الفصل 13
الفصل الثالث عشر
قانون الغاب جائر، هناك لا توجد حلول وسط، إما هيمنة تامة، أو خضوع ذليل، إما أن تكون ملكا للغاب... أو تنحني كما الجميع في حضرة الملك.
ولكن؛ إذا أردت أن تصبح ملكا وتفرض سيطرتك على الغاب وساكنيه، يجب أن تظل دائما يقظا، ذي عينين لا تغفلان، حتى في غفوتك يجب أن تترك عينا واعية حتى تكون دائما في مأمن من غدر المترقبين للحظة الغفلة!
وهو عاش سنوات متيقظ حذر، وكم من فخاخ نصب لغيره وسقطوا فيها، هناك من خضع لسطوة المال، وهناك من خضع لسطوة التهديد، ولكن فيما تهم الوسيلة طالما شقت له الطريق نحو القمة ومهدته تمهيدا.
ولكن عينيه اللتين كانتا طوال الوقت متيقظتين لغدرة البعيد، غفلتا غدرة القريب؛ ولكل جواد كبوة، ولكل شاطر غلطة حتى وإن حسبت بألف.
وعندما يسقط الأسد جريحا.. تلتف حوله الضباع لاغتنام أكبر قدر من الوليمة، وضباع القطيع كثر، جميعهم يحلم بمكانة الأسد، والكل يغفل عن أن لا شيء يدوم، فلو كانت دامت لذاك الأسد.. ما كانت ذهبت لهذا الشبل!
وقف منذر بمنتصف مكتبه بالشركة يزأر بغضب وثورة منافيان لهدوء أعصابه المعروف عنه، يده تقبض على الهاتف بقوة، واحمرار وجهه يوشي بكارثة قد وقعت!
أغلق الهاتف وألقاه على طول ذراعه، وعلى أقرب كرسي سقط يحل رابطة عنقه ليسمح لبعض الهواء التسلل إلى صدره. لقد ظن منذ أشهر قليلة أنه جمع كل خيوط اللعبة بين يديه، بل وسيجبر كل اللاعبين على اللعب وفق قوانينه الجديدة، أحكم خناقه على عنق كل منهم بل وعلى أكبر من فيهم، وتجهز ليعتلي العرش كملك عليهم.
ماذا حدث الآن لتنقلب الطاولة عليه!
كيف تتعرقل الأعمال وتتسرب المعلومات.. ولصالح من؟
لن ينكر أن صورة بكر لا تبارح خياله بعد كل كارثة تحل به، ولكن ما يبعد بكر عن دائرة شكه؛ أن بكرا مهما بلغ من قوة، يظل في النهاية فردا واحدا لا قبل له على مواجهة من يعمل معهم ولصالحهم!
بحث عن هاتفه بعجالة وما أن وجده حتى عاد هاتف من كان يحادثه ولم يقل غير جملة واحدة
-وسطكم خائن، إن لم تأت لي به في نهاية اليوم، سأصفيكم جميعا!
وما كاد يغلق الاتصال ويلقي بالهاتف مرة أخرى، حتى انفتح باب مكتبه دفعة قوية تجلى بعدها بكر أمامه وكأنه خرج من أفكاره.
هدر فيه منذر بكل الغضب الذي يستعر بين جوانبه
-هل جننت يا بكر! كيف تقتحم مكتبي بهذه الطريقة!
كما فتح بكر الباب.. أغلقه ليصدر صوتها قويا، تقدم بعدها تجاه منذر ذي النظرات المضطربة، وقف قبالته تماما ثم هدر هو الآخر ملقيا فوق رأس الرجل مصيبة أخرى
-هل كنت تعلم أن حسناء تتعاطى المخدرات؟
تجمد منذر بأرضه، عيناه تطالعان بكرا بنظرات غير مصدقة، وإن كان لا يستبعد على فجور ابنته إضافة كتلك.
ود لو تكلم، لو هدر بصوته مستنكرا أو مستفهما أو نافيا بثقة، ولكنه حاول كثيرا أن ينطق بشىء وفشل، كأنما فقد قدرته على الحديث، فعاد بكر يهدر بتفاجئ مصطنع
-كنت تعلم! وتركتها..
