نوفيلا: وكان جبره ثاويا *مكتملة - الفصل 3 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نوفيلا: وكان جبره ثاويا *مكتملة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

size="4"[color="darkgreen"]]الفصل الثالث[/color] في الوقت الذي تظن فيه أنك قد ملكت كل مفاتيح السعادة.. ووصلت أخيرًا للبر الآمن الذي سعيت إليه طيلة حياتك.. وبذلت في سبيله الغالي والنفيس.. ودفعت أثمن سنين عمرك.. تأتي لحظة فارقة..لحظة انعاش لـ إدراكك وواقعيتك.. لحظة اختبار لقوة تحمّلك وصبرك.. تنسف كل ما بنيته وتجعلك تقف على شفير هاوٍ ينهار بك تدريجيًا..يجعلك تدرك أنما هذه الحياة مجرد اختبار.. مجرد دار زائلة نتحول منها لدار البقاء والخلود..فطوبى لهم أولئك الذين يجتازون الاختبار ويأتون ربهم بقلب سليم..وجعبتهم تنضح بطيب أعمالهم يجزون بها الغرفات آمنين مطمئنين.. *** بعد يومين.. تسحب نفسًا عميقًا ثم تزفره تستغفر الله على ما وصلت إليه بأفكارها.. أي مفارقة هذه التي وضعت وفاء على مفترق طرق تقف حاجزًا بينها وبين تحقيق ما صبت إليه لسنين طوال؟ هكذا هي الحياة..لا أحد يصل إلى الكمال.. والغِرّ فقط من يظن أنه قد يستطيع امتلاك كل مفاتيح السعادة في يده.. فمن هذا الذي يتحكم بقدره؟ ونحن مجرد مخلوقات لا تملك من زمام أمورها شيء.. تراقب خالتها المنكمشة في ركن في غرفة الجلوس تحرك حبّات السّبحة بين أصابعها وتستغفر الله.. ظهرها منحني بوهن وانكسار..وكتفاها متهدلان بتخاذل بينما حكى وجهها المنطفئ وجعًا مستسلمًا مسلّمًا مقاليده لخالقه، فالقلب رغم المصائب لا يزال يضج إيمانًا بعظمته وتجلّيه.. ترفع يديها ترجع شعرها للخلف وهي تتشجع لتقول بحزم: " خالتي، بالله عليك ما كل هذا الحزن والمأساة التي تجسدينهما؟ تشعرينني وكأن وفاء تعيش أيامها الأخيرة وتحتضر.. تحلي بالإيمان واجعلي ثقتك في الله أكبر من هذا.. أنت امرأة مؤمنة وتدركين أن هذا مجرد اختبار لنا سنجتازه بالصبر وحسن الظن بخالقنا " تسحب السيدة لطيفة نفسًا متقطعًا نمّ عن غصّة لم تبارح حلقها منذ تلقيها لخبر مرض ابنتها وحيدتها.. تهز رأسها حزنًا وهي تقول بوهن واستسلام: " ونعم بالله.. اللهم لا اعتراض على حكمك..اللهم إني لا أسألك ردّ القضاء ولكني أسألك اللطف فيه..الأمر أقوى مني يا نجاة.. تلك الفتاة حظّها قليل في هذه الحياة " " استغفري ربك خالتي وكوني قوية أكثر من هذا.. كيف تريدين من وفاء أن تحارب المرض وتتغلّب عليه وهي تراك منهارة أمامها؟ موقفك هذا يثبط من عزيمتها ويزيد من سوء حالتها..عليك أن تفهمي أن الطّب قد تقدّم كثيرًا، واحتمالية العلاج من المرض نسبتها تقترب من المئة، فلماذا هذا التشاؤم؟ هناك حالات كُثر وصلت لمراحل متقدمة من المرض ومع هذا لم تفقد الأمل، وناضلت وقاتلت باستماتة حتى شفيت تمامًا منه، إنه مرض خبيث يتغذى على الخوف واليأس فيجب على حالة وفاء النفسية أن تكون مستقرة لتتغلب عليه، وهذا دورنا نحن خالتي.. علينا مساعدتها بتشجيعها وتحفيزها " تناظرها السيدة لطيفة بعيون يتراقص الدمع فيهما لكنها تمنع نزوله، بينما تهمس بلوعة واحتراق: " كيف لا تريدينني أن أحزن أو أنعي حرقتي على وحيدتي يا نجاة؟.. إنها..إنها عروس لم تكتمل فرحتها..أية فرحة؟ وأية عروس؟ هل تدركين ما ينتظرها؟ لقد حلمت كثيرًا بيوم زفافها ورسمت له أحلامًا عريضة وصورًا مبهرة..أمامها سنوات من العلاج.. سيتساقط شعرها وستفقد جزءًا من أنوثتها يا نجاة..سيستأصلون الثدي.. فكيف تريدينها أن تظل ثابتة ورابطة لجأشها حتى لا تتأزم حالتها؟.. كيف؟ .." آهة خافتة موجوعة تتصاعد من ثنايا قلبها المكلوم على ابنتها، فيعتصر الألم قلب نجاة أكثر فأكثر، لكنها تأبى إلا الصمود ومجابهة حالة اليأس والتشاؤم التي يخلقها الجميع من حول وفاء فتقول بيقين: " كل هذه الأمور سابقة لأوانها يا خالتي..بالله عليك ما قلته هو بناء على تشخيص الطبيبة المبدئي ولا يجب الأخذ به..سنذهب لطبيب ثانٍ وثالث لنتأكد، ربما لن يكون هناك استئصال للثدي، فتوقفي عن تهويل الأمور بهذا الشكل.. الموقف لا يحتمل.. صدقًا لا يحتمل.. لن يرضينا أن تتأزم وفاء أكثر من هذا.. علينا مساندتها والوقوف صامدين مشجعين لها ولا نتخاذل الآن..هي تحتاج أن ترانا صامدين لتستمد قوتها منّا وتقاوم، ولا تحتاج لدموعنا وهواننا المستسلم.." ترفع السيدة لطيفة عيناها نحوها وقد زارها الأمل من جديد لتسألها برجاء: " أهذا صحيح يا نجاة؟ هل يمكن أن تكون نسبة استئصال الثدي قليلة كما تقولين؟" " بإذن الله خالتي، الورم صغير ولا يعقل أن يكون قد تجاوز المرحلة الأولى، الطب متقدم جدًا لقد بات استئصال الثدي آخر الخيارات التي يعتمدها الأطباء للعلاج من المرض، لن نيأس أو نستسلم، سنبذل كل جهودنا من أجل بثّ الأمل لنفس وفاء وإيصال أن علاجها وشفاءها من المرض أمر محتوم..أين هي وفاء الآن؟" " هي في غرفتها لم تغادرها إلا لمامًا، حتى الطعام تأكله تحت إلحاح منّا واصرار كبير، ادخلي إليها يا نجاة وحاولي بث الأمل إلى نفسها ربما تستمع لك.." تتنهد نجاة بتعب وتستغفر ربها.. الموقف يفوق طاقتها لكنها لا تملك إلا الوقوف مجابهة لكل بادرة يأس أو قنوط قد تبدر من جانب وفاء وعائلتها، فلن تتخلى عنها الآن وهي في أشد حالاتها حاجة إليها.. تدخل إلى الغرفة وهي تستعد جيدًا وقد جهزت نفسها لكل حالات الانهيار المحتملة التي قد تقابلها من جهة وفاء، تقف قليلًا عند الباب ترسم استياءً وامتعاضًا على ملامحها وعيناها تطالعان هيئة الغرفة الغارقة في ظلام دامس لا يكاد يتراءى لها شيء، بينما تتدثر ساكنتها في أغطية السرير مستلقية على جانبها الأيمن تولي ظهرها لكل شيء من حولها، والصمت الخانق يحوم من حولها ويزيد من حالتها الكئيبة البائسة.. تزفر بتعب وهي تتقدم تاركةً الباب مفتوحًا لتتنفس الغرفة قليلًا، ودون كلمة تتجه إلى النافذة بعزم وتصميم تزيح الستائر الثقيلة عنها وتفتحها تحت اعتراض وفاء وتذمرها ببضع همهمات مخنوقة غير مفهومة لم تأبه لها، تابعت عملها لتغرق الغرفة في أشعة الشمس وتشع نورًا بعد ظلام خانق، وانتقلت إليها تنفضها من فراشها وترمي الاغطية على الأرض، وهي تهدر بحنق وسخط عارمين عبرّا عن نفاذ صبرها: " هذا يكفي، ما هذا المأتم وحالة البؤس اللذيْن تقيمينهما؟ هل أنت أول امرأة تصاب بهذا المرض؟ كيف تريدين أن تتعافي منه وأنت تعطينه الفرصة ليرسخ جذوره ويتفشى بحالتك المحطمة هذه؟ هو يتغذى على ضعف إيمانك وانهيار نفسيتك، وعليك محاربته وعدم السماح له بنيل ما يصبو إليه منك.." لم تتوقف -بين كل جملة وأخرى- عن دفعها وحثّها على الانتفاضة والتحرك من مكانها حيث كانت لابثة بخنوع واستسلام مدمرين، وهالها منظر وجهها كيف بات بعد يومين من البكاء.. أين ذهبت وفاء بملامحها المشرقة والحيوية؟ من هذا الكائن التعيس والكئيب الماثل أمامها؟ هي لا تكاد تتعرف عليها.. تراقب تحركها الرتيب وهي تبحث عن الأغطية لتجرّها إليها وتعود لوضعيتها السابقة، لكن نجاة تقف لها بالمرصاد وتسحبها منها وترميها على الارض مجددًا، ثم تقف محتدّة تجابهها بنظراتها المتحدية والعنيدة تبادل نظرات وفاء الحانقة من تصرفها.. لحظة صمت وترقّب بين الطرفين قطعته وفاء أخيرًا، متمتمة بنبرة استسلام مهتز شابت صوتها وعبرت عنها بتنهيدة يائسة: " ماذا تريدين يا نجاة؟ رجاءً اتركيني بحالي.. يكفيني ما أنا فيه.." " وما هذا الذي أنت فيه؟ هاه؟ أخبريني؟ هل تنوين الاعتكاف في غرفتك ما تبقى من عمرك؟ هل هذه هي روح النضال والمقاومة اللذين عهدتك بهما يا وفاء؟ أين ذهب إيمانك وصمودك؟ ما هذا الخنوع والاستسلام اللذيْن تجسدينهما بـ إتقان أمامي؟ هل فقدت يقينك بالله وعدله عند أول اختبار يقابلك؟ ماذا تركت لضعاف النفوس بفعلك الجاحد هذا؟" سيل من الكلمات تنزل عليها كصفعات تعيدها لوعيها، بينما تقف نجاة أمامها بكل عنفوانها وحزمها تلقنها وتذكرها ما نسيته.. كيف فقدت أملها بالله بهذا الشكل؟ كيف جرؤت على التفكير -بلحظة ضعف- أن الله يعاقبها؟.. على ماذا يعاقبها؟ هل يجوز للإنسان أن ينسى كل نعم الله التي غلّفته لمجرد وقوفه أمام اختبار يختبر الله فيه إيمانه ويقينه بقدرته وقوة عظمته؟ من ابتلاها بهذا المرض أليس هو القادر المقتدر على أن يشفيها منه؟ أليس هو من قال للشيء كن فيكون؟ فكيف بها إذن أن تيأس وتستسلم لوساوس شيطانية استغلت لحظات ضعفها لتجعلها تكفر بخالقها؟.. عند هذه النقطة انهارت النفس وأجهشت وفاء بالبكاء بحرقة تذرف دموعها مدرارًا، علّها تغسل بها آثامًا وخطايا ارتكبتها بينها وبين نفسها، تتشبث بحبل الله بكل ما أوتيت من قوة حتى لا تضيع.. تحتضنها نجاة تواسيها وتخفف عنها بينما كانت هي تختض وتنتفض، وعظم ما ارتكبته من ذنب ينشر الرهبة في النفس خوفًا من خالقها.. *** بعد ساعة كانت وفاء تجلس على سريرها بعد أن أخذت حمامًا أعاد الاسترخاء إلى جسمها وارتدت ثيابها، بينما جلست نجاة أمامها تسألها بإيجاز: " والآن ماذا؟" ترفع عينيها إليها وسؤالها لا يجد الإجابة لديها لتقول بمسايرة: " لا أعرف.. أنت أخبريني" وسؤالها المرتدّ وجد الصدى الطيب لدى نجاة وكأنها كانت تنتظره إجابة لسؤالها هي، فتأخذ وقتها تتنفس عميقًا قبل أن تبدأ بالقول بهدوء واتزان: " لقد قمت ببحث طويل حتى عثرت على أكفأ طبيب أورام في المدينة كلها، وقمت بالحجز لديه وغدًا سنذهب لزيارته " أومأت وفاء برأسها بطاعة واستسلام تاركة لها تولي زمام الأمور، لتقول لها نجاة بتشجيع: " اتصلي بمراد ليكون معنا، هذا سيساعد نفسيتك لتتحسن " "مراد.." همسة خافتة باسمه تعقب بها على اقتراحها، ثم تحركت عيناها بآلية نحو هاتفها الملقى بجانب الفراش على المنضدة، ونظرة غير مفهومة مرتسمة فيهما بينما تضيف بخفوت: " هاتفه مغلق.. لم يبعث لي شيئًا اليوم.. آخر رسالة منه كانت ليلة الأمس" تتجاهل نجاة كل ذلك لتلتقط الهاتف تمده نحوها وهي تحثّها على إعادة الكرة: " اتصلي بالبيت إذن أو إحدى شقيقاته، ألا تملكين رقمها؟" " بلى.." تجيبها بتردّد لم تأبه