الفصل والأخيير 14
الفصل الرابع عشر والأخير
بين عشية وضحاها، من الممكن أن تتغير الكثير من الأشياء!
تختل الموازين أو تعتدل، أو تكتشف أنك هنا لم تعد الصياد مطلقا، بل أصبحت الفريسة!
وبينما كانت فريسته لا تزال تغط في ثباتها، دخل الصياد الحقيقي إلى الغرفة التي تفوح من أركانها رائحة الفجور، يطالع كل ما حوله باشمئزاز ونفور، حتى هذا النائم كالأموات ولا يستر عريه سوى شرشف حريري.
قام بإزاحة الستائر وفتح النافذة حتى يتيح المجال لتلك الرائحة العطنة أن تتبخر ويتجدد الهواء بالغرفة، فيستطيع أن يتنفس. انتقى مقعدا في زواية بعيدة مقابلة للفراش.. ثم جلس عليه ينتظر صحوة الغافي أمامه.
بعد وقت قليل بدء عامر التململ في فراشه وهو يوشك على الاستيقاظ وقد غزت أشعة الشمس الغرفة وتسللت حرارتها إلى الداخل، تأوه بنبرة متألمة وهو يحاول تحريك ساقه المصابة، فآتاه صوت أجش متهكم يقول
-ما كان يجب أن تنهك نفسك إلى هذا الحد؛ خاصة مع إصابة ساقك!
انتفض عامر على صوت بكر، وقد ظن أنه يحلم لولا أن رأى هيئته الجاثمة أمامه على كرسي ليس ببعيد. همسة مرتجفة خرجت منه بهلع وهو يتفوه باسم "بكر" ثم راحت عيناه تبحث عن المرأة التي من المفترض أن تكون إلى جواره بالفراش، ولكنها غير وجودة.
-لا تبحث عنها، فقد انصرفت، ولكن لا تقلق.. حاسبتها قبل أن أصرفها!
قالها بكر وهو يسند ظهره للكرسي ويضع ساقا فوق الأخرى، بينما عامر يستقيم بجذعه على الفراش ويحكم الغطاء حول نصفه السفلي وهو يسأل بكر بحروف متلعثمة
- ماذا تفعل هنا يا بكر؟ وكيف دخلت من الأساس؟
ضحكة قصيرة جافة خرجت من بكر وهو يجيب عامر
-لا تقلق، لم أقتحم شقتك الفاخرة ولم أكسر بابها كما يصور لك خيالك الآن، بل فتحت لي من كانت معك، ودخلت أنا بكل هدوء وتحضر!
لم يعد عامر يحتمل تلك المراوغة، وهدوء بكر لا يطمئنه بل يزيده هلعا، فهتف بحدة وقد تحطمت أعصابه
-ما علاقتك بالمرأة التي كانت معي؟ هل... تعرفها؟
نهض بكر من مكانه مقتربا من الفراش المنكمش به عامر كقط مذعور، بلغه ثم رفع إحدى قدميه فوق حافة الفراش يطأه بحذائه، ثم ارتكن بمرفقه فوق ساقه المرفوعة وهو يقول بنبرة متسلية
-هل تعلم يا عامر لماذا لم أقتلك إلى الآن! لأن الموت سيوفر عليك عذاب الدنيا وينقلك سريعا لعذاب الآخرة، وأنا أريدك أن تتعذب حيا وميتا يا عامر!
ازدرد عامر ريقه بصعوبة وكأنه جمرة تسكن حلقه، فلم يقو على النطق بأي حرف، بينما راح بكر يتابع
-سألتني عن علاقتي بالمرأة التي كانت معك! أنا لا علاقة لي بها سوى أنها كانت طعما ألقيته لك، وأنت بدناوة مثيرة للاشمئزاز التقطه وتناولته دون حتى أن تهتم بالتأكد من صالحيته للتناول.
نهض عامر من الفراش بغضب وهو يحكم العطاء حول خصره، ثم هتف بحدة لم تخل من اضطراب
-ماذا تعني يا بكر.. أفصح دون مراوغة فلم أعد أحتمل!