حرك منذر رأسه نافيا وهو يهمس بوهن
-ماذا تقول يا بكر!
أمسك بكر بتلابيب الرجل الذاهل أمامه وهو يكمل عليه
-أقول أنني أودعت ابنتك للتو مصحة نفسية لأنها كادت تؤذي نفسها بعد أن منعت عنها السم الذي كانت تتعاطاه!
على ذكر المصح النفسي، عاد لعقل منذر بعض وعيه؛ فبدأ يدرك حجم الموقف وأبعاده، فجاء رده هاردا معترضا
-مصح نفسي! ماذا تقول يا بكر؟ كيف تفعل شيئا كذلك دون أن ترجع إلى؟
-هل هذا كل ما يهمك.. أنني لم أرجع إليك!
تراجع منذر قليلا عن انفعاله، ثم اتجه لأقرب مقعد يلقي بجسده عليه، نكس رأسه واضعا كفه فوقها وصوته يخرج مكتوما بألم قائلا
-لماذ تفعل حسناء بنفسها شيئا كهذا! ربما لو كان عامر من فعلها لكنت وجدت له مائة سبب، ولكن حسناء.. كيف لامرأة بذكائها وقوتها أن ترمي بنفسها في تهلكة كتلك!
وقف بكر فوق الرأس المنكسة يستمتع بهذا الانكسار، يتلذذ بمذاق الثأر المسكر وينتشي به؛ خاصة وهو على علم بالكارثة الأخرى التي حلت فوق رأس الرجل قبل قليل، ليس فقط على علم، بل أنها من غزل يده.
اصطنع الكدر فجلس مقابلا لمنذر، وبصوت مختنق بدأ يقص عليه حكاية من نسج خياله
-بعد أقل من شهر من زواجنا، بدأت ألاحظ عليها أحوالا غريبة، ولكن أرجعت ذلك للتغير الذي حدث في حياتها عقب زواجنا وانتقالها معي إلى بيتي، ولكن ذات ليلة وجدتها بحال غريب، ترتعش وتنتفض وبحالة هياج غير عادية، عيناها بلون الدم وتتصبب عرقا وتهذي بكلمات غير مفهومة، اعتقد أن حمة أصابتها أو شيء وأصررت على أن آخذها لأقرب مشفى، ولكنها عارضتني بشدة وزاد هياجها، ثم وجدتها تمدني بشريط دواء وتطلب مني بتوسل أن آتي لها بمثله، وأخبرتني أنه دواء قد وصفه لها الطبيب قديما عقب حالة نفسية انتابتها بعد وفاة والدتها، ولكن ما جعلني أرتاب أعطتني رقم شخص لأتواصل معه وأشتريه منه؛ معللة أن الدواء ناقص وغير مصرح ببيعه سوى بوصفة طبيب وهي قد أضاعت الوصفة.
سكت بكر قليلا يرقب الدهشة.. الرفض..الغضب على ملامح منذر، استرسل بعدها
-تواصلت مع الرجل وحصلت منه على (الدواء) المزعوم الذي أخذ في مقابله مبلغا وقدره، الأمر لم يتطلب أي ذكاء لأعرف أن ما بين يدي نوع من المخدرات ليس كأي نوع، ذهبت لصيدلي صديق لي وطلبت منه أن يخبرني عن نوع المخدر، وأخبرني أنه نوع حديث وخطير ويجب التعامل بحذر مع متعاطيه لأنه يسبب هلاوس سمعية وبصرية مع طول فترة تعاطيه.
قطع حديثه صوت منذر الذي جاء وكأنه يخرج من بئر عميق
-ألهذا كنت تماطل طوال الفترة السابقة كلما طلبت منك أن تجعلني أراها، وتخبرني أنها هي من لا تريد زيارتي؟
-ماذا كنت تود مني أفعل؟ لقد مكثت ثلاثة أشهر أحاول أن أخرج بها من هذا النفق المظلم دون أن أثير أية بلبلة، دون فضائح، ولكنني لم أفلح وساءت حالتها وحاولت الانتحار، فما وجدت بُدا سوى أن أدخلها المصح لتتلقى العلاج كما يجب.. أم كنت تفضل أن أتركها تموت حتى تتجنب أنت الفضيحة!
