الفصل 12
الفصل الثاني عشر
لم يع كيف ألقى بنفسه في أحد السيارات المتراصة في مرآب القصر، ولا كيف انطلق بها ينهب الطرقات، كل ما يدركه أنه يريد أن يبتعد عن ذاك القصر وكل من فيه قدر ما يستطيع.
أنفاسه محبوسة داخل صدره وكأنها في مخاض متعثر لا تجد سبيلها للانفلات، قلبه وكأنه بنز قيحا بين أضلعه، صرخ بكل ما أوتى من قوة حتى جرحت حنجرته، وجاءت صرخته محملة بكل الغضب والقهر المكبوتين بروحه الممزقة، ظلت صرخاته تدوى أصداءؤها فتتخبط في نوافذ السيارة من حوله ثم ترتد لتصعقه ببقاياها مرة أخرى، صرخ وصرخ وصرخ حتى شعر بالإنهاك، وفي نهاية طوافه وجد نفسه هناك، حيث انتهى المطاف بكل أحبائه.. وبقي هو يتجرع علقم الغياب!
هبط من السيارة بجسد خائر، وفي قرارة نفسه كان كل ما يتمناه أن يجد لهذا الجسد فسحة إلى جوار أجساد من رحلوا.
من قال أن الموت شرٌ!
الموتى على عكس الأحياء؛ قد تركوا كل شرور الدنيا خلفهم ورحلوا حيث لا تعب ولا نصب؛ إنما الشر بعينه يكمن في حياة لا راحة فيها ولا عدل، صراع دائر لا ينتصر فيه أحد مهما غَنِمَ من غنائم.
إلى جوار شاهد القبر خر جالسا يستند برأسه على حافته، وبيده المشتاقة لملس بشرتها راح يمسح برفق عليه، يود قول الكثير ولكن الكلمات لا تطاوعه، فقط اسمها الذي خرج من بين شفيته نطقه بلوعة ثم سكت تاركا العنان لدمعه يتحدث بالنيابة عن لسانه.
بعد نوبة بكائه، وجد نفسه يتفوه باعتذار كان أول ما نطق به فجاءت نبرته متحشرجة مغمسة بالخزي
-أنا آسف يا ندى! أسف وأعلم أن لا حق لي في طلب الغفران منك، ولكنني أعلم أيضا أنك ستفعلين كما كنت تفعلين دوما مهما عظمت خطاياي.
اعتصر حفنة من التراب في قبضته ونظر إليها مطولا ثم أردف
-أقسم لك يا حبيبتي أن تراب قبرك هذا لهو عندي أثمن وأقيم من تلك الحرباء وعائلتها بأكملها، وأنني فعلت ما فعلت لا عن رغبة فيها ولا اشتهاء، ولكن...
سكت وقد ثقلت نواياه على لسانه، تابع بعدها
-ولكن لا يهم! ما يهم حقا أنني أعدك أن ثأرك سيرد لا مرة، بل ثلاث، والرابعة.. اعتبريها هديتي لكِ، أو لنقل تمام سداد الدين الذي طوقتني به طوال أيامنا معا!
قال ما قال وحل صمت طويل أشبه بصمت كل شيء من حوله؛ القبور وساكنيها، حتى الكلاب الضالة من حوله توقفت عن نباحها وكأنها تحترم توقف الحياة هنا وسكونها فلا تكسره بنباح لا طائل منه!
يد تربت على كتفه بهدوء جعلته ينتفض ممسكا بها يلوها بقوة؛ فصرخ الرجل فزعا وهو يهتف
-صل على النبي يا بكر باشا.. هذا أنا عم سرحان!
فتح عينيه جيدا ليرى وجه الرجل الممتعض، فترك يده معتذرا، فسأل الرجل بدهشة
-لا تؤاخذني في السؤال يا باشا، ولكن متى أتيت.. ولماذا تنام هنا هكذا؟
رمقه بكر بلا اكتراث ولم يجبه، ثم مد يده في جيبه أخرج عدة ورقات مالية ذات فئة كبيرة، دسها بيد الرجل قائلا
-أحرص دائما على نظافة المكان يا سرحان ولا تهمل ري الزرع.
تهلل وجه الرجل لرؤية النقود ورفع كفه يقبل ما فيه قائلا
-لا تقلق يا بكر باشا، المكان في أيد أمينة.
************************
بعد أن استغرقت وقتا في أخذ حمامها، وبعد أن صال عقلها وجال لإيجاد تفسير مرضي لما حدث، ثم فشل في ذلك فشلا ذريعا، وقفت في شرفتها تأكل نفسها غيظا... وتنظره!
هل هذا ما تاقت إليه طوال تلك المدة!
هل تلك الدقائق التي كان معها فيها غائب الروح، فاقدا للشغف.. هل هي ما فعلت من أجلها كل ما فعلت؟
ماذا تفعل بعد لتجعله يشتهيها ويرى فيها ما رآه كل رجل قابلته وأصابته لوثة من بذاخة أنوثتها!
انكسر أحد أظافرها من قوة نقرها بهم على سور الشرفة، سُبة أطلقتها بحنق وهي ترمق أصابعها بغضب، تكره أن لا تكون أظافرها كلها متساوية وبنفس الطول!
بدأ لون السماء يتخلى عن حلكة سواده معلنا انتهاء الليل واقتراب موعد الشروق. انقضى الليل كله ولا تعلم أين هو ولا لماذا تركها بقلب الفراش بهذا الشكل المهين متعللا بموعد كان قد نسيه!
تعبت من وقفتها بلا جدوى، دخلت الغرفة متجهة إلى الفراش وقد قررت النوم، وليعد وقتما يريد، المهم أنه سيعود إليها مهما طالت غيبته.. وهذا كاف بالنسبة إليها على الأقل في هذه المرحلة.
**************************
على صوته محتقن النبرات وندائه الزاعق الجاف باسمها، فتحت عينيها موجفة وقد كان ظله القاتم يجثم فوق رأسها قائلا بنزق
-حسناء! هل ستقضين طيلة النهار نائمة! ولماذا لم تعد حقيبتك بعد؟
رمشت بأهدابها الطويلة عدة مرات في محاولة لاستيعاب ما يقول، ثم بلهفة تحسست وجنته هامسة
-بكر! لقد عدت. لقد انتظرتك طوال الليل ولم تعد!
اعتدل في وقفته ثم قال ببرود
-ولماذا فعلت! لقد أخبرتك أن لا تنتظرينني.
نهضت تستند على ركبتيها فوق الفراش وهي تقترب منه تجيب في لوعة
-ليس بيدي يا بكر، كنت أتمنى عودتك باكرا حتى.. حتى نستكمل ما قطعه ذهابك المفاجئ!
غامت عيناه بظلمة مخيفة وهو يسدد إليها سهام نظراته، وقد أحكم قبضته على ذراعها بقوة قائلا بصوت جعل نبضاتها تضرب
-كم مرة علي أن أقولها يا حسناء حتى تعيها وتنفذيها، لا تفعلي شيئا لم آمرك به، ولا تخالفي أمرا أعطيتك إياه!
نفض ذراعها مطيحا بها لتسقط فوق وسادتها، وقبل أن تتفوه بشيء كان يهدر بها
-أمامك نصف ساعة لتجمعي ما يلزمك وتتجهزين للرحيل.. سأنتظرك بالأسفل.
تركها مكومة فوق فراشها تمسد ذراعها الذي سيحمل أثر قبضته لبعض من الوقت، ثم توجه لمكتب السيد منذر ودون طرق دخله واضعا إحدى يديه في جيب بنطاله.