-ألم تخبرك تلك الفاتنة قبل أن تسلم نفسها إليك أنها مصابة بمرض نقص المناعة أو دعني أكون أكثر إيضاحا.. مصابة (بالإيدز)!
جحظت عينا عامر، وللحظة كأن قلبه توقف عن ضخ الدماء بجسده فشعر ببرودة تجتاح كل خلاياه، وفي اللحظة الأخرى كان يتهاوى ساقطا على ركبتيه وقد انفك ستر الغطاء عنه وبقي عاريا تماما.
أزاح بكر وجهه لجهة معاكسة في نفور وهو يعتدل ثم توجه للنافذة يقف بمحاذاتها قائلا
-آه يا عامر، انظر ماذا فعلت بنفسك! هل شهوتك الدنيئة تستأهل أن تجازف بسلامتك إلى هذا الحد!
فجأة غامت عيني بكر بحقد أججته مرارة الذكرى، فخلع عنه عباءة الهدوء، وقد فرات الدماء بعروقه وهو يتوجه نحو عامر يقبض بأصابعه الغليظة على شعره فترتفع رأسه لتتلاقي الأعين ثم يهدر
-هل تعلم ما هو أسوء ما في الأمر يا عامر، ليس المرض في حد ذاته لأنه -وإن كنت لا تعلم- غير مميت وتستطيع أن تتعايش معه طالما كان في مراحله الأولى ولم تتدهور حالتك، بل الأسوء من ذلك أنك ستنبذ من قِبل كل من عرفتهم يوما، ستنبذ كجرذ أجرب، الجميع سيخشى مرضه المعدي. ما سيقتلك يا عامر ليس المرض، ولكن وصمة عاره التي ستطبق أصابعها حول عنقك ساحبة روحك النجسة ببطء وتمهل، أو ربما يفعلها أبيك ويضربك بالنار كالخيل المريضة، فيهديك ميتة سريعة لعله يتخلص من عارك إلى الأبد.
حرر بكر شعر عامر وهو ينهت من شدة الانفعال، بينما كان الأخير أمامه كخرقة بالية لا ينطق ولا يقاوم، فقط يرتجف جسده وتنهال دموعه في صمت.
اعتدل بكر في وقفته الشامخة أمام انكسار عامر الملقى عند قدميه، رمقه بكر من عل بترفع وهو يردف
-ومن جانبي، أعدك بأنني سأحرص على ألا يبقى مخلوق بهذا البلد لا يعرف بأمرك يا عامر يا ابن النعماني، وبهذا تكون أنت ورأس الأفعى أختك قد لاقيتما ما تستحقان حقا، وستتعفنان في عزلتكما حتى الموت دون أن يدري بكما أحد.
هنا همس عامر بصوت منهزم مستسلم لمصيره الأسود
-كنت أعلم أنك وراء ما حدث لحسناء.. كنت أعلم!
ضحكة هازئة ندت عن بكر وهو يختم المشهد بآخر قوله
-الجزاء من جنس العمل يا ابن النعماني، رغم أنه لا جزاء في هذه الدنيا يستطيع أن يطفئ نيران الحجيم المستعرة بقلبي.
أنهى جملته وهم بالمغادرة، فانكب عامر على ساقه يتشبث بها وهو يقول في توسل
-أرجوك اقتلني يا بكر.. اقتلني لأنني أجبن من أن أفعلها!
رمقه بكر من عليائه وهو يعلق باستهانة
-أنا قتلتك بالفعل يا عامر، ولكن بيدك لا بيدي!
.................................
(بعد أسبوعين)
بضعة أشهر مرت منذ تلك الحادثة المشئومة، تغيرت فيها حياته وحياة أبنائه بشكل مريع، لا لم تتغير.. بل انتهت!
هو أصبح من المغضوب عليهم ومهدد بالقتل من أكثر من جهة بعد أن تعثرت صفقاته واحدة تلو الأخرى معرضا أسماء لها وزنها للخطر، وضمانة حياته الوحيدة حاليا، ما يملكه عليهم ويلوح به مهددا سمعة الجميع.