نهض منذر بحمية قائلا
-بل ستتعالج وتعود أفضل مما كانت.. أنا سأسافر بها لأفضل مصح لعلاج الإدمان. فقط خذني الآن لرؤيتها.
حدث ما كان متوقعه بالطبع، فوقف يفرد جذعه أمام منذر هادرا
-حسناء لن تذهب إلى أي مكان، لن تغيب عن عيني ولن أدعها حتى تتعافى وبعدها تقرر هي ماذا تريد أن تفعل.
ببقايا تسلط آفل هدر منذر
-لا تنس أنها لا تزال ابنتي وأنا من يقرر ما هو الأفضل لها، غير أنه لا وجه للمقارنة بين الرعاية الطبية هنا وبالخارج!
ضحكة مستهينة شقت شفتي بكر الذي اقترب من منذر حد الالتصاق وهو يقول بنبرة ساخرة لم تخل من قوة
-الآن تذكرت أنها لا تزال ابنتك يا سيد منذر! لو كنت حقا تراها كذلك لما كانت وصلت للحال الذي هي عليه الآن.
ابتعد عنه مديرا إليه ظهرا.. بضع خطوات تجاه باب المكتب وقال دون أن يلتفت إليه مجددا
-حسناء زوجتي أنا، ومسؤليتها تقع على عاتقي أنا، وأنا من سيقرر من الآن سيد منذر.
.........................................
في جوف الليل وبشكل سري، دخل السيد منذر المصح في زيارة لابنته وللقاء طبيبها المعالج، لا يزال لا يصدق كيف تفعل حسناء بنفسها وبه كارثة كتلك!
هل تعمدت قتل نفسها ببطء عقابا له؟
أم فعلتها لتجلب له مزيدا من العار والخزي؟
لقد تحمل رعونتها وصبر على كل مصائبها، حتى أنه اضطر للتنازل لأول مرة بحياته حتى يلملم فضيحة طلاقها ويتستر على خيانتها لزوجها الذي كاد يقتلها بعد أن رآها بعينه مع رجل آخر. ألم يكفها كل هذا لتأتي اليوم بضربتها القاصمة التي لم يحسب لها أي حساب!
أمام طبيبها جلس بهيبة فضح زيفها زيغ نظراته ورعشة أطرافه، رغم أن لهجته لم تخل من النبرة الآمرة المستعلية. سأل عن حالتها وأجاب الطبيب بما حفظه عن بكر؛ أخبره عن مدى خطورة المخدر الذي تتعاطاه، عن أعراض انسحابه القاسية، عن احتمالية عالية لمحاولات انتحار، عن ضرر قد يوجد بنسبة عالية على المخ ووظائفه نتيجة طول فترة التعاطي... إلخ.
وحين جاء أمره بتجهيزها لتنقل لأفضل المصحات خارج البلاد، عارض الطبيب معللا أنه لن يستطيع فعل ذلك إلا وفقا لرغبة السيد بكر بصفته زوجها والوصي عليها.
وقف منذر يهدر بغضب عن كونه والدها وهو الوحيد الي يملك القرار في موقف كهذا، ولكن الطبيب أصر على موقفه دون أي إبداء أي نية للتراجع. وأخيرا طلب منذر رؤية ابنته، فاصطحبه الطبيب حيث غرفتها، وهناك وجدها نائمة وقد شحبت ملامحها، وخسرت الكثير من وزنها، حتى أنه كاد لا يتعرف عليها وقد بدت امرأة غير ابنته الحسناء.
جلس بهدوء على كرسي مجاور لفراشها يكتنفه صمت ثقيل وقد سكتت حتى أفكاره الداخلية!