له نجاة وهي تلتقط كفّها لتدس الهاتف فيها قائلة بحزم واصرار: " اتصلي بها إذن واسأليها عنه، هو خطيبك وقريبًا سيصبح زوجك.." تراقب وفاء التصميم الجاد في عينيها قبل أن تزفر أنفاسها باستسلام وتبدأ بالنقر على الهاتف تبحث عن اسم معين مسجل عندها، مرّرت الاتصال إليه وهي لا تزال متردّدة، فهي لم تحادث أيًّا من شقيقاته من قبل إلا مرة أو مرتين، ولم تكن تجمعها بهن أية صداقة بالرغم من تلك العلاقة التي جمعتها مع شقيقهن.. " ماذا حدث؟ هل هاتفها مغلق أيضًا؟" تسألها نجاة بعد عدة لحظات من الانتظار ويد وفاء الممسكة بالهاتف تنزلق من أذنها لحجرها بينما تهز برأسها نفيًا: " لا ترد.." عندها خطفت نجاة الهاتف من يدها تجرب بنفسها معاودة الاتصال، يصلها الرنين في الجهة الثانية قبل أن يقطع الاتصال فجأة، لتتسع عينا نجاة ذهولًا وهي تهمس بغير تصديق: "الوقحة.. لقد أغلقت الخط في وجهي.." وهذا لم يدفعها للاستسلام بل أعادت المحاولة، ولم تلبث أن انفتح الخط لتعطيه بسرعة لوفاء تشير لها بالتحدث.. "مرحبا سميرة.. كيف حالك؟" صمت قصير ثقيل في الجهة المقابلة قبل أن ترد سميرة بفتور: " بخير.. كيف حالك أنت؟ أخبرنا مراد بما أصابك.. الكل يدعو لك بالشفاء" ترمش وفاء بعبوس وهي تحمحم تجلي حلقها وتتخلص من غصة لا تكاد تفارقه بينما تهمس: " شكرًا.. عافاك الله من كل سوء" تصمت فتصمت سميرة أيضًا ويحتل الجو شحنات متوترة اجتاحت نفس وفاء، قبل أن تقول باندفاع وشجاعة قبل أن تجبُن مجددًا: " أتصل بك لأسألك عن مراد.. هل هو بخير؟ هاتفه مغلق.." صمت مريب في الجهة الثانية تبعه شعور سيء أرسل ذبذبات سلبية في النفس.. " هل ما زلت معي سميرة؟" " ألم يخبرك؟" " يخبرني بماذا؟" الذبذبات تتزايد بوتيرة مقلقة والترقب سيد الموقف في انتظار شيء لم يبدو على صوتها أبدًا أنه خيرًا.. تنفض سميرة عنها عبء ما يحدث وترفض حمل وزره، بينما ترد عليها بإيجاز واختصار: " مراد مسافر خارج المدينة" " كيف..مسافر؟..لم يخبرني" كلمات مشتّتة ضائعة انسابت من بين شفتيها بضعف، بينما تنظر لنجاة باستجداء لدعم تفتقده.. زفرة نافذة للصبر ربما -أو ضجرة- تصلها من جهة سميرة وهي ترد تنهي الاتصال بسرعة: " والدتي في طريقها إليكم لتخبركم، ليس لدي ما أخبرك به أنا.." ثم أقفلت الخط سريعًا قبل أن تتلقّى أي اعتراض من وفاء، التي بهتت وتشتّت تركيزها غير مستوعبة، وقبل أن تسألها نجاة أي شيء وصلهما صوت جرس الباب يصدح في صحن الدار، لتقفز وفاء من فوق الفراش تهتف بتيه: " لابد أنها والدة مراد، لقد قالت أنها في طريقها إلى هنا..سأذهب لأسألها عنه.." غباء وعدم فهم استولى على نجاة وهي لا تعرف بعد ما أخبرتها به سميرة، لكنها قفزت خلفها تعترض طريقها وتمنعها التسرع وهي تحثّها قائلة: " على رسلك يا وفاء، دعي والدتك ترحب بها أولًا وتقدم لها واجب ضيافتها، تصرفك هذا لا يجوز.." تطالعها وفاء بعيونها الزائغة والمشتّتة قبل أن تكمل طريقها كأنها لم تسمع ما قالته، لتتوقف أعلى الدرج وصوت والدتها يصلها من الأسفل يحمل نبرة مقلقة لها فلم تكن على طبيعتها: " لا يجوز أن تقفي عند الباب هكذا، لابد أن تدخلي يا أم مراد" صمت قصير شابته زفرة حانقة فاقدة للصبر من جهة الضيفة، وهي ترد بنبرة حملت استهانة مطلقة مقيتة: " لا داعي لدخولي، ما جئت من أجله لن يأخذ وقتًا طويلًا..