وحسناء أصبحت وكأنها تعيش في عالم غير العالم، تهذي في صحوها وتزداد عليها الهلاوس، وفي نومها تتكالب عليها الكوابيس محولة غفوتها إلى صراع مرهق.
وأخيرا، عامر الذي كان القشة القاصمة لظهره، الطبيب يقول أن مرضه ليس خطيرا كما يعتقد الكثير، وأنه ليس معديا بالصورة التي يظنها الناس، وأن بإمكانه التعايش مع العلاجات بشكل طبيعي، ولكن بحذر.
وكيف ذلك والجميع أصبح ينفر منه بعد تسرُب نبأ مرضه للقاصي والداني، بل أن وصائل التواصل الاجتماعي وكأن لم يعد هناك سيرة تلوكها غير المرض الخطير المعدي الذي أصاب ابن رجل الأعمال الشهير منذر النعماني، وكأن ما يحمله هو الوباء الذي سيقضي على البشرية، حتى الخدم يعافونه ولا يقتربون من غرفته التي أصبحت زنزانته الانفرادية، لا هو يخرج منها، ولا أحد يدخلها عليه؛ لذلك قرر أن يودعه مصحا ليجد الاهتمام والرعاية المناسبة، وأيضا يتلقى دعما نفسيا يساعده على تخطي أزمته.
تحرك بتثاقل تجاه السلم ينوي الصعود لعامر، فربما استطاع تلك المرة أن يقنعه بأن يذهب معه طواعية للمصح؛ فلا يضطره لإحضار من يسوقه إلى هناك سوقا.
سُلمة عقب أخرى يصعدها بجهد جعلته يشعر أن الدرج لن ينتهي قبل أن ينقطع نفسه، ولكنه أخيرا وصل لتلك لمنطقة التي أصبحت محظورة لا يقربها أحد. رفع كفه المرتجفة يدق بها باب الغرفة قبل أن يفتحه، وبعد دقتين كان يدير المقبض فاتحا الباب لتقع عيناه على ما جعلهما تتسعان في هلع وصدمة؛ حيث كان هناك جسد ابنه يتدلى من سقف الغرفة برأس منكفئ، عيناه جاحظتان، ووجهه مكسو بزرقة الموت!
تجمدت قبضة منذر على مقبض الباب وهو متسمر بمكانه في غير قدرة على الحِراك، حتى صوته لم يسعفه بصرخة يطلقها يستجلب بها أي نوع من المساعدة، أو يعبر بها عن هول فجيعته، فقط تجمد هناك وكأنه تحول لتمثال من هلع، فقط قلبه من صرخ متحسرا على فلذة كبده الذي ذهب إلى غير رجعة، فبدأ يشعر بألم يجتاح صدره، وانحسرت أنفاسه فلم يعد قاردا على شهيقها أو زفيرها، وتلك البرودة التي تسللت لأطرافه، وألم يصيب ذراعه وكأن سكين ينغرز فيه.. فخر أخيرا معلنا استسلامه لتلك الأزمة القلبية التي ربما لا نجاة له منها.
........................................
(بعد بضعة أيام)
على عرش الخراب يجلس متربعا، بعد أن أتى على البنيان من القواعد فجعل عاليه سافله.
يملأ بضخامة جسده الكرسي الذي أصبح شاغرا من صاحبه، وقد انتهت اسطورة منذر النعماني، وحتى سلساله انقطع.
وبرغم كل ما يحمله قلبه من كره لتلك العائلة، فلن ينكر أن ضيقا أصابه لرؤيته للحال الذي بات عليه ذاك الرجل؛ قعيد على كرسي متحرك، وقد فقد قدرته على الحركة والكلام؛ ففي يوم من الأيام ذاك الرجل أكرمه واستأمنه على حياته وفتح له بيته، ولكن عزاءه الوحيد أنه ليس هو من بدأ بالغدر، وليس هو من لم يصن العشرة؛ بل هم من سلبوه روحه.. فسلب أرواحهم جميعا؛ فالعين بالعين والجروح قصاص.