عقله لم يسعفه بأي تفسيرات أو حلول لهذا الموقف الكاثي الذي تعيشه ابنته التي كان يظنها ستخلفه في مكانه حتى لو لم يصرح لها بذلك أبدا، كان يرى فيها ما يؤهلها لإكمال المسير من بعده؛ خاصة بعد زواجها من بكر، فبرغم ظروف زواجهما الغريبة، ولكنه رأى فيه حلا لأكبر مشاكله، وقد راهن أن امرأة بسحر ودهاء ابنته تستطيع ولو بعد حين أن تكسب بكر لصفها وتنسيه حقده وغضبه، ولكن لم يجل ولو للحظة بخاطره أن تكون ابنته بهذا الضعف والهشاشة من الداخل رغم كل ما كانت تدعيه من قوة وقسوة في كثير من الأحيان!
نظرة أخيرة ألقاها عليها، ثم نهض مغادرا يجرر قدميه وكأن كل خطاياه باتت معلقة بهما لتثقل حركته حد الشلل.
بعد مغادرته سرا كما جاء، أجرى الطبيب اتصالا ببكر يخبره عن كل ما حدث، ليبتسم الأخير ابتسامة قاتمة تتناسب مع كل ما يحمله بصدره من غل. ترك الهاتف من يده ثم تمدد بأريحية على الفراش وهو يفكر أن موعد الضربة الثانية قد حان ويستطيع الآن أن يتفرغ لدهس زيل الحية بعد أن قطع رأسها.
..................................
النفس الضالة تكون وبالا على صاحبها أكثر من النفس العاصية الأمارة بالسوء. الضلال للنفس كثقب أسود يبتلع كل شيء ويترك صاحبه خاو يتخبط في خطا قدميه.
على مشارف الفجر عاد الضال يتخبط، عاد إلى حيث لا يرغب العودة ولكنه لا يملك إلا أن يعود. هو رجل أقيم ما فيه؛ أحرف اسمه المذيل بلقب النعماني! شيء يراه الكثيرون نعمة ويحسدونه عليها، ومن زاوية رؤيته؛ كانت تلك أكبر نقمة في حياته!
هو ظل على حائط يمحيه بعض من ضوء، يلومه أبوه طوال الوقت على أنه لم يكن على قدر المسئولية، وكيف يكون وهو منذ نعومة أظافره لم يلق من ذاك الأب سوى التقريع والإهمال والتقليل من شأنه! السيد منذر النعماني منذ زمن قد نحت له قالبا، وهو كل ما فعله أن تقولب بما يتسع لذاك القالب؛ فكيف يكون هو الملام!
ألقى بثقل جسده على فراشه وهو يطيح بعكازه بعيدا بنزق، لقد مل هذا العكاز، وتلك العرجة بقدمه تصيبه بغضب ومزيد من الشعور بالانتقاص، ربما بدأ يدرك لماذا بكر لم يقتله؛ لأن بالتأكيد ما يعيشه الآن أسوء من الموت بكثير!
بينما هو يسبح في قتامة أفكاره، انفتح باب غرفته بقوة أرجفته ليبدو من خلف الباب خيال لم يتبين هويته بسبب الظلام النسبي بالغرفة، وعقله الذي بنصف وعي، ولكن الصوت الجهوري الغاضب الذي هتف باسمه، أعلمه بهوية مقتحم غرفته؛ فهب جالسا على الفراش يحاول تجميع أجزاء وعيه المفكك.
وقف منذر بمحاذاة الفراش يرمقه بخيبة أمل وعيناه تنضح بالغضب، أطبق بكفه على فك عامر وهو يسأله بغتة
-هل كنت تعلم أن أختك تتعاطى المخدرات؟ وهل تفعل أنت؟
ينظر لأبيه بتيه غير واع تماما لما يقول، ولكن قبضة أبيه التي تسحق فكه تخبره أن الأمر خطير؛ فما كان منه غير أن قال لتجنب مزيدا من الأسئلة
-لا أعلم.. لا أعرف!
-كيف لا تعلم ولا تعرف! ألم تقضيا وقتكما في وضع الخطط، ألم تكن أنت ذراعها الأيمن في تدبير المكايد! كيف لم تلحظ عليها أي شيء؟
برقت عينا منذر بوميض الغضب وهو يفك قبضته عن فك عامر ويقف منصبا يسأل في غير تصديق
-أم أنك أنت من كنت تجلب لها ذاك السم!