لقد بعثني مراد لأستردّ مصوغات الخطبة وأخبركم أن كل شيء قسمة ونصيب، وإن شاء الله يعوض ابنتكم بشخص آخر يقدرها، فـ مراد لا يزال غير جاهز للزواج" صمت مهيب غاصت به أركان الدار بينما تسمّرت قدما وفاء وتخشّب جسدها مكانه، واذناها لا يستوعبان صدق ما سمعته.. شهقة خافتة تخترقها من الخلف حاولت نجاة -محاولة متأخرة- أن تكتمها بيدها وعيناها تجحظان بصدمة، أثبتت لها حقيقة ما تعايشه اللحظة وأنها لا تتوهم.. برودة مثلجة تسلّلت إلى أطرافها بينما يتهاوى شيء بداخلها، وصوت دويّه صمّ أذنيها معلنًا عن تحطم وانكسار لا يمكن جبره.. " أية مصوغات يا أم مراد؟ لقد كان مجرد حلقة خاتم هي كل ما جاد بها ابنكم لـ ابنتنا وقد رضينا به، لأننا أبناء كرم وجود ولم يغرِنا أبدًا بهرج الذهب ولا لمعانه الخادع " صوت والدتها يصلها يحمل انتفاضة متداركة تحفظ به ما تبقى من كرامة مهدورة، وسكين الغدر تنغرس في الظهر وتعيث فيه الجروح والأوجاع وتدميه.. " ابنك لم يكن جاهزًا للزواج منذ البداية، ولكن تربيتنا وأصلنا الكريم لم يسمحا لنا بالتجبر على من هم أقل منا رفعة، وتنازلنا تواضعًا من أجل ابنتنا، ولكن كما يقول المثل: إذا أكرمت اللئيم تجبر.." لم تشعر بذراع نجاة التي طوّقتها من الأمام كدرع لها مخافة انهيارها على الدرج أمامها، وقد بدأت الأرض تميد بها وفقدت القدرة على الشعور بما حولها حتى لم تشعر بتمايلها وترنّحها كأنما ستصاب بالدوار وتقع أرضًا، كل شيء اختفى وجوده من حولها ما عدا الأصوات في الأسفل، لا تزال تخترق أسماعها وتغرز سكاكين ثلمة في روحها.. صوت أم مراد المستهين والمنتفض يعلو بنبرة فاحت شرًّا وحبًّا للأذى، وقد مسّت تلك الإهانة التي تلقتها كبرياءها وغرورها لتقول بلؤم وسفاهة: " ابنتك الكريمة لم تجد من يعبّرها وينظر إليها وقد شارفت على الثلاثين، لهذا لم تجد أمامها إلا التشبّث بولدي كمن يتشبّث بالقشة من الغرق، وكانت مجبرة على التنازل..وبعد ما أصابها والمرض الخبيث قد استحكم في جسدها، لابد ستتشبّث به أكثر من أي وقت مضى..لكن ابني وحيدي لن يرضى أن يتزوج بنصف امرأة وقد فقدت جزءًا من جسدها وباتت مشوهة" آهة مغتصبة تصدر عن وفاء وكأنما تلقّت توًّا سكينًا أجهز على روحها، بينما جحظت عيناها بنظرات مفجوعة متألمة.. إلى أي مدى يمكن أن يصل الشر بالإنسان ليتسبب بالأذى لغيره؟ هل فرغت قلوب البشر من الرحمة؟ " أيتها الشمطاء اللئيمة .." تهمس نجاة بوعيد وغِلّ من بين أسنانها، بينما يعلو صوت السيدة لطيفة بنبرته الحازمة و الرادعة فوق نبرة غريمتها تضع حدودًا لها: " هذا يكفي، ابنك بظفر ابنتي ولا يشرفنا أن يختلط عرقنا الكريم والأصيل بعرق يحمل الغدر والخيانة في أصله، لقد أظهركم الله على حقيقتكم قبل أن تتطور الأمور وتتحول إلى زواج، ماذا تركتم لـ أولاد الشوارع والحثالى عديمي الأصل؟ عند أول أزمة تظهرون خسّتكم ونذالتكم وتنسون المعروف..أهكذا تصان بنات الناس في بيوتكم؟..هل كنتم تنوون رميها بعد أن تنالوا من شبابها وصحتها؟ أهذه هي مكارم الأخلاق عندكم؟ خسئتم وخسئ أصلكم.." تحاول المرأة قول شيء وقد احتقن وجهها سخطًا وغضبًا من كمية الإهانات التي تلقّتها، لتسكتها السيدة لطيفة بإشارة من يدها مهدّدة متوعّدة: " أبقي لسانك داخل فمك يا امرأة ولا تدفعيني للتخلي عن لباقتي معك، أنت في بيتي فـ احترمي حرمته ولملمي ما تبقى من كرامتك واخرجي..