ولكنه في فورة غضبه وقد أهمت عينيه غشاوة الانتقام، لم ينتبه إلى أنه خطا برجله داخل عش الدبابير رغبة في القضاء على أحدهم، ومن المؤكد أنه لن يخرج من بينهم سالما! فقد أصبح هو رجلهم الآن بدلا عن منذر النعماني؛ لأنه بطبيعة الحال يمتلك نصيبا كبيرا من أسهم الشركة، هذا بالإضافة للتفويض الذي أُجبر منذر على توقيعه لصالح بكر؛ أي أنه وبوصف أدق.. أصبح (منذرا نعمانيا) جديدا!
رنين هاتفه قطع أفكاره المضطربه ولكن الاسم الذي ظهر له جعل ابتسامة رائقة تغزو شفتيه، فأجاب وقد حملت نبرته ودا وشوقا
-علاء، لقد اشتقت إليك يا صديقي!
ولكن صوت علاء لم يجئ بذات الود بل حمل الكثير من العتاب وهو يقول
-كيف حالك يا سيد بكر! لقد علمت بكل ما حدث، هل حقا أخذت مكان منذر النعماني وستسير أعماله المشبوهة كأن شيئا لم يكن!؟
تنهد بكر وقد شعر أن كلمات صديقه كلطمات على وجهه، وأخيرا هتف في أسى
-علاء، أنت لا تعرف بماذا تورطت حتى أفعل ما وجب علي فعله!
احتدت نبرة علاء وهو يعقب على قول بكر
-بل أنت الذي لا يعرف أنه لم يكن عليك التورط بشيء، لأنه ما كان يجب عليك فعل شيء من الأساس!
اشتعل صوت بكر بنار الألم وهو يحاجج صديقه قائلا
-ماذا كنت تريدني أن أفعل! أن أتركهم يشربون دماء زوجتى في كؤوسهم الكريستالية، ويأكلون لحمها في أطباقهم الفاخرة!
ضغط نواجذه بقهر واختنق صوته هو يتابع
أنا ثأرت لعرضي وعرض زوجتى يا علاء، ولو كنت أستطيع أن أقتلهم بيدي واحدا واحدا وأشرب من دمائهم حتى أرتوي.. ما كنت تأخرت عن فعلها، ولكني تعلمت الدرس جيدا يا صديقي، والفضل يعود لعدالتكم العمياء.
صمت ران عليهم وقد نفدت الكلمات بينهما.. وبعد لحظات نطق علاء وصوته يغشاه الأسف
-للأسف يا سيد بكر نحن لا نصلح لأن نكون صديقين بعد اليوم؛ لأنه لا صداقة بين ضابط و... مجرم.
قالها وأغلق الهاتف، لتكون كلمته الأخيرة رصاصة أصابت قلب بكر وأردت صداقتهما إلى لأبد، ولكنه لا يسعه أن يلومه؛ فهو محق.
.........................................
في قفصها الأبيض تجلس حسناء على سريرها وقد ألصقت ظهرها بظهره تضم ساقيها إلى صدرها في وضع منغلق، وتحرك جذعها للأمام وللخلف بويترة ثابتة.
اليوم تمر بحالة من الهدوء، وعقلها يتشبث بصحوة مؤقتة تنتابه من حين إلى حين. وفور استيقاظها سألت عن بكر، وكأنها لا تعرف أو تتذكر سواه!
أخبروها أنه سوف يأتي إليها، وها هي تجلس في انتظاره، وقد طال بها الوقت أو هكذا بدا لها.. لا تستطيع أن تجزم بشيء.
فجأة انفتح باب الغرفة لتظهر من خلفه قامة بكر الفارعة ثم تتجلى هيئته المهيبة وهو يتقدم نحوها. للوهلة الأولى ارتجفت رهبة وانكمشت على نفسها، وكأنها لم تميزه سريعا، ولكن مع اقترابه، تهلل وجهها لرؤيته واسترخى جسدها، وعند وصوله إلى حافة سريرها نهضت بغتة نحوه تقطع المسافة الفاصلة بينهما ولكن طاقتها لم تسعفها تماما فسقطت على صدره متشبثة بعنقه، تلقفها ولكنه لم يسمح لها بطول العناق حيث فصلها بهدوء عن جسده ليعيدها إلى موضعها بالسرير.