استغل عامر تلك المسافة التي فصلت بينه وبين أبيه ليقف بصعوبة يتسند على حافة الفراش مبتعدا عن أبيه، ثم أجاب
-لم أفعل.. ولا أعرف عما تتحدث!
عاد منذر يقترب من عامر مجددا وتلم المرة قبض على تلابيبه يهزه كغصن شجرة بال وهو يصيح بغضب
-أتحدث عن أختك التي أودعها بكر بالأمس مصحا لعلاج الإدمان؛ لأنها بسبب منعه عنها ما كانت تتعاطاه حاولت الانتحار، أتحدث عن حسناء التي لو رأيتها اليوم ما كنت لتتعرف عليها!
وقع الخبر جعل عامر يستفيق من سكرته، ففرغ فاه مبهوتا مما سمع ثم بدأت ابتسامة ترتسم على شفتيه راحت تتسع رويدا حتى تحولت إلى ضحكة مجلجلة صاحبها بريق لامع بعينيه، وبسبب ردة فعله الغريبة ذهل منذر وارتخت قبضته عن عامر ووقف يتطلع إليه بدهشة، وبعد أن انتهى عامر من نوبة ضحكه، نصب قامته وكسا وجهه بعض الجدية التي لم تخل من لمحة تشف ثم قال
-فلتذهب ابنتك إلى الجحيم الذي تستحقه، لا تعلم كم أثلجت صدري بخبرك العظيم هذا يا منذر بك!
قالها وعاد للضحك مرة أخرى، ولكن قطع ضحكاته كف منذر الذي هوت على صدغه لتفقده توازنه ويسقط أرضا، فينحني منذر نحوه قائلا
-لن تغادر هذه الغرفة حتى أقوم بتحليل دمك لأتأكد إن كنت تتعاطى ذاك السم مثلها أم لا.. وبعد ذلك؛ لكل حادث حديث.
هم منذر بالمغادرة ولكن قول عامر استوقفه حين قال
-أفعل ما شئت، ولكن حين تتأكد أنني نظيف، لا تنس أن تخبرني اسم المصحة التي ترقد فيها ابنتك حتى أذهب لزيارتها وأملِّي عيني من حالتها المزرية التي تحكي عنها!
...................................
الموت الذي حصد كل غراسه فلم يبق أو يذر، الموت الذي ينشده في صحوه فيعاند ويراوغ، ثم يتسلل إلى كوابيسه حين غفوة؛ كوابيسه التي أصبحت أشد ضراوة وأكثر قتامة، فلا تجعله يهنأ بنوم ولا بصحو.
انتفض من فوق فراشه كعادته كل ليلة، لاهث، مختنق، يتصبب عرقا رغم برودة الجو. جاهد ليتحصل على بضعة أنفاس، وخفقات تلك المضغة المحترقة بصدره تنذر بانفجار محتمل من قوتها وتسارعها، تحسست كفه طريقها إلى كوب الماء الموضوع فوق طاولة مجاورة، وبمجرد أن تناوله أفرغه دفعة واحدة في جوفه علّه يطفئ اللهيب المستعر بداخله، دقائق مرت عليه ثابت في موضعه حتى انتظمت أنفاسه، وهدأ دبيب قلبه، وعاد لتمام وعيه.
نهض من الفراش ينظر لملابسه المبللة بغزارة تعرقه وكذلك كساء وسادته، فخلع عنه سترته ونزع كساء الوسادة بضيق، ليلقي بهما في سلة الملابس المتسخة. بعد أن استبدل ملابسه نظر لهاتفه ليجد مكالمة فائتة من أحد رجاله، فعاود الاتصال به سريعا بغض النظر عن تأخر الوقت، وما أن فتح الاتصال بادر بكر بسؤال الرجل
-هل وجدت المرأة؟
-وجدتها يا سيد بكر، متى ترغب في رؤيتها؟
-اليوم يا زيد، ولكن أخبرني؛ هل وجدتها فاتنة أم أنها..
-اطمئن يا سيد بكر، ستنال رضاك بكل تأكيد!
..................................