اتخذ الصمت بينهما موضعه لثوان وكل منهما يرمق الآخر بتحفز يحمل الكثير من التحدي، وأخيرا كسر بكر هذا الصمت وهو يقطع المسافة بينهما حتى وصل إلى حافة طاولة المكتب ثم قال باستخفاف
-حسناء بالأعلى تتجهز لمغادرة هذا القصر -رمقه بنظرة ساخرة وهو يضغط أحرف جملته مردفا- سأريحك منها للأبد يا سيد منذر!
ضيق السيد منذر عيناه وهو يسأل بتهكم
-ماذا تعني يا بكر؟ وهل أخبرك أحد أن ابنتي عبء علي أبحث عن من يتحمله عني!
ضحكة ساخرة ندت عن بكر ما لبث أن قطعها وهو يقول
-الشمس لا تحتاج لمن يشير إليها يا منذر بك، ولكن سأكون واضحا أكثر؛ ما أعنيه أن حسناء منذ زواجنا قد أصبحت مسؤوليتي أنا.. بكل ما تحمل الكلمة من معان، بحلوها ومرها، وهذا يعني أنني لا أرحب ولا أحتاج لتدخلك في حيانتا بأي صورة، وأعتقد أنك الآن بت على يقين من أن تلك هي رغبة حسناء أيضا دون أي ضغط مني، ولكن بالطبع أنت مرحب بك لزيارتنا وقتما ترغب.. لقد تركت عنواني مع رجالك بالخارج؛ فلا داعي لأرهاقهم بتتبعي بعد اليوم!
نهض منذر من على كرسيّه واقترب بضع خطوات تجاه بكر ثم توقف قبالته، فاستدار بكر إليه بجسده لتتواجه القامتان وتتصادم النظرات، بعدها جاء صوت السيد منذر هادئ وهو يقول
-بكر، هل تعلم لماذ وافقت على أن تعمل لدي رغم علمي بسنوات سجنك؟
استطاع منذر أن يلمح ضغطة فك بكر التي تشي بأنه أصاب وترا حساسا، ابتسم ثم استرسل
-ليس فقط بسبب تزكية سيادة اللواء، ولكن لأنني اعتقد أن تجربتك بالسجن قد علمتك أن ببلادنا هناك أشياء لا طاقة لأي من كان بمناطحتها مهما كان صُلبا أو يملك حقا!
تكورت قبضة يد بكر داخل جيب بنطاله حت كادت عروقه تنفجر، ولكنه حاول أن يبقي على ملامحه جامدة دون تعبير حتى يفضي الرجل كل ما في جعبته، وبالفعل تابع منذر
-فلا تعتقد أبدا يا بكر أن في تلك المعركة الوهمية التي تدور برأسك، أنك تستطيع هزيمتي؛ فأنا لو كنت ساذجا لينا مثل ما تعتقد، ما كنت صمدت كل تلك السنوات بوجه أعاصير من هم أقوى وأشرس منك، ولا كنت وصلت لتلك المكانة التي أنا عليها اليوم.
سكت منذر برهة ليترك المجال للحانق أمامه أن يزن الأمور بميزان أكثر رجاحة ثم أكمل
-وهذا يأتي بنا لسؤال آخر؛ لماذا وافقت أنا بتلك السهولة على زواجك من ابنتي، وعلى الحصة بالشركة التي اعتقد أنك غنمتها مني رغما عن إرادتي.
جلس منذر على المقعد خلفة بفخامة تليق به وهو يردف
-والإجابة بسيطة يا بكر حتى لو لم تصدقها؛ فهي الحقيقة..
أنا لا أريد خسارتك يا بكر، ولا أريد للضغينة أن تجد مكانها بيننا، ورغم قسوة ما حدث.. فهو حدث وكان قضاء لا مفر منه، وأنت أخذت بثأرك وتسببت لولدي في عاهة مستديمة ستلازمه ما بقي من حياته. فلماذا لا نطوي تلك الصفحة ونحاول أن ننسى ألمها، ونتعامل معا من منطلق وضعنا الجديد؛ رجل مع زوج ابنته الوحيدة، أو أفضل من ذلك؛ أب وولده!
جلس بكر بدوره أمام الرجل بعد إتمامه لحديثه، جلس بعنجهية مماثلة يتأمله لبرهة هتف بعدها
-لقد أطلت الحديث بلا داع يا حماي العزيز، فما قلته للتو هو تماما ما أفعله.
أنا قررت هذه المرة أن أحسبها بعقلي دون أن أدع مشاعري وغضبي يفسدان علي حياتي كما حدث في الماضي، ولكن... هذا لا يعني أنني أستطيع العيش مع ذاك الوغد تحت سقف واحد وأراه صباح مساء كأن شيئا لم يكن!
قام السيد منذر بلزمته في برم شاربه وهو يطالع بكر بنظرة مرتابة ثم علق بهدوء وهو يومئ برأسه
-أتمنى أن تكون صادقا يا بكر.. أتمنى!
نهض بكر منهيا الحوار
-سأذهب لأرى هل انتهت حسناء من حزم أمتعتها، فقد حان موعد رحيلنا.
خطا باتجاه الباب وقبل أن يجتازه التفت صوب منذر مضيفا بنبرة بدت غريبة
-لقد كنت محقا يا سيد منذر بشأن ما قلته عن تجربة السجن، هي فعلا علمتني الكثير.. أكثر مما يمكن أن تتصور!
...............................
أمام باب غرفته المفلق، تلكأت خطواته ما بين رغبتين، وما لبث أن حسم أمره بالدخول، ففتح باب الغرفة بقوة في مداهمة أفزعت الراقد بفراشه دون حراك.
وقف بكر أمام حافة الفراش يتأمل أمرات الفزع على وجه عامر ويتلذذ بها!
وجاءه صوت عامر المهتز رعبا وهو يسأل
-لماذا أتيت مجددا يا بكر؟ ماذا تريد مني بعد؟
ابتسم بكر ابتسامة سوداء تفوح منها رائحة الكراهية ثم أجاب
-أتيت لأٌملي عيني بمنظرك البائس هذا! فلكم تبدو مثيرا للشفقة وأنت راقد منبوذ هكذا لا حول لك ولا قوة!
درات عيناه بالغرقة ثم عاد ليسلط نظراته المتشفية فوق عامر مردفا
-آسف لو كانت أصوات حسناء أزعجتك ليلة أمس، فهي لا تستطيع أن تتحكم بنفسها وهي معي، ويغيب عقلها من فرط النشوة!
قبضت يد عامر السليمة على الشرشف بغضب ثم صاح
-أنت تنتقم من الشخص الخطأ يا بكر، لا أنكر أن فعلتي شنيعة لا تغتفر، ولكني كنت مجرد أداة بيدها لتنفذ مخططها للوصول إليك!
هي.. هي يا بكر من تستأهل غضبك وكراهيتك وانتقامك، وأنت على عكس ذلك تفعل لها ما كانت تتحرق إليه، وتجعلها تستمتع بغنيمتها.
حرائق تنشب بصدره كلما تفوه أحدهم بأي كلمة عما حدث، بل أن مرآهم وحده كفيل بأن يحول قلبه لرماد مهترئ؛ وخاصة رؤية هذا الوغد الراقد أمامه، ولكنه مجبر على التحمل والتظاهر ببرود الأعصاب، حتى يستمتع بتحطيمهم واحد تلو الآخر وعلى حين غفلة منهم، هكذا يكون ثأره ممتع، وذلك ستحق الصبر!
