نوفيلا: وكان جبره ثاويا *مكتملة - الفصل 4 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نوفيلا: وكان جبره ثاويا *مكتملة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

الفصل الرابع الفرار..أو الهروب.. عادة ما يتراءى لنا حلًا ناجعًا لموقف يهزمنا ولا نملك قوة لمواجهته..نختصر به معاناة ونضال لا قبل لنا به.. نبتعد لنريح ضميرًا يناوشه ذنب بـ إثمه معذب.. لكن هل نرتاح بـ الهروب؟ أم يزداد شعورنا الآثم المذل؟.. *** " من فعل بك هذا؟!" صوت سميرة المصعوق يعلو وتسبقه شهقتها المذهولة والمصدومة عندما فتحت الباب لمراد المترنح، والدماء تلطخ مقدمة قميصه بينما يحاول إخفاء الألم المبرح الذي طعن رجولته قبل أن يطعن كينونته الذكورية.. كيف استطاع جابر أن يجرّده من ادعاء النخوة والمروءة المزعومين ليعرّيه أمام نفسه ويلبسه أبشع الصفات؟ كيف؟.. " مراد بني! ماذا حدث؟ مع من تعاركت؟ هل هو من اعتدى عليك؟..شقيق تلك الوضيعة أليس كذلك؟" يتجاهلهما مراد ويتجاهل أسئلتهما الملحّة وقلقهما المحتد متجاوزًا إياهما وهو يتمتم حانقًا: " ليس مهمًّا أمي.." " كيف ليس مهمًّا؟.. يجب أن نقدّم بلاغًا بالحادثة حتى لا يتعرضوا لك مرة أخرى" يزفر نفسًا هادرًا وهو يهتف بسخط وغصب: " هذا يكفي ..يكفي يا أمي.. ألا تملّين..لمَ كل هذا الحقد على تلك العائلة؟ لم هذه الرغبة في أذيتهم؟..ألا تدركين ما فعلناه بهم؟ لقد حطّمناهم بنذالتنا وخسّتنا..كيف لنا أن نواجه أنفسنا في المرآة وملامحنا تذكرنا بقلّة أصلنا ونكراننا؟" ثم يتركهما ويتابع سيره لغرفته مخنوقًا.. لا يصدق كيف استطاعت اقناعه بسهولة..كأنه كان ينتظر من يؤيّده ويؤازره في تلك الأفكار والهواجس التي قضّت مضجعه منذ أن تلقّى خبر مرض وفاء.. كلمات الطبيبة كانت كسهام مسمومة ترشق في صدره وهي تؤكد لهما إصابتها بالمرض الخبيث.. والأسوأ.. يجب استئصال الثدي..أي جحيم ذاك الذي ألقته فيه و تلظى بنيرانه؟.. لتأتي والدته بعد ذلك تفتح عيونه على تفاصيل أخرى لم يضعها بالحسبان، وتضعه أمام الأمر الواقع وتدفع به دون شفقة أو رحمة لبؤرة عذاب ذاق قسوتها.. " هل تعلم معنى أن تصاب بذاك المرض يا مراد؟ كيف تنوي الاستمرار في إجراءات عقد القران؟ هل فقدت عقلك؟ أم أن السحر الذي ربطتك به مفعوله أقوى من أن تستطيع رؤية الواقع؟..هل لديك فكرة عن تكلفة العلاجات لذاك المرض؟ وتكلفة العملية؟ كل هذا سيقع على كاهلك.. ستتحول إلى الحمار الذي يدور في الساقية دون توقف لتلبي لها كل مصاريف العلاج.. هذا إن أغفلنا عن تبعات ما سيأتي ما بعد العلاج.. هل سترضى بعد كل هذه السنوات من الانتظار أن تتزوج بها وقد استئصل ثديها وباتت نصف امرأة؟ زيادة على شعرها الذي سيتساقط بالكامل.. هل تسمع؟.. بالكامل.. ستكون عروسك صلعاء وبثدي واحدة.. هل ستتعايش مع قدرها هذا وترضى بها؟..هل ستنتظر سنوات أخرى قبل أن ترى ذريتك بعد انقضاء فترة علاجها؟ هذا إن لم نضع في حسباننا احتمالية تأثير العلاج على امكانية الانجاب لديها.. كل هذا ستعيشه وكل خطوة ستخطوها نحو هذا الزواج ستشعر بعدها أنك تغرق رويدًا رويدًا.. والعقبات ستتكالب عليك وتنغص حياتك.. فهل أنت مستعد لكل هذا؟..