أغراضك ستصلك وأنت خارج بيتي.. فلا يشرفني أن تطأ قدم من هم عديمي المروءة والأصل أرضيته.." أتبعت كلامها بإشارة من يدها نحو الباب وعيناها ترسلان نظرات قوية حازمة لا تناقش.. تزم المرأة شفتيها غيظًا وكمدًا وقد نالها ما جاءت لتتسبّب به لهم..بينما اندفعت السيدة لطيفة تحركها حميّتها وغيرتها على ابنتها، تعطيها قوة وحافزًا للدفاع بشراسة عنها، ولم تشعر إلا وهي تتخلى عن لباقتها ولطفها المعروفة بهما وتدفع المرأة بازدراء نحو الباب، فمن مثلها لا يجوز التّصرف معهم إلا بقلة احترام وفظاظة، ثم صفقت الباب بقوة خلفها ووقفت للحظة خلفه تسترجع أنفاسها، قبل أن تندفع بتصميم جاد وجسدها المعتل قد نفض عنه وهنه، ليهبّ دفاعًا عن فلذة كبدها من أوغاد افترسوها لحمًا وسيرمونها عظمًا، ولابد من الوقوف صامدة أمام كل ما يحدث معها حتى تبثّ القوة إليها.. وكأن الفتاة ينقصها الوجع ليتكالب عليها الأوغاد ويحطموا عزيمتها أكثر مما هي محطمة.. ترتقي الدرجات وزفراتها الحانقة تسبقها، لتتوقف مسمرة مكانها وهي ترى مشهد ابنتها أعلى السلم تقف جامدة مبهوتة ووجهها قد ازداد شحوبًا عكس صدمة متجلية، أخبرتها يقينًا بأنها قد سمعت كل كلمة قيلت في الأسفل.. تبادلت النظرات مع نجاة التي أكدت لها بدورها من خلال الصدمة والذهول على ملامحها.. تتحرك وفاء من مكانها مبتعدة تناضل ضد انهيار يهدّد وقفتها الصامدة صمودًا واهيًا، لتناديها والدتها بقلق فتتوقف للحظة تقول بخفوت دون أن تلتفت: " سوف أحضر الخاتم.." ثلاث كلمات بنبرة انكسار وانهزام كخناجر انغرست في قلب والدتها ونجاة، ثم تابعت سيرها تاركة إياهما تبتلعان غصة مستحكمة في الحلق تخنقهما وتنبع لها دموعهما المسْتحية من الظهور.. عادت بعد لحظات تحمل العلبة المخملية الثمينة لقلبها تمدها إلى والدتها كأنها تنتزع قلبها معها، فتلتقطها نجاة عوضًا عنها وهي تهمس بوعيد وتهديد: " سوف أرميها لها أنا يا خالتي، لا يجوز أن تنزلي لمستواها المنحط" تركتهما وفاء مجددًا دون كلمة وانسحبت تختبئ في غرفتها، بينما نهبت نجاة الدرجات والشر المعتمل في صدرها يؤزها للتصرف بسفالة ونذالة لكن تربيتها تمنعها، فتلك المرأة تستحق صفعة بل صفعات متتالية على وجهها وركلات على مؤخرتها.. فتحت الباب بعنف لتطالعها وقفة تلك المرأة بوقاحة مثيرة للاشمئزاز، وقبل أن ترمي لها بالعلبة قالت لها بثقة: " وفاء ستتعافى من مرضها ولن تفقد أي جزء من جسدها، ولن تكون مشوهة كما تصفين، لأن المشوهة الوحيدة هنا هي أنت بروحك الشريرة المحبة للأذى، وابنك لم يكن يستحقّ فتاة ذات أصل كريم وطيب كوفاء، فالرجال تظهر مروءتهم عند الشدائد، وحاشا لله أن يكون هو رجلًا.. فالرجولة بريئة منه .." ختمت كلماتها اللاذعة وهي تقذف العلبة في وجهها ثم تقف بتحدّ تتمنى فقط أن تحاول فعل شيء ترد به اعتبارها لتعطيها ما تستحق.. تراقب باستهانة وتحقير كيف تنحني لتلتقط العلبة كأنها كنز ثمين، وتتشبث به كأنها لم تصدق أنها قد حصلت عليها وبريق الانتصار المخزي والمثير للشفقة يومض في عينيها، فتلوي نجاة وجهها باشمئزاز قبل أن تبصق على الأرض بتقزز ثم ترتد على أدبارها وتدخل وهي تصفق الباب خلفها بقوة. *** في اليوم التالي.. ببطء