ترك بكر موضعه متحركا يقترب من عامر بخطوات بطيئة ارتعد لها فرائص الأخير، ثم مال بالقرب من أذنه هامسا
-وفر رأيك لنفسك يا خسيس؛ فأنا أعلم ماذا أفعل!
عاود الاستقامة بجذعه مردفا
-أنا جئت لأقول لك (احذرني) ولا تأمن جانبي مطلقا ما دام بصدري نفس باق، فأنا لم أعتد أن أضرب بالظهر؛ لذلك أردت أن أحذرك مسبقا.
قال جملته وغادر الغرفة بغتة كما ولجها بغتة، وقد حرر أخيرا أنفاس غضبه المكظوم، بعد أن منع نفسه بشق الأنفس من الإطباق على عنق ذاك الوغد وتمزيقه بين فكيه.
.......................................
وقفت سيارته أمام بوابة البيت وأمرها بالنزول قائلا
-لدي عملا هام سأنجزه وأعود.
نظرت للخواء حولها ثم قالت بخفوت
-بكر لا تت...
نظرته الحادة ذكرتها بقوانينه الصرامة فابتلعت تعليقها خشية إغضابه، لمحت رجل يرتدي حلة سوداء يقف منتصبا عند البوابة قسألت
-من هذا، وماذا يفعل هنا؟
-لا تقلقي، هو هنا للحراسة، أتيت به لأكون مطمئن عليك أثناء غيابي.
عادت إليه بوجهها الذي اعتلته ابتسامة ناعمة وهي تقول
-حسنا يا حبيبي، سأنتظرك فحاول أن لا تتأخر.
قابل ابتسامتها بجمود، وراح يحثها على المغادرة هاتفا بحدة
-غادري حسناء فلا وقت لدي لميوعتك!
بمجرد مغادرتها السيارة انطلق هو بها مخلفا ورائه سحابة من الغبرة جعلتها تسعل مرارا وهي تتابع رحيله.
بعد نصف ساعة كان يجلس ببيت الشيخ إدريس يستكشفان معا محتويات الذاكرة التي أخذها من حسناء، أطاح الشيخ إدريس الحاسوب بعيدا بيده وهو يستغفر الله بلا توقف وقد نفرت عروقه غضبا وهو يقول
-ما كل هذه القذراة يا ولدي، هل هؤلاء بشر مثلنا أم شياطين والعياذ بالله!
أغلق بكر الحاسوب وهو يجيب الشيخ
-بل شياطين الإنس يا شيخ إدريس! وما خفي كان أعظم، فما رأينا يعد نقطة ببحر وسخهم، المستندات التي هنا تؤكد تورطهم في تجارة كل ما هو قابل للبيع والشراء؛ سلاح، أعضاء، مخدرات بكل أشكالها وأنواعها، وحتى النساء والأطفال. كل رجل ممن رأيت قذارتهم هنا موكّل بتجارة بعينيها، وبالتأكيد من يدير هذه المنظمة، منظمة أخرى دولية لا يمكن المساس بها.
نظر الشيخ إدريس لبكر وقد لاحت في نظرته خوف حقيقي ثم سأل بأسف
-لماذا يا ولدي.. لماذا ورطت نفسك مع هؤلاء؟ لماذا قبلت من الأساس بالعمل لدى ذاك الرجل وأنت تعلم أن يده قذرة ملوثة بالدم؟ أم ستقول أنك لم تكن تعلم أنه يتاجر بالسلاح!
-بدى الأسف على ملامح بكر وهو يجيب
-بلى يا شيخ إدريس، كنت أعلم عنه الكثير، ولكن...
-ولكن ماذا يا بكر، ما هو مبررك لغرق نفسك في ذلك الوحل؟
انفعل بكر وهدر بصوت مخيف
-كنت غاضبا يا شيخ، ناقم على كل شيء وأشعر بالظلم لما آل إليه حالي، رأيتها فرصة أن أضرب كل العصافير بل الشجرة نفسها بحجر واحد!
خر ساقطا على أحد المقاعد فكاد يتحطم، ثم استرسل
-سنوات حملت فيها روحي على كفي أقدمها فداء لهذا الوطن ورموزه، وماذا جنيت في المقابل، خسرت عائلتي ووظيفتي، وثلاث سنوات من عمري في السجن لأنني أردت أن آخذ بثأر أرواح بريئة قُتلت غدرا.
غير أن منذر كان كفا مدت إلي عندما أشاح الجميع بوجوههم عني، وصدقني لولا ما حدث لكنت صنت عهده لآخر يوم بعمري.
جلس الشيخ بجواره وراح يربت على كتفه المحني وهو يقول
-للأسف يا ولدي كل حساباتك كانت ولا تزال خاطئة. لقد حذرتك مرارا من مغبة الطريق الذي قررت أن تسلكه، ولكنّي أعلم جيدا أنك لن تأخذ تحذيري بعين الاعتبار، ومع ذلك أنا سأقدم لك كل ما تحتاجه لتأمين نفسك وحمايتها، ولكن سامحني يا ولدي، فأنا لن أشترك معك في أي شيء تنوي فعله.
رفع بكر أسه يطالع الشيخ بمحبة وهو يقول
-أنا من يجب عليه أن يطلب مسامحتك يا شيخ، ورطتك معي فيما لا علاقة لك به، وصدقني لم أكن أنتوي أن أشركك معي في أي مما هو قادم، ولكن لي طلب أخير؛ أن تضم هذه الذاكرة للأمانة التي تحتفظ بها معك، ولن أطالبك بشيء غير ذلك.
........................................
وقفت تطالع هيئتها بالمرآة بإعجاب كحالها مع نفسها دوما!
قميص نومها الزيتوني الذي يضاهي لون عينيها أضفى عليها رونقا يحبس الأنفاس، وهذا ما تريده تماما؛ أن تحبس أنفاسه عند مرآها، أن تجعله يدرك مدى روعة وجمال المرأة التي يمتلكها قلبا وقالبا، أن تحرك ذاك الحجر العصي القابع خلف أضلعه وتجعله يخفق لها ولو خفقة واحدة.
منذ أن عاد بها إلى هنا منذ أكثر من خمس ساعات ثم غادر قائلا أن لديه بعض الأعمال، وهي تهيئ نفسها له بعد أن انتهت من توضيب ملابسها بالخزانة ونثرت أغراضها بالغرفة لتضفي عليها طابعا خاصا يشعرها بأنها غرفة نوم زوجين، فقط ينقص الغرفة أغراضه هو ليعلق بها عبقه الرجولي مما سيجعلها تشعر بامتلاكه أكثر.
حاوطت نفسها بزخات من عطر يفيض أنوثة وإغراء، وزادت من حمرة شفتيها، ثم خرجت من الغرفة تضع الطعام الذي اشترياه في طريق عودتهما فوق المائدة بشكل أنيق، وأضاءت شموع عطرية امتزح عبيرها برائحة عطرها التي فاحت في أرجاء البيت.
تنقلت بنفاد صبر بين النوافذ الموصدة التي اختلست النظر من بين أسياجها الحديدية، ولكن لم تمكنها عتمة المكان بالخارج من رؤية أي شيء. رغم أنها حاولت التركيز تلك المرة في الطريق حين عودتهما، ولكنها لم تفلح في تحديد مكان هذا البيت ولا في أي منطقة يقع، خشيت أن تسأله عن سبب اختياره لهذه المنطقة المعزولة عن العمار بشكل يثير الرهبة، فيغضب عليها ويثور، فآثرت الصمت، ولولا الحارس الذي يقبع عند بوابة المنزل فيشعرها أن هناك بشرا يشاركها هذا المكان الموحش، لكانت جنت من الخوف!