وقف قبالتها يرمقها من عليائه واضعا كفيه بجيبي بنطاله، ومع حدة نظراته إليها أصابها بعض الارتباك وراحت بتلقائية تهندم من هيئة شعرها المبعثر، وتمسح على ملابسها للتأكد من نظافتها؛ فانفرجت شفتاه بنصف ابتسامة كانت أقرب للسخرية من أي شيء آخر، وبعد برهة من السكوت نطق سؤالا تلذذ بأحرفه
-كيف حالك هنا يا حسناء؟
رفعت وجهها الباهت إليه حيث تلاقت الأعين ثم قالت بتوسل
-أنا.. أنا لست بخير يا بكر! أرجوك أخرجني من هنا، أنا لم أعد أدري كم لبثت هنا من وقت ولكن ما أعرفه أنني لا أتحسن، بل أعتقد أن حالتي تسوء، فالكوابيس لا تفارق نومي و..و..و
اقترب منها قليلا مستفهما بعد تلجلجها في الحديث
-و ماذا حسناء.
همست وهي تتلفت حولها
-إنهم لا يزالون هنا يا بكر.. لم يغادروا. أراهم وأسمعهم وأنجو منهم كل مرة بصعوبة!
جلس على حافة السرير وهو يسأل باهتمام ساخر
-من تقصدين يا حسناء.. هل تقصدين الأطباء طاقم التمريض؟
تشبث بساعده وهي تجيب وصوتها بالكاد يسمع
-لا.. لا يا بكر، بل.. بل أقصد عامر، وأيضا ندى، وأبي، وحتى زوجي السابق.. كلهم يريدون قتلي يا بكر. وأنت.. أنت لم تعد تأتي، أم أنك تأتي ولا يسمحون لك برؤيتي؟
تركت يده لتعود تتقوقع على نفسها وهي تكمل هذيها
-أعلم أنهم هم أيضا لا يحبونني ويريدون أذيتي؛ لذلك يمنعوك عني حتى يضايقوني، فهم من دون سبب يعاملونني بفظافة وكأنهم لا يعلمون من أنا!
عادت تقترب منه وتتمسح فيه بنعومة وهي تهمس إليه
-بكر، لقد اشتقت إليك. لماذا لم تقبلني منذ أتيت؟ ألا تشتاق إليّ؟
همت بتقبيله، ولكنه أبعدها بقسوة ثم نهض عن الفراش مبتعدا وهو ينهرها قائلا
-ماذا تفعلين يا حسناء؟ هل جننت!
ثم فجأة بعد أن أنهى جملته ضحك بقوة وهو يردف
-حسنًا، أعلم أنك بالفعل قد فقدت عقلك، ولكن يبدو أن رغباتك المقززة لا تزال تتحكم بك!
سكت برهة يتابع زيغ نظراتها ثم تابع وهو يعاود وضع كفيه بجيبي بنطاله
-أحمل إليك أخبارا حلوة يا حسناء، أخبار ربما تطمئنك قليلا عزيزتي.
هي في الأصل ليست أخبارا جيدة تماما، ولكن بما أنك تجدين متعتك في شقاء الآخرين ومصائبهم، فأعتقد أن ما لدي سيكون مفرحا بالنسبة إليك!
تنهد بارتياح وهو يعاود اقترابه من حافة السرير مسترسلا بهدوء وراحة
-لقد مات عامر يا حسناء، أو بالأحرى انتحر.. شنق نفسه في وسط غرفته.
اتسعت عيناها بفزع ولاح بهما بعض الدمع ولكنها لم تنطق وكأن عقلها لا يسعفها في تقيم الموقف، وأمام صمتها تابع هو ولكن بنبرة أكثر قتامة ينضح القهر من أحرف كلماته
-ذات الغرفة التي انتهك وقتل زوجتي على فراشها! هل رأيت يا حسناء؛ دائما الجزاء يكون من جنس العمل.