مراد بنيْ.. تعقل ولا تكن مغفلًا.. لا أحد ينتظر منك تضحية كهذه.. افتح عينيك ولا تكن ساذجًا غرًّا وتصرف بواقعية.. أي شخص آخر مكانك سينسحب قبل أن يتورط أكثر من هذا..ذاك قدرها هي.. فلم عليك أن تقاسمها فيه؟" رشقات متتالية من قبلها تهدف بها إلى احداث تلك الصعقة.. صعقة الإنعاش التي ستجعله يستفيق.. ولا تعلم أنها ترمي به في هوة سحيقة مظلمة تفوح منها روائح الخسة والنذالة تهاجمه وتلبسه خصلها المقيتة.. أخرسته بل جعلته أبكمًا يكمم فمه بقناع الجبن والأنانية.. لم يحاول الدفاع أو محاولة اقناعها بأنها قد تكون مخطئة في كل ما تقوله.. آثر الاستسلام لتيار توجّهه نحوه يجرفه دون إعطائه فرصة الاستعداد.. هلع وخنوع تملكّا روحه أظهرا ضعف عزيمته ومقاومته.. لم يملك قوة أو جسارة المواجهة فآثر الهروب.. لم يتحلّ بقسط ضئيل من الشهامة ليواجه الموقف وينهي ما بدأه قبل ثماني سنوات.. لم يعارضها كما لم يوافقها على ما تقول..لم يقل أنه سيستمر رغم كل هذا..كما لم يأخذ خطوة إيجابية لـ إنهائه.. لم يعطي إجابة شافية.. لكنه مدرك أنها قد أخذت منه ما تريد.. قرأته في عينيه واضحًا.. تقهقرٌ وانسحاب لا يقوى على إنكارهما..كان يدرك أنها ستأخذ المبادرة عنه لتضع نقطة النهاية للعهد الموثق على الوفاء والاخلاص.. وتفتح بعدها فصلًا آخر لبداية الانحطاط الاخلاقي وفقدان المروءة.. *** بعد أربعة أشهر.. الحياة تمضي ولا تتوقف عند أحد.. جملة نردّدها وتتردّد على مسامعنا مرّات ومرّات.. ولم يشعر بمعناها الحقيقي إلا من وقع تحت مقصلة حروفها الحادة..فلا مسار حياتنا يتوقف عند الآخرين.. ولا مسار حياة الآخرين يتوقف عندنا.. كلنا نسير غير مخيّرين في مسالك كُتبت علينا.. ولا نملك سبيلًا لـ إيقاف مُضِيّنا فيها..نحن زوّار فقط على هذه الأرض..لا نتحكم بأقدارنا..ولا نملك تغيير يومنا أو غدنا.. ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. *** وهنٌ وتعب استحكم الاوصال.. وهواجس تصول وتجول في المخيلة الزاخرة بتصورات شتّى لا ترحم، تتصارع مع مشاهد وصور متزاحمة تعيد شريط الأحداث طيلة الأشهر الأربعة الماضية.. تتراجع للخلف تريح رأسها فوق الوسادة تسدل جفنيها المثقلين تعبًا، وحديث والدتها يصلها مع آية في غرفة المشفى التي ضمّتهن، تحاول تهدئة جموح أفكارها التي لا تستكين، وتعيدها دون إرادة لبؤرة الأحداث التصاعدية التي وكأنها قد تمردت وجمحت وانفلت عقالها من بين يديها، لتسحبها معها وتمرغ بها التراب تصدمها بقسوتها وغدرها.. " أنت متعبة يا آية وبالكاد تستطيعين التحرك، كان عليك البقاء في البيت بدل إجهاد نفسك بهذا الشكل" كانت هذه نجاة التي انضمت إليهن تعاين حالة آية ببطنها المنتفخة وهي على أعتاب الولادة، ومن خلال خبرتها العملية تستطيع أن ترى إلى أي حد يتعبها الحمل هذه المرة، حتى أنها تنهت بإعياء لمجرد مجهود بسيط تبذله وهي تستوي في جلستها.. " لا أريد أن أترك وفاء في يوم كهذا، لن يهنأ لي بال وأنا أعايش القلق في البيت" تتنهد السيدة لطيفة بيأس وهي تقول بدورها، و صوتها لم يخلو من نبرة التأنيب الذي دأبت على إلقائه على مسامعها طيلة الطريق المؤدي إلى المشفى: " بات صوتي مبحوحًا من محاولتنا المتكررة أنا ولقمان لثنيها عن المجيء، لكن رأسها أقسى من الحجر " " أخشى أن يجيئك الطلق بحالتك هذه وتدخلا معًا أنت ووفاء إلى غرفة العمليات" تمازحها نجاة فتستجيب لمزحتها وترد عليها بمزاح مماثل: " على الأقل نستأنس ببعضنا البعض.. أليس كذلك يا وفاء؟ " ترفع وفاء رأسها عن الوسادة لتنظر إليهن بعيون ذابلة وملامح رسم العلاج الكيماوي شحوبًا وسقمًا اعتلا صفحتها وأفقدها نضارتها وحيويتها، بينما تشقّ شفتيها الباهتتين ابتسامة ضعيفة وهي تقول: " لن يرضيني أن أكون السبب في ولادة مبكرة قد تداهمك يا آية، لم لا تعودين للبيت وترتاحي؟ أنت تغامرين بنفسك وبالجنين" تلوح آية بكفها بضجر من التهويل والمبالغة اللذيْن تحدثن بهما كلهن لتقول بتأكيد: " لا داعي لكل هذا الخوف والقلق من قبلكن، لن يحدث شيء.. حتى وإن حدث فلن يكون هناك مكان ليحدث فيه أنسب من المستشفى، أليس كذلك يا نجاة؟ " " في هذه النقطة أنت محقة مئة بالمئة" تضحك الفتيات بينما تهز السيدة لطيفة برأسها بقلة حيلة وشفتاها تلتويان امتعاضًا واستنكارًا، دون أن تغفل عن توجيه توبيخاتها لـ آية وتأنيبها على قلة مسؤوليتها واستهتارها بجدية وضعها.. " أخبريني.. بما تشعرين؟" تهمس بها نجاة التي انسلّت من بينهما ودنت من وفاء، تقرأ بنظرتها المتمرسة قلقًا وخوفًا مصاحبًا لـ أي حالة على أعتاب الدخول لغرفة العمليات.. تتلقى الرّد على سؤالها على شكل نظرة صامتة من قبل وفاء أفصحت عن رهبة وتردد تعايشه، لتبادرها نجاة تطمئنها بيقين عميق: " لا أريدك أن تخافي وتتوتّري، أدرك ما تشعرين به الآن، وهو شيء طبيعي.. لكني أطمئنك إلى أن عملية استئصال الورم تكون عادة أبسط من عميلة استئصال الثدي، ستكون الأمور ميسّرة فلا تقلقي" تومئ وفاء برأسها موافقة وهي غير مقتنعة ومخاوفها وقلقها لا يفارقانها، لتسألها تحاول بثّ الطمأنينة لنفس عصفت بها المخاوف: " لن تكون أكثر من عميلة استئصال ورم يا نجاة أليس كذلك؟ لن يستأصلوا الثدي كما قال الطبيب؟ " تناظرها نجاة بنظرة عتاب واستهجان وهي تهتف مؤكدة، تشد على يدها المستريحة في حجرها: " ما هذا يا وفاء؟ عليك أن تثقي بطبيبك أكثر من هذا، هل تظنينه يداهنك فقط بينما يضمر في نفسه شيئًا آخر؟ هذا لا يمكن، إنها مسؤولية لن يتقلّد تبعاتها.. لقد سبق ووعدك أنه سيبذل المستحيل ليستأصل الورم فقط والإبقاء على الثدي، وهذا ما سيحدث فـ اطمئني، وأبعدي أي قلق أو توتر قد يسيطر عليك قبل العملية، فهذا لن يكون في صالحك.. " عادت وفاء تومئ برأسها وتنهيدة مفعمة بالتعب تصدر عنها، تسترجع كلام الطبيب الذي أخذتها إليه نجاة قبل أربعة أشهر والذي أكد لها بدوره إصابتها بالسرطان، لكن تشخيصه كان أكثر رحمة من تشخيص الطبيبة الأولى، فقد أكد لها أنه لا يلجأ إلى عملية استئصال الثدي إلا في الحالات المتقدمة، ووعدها أنه سيبذل كل ما بوسعه لتقليص الخسائر، معتمدًا لها علاجًا مبدئيًا بالكيماوي لحصر الورم في مكان واحد قبل استئصاله، وها هي بعد عدة جلسات مرهقة استنزفت كل قواها وأنهكتها، تمتثل بخضوع للمرحلة التالية تحت مشاعر الرهبة والخوف، ألا وهي العملية، ورغم كل طمئنة من حولها وطمئنة بعض ممن عايشوا التجربة -سواء تجربة شخصية أو عن طريق شخص قريب لهم- إلا أن الموقف يهزم أعتى القلوب وأقواها.. *** بعد يومين.. يطلق زفرة قنوط ويأس وملامحه تنعقد بوجوم وتتكدر صفحتها بضيق لا يتحكم به، بينما يهمس بعتاب ولوم وقد اختنق صوته: " كيف تفعل هذا يا جابر؟ كان عليك الرجوع إلي أولًا" يتجاهل جابر تأنيبه ويقف بثقة أمامه يواجهه دون أن يراوده أدنى شك في ما فعله قائلًا بتأنيب مماثل: " ما بك يا لقمان؟ لماذا تعاملني وكأني غريب عنكم؟ ألست فردًا من العائلة؟" " الأمر ليس هكذا يا جابر.. أنت.. فقط.." تتقطع الكلمات من فم لقمان وقد استبد به الضيق والإحراج من نفسه، فيتململ بانزعاج مضاعف بينما يقاطعه جابر وقد احتدّت ملامحه حنقًا وكأنه قد تلقى إهانة لرجولته: " أنا ماذا يا لقمان؟ أنا ماذا؟ أنت تصر على إقصائي ووضع حدود وحواجز أمامي.. كأنك تخبرني أن لا شأن لي بكل ما يحدث معكم " تزداد زفرات لقمان الحارقة ينفثها ومشاعر حنق متفاقم تستعمر صدره بينما يقول بضيق شديد: " أنت تحرجني بفعلتك هذه يا جابر.. افهمني.. وفاء أختي ودمائي الحارة لن تسمح لي بإلقاء مسؤوليتها عن كاهلي، فأنا كفيل بتحملها وتحمل كل مصاريف علاجها لأن هذا واجبي تجاهها" يتنهد جابر بدوره باستياء متمتمًا بالاستغفار يتنازعه شعوران متناقضان: فمن جهة هو مستاء بل حانق من تهميشه وعدم اشراكه في تفاصيل ما يحدث، ومن جهة أخرى بداخله يضع ألف عذر للقمان، فنخوته الأبية لن تسمح بتسرب شعور ولو كان ضئيل إلى نفسه، يضعه في مواجهتها فتتهمه بتنصل محتمل من قبله تجاه مسؤوليته.. لكنه أيضًا ليس بليدًا عديم الاحساس ويستطيع أن يرى ما يعانيه، فحمل زوجته غير الآمن هذه المرة والذي وضعهما أمام مراقبة طبية دائمة، وفحوصات وتحاليل كثيرة قد استنزفته، لتأتي ولادتها اليوم المفاجئة والمتعسرة فتقضّ مضجعه وتشتّته، وتتركه ممزقًا بين دفع مصاريف عملية وفاء، وبين مصاريف ولادة زوجته، وقد حاول أكثر من مرة عرض مساعدته عليه وهو يراه ضائعًا والهموم تثقل كاهله، لكنه لم يكن يترك له مجالًا بل يرده فورًا، لهذا لم يجد أمامه إلا أن يضعه أمام الأمر الواقع وتكفل بمصاريف عملية وفاء دون الرجوع إليه، لتثور حمية لقمان ونخوته وهذا ليس بالغريب عليه.. يقترب منه يشدّ على ذراعيه بمؤازرة قائلًا بحزم: " ولا أحد سينكر عليك هذا الحق يا لقمان، لكن افتح مجالًا لي لأعينك على حمل هذا العبء الذي يثقل كاهلك يا أخي، اعتبره دين ترده لي بعد زوال هذه الغمة، أنا لست أعمى وأستطيع أن أرى الهموم وثقل المسؤولية الملقاة على عاتقك، فاسمح لي أن أحمل عنك بعضها يا لقمان" يراقب التكدر لا يزال يعتلي ملامح لقمان كأن كل ما قاله غير كافٍ بالنسبة له ولم يقنعه، ليقول بلؤم يحاول الضغط على نقاط لتتحول لصالحه: " أم تراك لا تزال تعتبرني ذاك الفتى الصغير عديم الفائدة الذي كنت تعطف عليه وتتذكره دومًا ببعض الدراهم من راتبك؟ " ينجح في رسم ابتسامة غيظ على شفتيه وهو يرد بحنق مفتعل: " تتحدث وكأني عجوز، والفارق العمري بيننا لا يتعدى العشر سنوات " ثم يرميه بنظراته العابسة فتصدح ضحكات جابر الرجولية، ويتردد صداها في رواق المشفى غير آبه بنظرات الاستهجان الموجهة إليه من بعض الممرضات والزائرين.. تنتقل العدوى للقمان الذي شاركه الضحك.. ضحكات رائقة مضى زمن لم يشعر بحلاوتها تجتاح صدره، كان ما مر بهم هما أثقل كاهلهم وأضناه.. بينما تنتقل يداه ليشد على عضديه بدوره قائلًا بيقين صادق: " لم تكن يومًا فتى عديم الفائدة يا جابر، بل كنت دومًا عنوان الرجولة منذ نعومة أظافرك، مروءتك وحسّك العالي بالمسؤولية كانا المحرك الأساسي لكل تصرفاتك وأفعالك..