بعدما تجاوزت الساعة الثانية عشر بقليل، وجدت باب البيت يفتح ويظهر من خلفه بكر، تسابقت خطواتها لتصل إليه تلف ذراعيها حول عنقه الذي طالته بصعوبة، طبعت قبلة في تجويف رقبته استنشقت معها رائحة لم تتوقعها؛ رائحة الخمر!
ابتعدت عنه قليلا برأسها وهي تنظر إليه متعجبة وقد أتى سؤالها يحمل أثر النظرة
-لم أكن أعلم أنك تحتسي الخمر؟
فك حصار ذراعيها من حول عنقه يجيبها بسخرية متجها نحو غرفته وقد بدأ في حل أزرار قميصه
-ماذا يا بريئة، هل حطمت صورتي المثالية في عينيك!
تبعته وهي تتابع تجرده من ملابسه بشغف ثم أجابت بغنخ وهي تعاود الاقتراب منه
-لم أقصد بالطبع، ولكن كنت أفضل لو تشاركنا الشراب معا.
مررت يدها على تقاسيم صدره العضلي وهي تردف بحرارة
-لا يهم، أخبرني أي نوع تفضل؟ أنا عن نفسي أعشق النبيذ الأحمر.
ينظر لعينيها الخضراوين المليئة بالشغف، شفتاها المكتنزتين المخضبتين بحمرة تحض على التذوق، صدرها النافر من مكمنه بسبب ضيق قميص نومها المغوي، وصوتها الذي يتسلل إلى أذنيه بنبرته الناعمة الحارة بسؤالها الذي علق عليه تعليقا غريبا
-لون الدم!
ابتسمت ابتسامة شيطانية وهي تهمس بالقرب من شفتيه
-بل لون الغواية!
ابتعدت تتهادى في خطواتها حتى وصلت إلى الفراش الذي جلست فوقه معاودة سؤالها
-لم تجب! أي نوع تفضل؟
ثبت عليها نظراته التي حملت شيئا أجفلها وهو يقترب منها قائلا
-أي نوع يساعدني أن أنسى من أنت وماذا فعلتي!
مال عليها أكثر تلفحها أنفاسه مما جعلها تتراجع بجذعها للخلف قليلا، اعتصر كف يدها في قبضته وهو يكمل
-أي شيء يجعلني لا أرى دم زوجتي المخضبة به يدك!
كان الليلة يحتاج لمارده أن يحضر، وما كان أمامه من وسيلة لينغمس معها للدرجة التي تخرج ذاك المارد من محبسه، سوى أن يكون بلا وعي، غائب عن كيانه المعذب بالفقد، كان بحاجة لأن ينسى ولو لليلة من هي وكم يكرهها، فقط ليتسنى له رؤية المرأة بها ويسمح لنفسه أن يتأثر بها كرجل ويرغبها، وها هو وعيه بدأ ينسحب رويدا، وعطرها الذي يضاهي الخمر تأثيرا بدء يثير بداخله الرغبة، ناهيك عن جسدها المطروح أمامه فوق الفراش يرتجف خوفا من وقع كلماته.
أطلقت قبضته سراح كفها، وأخذت طريقها تتلمس غلالتها بملمسها الناعم جدا وعيناه تطلق سهام نظراتها على كل شبر بجسدها الذي بدأ يرتخي على إثر لمساته. فجأة ودون مقدمات وجدته بحركة مباغتة يمزق الغلالة عن جسدها -كعادته- ويتخلص مما بقي من ملابسه، ثم ماعادت هي تعي ما يحدث، وكأن شيطان تلبسه؛ فما كان يبادلها غراما، بل كان يفترسها!
منسحقة تحت سطوته تعاني ويلات ما تمنت؛ وهو الذي حذرها مرارا من مغبة التمني!
يصول ويجول فوق جسدها غير آبه أو معني بما يمكن أن يحدث لها؛ فها هو أخيرا قد وجد مستنقع عفن يستطيع أن يتخلص فيه من قيح جروحه الملوثة بوسخ القهر، دون ذرة ندم أو خوف.
كم حاولت أن تنفضه عنها أو تتملص من بين يديه اللتين يقبضان على كفيها ككلابيب من فولاذ، وكل محاولاتها لم تُجدِ شيئا، فلم تجد غير صوتها تطلق صرخاته قدر ما تستطيع علها تجد من يغيثها، ولكن كانت صرخاتها تتبدد في العدم من حولهما.
زمن مر عليها كأزمان، تركها بعد أن فتت كل ذرة بجسدها، ودهس كل عظمة بعظامها، حتى أنها لم تقو على الحراك من موضعها ولو بقدر بسيط بعد أن عتقها وترك الفراش، فقط انتفاضاتها بين الحين والآخر، ونهنهات بقايا بكائها هما ما يدلان على أنها لا تزال على قيد الحياة.
بعد أن أخذ حماما يزيل به سريعا أثرها من عليه، ثم خرج عائدا إليها، وقف أمام الفراش يطالعها بانتشاء ظافر دك حصون عدوه دكًا، فتحت عيناها ببطء تنظر إليه وكأنها تعود من موت مؤقت وبصوت واهن مبحوح يكاد لا يسمع حسيسه قالت
-ماذا.. فعلت بي؟ كدت تق...تلني!
هبط منة عليائه ليجلس على عقبيه جوار الفراش يمد يده يمسح بها على مقدمة رأسها بحركة رتيبة وهو يجيب متنهدا
-آه يا حسناء! لقد حذرتك مرارا ولكنك عنيدة. هذا أنا؛ وحش يفترس النساء في الفراش، وحش حسدتي امرأة أخرى عليه، بل وسعيتي لتحصلي عليه خالصا لنفسك.. فهنيئا لك على غنيمتك يا حسنائي!
مرر يده على كدمات جسدها التي بدأت تتخذ ألوانا عدة، ثم ضغط بقوة على إحداها فتألمت هي بصمت واغرورقت عيناها بدمع طفيف، تابع بشرود وهو يستعيد الذكرى
-لقد حمل جسدها العديد من تلك الآثار، مرات ومرات، كانت تتألم حتى تُهدي إلى متعتي، لدرجة أنني كرهت نفسي وكرهت رجولتي، حتى أنني فكرت مرارا أن أطلقها كي أعتقها من عذاب أسري، ولكنها لم تقبل يوما.
عادت نظراته من شرودها لتسقط على وجه حسناء الذي بدى كوجه مهرج وقد تداخلت ألوان زينتها معا لتصنع من وجهها لوحة مشوهة، غامت عيناه بغل وهو يسترسل
-حتى أتيت أنت وحررتها من ذاك الأسر وأنهيتي معاناتها، بل وقدمت نفسك قربانا لوحش لم يشبع من التهام القرابين بعد!
قام من جلسته يبحث عن قميصه ليستخرج من جيبه شريط دواء، عاد إليها وقد فض من الشريط حبة بكفه، قربها من فمها قائلا
-تناولي هذا المسكن، سيخفف من ألم جسدك ويجعلك تستطيعين النوم بشكل أفضل.
فتحت فمها تتناول الحبة التي ألحقها بجرعة ماء أسقاها إياها إيضا ثم سحب عليها الغطاء متمتما
-كانت ليلة ممتعة يا حسناء، وسأنتظر المزيد منها فتحسني سريعا.. تصبحين على خير!
.........................................