السائل الذهبي الذي يتلألأ أمامه في الزجاجة التي أجهز على نصفها تقريبا، على قدر ما يُشعِره بالانتشاء، إلا أن رؤيته لأختيه منذ بضعة أيام حبيسة غرفتها في مصح نفسي، كان لها نشوة ذات مذاق خاص يفوق تأثير أفخم الخمور في العالم.
كانت تصارع أشباحا لا توجد إلا في عقلها، حتى أنها ظنته أحدهم فور رؤيتها له وانكمشت في خوف وهي تهذي وتطالبه بألا يؤذيها، ثم أصابتها حالة من الهياج جعلت الطبيب يطلب منه المغادرة في الحال.
ما كان يستطيع تفويت لذة مشهد كهذا على نفسه، فأول ما أطلق أبيه سراحه بعد أن تأكد أنه خال من أي أثر للمخدرات، عرف منه اسم المصح وذهب إليها حتى يخبرها كم هو سعيد بأنها أخيرا لاقت ما تستحقه حقا؛ ولكنه وجدها بحال أسوء مما توقعه بكثير، وكأنها أبدا لم تكن حسناء النعماني التي يعرفها.
فجأة نهر نفسه على لمحة الأسى التي ناغشت قلبه تجاهها..
هو أبدا لن يشفق عليها مهما حدث، لن يشعر بالأسى لحالها مهما ساء وهي من كانت على أتم استعداد للتضحية به حتى تنجو بنفسها، بل أنها فعلت بالفعل!
لذلك؛ فحسناء ماتت بالنسبة إليه في ذاك اليوم الذي أطلق فيه بكر عليه الرصاص، وتركته هي بين الحياة والموت غير مبالية بمصيره، وذهبت للتزوج من بكر.
انتشله من دجنة أفكاره، ظهور تلك الفاتنة التي قابلها في المكان هنا قبل يومين، وكان أول وآخر ما حدث بينهما، أنها في اصطدام فجائي به سكبت عليه ما كانت تحمل بيدها ثم رمقته بلا مبالاة واعتذرت منه ببرود، ثم تركته وغادرت دون أن تنظر إليه مرة أخرى.
وظل هو طوال السهرة يتابعها بغيظ تحول سريعا لرغبة مستعرة في ترويض تلك الشرسة التي لا تسمح لأحد بالاقتراب منها أو التودد إليها، بل تتعامل مع الجميع بإنفة واستعلاء وكأن الجميع بالنسبة إليها دون المستوى.
يوم وآخر مرا وهو يأتي ليراها ولكنها لم تأت وكاد ذلك يصيبه بالجنون؛ خاصة وهو لا يعلم عنها أي شيء ولا حتى اسمها، ولا أحد المكان يعلم من أين أتت، أو أين اختفت. وها هي تعاود الظهور اليوم وقد ازداد بريقها توهجا، فأقسم أنه لن يفوت هذه الفرصة ولن يدعها قبل أن يتعرف إليها، وينتهي بها المطاف معه ككل من سبقها من النساء.
....................
بقايا جاذبية كان يتمتع بالكثير منها في زمن ليس ببعيد، ظن أنها عجلت بوقوع صيده الجديد في شباكه، وبعد محاولات لم تكن مضنية، اصطحب أخيرا تلك الفاتنة إلى حيث شقته الخاصة لينال منها ما سال له لعابه على مدار أيام فائتة.
وعلى فراش متعته نال كل ما صبا إليه، حيث منحت الفاتنة بسخاء واحترافية، حتى أنها لم تتعجب من تغير حاله في وسط جولتهما الحامية حين ظل يطلب منها أن تؤكد رضاها عن كل مايفعل، فقد كانت منشغلة بشيء واحد؛ أن تجرده من وسيلة حمايته دون أن ينتبه.
وبعد أن ارتوى منها حد الشبع، سقط جوارها على الفراش وجسده يعلن عدم قدرته على المواصلة أكثر من ذلك؛ خاصة مع تحامله المتزايد على ساقه المصابة، فقد كان لا بد له من غفوة طويلة يستعيد فيها طاقته المستنزفة.
***************************
Like