ أنه بجلب الراحة إلى نفسك وضميرك؟ ألا زلت غير مدركة لعمق المشاعر التي كان يكنّها لك جابر ولا زال؟ أيتها الغبية.. ألم تلاحظي تعلقه بك منذ أن كنّا صغارًا أطفالًا نلعب سويًا؟ لقد اتهمته بـ التخاذل والخنوع لـ أنه كان يتركك تضربينه بـ ادعاء أنك أكبر منه، ألم يخطر لك أنه كان يضعك في منزلة أعلى من أن تُمس؟ كان يتشاجر بعنف مع الجميع ويأتي عندك ويتحول إلى شخص آخر مسالم وهادئ..ألم تسألي نفسك عن السبب؟ أم أنك كنت معمية على بصرك لم تلاحظي أي شيء من هذا؟ هل لديك علم بما فعله بالوغد مراد انتقامًا لك منه؟.. لقد تم توقيفه من قبل الشرطة لأنه اعتدى عليه بالضرب، قام بضربه مرتين.."
توقف سيل التوبيخات والاتهامات تقتطع وقتًا ترفع فيه إصبعيها السبابة والوسطى علامة اثنين قبل أن تنطلق مجددًا بتحفز أكبر:
" مرتين اثنين..من أجل ماذا فعل كل هذا؟ من أجل جحودك وعدم تقديرك لكل ما يقدمه لك..من أجل طفلة حمقاء معتوهة لم تقدر قيمة مشاعر نقية ثمينة قلّت في هذا الزمان وأصرت على نكرانها وعدم الاعتراف بها.. رغم كل قسوتك وجبروتك معه سابقًا لا يزال وفيًا مخلصًا لحبك في قلبه.. وأنت ماذا فعلت مقابل كل هذا؟.. لا شيء.. تتقبلين احتمالية ارتباطه بغيرك ببرودة أعصاب مستفزة.. أي جاحدة أنت؟.. أنت لم تضعيه في اعتبارك أبدًا وهو قد اعتبرك كل وجوده وكينونته"
تنهي نجاة ما لديها وتستقطع وقتًا تلتقط فيه أنفاسها المهتاجة غيظًا واستفزازًا، وملامحها تحكي فقدانها لآخر ذرة صبر تملكها على تصرفات وفاء.. وفاء المبهوتة والمشدوهة بصدمة متجلية على وجهها تقف بجمود، تتلقى كل ذاك اللوم والتقريع فيتسربلان في نفسها ويحدثان التأثير الذي تسعى إليه نجاة.. من أين لنجاة أن تعرف بكل هذا وهي جاهلة له؟ هل كانت هي الوحيدة التي ترى جابر من منظور يسيء إلى رجولته ومروءته بينما الجميع كان يراه عكس ذلك؟ هل كانت مشاعره الصادقة والقوية نحوها متجلية لهم بينما هي كانت تراها شيئًا آخر مهين لشهامته.. لا تعرف تحت أي مسمى يندرج.. حب للأذى ربما..أو محاولة لـ افساد علاقتها مع شخص آخر.. ألهذه الدرجة كانت عمياء البصر والبصيرة؟.