في الصباح الباكر كان بكر يجلس بمكتب نجيب العزازي الذي بدء يتفصد عن جبينه عرق غزير، وارتعشت يداه وهو يطالع ذاك المقطع الفاضح الذي قام بكر بتشغيله على هاتفه، ويظهر فيه الرجل بصحبة امرأة.
الدقيقة الأولى من المقطع كانت كافية لتصيب الرجل بأزمة قلبية، أوقف بكر المقطع وهو يعيد الهاتف لجيبه بينما يراقب علامات الاضطراب بهدوء على وجه الرجل الذي تطق أخيرا بصوت ترتجف نبرته
-هل أتيت لتبتزني يا بكر؟ لم يكن هذا اتفاقنا!
-مطلقا يا سيد نجيب، بل أنا ملتزم باتفاقنا لآخر لحظة ولهذا اجتهدت لكي أحصل على ذاك المقطع والكثير غيره، لك ولغيرك.
زادت رعشة يد الرجل وهو يحل بها ربطة عنقه ويسأل
-ماذا تعني؟
-أعني أن منذر النعماني سيظل لديه اليد العليا عليكم جميعا طالما بحوذته مثل تلك الأشياء. والغريب حقا أنه بالرغم من أن الكثير من المسلسلات والأفلام ألقت الضوء على مثل ذلك الفخ مرارا، فإن الجميع لا يزال يسقط فيه بكل سذاجة، هل حقا الشهوة عمياء لتلك الدرجة يا سيد نجيب!
رسم بكر الدهشة على محياه وهو يردف ساخرا
-هل أخبرتك أن من ضمن ما وجدت، كان تسجيلا لسليمان بك مع زوجة رجل منكم.
كادت الجملة تقضي على الرجل أمامه، ولكن بكر عاجله موضحا
-اطمئن يا نجيب بك، هي ليست حرمك المصون، ولكن اعذرني فلن أستطيع أن أفصح عن هويتها.. فأنا لا أحب هتك الأستار.
تعالت ضحكة بكر أمام ذهول الرجل، ثم التف بجسده يواجهه وهو يضيف بنبرة خافتة كأنه يفصح عن سر خطير
-ولكن الفضيحة المدوية هي ما وجدته لذاك الرجل الذي تلقبونه (بالباشا). سكت بكر برهة يحفز ترقب الرجل ثم تابع
-هل كنت تعلم أن له ميولا شاذة! شيء مثير للاشمئزاز حقا!
نهض الرجل من مكانه يقترب من بكر بخطوات مترنحة، وحملت نبرته الكثير من الاستجداء وهو يقول
-ماذا تريد يا بكر مقابل ما لديك؟ أو ماذا تنوي أن تفعل به؟
اعتدل بكر في جلسته وقد امتقع وجهه وهو يقول
-للأمانة يا سيد نجيب، جميعكم تستحقون الحرق، فربما تطهرتم من قذارتكم قليلا، ولكن مصلحتي تجبرني على أن أضع يدي في أيديكم القذرة لأنهي منذر النعماني إلى الأبد.
كاد الرجل يتوسله وهو يرى فيه طوق نجاته
-بكر، أخبرني بماذا تفكر وأنا سأدعمك بكل ما تحتاج إليه، فقط يجب أن نحصل على أصل تلك الأشياء من منذر، فكما قلت طالما هي معه، هو في آمان ولن يستطيع أحد الاقتراب منه.
-هذا لا يهم يا سيد نجيب؛ لأن حتى لو حصلت على الأصل الذي نسخت عنه تلك النسخ، لا ضمان أنه لا يحتفظ بغيرها في مكان آخر.
ازدرد نجيب ريقه بصعوبة وهو يسأل باضطراب
-إذن، ماذا سنفعل؟ هل سنترك رؤوسنا تحت رحمة مقصلته طوال الوقت!
-بالطبع لا يا سيد نجيب، لذلك يجب أن لا يشعر منذر بأننا خلف أي مما سيحدث له.
-وماذا سيحدث له؟
-الكثير يا سيد نجيب، لدرجة أنه سيحتار لأي جبهة يتصدى!
أنهى بكر جملته وهب من مجلسه مغادرا، ليستوقفه نجيب سائلا بريبة
-بكر، اعذرني في شكي، ولكن كيف أضمن ولاءك وقد جئتني لتغدر بمن كان ولي نعمتك!
-البادئ أظلم يا سيد نجيب، وأنا فقط أرد له غدرته.
...............................................
بالكاد تستطيع الحركة وآلام جسدها المبرحة لا تغادرها، أنينها صوت جديد على أذنيها، بل كل ما يحدث معها جديد عليها ما كانت تتخيل أن تعايشه يوما!
وقفت أمام المبرد وهي بالكاد تصلب طولها، استخرجت بعض الأشياء تحاول أن تصنع لها شطيرة تتناولها لتسد رمقها، وتستعيد بعضا من عافيتها.
جلست على طاولة الطعام بالمطبخ تتناول ما صنعته بشرود وعقلها لأول مرة لا بسعفها بحلول.
لو كانت تلك حقا طبيعة بكر؛ كيف تحملته ندى بضآلة جسدها ورقته دون أن يحدث لها شيئا!
والسؤال الأهم؛ كيف ستتحمل هي؟
هل حقا انقلب سحرها عليها، وما كانت تشتهيه حد الموت سيصبح حقا موتها!
رفعت عيناها للساعة المعلقة على الجدار تتابع ****بها التي تمر برتابة، الوقت قارب على الرابعة عصرا، حاوطت رأسها بكفيها لا تدري ما بها، ولكنها تدري أن خطبا قد ألم بها؛ فهي ليست على طبيعتها.
خرجت من المطبخ ووقفت حائرة بمنتصف البهو، جدران أربعة تحيط بها تكاد تخنقها، لا شيء بهذا البيت يساعد على قتل الوقت وملأ الفراغ، حتى تلفاز لا يوجد، هاتفها لا يزال بحوزة بكر ولا تملك غير ذاك الهاتف العتيق الذي منحه لها والذي لا يحوي أرقاما غير رقمه.
شعرت أن أنفاسها ثقيلة لا تستطيع سحبها خارج صدرها، وقد أعياها طول الوقوف فتهاوت على الأريكة بجوارها وهي تكاد تبكي؛ كيف استبدلت هذا السجن بكل ما كانت تملك وتتنعم به!
أنهكها التفكير، فما شعرت وهي تميل بجسدها تتمدد على الأريكة مستسلمة لغفوة ربما تريحها ولو قليلا من ألم جسدها الذي لا يهدأ.
وقف يتأمل وضعها البائس واضعا يديه بجيبي بنطاله ونشوة يستعذب مذاقها تسيطر على حواسه.
ضرب أحد قوائم الأريكة بقدمه لتهتز بقوة، فتنتفض الغافية فرقها بهلع تتلفت حولها حتى بدأ وعيها يعود إليها بعد أن وقعت عيناها على قامته الفارعة، هتفت باسمه في اضطراب، ثم جاءها صوته بنبرته الجافة يسأل
-لماذا تنامين هنا؟ ولماذا تنامين في هذا الوقت من الأساس!
تاهت الكلمات على لسانها وهي تحاول تكوين جملة مفيدة، فراحت تقول
-أنا.. أنا.. لم أكن.. أقصد أنني.. ربما غفوت دون وعي.
مد ذراعيه يلتقطها بين كفيه ليوقفها في مواجهته وهو يقول بنبرة بها شيء من رقة
-ماذا بك يا حسناء؟ تبدين غريبة.. هل لهذا الحد أنت متعبة!