لم أحظى بأخ من والديّ لكني متأكد أنني لم أكن لأحبه وأحترمه أكثر مما أحبك وأحترمك.. " يفرك جابر أنفه وقد أصاب مدح لقمان له وتر الحياء والتواضع الرجولي لديه، فيحارب ذاك الاحمرار المباغت الذي انتفخت له أوداجه رضًا وسرورًا بينما يقول بصدق مماثل: " كنت وستظل الأخ الذي أقدره وألجأ إليه في كل أزماتي يا لقمان، وأطمع أن تفعل مثلي وتلجأ لي في أي شيء تحتاجه، هذا أقل شيء أقدمه لك " *** " هل أنت جاهزة؟ " صوت نجاة -المرافق لها طيلة الشهور الماضية كلحن رقراق يسكن مخاوفها وقلقها- يسحبها من دائرة تلك الأفكار والتساؤلات المضنية لعقلها وروحها ونفسيتها على حد سواء.. ماذا بعد كل هذا؟ وبعد كل هذا العذاب الذي خاضته وشهدت آلامه؟ أربع شهور مضنية من العلاجات خاضت خلالها معاركها الوجودية مع الحياة.. إما البقاء والقتال باستماتة.. أو الفناء باستسلام وخنوع.. ونفسها المعتلة والمحملة بجروح غدر متقرحة متأرجحة ما بين الخيارين.. لا هي ترى مستقبلًا وأملًا في الحياة يستحقان النضال من أجلهما، ولا هي راغبة في إعلان استسلامها لمجرد عثرة ومطب عرقل سير خطوها.. لكن هل كانت فعلًا عثرة طبيعية تلك التي عرقلتها؟ أم كانت ضربة قاصمة كسرت ظهر عزيمتها وبينت لها انسياقها الأعمى خلف أوهام زائلة، وتعلقها بحبال مهترئة انقطعت بها في هوة سحيقة حطمتها.. تسحب أنفاسًا مثقلة بالخيبة والخذلان لتهمس بخفوت واستسلام: "جاهزة.. دعينا نغادر هذا المكان" ترتد بنظرها عنها إلى والدتها الجالسة أمامها على الأريكة بملامحها الصامدة والثابتة والقوية.. لم تتخلف عن الحضور طيلة اليومين اللذين أمضتهما في المستشفى بعد العملية، رغم أن صحتها لم تكن تسمح بأي إجهاد أو تعب، لكنها لم تبخل بمساندتها لها وبثّ العزيمة والقوة إلى نفسها.. هل كانت ستجرؤ على الاستسلام وإعلان أن الحياة لم تعد تستحق النضال من أجلها؟ وهي ترى كل هذا الدعم والسند المتدفق دون قيد أو شرط من عائلتها.. هل هناك من يستحق أن تعود للوجود وتتشبث بالبقاء من أجله أكثر منهم؟.. طرق على الباب أعقبه دخول لقمان يسألهن: " هل أنتن جاهزات لنغادر؟ " " أجل بني، نجاة لملمت حاجيات وفاء " يهرول بخطواته مقتربًا من وفاء التي كانت تغادر سريرها فيقول لها بتأنيب: " على مهلك يا وفاء، دعيني أساعدك على النهوض" ابتسامة واهنة حانية شقّت شفتيها الباهتتين بينما تلامس ذراعه أصابعها تطمئنه بالقول: " أخي.. لقد أجريت عملية استئصال ورم فقط، وباقي جسدي لا يعاني من شيء، وأستطيع المشي والحركة بسهولة" لكنه لا يستجيب لطمئنتها وقلقه الأبوي عليها يحركه، ليحيطها بذراعها يساعدها على مغادرة السرير بينما تمسكت يده الاخرى بكفها السليمة قائلًا بحنو: " ورغم هذا عليك أن تكوني حريصة على سلامتك" " سأستغل هذا الدلال الذي تغدقون به علي أيّما استغلال، وأخشى أن تندموا على هذا لاحقًا، أنا أحذركم " تناوشه بكلماتها الواهنة تجبر نفسها على خلق جو مرح من حولها حتى تخفف من وطأة قلقهم عليها، ذراعه تدنيها منه لتستند برأسها على كتفه بينما يطبع قبلة حانية على جبينها قائلًا بحب: " أنت طفلتنا المدلّلة ويليق بك هذا، ما عليك إلا التمني ونحن هنا لتحقيق أمنياتك" تستكين للحب والاهتمام المحيط بها.. حب صامد لا يتأثر بتقلبات الزمن.. حب خالص لا مشروط يفيض صدقًا واحسانًا يغمرها ويملؤها بالاكتفاء.. تردع دمعة ترقرقت حاولت الإفلات والانسكاب على خدها لتسأله مستدركة: " كيف حال آية والصغيرة؟ " " إنهما بخير، الصغيرة لا تزال في الحضّانة لكن حالتهما مستقرة، كانت العملية متعسرة لكنها تمت بحمدالله " لتتدخل والدتهما بنوبة تأنيبها ولومها الذي لم ينتهي منذ تفاجئهم جميعًا بآية اليوم وقد جاءها الطلق، وكان يوم ولادتها المقرر لم يحن بعد لتزرع الرعب في قلوبهم جميعًا: " تلك الفتاة ستتسبب لي بنوبة قلبية وأنا أساسًا مريضة قلب ولا أحتمل الصدمات، أخبرتها ألا تجهد نفسها لكنها عنيدة ورأسها كالصخر" يغمز لقمان لوفاء بتآمر وهو يكتم ابتسامته وحالة أمهما الحانقة تحكي أنها لن تمرّر ما حدث مرور الكرام، وآية المسكينة موعودة وأمامها أيام وشهور من اللّوم والتقريع ستسمعهما حتى تنطفئ نار القلق والذعر الذي تسبّبت به لوالدتهما.. " حمدا لله على سلامتهما أخي، وأقرّ عينك بالصغيرين " تهمس له وفاء ويدها تربت على صدره، أمّن على كلامها قبل أن يلتفت لأمه يحاول تهدئة حالة الحنق التي تلبستها مجددًا قائلًا محاولًا إلهاءها قليلًا: " لقد أنهيت إجراءات الخروج يا أمي ورأيت جابر بالأسفل، جاء ليطمئن على وفاء" ينجح فعلًا في إلهائها وجذبها لتقول بدهشة: " وهل تركته بالخارج ينتظر كل هذا الوقت؟ لماذا لم تدعه يدخل؟ " تسحب وفاء نفسها لدى سماعها بـ اسم جابر وتلفتت حولها بحثًا عن الحجاب الذي باتت ترتديه، تداري به رأسها التي أضحت أرضًا قاحلة وقد فقدت كل شعرها بالكيماوي، لكن لقمان يطمئنها قائلًا: " لقد غادر، قال أن لديه عمل مهم يقوم به" تكمل ارتداء حجابها وهي تطلق نفس ارتياح لم تستطع كتمه، فلم تكن ترغب في مواجهة أي شخص ممن عرفتهم سابقًا في حالتها هذه، بالخصوص جابر، فلم تكن لقاءاتهما ومواجهاتهما المليئة بالصدامات سابقًا مشجعة..وهي ممتنة له لأنه لم يحاول رؤيتها خلال الفترة الماضية، وكان يكتفي بسؤال شقيقها أو والدتها عنها.. " هل سنذهب كلّنا ونترك آية بمفردها؟ اذهبوا أنتم وأنا سأبقى معها" تسأله والدته من خلفه وهو يسند وفاء بذراعه ويقودها لخارج الغرفة ونجاة في أثرهما، فيرد عليها مطمئنًا إياها: " انتهت وقت الزيارة أمي ولن يسمحوا لنا بالبقاء، هيا وغدًا باكرًا نأتي إليها قبل ذهابي للعمل" " هل اطمأننت إلى أنه لا ينقصها شيء يا ولدي؟ " يبتسم لقمان بحنو وذاك القلق الأمومي الذي يلمسه لدى والدته تجاه زوجته ما فتئ يزرع الرضى في نفسه ويشرح صدره، وقد تيقن من أنها قد استطاعت غرس محبتها في قلب عائلته وصنعت لها تلك المكانة التي تجعل منزلتها من منزلة وفاء في قلب والدته.. "أجل أمي هي بخير، متعبة ومجهدة، وأخبرتني أنها ستنام.. وقوانين المستشفى صارمة كما تعلمين، وقد سمحوا لوالدتها فقط بالمبيت عندها" *** وفي مدخل الحي صادفهم تجمهر لبعض الأشخاص على شكل موكب، ومن صخبهم وأهازيجهم الشعبية واضح أنه موكب" الهدية".. فاضطر لقمان لتخفيف سرعته وهو يمر بهم وعيناه مركزتان على الطريق حتى لا يقفز أحد الصبية أمامه ولا يراه.. شهقة خافتة تم كتمها بسرعة تصله من والدته الجالسة بجانبه، بينما احتلت وفاء ونجاة المقعد الخلفي.. يرتدّ ببصره عن الطريق ناحية أمه وتمرّان على الموكب، لتنخطف أنفاسه بدوره وعيناه تتعرفان على العريس صاحب الهدية المتجهة إلى بيت عروس ما.. " كيف؟.. " همسة خافتة تصدر عنه وعيناه تصطدمان بعيني أمه الكسيرتين بنظرات حزينة.. ألم يهرب ويسافر بعد فسخه للخطوبة من وفاء؟ متى عاد؟ يعود للنظر إليه يتابع تلك الابتسامة المرتسمة على وجهه، بينما تتقافز والدته وشقيقاته من حوله يتمايلن مع الأهازيج ويطلقن الزغاريد.. " هناك عرس قريب في الحي.. " تهمس نجاة بغفلة عما يدور وعيناها تتابعان فرقة الفلكلور الشعبية بصخبها وأهازيجها، تسير خلف عربة يجرها حصان وهي محملة بهدايا كثيرة تنم عن سخاء العريس وكرمه لعروسه، بينما يسير باقي الحضور خلفهم راجلين وكان واضحًا أن العروس من بنات الحي، لهذا كان الموكب راجلًا ولم تستخدم السيارات.. هي تعشق هذه الأجواء التقليدية الأصيلة وتجذبها، فتسترسل في همسها وعيناها تتابعان المشهد أمامها غافلتان عن نظرات خالتها المسلطة نحوها بتحذير تمنعها الكلام: " كنت أظن أن عادة استخدام العربات والاحصنة قد اندثرت.. أظن أن أهل العريس أحبوا أن يظهروا مدى كرمهم وسخائهم.. " كل هذا وعيناها لم تقع بعد على العريس وعائلته، فقد كانت مأخوذة بتلك الأهازيج التي تصلها بينما يتراقص أفراد الفرقة برشاقة وبوثبات خفيفة.. تنتبه أخيرًا لنحنحة خالتها المنبّهة لها لتنظر نحوها بتساؤل قابلته نظرة زاجرة منها تأمرها الصمت.. تتوتر وتتلعثم وهي لا تفهم بينما انتبهت لهما وفاء وهي توارب عينيها المغمضتين، وترفع رأسها الملقى على المسند دون أن يجذبها ذاك الصخب الذي يصلها من الخارج، فتسألهما باهتمام: " ماذا هناك؟ ما بك أمي؟.. " ترى الشحوب المعتلي لوجه أمها ولا تفهم سببه، كما ترى عبر المرآة وجه لقمان المواجه لها واجمًا مكفهرًا، ونظره مركز على الطريق يسعى للخروج فقط من هذا المكان.. " لا شيء يا ابنتي.. ارتاحي فقط" تتمتم والدتها بنبرة حملت اختناقًا مفاجئًا، بينما وجهت نظرة توبيخ وتأنيب مبطن إلى نجاة وهي ترتد عنهما وتستوي في جلستها، تخفي ما ارتسم على ملامحها من وجع على ابنتها التي خرجت توًا من العملية، ليستقبلها هذا المشهد المستفز لكل عصب فيهم جميعًا.. تدرك أنها ستعرف بالموضوع عاجلًا او آجلًا لكن ليس اليوم.. لكن القدر له رأي آخر.. يأبى إلا أن يسدّد ضربته القاضية لوفاء، فينسف كل ما بنته خلال الشهور الماضية من حصون عازلة للآلام والأوجاع ويهدمها جميعها، ويتركها عرضة لتيارات منبعثة من جحيم تلفحها.. القدر اللعوب يتسلى على حسابها ويتحالف مع أعدائها.. يأخذ بيدها ويواكبها لترى بعينيها ما لم تضعه أبدًا في حسبانها.. لقد كانت تظن أن الوجع والألم سينتهي بعد تلك الضربة التي تلقتها قبل بضعة شهور ممن ملّكته روحها وقلبها.. ضربته القاضية التي ترنّحت لها مفاهيمها لتعري عن سوء اختياراتها.. وكل منهما سيسلك سبيل مغاير لا يتقاطع مع سبيل الآخر.. ولم تضع في حسبانها أن تأتي الضربة الثانية غادرة كسابقتها ولم تستعد لها.. هل كانت لا تزال تحمل في نفسها أملًا ضئيلًا خافتًا باحتمال عودته نادمًا بعدما