تنهد مجددا في محاولة لإزاحة هذا العبء الثقيل عن صدره ثم أكمل
-ولكن هذا ليس كل شيء، فلدي مزيد من الأخبار؛ أباك أيضا لم يتحمل موت ولده الغالي فأصيب بأزمة قلبية، ولكن للأسف لم يمت، فقط أصيب بشلل وفقد النطق.. أصبح الآن يتحرك على كرسي متحرك، ويتحدث بهمهمات غير مفهومة!
اصطنع الأسى وهز رأسه يمنة ويسرة وهو يعلق
-آه لو رأيته يا حسناء، ستشعرين بالأسف حياله وتحزنين عليه كثيرا!
بدء جسدها في الارتجاف وأنين خافت يصدر عنها، وكأن جسدها يتفاعل مع ما يعجز عقلها عن التفاعل معه. قبض بكر على ذراعها بقسوة وهو يهتف بحدة
-لا ليس الآن يا حسناء، فأنا لم أنته بعد.. لا يزال لدي ما أخبرك به.
أولا سأجيب عن سؤالك الذي سألته منذ قليل. نعم يا حسناء، أنا لا أشتاق إليك، حتى أنني أبذل مجهودا رهيبا لأستطيع التواجد معك بمكان واحد، مما يعني أنه لا نية لدي لإخراجك من هنا مطلقا، فأنا سعيت كثيرا لأضعك بهذا المكان الذي تستحقينه، واعلمي أنك لن تخرجي من هنا إلا جثة لتؤنسي أخيك في جهنم؛ فطول بقائك هنا أوقصره يعتمد عليك يا حسناء.. لا علي، هل تفهمين عزيزتي!
نفض ذراعها بقوة فارتدت للخلف ليرتطم جسدها بظهر الفراش، وقد زاد ارتجافه وتشنج أطرافه، وعلا أنينها وبدت وكأنها ستنتابها حالة من الهيستيريا مجددا.
ابتعد عنها وأخذ ينظر إليها بتشف ريثما يهدأ انفعاله قليلا ثم ضغط زر استدعاء التمريض، وفور أن انفتح الباب بيدخل منه أحد الممرضين يحمل محقن بيده، انصرف بكر ليتركها لهم يفعلون بها ما يشاءون؛ فهو اليوم انتهى منها، ولن يأتي إلى هنا مرة أخرى إلا ليتسلم جثتها.
.........................
بخطوات زاحفة كأنما يجر قدميه جرا، يشعر أن روحه مثقلة بالكثير من الهموم والأوزار، فلا يساع جسده مهما بلغت ضخامته أن يتحمل ثقلها بين جنباته.
كان يظن أن هذه النار ستبرد، وأن هذا الألم الذي يفتك بقلبه سيتوقف حالما يأخذ بثأره وثأر زوجته؛ ولكن لا النار انطفأت ولا الألم توقف بل أن كلاهما يزداد استعارا مع كل نفس يتنفسه.
بعد بضعة أمتار بذل في سيرها مجهودا مضنيا، توقف متنهدا كأنه وصل إلى نهاية الطريق، بل إلى نهاية كل شيء!
أمام القبور الثلاثة وقف وحيدا يطالع شواهدها بمدادها الأسود الأنيق الذي يخبر عن ساكنيها. مر بأصابع كفه فوق اسم الشاهد الأول الذي كان لوالدته، وكم اشتاق لصدرها الحنون وضمته التي كانت تنفض عنه عناء اليوم كله عندما يعود ليلا مرهقا وقد كتب له عمر جديد، تضمه إليها بحنان لا يضاهي مذاقه أي شيء آخر، ثم يسمعها تتمتم حمدا لله على سلامته، ثم ترجوه أن يترك عمله المحفوف بالمخاطر ذاك حتى لا ينخلع قلبها عليه كلما غادر صباحا، وتمضي يومها كله تدعو الله أن يعيده إليها سالما.
ابتسم في مراراة وهو يزيح نثار الغبار من فوق سطح الضريح ثم همس إليها ساخرا
-كم أنت صالحة يا أم بكر؛ فدعوتك أثرها ممتد، وأنا لا أزال أعود سالما، ولكن...