تشبثت بذنديه وهي تجيب
-نعم يا بكر، أنا أشعر أنني متعبة جدا؛ هلا أخذتني إلى طبيب!
ضحك بسخرية وهو يعلق
-ماذا تقولين يا حسناء! أي طبيب الذي تودين الذهاب إليه، ولماذا؟
جذبها من يدها حتى طاولة الطعام وهو يردف
-لقد أتيت لك بالطعام لأنني كنت على يقين أنك ستكونين مرهقة ولن تحضري أي شيء، أجلسها وهو يتابع
-بعد أن تتناولي طعامك وتأخذين حبة مسكن أخرى ستصبحين أفضل.
دون كثرة حديث لا طاقة لها به، شرعت في تناول الطعام ولكن دون شهية، فاكتفت بلقيمات بسيطة ثم سألته على الفور أن يمنحها المسكن، ابتسم وهو يستخرج من جيبه علبة دواء ويمنحها منها حبة، تناولتها سريعا ثم قالت
-اترك لي العلبة حتى أنتاول منها كلما شعرت بالتعب.
أعاد العلبة لجيبه وهو يجيب رافضا
-بالطبع لا، تناول المسكنات بكثرة خطر ويجب ألا تتعدي حبة أو اثنتين باليوم.
وقف وساعدها على النهوض وهو يضيف
-هيا أذهبي وارتاحي بالفراش ريثما أرتب أنا المائدة ثم آخذ حماما.
نظرت إليه مستغربة حاله الذي يتبدل بين الحين والحين بين الشدة واللين، القسوة والحنان، طأطأت رأسها بتشتت وتركته يقودها حيث يريد.
بعد وقت لم تتبينه شعرت به يندس إلى جوارها بالفراش، وراحت يده تعتصر خصرها مما جعلها تتألم، ولكنه لم يمنح صوتها الفرصة للتعبير عن ألمها حيث أطبق على شفتيها يقبلها بقسوة، وحين أطلق صراح شفتيها هدرت بقوة
-ماذا تفعل يا بكر، ألا تراني متعبة جدا ولن أستطيع أن...
قطع عليها جملتها وهو يقبض على خصلات شعرها يجذبها إليه بوحشية هادرا
-وهل تعتقدين أنني سأستأذن منك قبل أن أنالك؟ لقد كان اتفاقنا واضح يا حسنائي.. أنت لي كل ليلة؛ أليس هذا ما كنتِ تتمنين يا حلوة!
أنهى جملته وهو يخضع جسدها لسطوته بكل بساطة، وكأنها دمية مسلوبة الإرادة بين ذراعيه القويتين، ومن جديد تدوي صرخات استغاثتها تطربه كأروع معزوفة مغزولة من آهات وتوسلات ودموع، سيحرص على عزفها على أوتار جسدها كل ليلة؛ فينتهكه حتى ينهكه.
.........................................
من قال أن الجلاد لا يتألم!
كما أن المجلود تلهب جسده لسعات السوط.. الجلاد تؤلمه ذراعه، وتحترق روحه بالمثل.. تحترق بالكره، بالغضب، بالحقد، بنيران الانتقام التي ما تلبث أن تخبو جمراتها حتى تعود تتأجج من جديد.
إن كان المقتول ينجو بموتة واحدة، بينما القاتل يفنى في وحل إثمه ويموت ببطء؛ فقد قرر هو أن يخل بمعطيات تلك المعادلة، لا راحة لمقتول ولا قاتل؛ الكل سيحظى بموت بطيء.. حتى يصبح الموت أمنية بعيدة المنال، إلا لمن استطاع إليه سبيلا.
أربعة أشهر كانت كافية لتختل جميع الموازين، أربعة أشهر كانت كفيلة بأن تحوله لوحش حقيقي، وكيف لا وقد استسلم تماما لعتمة روحه وفتح أذنيه على مصراعيها لوسوسة شيطانه الذي أغواه ببريق الانتقام وسول لنفسه كل سبل الضلال ليصل لغايته، حتى مرآته أصبحت تنكره عندما يطالع انعكاسه فيها، لقد كان ضخم الجثة مُهاب الهيئة إي نعم؛ ولكنه كان يحمل قلبا رقيقا محبا ربما من فرط رقته كان أضعف من أن يتحمل ابتلاءات القدر ويصمد أمام اختباراته، أما الآن فقد تبدل قلبه ليصبح ملائما تماما لقالبه.
........................
وقف عن بعد يراقبه بعينيه المتقدتين، وإلى جواره يقف أحد رجاله يهمس في أذنيه بكل ما يعرف من معلومات..
-هو هنا كل ليلة منذ أن فك جبيرة ساقه وبدء يتحرك بمساعدة عكازه الطبي، يأتي حوالي الساعة الحادية عشر ولا يغادر قبل الثالثة أو الرابعة فجرا.
-هل يغادر بمفرده؟
-أحيانا يغادر بمفرده ولكن مرات أخرى يصطحب معه إحدى الفتيات ويذهب بها إلى هذا العنوان.
مد الرجل يده بورقة التقطها بكر ينظر إليها، ثم استرسل الرجل
-الشقة مسجلة باسمه.
-هل هناك فتاة معينة يرافقها؟
-لا، ولكن حدث أن غادر بصحبة نفس الفتاة أكثر من مرة.
ألقى بكر نظرة أخيرة على الجالس بعيدا وسط رفاقه يضحك بصخب ويتجرع الكأس تلو الآخر دون توقف، شاهده كيف يتابع حياته من حيث توقف وكأن شيئا لم يكن.. وكأن شيئا لم يكن.
أدار وجهه مغادرا وهو يصدر أمرا أخيرا لرجله
-عيناك لا تغب عنه، أريد أن أكون على علم بكل صغيرة وكبيرة يفعلها.
أومأ الرجل مستجيبا لأمر بكر الذي غادر المكان وبداخله تثور حمم، ما يجعله قادرا على تحمل نيرانها، هو ما ينوي فعله بذاك النذل؛ فهو يرخي له حبلا، سيخنق به نفسه بنفسه.
عاد الرجل ليتابع عن بعد جلسة عامر وسط رفاقه، ضجيج المكان وبُعد المسافة لم يساعدا الرجل لتبين الحوار الدائر هناك، ولكن فيما يهمه الحوار، هو فقط مأمور بمراقبة عامر؛ لذلك لم يدرك الرجل أن الجالس هناك يضحك ويتجرع الخمر ويلاطف النساء بين الحين ولآخر؛ لم يكن سعيدا كما يبدو، ولا يفعل ما يفعل بهدف المتعة؛ بل كانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي يعرفها لينفس عن ضيقه.. عن ألمه.. عن ندمه!
ذنبه الذي ظنه مغامرة أو تحد، أصبح وحشا له مخالب لا ينفك ينهش بها في جوف قلبه. ربما ما فعل بندى لم يكن أول ذنوبه ولا آخرها، ولكنه كان أعظمها، وأشدها وطأة عليه، هو لم يغتصب امرأة قط في حياته، وبالتأكيد لم يقتل إنسانا من قبل؛ حتى لو حاولت حسناء إقناعه بأنهما لم يقتلا تلك المسكينة؛ فهو في قرراة نفسه يعلم أنه قاتلها.
منذ أن استطاع أن يطأ الأرض بقدميه، وهو يفر من تلك الغرفة وذاك الفراش الذي أجبر أن يظل طريحه لثلاثة أشهر وكأنه قد حكم عليه أن يسجن بقلب ذنبه، لم يهنأ بنوم فيه ولو ليلة واحدة، وكيف وقد كان ذاك الفراش مسرحا لجرمته!