وبتركيز مشتّت يحاول أن يركن سيارته أمام البيت، بينما تتوالى زفراته الحانقة وملامحه تكسوها مسحة تكدر قاتمة تعكر صفحتها، رأسه يضج بهواجس كثيرة بينما تعصف بصدره مشاعر متضاربة مقيتة يكرهها، يحس على إثرها بالعجز وبالدونية من نفسه.. يدفع الباب بنزق ويخرج لتستقبله صفعة برد لفحت وجهه وعصفت بقميصه الخفيف ونشرت صقيعها عبر أوصاله .. يغلق الباب ويتأكد من إقفاله جيدًا ثم يستدير ليصطدم بكتلة بشرية ضخمة أرسلت رهبة لحظية إلى نفسه، قبل أن يتعرف على جابر بطوله وضخامته التي تطغى عليه.. يزداد تكدر ملامحه بينما تطالعه عينا جابر بنظراتهما الحادة والجسورة بمهابة، ووجهه المتصلب كأنه قد قُدّ من حجر بينما يقول بنبرة تهديد خطيرة: " هل تخبرني كيف ستصلح ما تسببت به والدتك المحترمة من أذى لبيت خالي؟" تتراقص عينا مراد إحفالًا وذلك الشر النابض من عيني غريمه أمامه ينشر رهبة وتوجسًا في نفسه.. صمت مريب من قبل مراد جعل الشك يتصاعد في نفس جابر، وهو الذي كان لا يزال يحاول ردع نفسه عن التهور والبدء بالشر، يعطي لمن أمامه مساحته لـ إثبات براءته قبل محاسبته، لكن هذا الهدوء الفاتر الذي يبديه وعدم تفاجئه يجعله يشك ويؤز شياطينه لتنهض من مرقدها.. " اسمعني جيدًا.. لازلت أحاول تصديق أن ما فعلته والدتك كان تصرفًا نابعًا منها هي فقط.. دون أن ترجع لك أو تخبرك بما نوت فعله، لهذا أثبت لي أنك رجل وانتفض لكرامة خطيبتك التي داست عليها وسحقتها دون رحمة، كما يفترض بأي شهم ذو نخوة أن يفعل" نبرته المنذرة بالشر يحاول تحميلها الحلم والتريث حتى لا يتهور، رغم أن جسده كله ينتفض بشحنات متتالية منفعلة تجعله على شفير الانجراف لـ ارتكاب أفظع الجرائم.. النِّدية والتنافس منذ أمد بعيد كانت تجمعهما معًا وهي لم تخفت في هذه اللحظة، غير أن المواقف تغيرت وبات جابر هو المتفوق عليه، بينما يكتنف مراد شعور لا يتحكم به، يجعله يبدو ضئيلًا مهانًا أمام نظرات الاتهام الموجهة إليه.. " اسمعني جابر.." حاول مراد التحلي بالصبر ومحاولة شرح موقفه، لكن جابر المندفع لم يمنحه الفرصة وحميّته وغيرته على ابنة خاله تحركه للدفاع عنها، لاغية كل تعقل ورافضة سماع أي تبريرات أو مناورات لـ إعطاء ما حصل صورة غير التي يراه بها، فينقض عليه يمسكه من خناقه هامسًا من بين أسنانه بتهديد وشر: " أخبرني أنك لم تكن تعلم ولم تكن تنوي فسخ خطبتك من وفاء..تكلم أيها الوغد" يتلقى مراد هجومه بهجوم مماثل فينقض عليه بدوره قائلًا بـ اندفاع أهوج وسفاهة خرقاء: " ماذا كنت تنتظر مني أن أفعل؟ أنا لست قديسًا أو ملاك..وفاء أمامها سنوات من العلاج وطريقها طويل ولا يزال في بدايته..ذاك الارتباط لن يصمد طويلًا" تبهت ملامح جابر فجأة وما يلفظه فم هذا الكائن أمامه من جحود ونكران للجميل يوقعه في حيرة من أمره.. تشتد قبضتاه على خناقه وهو يهزه بعنف كأنما يبتغي أن يستفيق من هذره أو من غفلة مريضة تستولي عليه: " لا أحد ينتظر منك شيئًا أيها الوغد، بل هذا ما كان يفترض بك أن تفعل.. كما انتظرتك طيلة السنوات الماضية ورافقتك في طريقك الطويل، كان يفترض بك أن تبادلها التضحية والإيثار بفعل مماثل وتنتظرها وتساندها.. هل ستمنّ علينا إذا تصرفت بمروءتك وشهامتك اللتين تفتقدهما؟" " ثم ماذا بعد كل هذا؟ أخبرني..