فعله؟.. سؤال مخزٍ ومذل لكرامتها المهدورة صال وجال في نفسها وعاث فيها الجراح متلذذًا بتعذيبها.. بينما عيناها تجمدان بنظراتهما عليه هو.. واقفًا بكل أناقته وبهائه.. يرسم فرحة مسروقة منها.. تلك كانت فرحتها.. وذاك كان موكبها هي.. كان يفترض أن يقصد بيت عائلتها لكنه غير مساره ووجهته بعد أن طمع نفسها التواقة إليه.. شتائم ولعنات خافتة نمّت عن فقدان أعصاب ونفاذ صبر تصلها من جهة لقمان، وهو يجاهد للخروج بسرعة من وسط ذاك التجمهر.. بينما عقدت الصدمة ألسنة كل من وفاء ونجاة المكتشفة توًا لحقيقة المشهد أمامها لتذهل نظراتها وتفقد كل قدرة على التعبير..بينما راحت السيدة لطيفة تحوقل وتوكل الله هو حسبها ونعم الوكيل.. وبينما تنسحب السيارة عبر بيوت الحي متجهة إلى بيتهم، كانت سيارة أخرى تتوقف على قارعة الطريق وينزل منها جابر كعاصفة هوجاء تحركه حميته ونخوته، ويتجه لذاك الوغد الذي لم يشفي غليله ذاك اليوم بضربه إياه، وعلى ملامحه ارتسم الشر ونواياه السوداء تثب وثبًا من ملامحه المكفهرة.. *** " كيف تشعرين؟ " سؤال نجاة المعاد والمكرر أكثر من عشر مرات منذ ما يقل عن النصف ساعة -وكأنها لم تقتنع بإجاباتها لها التي تؤكد لها بها أنها بخير- ينجح أخيرًا في استجلاب شبه ابتسامة واهنة على شفتيها تعزز بها ردها هذه المرة وهي تؤكد باقتناع تام: " أنا بخير يا نجاة صدقيني.. هيا اذهبي ولا تقلقي علي.. الضربة الأولى كانت موجعة أكثر واستطعت تجاوزها، وسأتجاوز هذه الضربة أيضًا، فقط امنحيني بعض الوقت" تشد نجاة على كفها المستريحة فوق الغطاء وهي مستلقية في سريرها، ثم تميل عليها وتطبع قبلة على جبينها تؤيد كلامها بثقة: " أنت أقوى مما تظهرين يا وفاء، فقط تشبّثي بعزيمتك وستتجاوزين هذه المرحلة وستبقى مجرد ذكرى واهية لن تعني لك شيئًا بعد فترة.. صدقيني.. " يقاطع استرسالها هاتفها الذي يعاود الرنين للمرة الثانية، فتتطلع إلى شاشته وأصابعها تسارع إلى فصل الاتصال بينما ظهر على وجهها بعض الارتباك والتوتر، تظاهرت وفاء بعدم ملاحظة حالتها لتحثّها على المغادرة قائلة بطمئنة: " لا تقلقي علي يا نجاة، سأكون قوية بوجود أشخاص مثلك ومثل عائلتي في ظهري يساندونني، إذهبي وكوني مطمئنة وأنا سأخلد للراحة وأنام" تجاهد نجاة لرسم ابتسامة مرتبكة تخلصها من حالتها تلك، بينما تصر وفاء على تجاهلها وهي تستوي في رقادها وتغمض عينيها، تترك لها مجالها كاملًا وفسحتها الخاصة حتى لا تحرجها بفطنتها إلى سبب ما يحصل معها، كانت تعرف من المتصل وهذا كان مفاجأة بالنسبة لها، مع أنها لم تستغرب كثيرًا ونجاة لم تتوانى عن ابداء اعجابها به.. جابر.. لكنها لم تعتقد يومًا أن يكون هناك شيء يربط بينهما.. لقد اكتشفت هذا بمحض الصدفة، ولم يكن لديها نية التجسس عندما لمحت عيناها رسالته لنجاة تظهر على هاتفها وهي داخل الحمام، تاركة إياه على السرير بجانب وفاء.. " أريد أن أراك لبعض الوقت" كانت تلك كلماته الموجزة لها وقد قرأتها غير متعمدة والتقطتها عيناها بسرعة، وهي تشعر حاليًا بالندم فهي أبعد ما تكون عن المتطفلة أو الشخص المحب للاطلاع على خصوصيات الآخرين، لهذا لم تحاول الاستفسار منها فهي تحب أن تضع حدودًا للخصوصيات يقف عندها الآخرون ولا تتجاوزها بدورها. Like