كأس تلو الآخر يتجرعه علّه يتيه عن عقله فتتوه عنه الذكرى، ولكن هيهيات!
كلما تجرع أكثر.. تذكر أكثر، وكأن التفاصيل الصغيرة التي اختار عقله الواعي أن يغفلها، يحفظها لا وعيه في مكان آمن، وعندما تشرع الخمر أبواب ذاك اللاوعي، يغدق عليه من تلك التفاصيل وبسخاء.
أنهى زجاجة فرفع إصبعه يشير للنادل طلبا للمزيد، أمسك أحد رفاقه بيده ينزلها وهو يقول
-كفى يا عامر، لقد أفرطت في الشرب اليوم.
ضحك عامر بصوت عال وما كان هناك ما يضحك، ولكنه ظل يضحك حتى سال الدمع من جانبي عينيه، سأله رفيقه بدهشة
-لماذا تضحك هكذا؟ هل أنت بخير؟
شرد عامر لوهلة في ملامح محدثه قبل أن يعاود ضحكه وهو يجيب
-لا أدري! هل تراني أنت بخير.. فأنا لم أعد أعرف!
استقام الرجل وهو يشد عامر ليوقفه هاتفا
-كفانا الليلة يا عامر، هيا لأوصلك لمنزلك.
نفض عامر ذراعه من يد رفيقه وهو يعترض
-أذهب أنت، فأنا لا أريد المغاردة.. ليس بعد.
هادنه رفيقه وكأنه يحايل طفلا
-حسنا، ما رأيك لو تأتي معي إلى بيتي ولنكمل سهرتنا هناك، فأنا مللت الجلوس هنا.
تطلع عامر حوله ثم تنهد جيبا
-حسنا، ولكن لنأخذ معنا الفتيات أيضا.. سنحتاجهن!
قالها وهو يرمق الجالسة إلى جواره بوقاحة، فصدحت ضحكتها مدوية في المكان، ثم نهضت وتبعها الأخريات استعدادا للرحيل.
وفي ختام الليلة كان يجمعه الفراش بإحدى الفتيات، وكعادة جديدة اكتسبها، طوال الوقت كان يطلب منها أن تخبره أنها ترغبه، بل ويجعلها تترجاه أن يفعل، وبعد أن ينتهي منها، يجلس عند قدميها ينتحب طالبا منها الغفران وهو يهزي قائلا "سامحيني يا ندى.. أخبريني أنك سامحتني" ولا يتوقف حتى تخبره رفيقة ليلته بأنها سامحته؛ فيهدأ ويستسلم لنوم أشبه بموتة قصيرة.
......................................
-اصمتي.. اصمتي، ألا تتعبين من نفس الحديث كل ليلة.. أنا لم أفعل، بل أنتِ فعلت!
هتفت بها حسناء بغضب وهي تصم أذنيها عن صوت ندى، بل وتشيح برأسها يمينا ويسارا حتى لا ترى صورتها شاحبة الملامح!
فتحت باب الغرفة تركض هربا وإذا بها ترتطم بجسد عامر الذي أطبق كفيه حول عنقها يريد أن يظفر بروحها علّه يشفي غليله، حاولت بما بقي لها من طاقة أن تفر من بين أصابعه المتشبثة بعنقها ولكنها كانت أضعف من أن تقاومه!
فجأة سقطت أرضا ونداء حلو باسم تدليلها المحبب يتسلل إلى أذنيها فيأخذها بعيدا عن كل هذا الصراع؛ كان صوت والدتها الذي ظلت كل تلك الأعوام تتمسك في ذاكرتها بنبرته خشيت أن تنساها.
"حُسن.. عانقيني يا حُسن"
تلفتت حولها تبحث عن مصدر النداء، عن والدتها كي تهرع إليها تعانقها كما اعتادت أن تفعل كلما اشتدت على أمها نوبة المرض، ولكنها لم تجدها.. لم تجد غير أشباح تسعى للأخذ بثأرها.
صوت انفتاح الباب جعلها تتسمر بأرضها في هلع تترقب من سيظهر لها من خلف الباب، وكان هو.
بمجرد أن لمحته هرعت إليه ترمي بنفسها بين ذراعيه وهي ترتعد خوفا، وتهذي بكلمات لم يتبينها، ولكنه توقعها بحكم ما جد عليها من عادات.
مسح برفق على رأسها في محاولة لتهدئتها وهو يقول مطمئنا
-اهدئي يا حسناء، هذا أنا ولا يوجد أحد غيري!
رفعت رأسها عاليا إليه ترمقه بعينين دامعتين وهي تهتف بحدة
-بلى هناك غيرك يا بكر.. ألا تراهم!
أدارت رأسها قليلا إلى الخلف وهي تغوص أكثر بصدره وتهمس
-إنها هناك بالداخل، دائما تقول لي نفس الكلام!
عادت برأسها إليه مردفة
-أخبرها يا بكر أنني لم أقتلها، صدقني لم أفعل، أنا فقط أردت أن أخيفها، أن أبعدها.. أخبرها يا بكر فهي لا تصدقني، ولكنها ستصدقك!
أبعدها بقوة عن التصاقها بصدره وهو يهدر بها أن تصمت، لا يتحمل أن تأتي بذكر ندى على لسانها حتى لو كانت في حالة مثل التي هي عليها.
ابتعد عنها قليلا فلحقت به تتشبث بثيابه وهي تقول
-لا تبتعد عني يا بكر، إن عامر يود قتلي، لقد كان هنا لتوه يقبض بيديه على عنقي ولا أعلم كيف نفدت منه!
جلس وأجلسها إلى جواره فالتصقت به كقطة مذعورة، ربت على كف يدها وهو يقول بهدوء
-حسناء، لا أحد هنا غيرنا، وكل ما تقولينه هو مجرد أوهام في رأسك..
نظر إليها وفاضت نظرته بكثير من النشوة والتشفي، تابع مصطنعا الدهشة
-ماذا يحدث معك يا حسناء؟ أخبريني ماذا أصابك.. أشعر بك على شفا الجنون!
التقط ذقنها بين أصبعيه مردفا بسخرية لاذعة
-لا تخبريني أن لكِ ضميرا يؤنبك، فالضمير لا يليق بك عزيزتي!
تلفتت حولها مجددا تطمئن لعدم وجود أي من أشباحها ثم همست
-أنت محق، أنا لست بخير، وأخبرتك مرارا أني أريد مغادرة هذا البيت.. أنا أكرهه يا بكر وربما وحدتي هنا في هذا المكان المقفر هي سبب كل ما أعانيه.
هبطت عند ساقه تتعلق بها وهي تتوسله قائلة
-أرجوك أعدني إلى القصر.. أتوسل إليك يا بكر!
مد يده ينهضها ويعيدها إلى جواره وهو يقول
-القصر مجددا يا حسناء! هل ترغبين أن أعيدك إلى أبيكِ وأنت في هذه الحالة حتى أتيح له الفرصة ليشمت بكِ، ألم يخبرك هو بنفسه أنه لم يعد يهتم لأمرك وأنه لن يساعدك لو عدتي نادمة إليه!
-ولكني لست نادمة، أنا فقط مرهقة وأعصابي متعبة وأريد أن...
قاطعها بهدوء لم يعكس أي من نواياه الشيطانية تجاهها
-حسناء، أنسي أبيك والقصر؛ فأنا لن أعيدك إلى هناك طالما أنت بهذه الحالة..