فاضت نبرته بقهر وهو يكمل
ولكن، لم يعد هناك من أعود إليه يا أمي! يا ليتك ما كنت مستجابة الدعاء إلى هذا الحد!
نهض مترنحا من أثر ثمالة الألم، وعند الضريح الثاني واصل هذيه أمام أحرف اسمها القليلة تماما كسنوات عمرها. للحظة ظن أنه سمع صوت ضحكتها الطفولية، فأغمض عينيه بألم وراح يستدعي من ذاكرته كل المواقف التي كانت بينهما، صوتها المليء بالحياة، حركاتها المشاغبة، عيناها البريئة بالرغم من شقاوة نظراتهما. كان كل ما في آيته ينضح بالحياة، فكيف تكون الآن حفنة من تراب في جوف هذا القبر الكئيب!
هنا خانته عيناه فنزفت دمعا يحرق في مجراه الروح قبل الجلد، وخرج اسمها من بين شفتيه بغضب عاجز، ثلاثة أحرف لا غير كانت تحمل كل القهر الذي يموج بداخله كسيل بركاني يحيل جوفه لسعير لا ينطفئ.
وعند الضريح الثالث خر خائر القوى كجبل دُك من علاه، الخزي يصهره وهو يَمثُل أمام آخر ضحاياه؛ قطرة الندى، تلك التي حاولت بصبرها أن تروي جفاف أوراق ما تبقى من عمره، ولكن لم تلق منه إلا أشواكا تجرحها كلما حاولت الاقتراب، وماذا تجدي قطرة ندى مع أشواك وعلقم الصبار!
خرج صوته من بئر ندم سحيق القرار، وبكلمات ترتجف أحرفها همس
-ندى، الآن يمكنك أن ترتاحي حيثما أنت، لقد أخذت بثأرك من الجميع كما وعدتك.. ولم يبق سواي! فقط لو أعلم كيف أثأر لك مني.. لفعلتها مهما تطلب الأمر.
ضم جسده بشدة إلى القبر حتى التصق به، وبرأسه اتكأ على حافته مردفا
-أتعلمين يا حبيبتي ما هو السؤال الذي يؤرق لياليّ؛ هل فضلت الرحيل عني خوفا مني أم خوفا عليّ؟
استقام قليلا ثم أخذ يمسح بحنو على شاهد القبر مسترسلا
-هل رأيت أمي وآية يا حبيبتي، بالطبع رأيتهما فهما بالتأكيد سيكونان معك بالجنة، أما أنا؛ فلا أظن أنني سأكون معكما حيث أنتم، لقد فعلت أشياء سيئة يا ندى لا أعلم هل سيسامحني الله عليها أم لا، ولكن أليس ما فعلت كان من أجل القصاص! ألم يقل الله "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"؟
ألم يقل أن العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص؟
ألم ينتهك ذلك الخسيس عرضي؟
وتلك الحية، أليست هي من دبرت لكل شيء وسهلت عليه ارتكاب جريمته؟
إذن لماذا يحاسبني الله على ما فعلت بهما؟
سكت برهة يلتقط أنفاسه المتهدجة من أثر انفعاله، ثم تابع بإرهاق
-أنا متعب يا ندى، متعب ومهما فعلت لا أجد للراحة سبيلا! وكأن كل الطرق أصبحت متاهة كبيرة تأخذني من تيه لتيه آخر. الكوابيس لم تعد تفارق أي غفوة أسقط فيها من شدة التعب، وهذة المرارة العالقة بحلقي تنغص علي مذاق كل شيء؛ فأصبحت أعاف كل الطعام ولا أنتاول منه إلا ما يقيم جسدي.
ظل على حاله بين الأضرحة الثلاثة، يهذي قليلا ويشرد قليلا حتى غلبته غفوة أفاق منها على رنين هاتفه الذي جعله ينتفض، نهض وراح ينفض التراب عن ملابسه ثم أجاب على مُهاتفه بشيء من الرسمية
-مرحبا يا سيادة المقدم!