هل تنسى أن هناك عملية استئصال ستجريها ستتركها مشوهة؟ إن تركتها الآن أو فيما بعد.. هل سيشكل هذا فرقًا؟ ستتدمر نفسيتها بعد العملية ولن تكون رجولة مني أن أحطمها بتخليي عنها" ذهول محدق يسيطر على ملامح جابر وقد اتسعت عيناه بعدم استيعاب.. لا يصدق النذالة والخسة التي تحدث بهما.. وقاحة فجّة تنبض من عينيه يتشبث بصفاقة بموقف الحق وهو بريء منه.. ألهذه الدرجة تنحدر أخلاق الإنسان؟ ألم يكن يرى فيها إلا جسدًا يطمح لأن يشبع فيه شهوانيته الحيوانية المقرفة؟ ماذا عن الحب؟ ألم يحبها يومًا كما كان يوهمها؟.. أنفاسه تتحشرج في صدره تخنقه، وغضب أسود يزحف إلى نفسه ليحوله في ثانية واحدة إلى وحش كاسر مرعب مستعد لتحطيم كل شيء أمامه، وفي ذات اللحظة كان يرتدّ برأسه للخلف وبكل قوة يهوي بها على جبين غريمه وأنفه ينطحه مسبّبًا ارتجاجًا دماغيًا له، ويدعمها بلكمة من قبضته بثّها كل مخزون الغضب والغلّ اللذيْن سبّبتهما نذالته وقلّة أصله.. " وهل ما زلت تحسب نفسك من الرجال أيها الدنيء؟ الرجولة بريئة منك ومن أمثالك عديمي النخوة والمروءة.. قبح الله وجهك وأنزل بك لعناته" يترنح الوغد أمامه بينما يده ترتفع لتتحسّس السائل الأحمر المتدفق من أنفه معلنًا عن تهشمه، ولم يكن هناك مجال لرد الضربة وقد أُخذ على حين غرة، وبنية وجسارة جابر ستقفان حائلًا بين تكافئ الفرص بينهما.. بينما كان جابر يضيف باحتقار واشمئزاز كبيرين: " لم تخيّب نظرتي بك، لطالما شعرتك خسيسًا ونذلًا والغدر يطل من عينيك، ولم تكن تستحق وفاء، لم تكن أهلًا لها، كنتَ متأكدًا من وفائها لك فأمعنت في تقييدها بك مماطلًا تحت ذريعة واهية وحجج والدتك غير المقنعة والتي لا تنتهي..هي لم تكن موافقة منذ البداية على ارتباطك بها، لكنك نذل عديم الشخصية، لم تحاول الوقوف في وجهها وإثبات أحقيتك باختيار من سترتبط بها، وفي نفس الوقت أنانيتك ترفض منحها حريتها.. أي وغد خسيس أنت لتستغل ضعفها تجاهك؟.." احساس بالضآلة والمهانة يكتنفه وكلمات جابر ترشقه في الصميم، تصيب أهدافًا حاول مواراتها وعدم إظهارها سابقًا، وها هو يقف موقف المذلول المكسور أمام غريم لطالما شعره متفوقًا عليه في كل شيء، إلا في شيء واحد.. حب وفاء له.. كان حبًّا خالصًا له هو وحده.. لهذا كان يرى الغيرة والحسد المريرين في عيني غريمه جابر فينتشي بذلك الشعور الغامر بالنصر والتفوق .. يبصق الدماء من فمه بينما تومض عيناه شرًا ليقول بتهور، باحثًا عن ثغرة ينفذ إليه منها ليؤذيه كما آذاه: " من السهل جدًا أن تقف أمامي متقمصًا دور الرجولة والمروءة، فأنت لست في نفس موقفي.. ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني؟ لقد تركت لك الساحة خالية.. لِم لا تحاول الوصول إلى ما عجزت عن الوصول إليه سابقـ..؟ " لم يستطع أن يكمل بقية كلماته عندما حطّت قبضة جابر مرة أخرى على فكه، وقبل أن يتدارك الموقف كان يشده إليه ليوجه له الضربة القاضية تحت الحزام، تلوى على إثرها من الألم وخرّ راكعًا على ركبتيه وهو يضم ساقيه متوجعًا متأوهًا.. " هذه لتتعلم معنى الرجولة أيها الوغد البائس، لعنة الله عليك..بئس الذكور أنت" ثم انصرف عنه مترنحًا من الانفعال والغضب.. أنفاسه يشتد هديرها وشيء مؤلم يجثم على صدره يزيد من حنقه..بينما يتجمع شيء حارق في عينيه حمل كل قهر الدنيا وكمدها.. [/size]