-كيف حالك يا بكر؟
-لا أعتقد أن سيادتك تتصل بي لتطمئن عن حالي، فحسب ما أذكر أننا لسنا أصدقاء، والعالقة بيننا أصبحت لا تقبل تلك المجاملات.
تنهد علاء بضيق معلقا
-بكر، لا يحق لك أن تعاتبني وأنت تعلم أنني على حق!
رد بكر بنفس الجمود والجدية
-عفوا يا سيادة المقدم! من أنا ليحق لي معاتبتك.. غير أنني لا أعاتبك مطلقا، أنا أقر حقيقة لن نهرب منها حتى لو أردنا ذلك.
-بكر، لو أخبرتك أنني أحمل لك عرضا يخرجك من هذا المأزق الذي وضعت نفسك به، هل تقبله أم تفضل أسلوب التدمير الذاتي الذي تتبعه؟
سكت بكر برهة قبل أن يجيب من كان صديقه
-لن أدعي الذكاء يا سيد علاء، ولكن أعتقد أنني أعلم ما هو ذاك العرض، تريد مني أن أساعدك للإيقاع بالرؤوس الكبيرة، فأصبح شاهدا لا مجرما!
-فكر مليا بالأمر يا بكر، ستجد أنه مخرجك الوحيد. ولا تحاول إقناعي بأنك راض عما تفعل الآن، أنا أعرفك جيدا واستطيع أن أجزم أن ضميرك لا يجعلك تهنأ ولا للحظة واحدة!
-حسنا يا سيادة المقدم، لن أدعي عكس ما تقول، بل أنني على أتم استعداد لأن أقبل بعرضك وأفعل كل ما يتطلبه الأمر، ولكن على شرط واحد.
-شرط ماذا يا بكر؟
تنفس بكر بعمق وكأنه وجد الخلاص أخيرا ثم أجاب
-أن لا يعلم رؤساؤك بأمري مطلقا، وعندما تحين اللحظة الحاسمة وتصل إلى مبتغاك، ستقبض علي كما الجميع وسأُقدم للمحاكمة مثلي مثلهم. ما قولك يا سيادة المقدم.. هل بيننا اتفاق؟
جن جنون علاء فهتف بحدة
-هل جننت يا بكر! تريد أن تزج بنفسك في السجن وأنا أقدم لك فرصة ذهبية للنجاة منه!
خرج صوت بكر هادئا مرتاحا وهو يجيب صديقه متخليا عن قناع الرسميات
-أنت لا تزال لا تفهم يا علاء، أنا لا نجاة لي مما أنا فيه، وما تخشى علي منه، هو أقل همومي يا صديقي.
-وهل في السجن ستجد خلاصا مما أنت فيه؟
-لا تنس أنني جربت السجن من قبل، وصدقني هو ليس بالسوء الذي تظنه، بل على العكس، العالم بالخارج أسوء بكثير لو تعلم. غير أنني بالسجن لن أعاني الوحدة!
قال علاء باستسلام بالرغم من عدم اقتناعه بمنطق صديقه
-بكر، حتى لو وافقتك الآن على شرطك، فيجب أن تعلم أنك تستطيع التخلي عن هذا الشرط وقتما تشاء، وأريدك أن تعلم أيضا أنني لم أتوقف يوما عن اعتبارك صديق لي، بل أكثر من ذلك يا بكر؛ فأنت أخي وستظل هكذا مهما حدث.
ابتسامة صادقة زينت مُحياه وهو يجيب صديقه
-أنا مدين لك بالكثير يا علاء، فأنت آخر خيط يربطني بهذه الحياة يا صديقي.
أغلق بكر الهاتف ونوبة من الراحة تنتابه لم يشعر بها من وقت طويل، فبالرغم من خطورة الطريق الذي سيسلكه؛ فإنه أصبح يرى له نهاية واضحة تجنبه متاهات كان يتخبط فيها، نهاية تبدو قاسية.. ولكنها بالنسبة إليه عين الرحمة، وعين العدل.
***************************
(تمت)