سكت برهة تفحصها بها وأخذ يملس على شعرها مردفا
-ولكن لدي اقتراح آخر وأعتقد أنه سيفيدك أكثر. ما رأيك لو تذهبين فترة إلى مصح نفسي، يتابعك أطباء هناك حتى تتحسن حالتك وتعودين إلى طبيعتك، ثم بعد ذلك أعيدك إلى القصر... ما رأيك؟
شردت لبرهة وتشتت أفكارها التي حاولت قدر استطاعتها تجميعها، ثم نطقت بتوجس
-مصح نفسي! هل تراني مجنونة يا بكر!
تنهد بضيق وهو ينهض مهيمنا في وقفته المنصبة على انكسارها وضعفها، زفر لهيب أنفاسه ثم هدر بصوت مخيف
-أنا لم أقل أنك مجنونة يا حسناء، بل أقول أنك تحتاجين لمساعدة متخصص؛ وأنا مللت تقلباتك المزاجية ونوبات هلعك وجنونك، ولا أستطيع أن أترك عملي لأجلس هنا إلى جوارك كي أراقبك خشية أن تؤذي نفسك!
مال بجذعه عليها شاهرا سبابة تهديده في وجه خوفها متمما
-هذا ما لدي، إما أن تذهبي للمصح حتى تتعافي ثم أعود بك إلى القصر، أو تظلين هنا تتحدثين إلى نفسك حتى تصابي بالجنون تماما.
قال قوله وهم بالمغادرة، فلحقته سريعا تتشبث به من جديد وهو تقول بنبرة باكية
-حسنا يا بكر، سوف أذهب للمصح، ولكن لا أريد لأبي أن يعرف بهذا الأمر.. أرجوك!
التفت إليها بجسده ثم ضمها إليه وهو يقول بنبرة ظافرة
-لا تقلقي يا حسنائي.. لا تقلقي بعد الآن.
اشتدت ضمته حول جسدها وراح يتحسسه، فارتعدت هي بين يديه تحاول أن تبعده عنها، ولكنه أحكم ذراعيه حولها وهم بتقبيلها، فعادت برأسها إلى الوراء قدر ما تستطيع وهو تقول في هلع
-لا.. لا أريد أرجوك؛ فأنا متعبة وجسدي لم يعد يحتمل ما تفعله بي كل ليلة.
أمسك برأسها من الخلف يعيده قرب فمه وهو يهمس بخشونة
-أنا لم أقربك منذ يومين يا حسنائي، لقد تركتك ترتاحين، ولكن الليلة لن أتركك، فهي الليلة الأخيرة وأنا سأشتاقك يا حلوة!
حملها على ذراعيه كنعجة تساق للذبح، ليكرر مشهدا ساديا بات يدمنه كما أدمنت هي الأقراص التي حرص على أن تتناولها كل ليلة حتى يصل بها إلى تلك الحالة التي هي عليها من الهالوس السمعية والبصرية حتى باتت على شفا الجنون.
..........................................
الانتقام دوامة مهلكة ما أن تسحبك إليها، حتى تدمن الانجذاب إلى هواية الهاوية، تستسلم للغرق برضا، تستمرئ دجنة الأعماق وتتحسس من الضياء ونوره.
وها هو وصل بشيطانة الأمس وضحية اليوم -إن جاز عليها لقب الضحية- إلى جحيمها الخاص، وبقدميها خطت أولى خطواتها صوب أبوابه التي ما إن تُفتح لاستقبالها حتى تسقط في سعيرها بغير رجعة.
بهيمنة ضارية أيقن من سقوط فريسته بالفخ، سار أمامها يسد عنها الرؤية بضخامة جسدية لطالما جذبتها، تسير خلفه بمقدرا خطوتين رغم أن يده تقبض بقوة على كف يدها، فبدى المشهد وكأنه يجرها خلفه جرا، ولا ينافي فرضية الهيئة سوى وهن خطواتها التي بالكاد تُسيّرها خلفه. وصل بها إلى غرفة الطبيب الذي من المفترض أن يصبح مسؤولا عن حالتها، طرق الباب بقوة ثم فتحه ليجد الطبيب يقف سريعا يستقبلهما بترحاب وود، عاد بعده إلى كرسيّه خلف طاولة مكتبه، واتخذ بكر وحسناء مجلسهما أمامه.
وبدباجة معتادة استهل الطبيب حديثه إلى حسناء طالبا منها أن تخبره عما تعانيه، واستفاضت هي بالحديث تشكو للطبيب من كل الأعراض التي تعانيها وكل الأشخاص الذين تراهم وتسمعهم ولا يفعل ذلك سواها، وبين كل كلمة وكلمة كانت ترمق بكر بتردد وكأنها تستجدي إذنه في الاسترسال، فيرمي لها بإماءة تشجيعية، حتى انتهت من حديثها وهي تنهت وكأن الجُمل التي قالتها قد أتت على كل ما تبقى لديها من طاقة، فسكنت بإرهاق وكل أطرافها ترتعش.
طمأنهما الطبيب كما يفترض به أن يفعل، ثم استدعى مساعدته بكبسة زر فُتح على إثرها باب المكتب ليأمر الطبيب الممرضة قائلا
-اصطحبي السيدة حسناء لغرفتها من فضلك وقومي بكل ما يلزم لراحتها.
مدت الممرضة يدها تساعد حسناء على النهوض، فتشبثت الأخيرة بيد بكر وعيناها تفيض بالخوف وهي تقول
-بكر، لا تتركني!
نهض بكر يضمها يبثها بعض الأمان وهو يقول بحنو ثعبان انتهى من الالتفاف حول ضحيته حتى تمام الاختناق
-لن أفعل يا حسناء، سآتي إليك كل يوم، ولن أغادر إلا وقت نومك، ولكن أريد منك أن تمتثلي لآوامر الطبيب حتى تتعافي سريعا ونعود معا إلى القصر.
لمعت عيناها بفرحة لا تناسب الموقف فبدت كطفلة صغيرة يهادنها أبيها لتذهب إلى أول يوم بالمدرسة.
أردف سريعا يحثها على المغادرة
-اذهبي حسناء، وأنا سأتحدث قليلا مع الطبيب لأوصيه بك، ثم ألحق بك في غرفتك لأطمأن عليك.
نفذت ما طلب، فغادرت وعيناها لآخر خطوة معلقتان به. بعد مغادرتها عاد يجلس موجها حديثه للطبيب يسأله عن رأيه بحالتها، فأجاب الطبيب بثقة
-لا تقلق يا سيد بكر، كل ما ذكرته السيدة حسناء هي أعراض ناتجة عن تعاطيها المخدر الذي أخبرتني عنه، من حسن الحظ أن فترة التعاطي ليست طويلة، ربما ساعدها هذا كثيرا في تجنبها لأي آثار جانبية للمادة المخدرة، ولكن لأكون صريح معك، هذا المخدر خطيرا وأعراض انسحابه ليست هينة، مما يعني أننا سنمر بفترات عصيبة، ولكن أعدك أنها ستتماثل للشفاء وستصبح بخير، ولكن أهم شيء...
قاطعه بكر بملل وقد تغيرت ملامح وجهه لآخرى قاسية وباردة وهو يقول
-ولكني لا أريدها أن تشفى.. ولا أن تصبح بخير!
تغضنت ملامح الطبيب وبدى الاندهاش عليها جليا وهو يستفهم عن مغزى هذه الجملة الغريبة
-ماذا تقصد يا سيد بكر؟ أخشى أنني لا أفهمك!
فرد بكر جذعه ورمق الطبيب بنظرة ماكرة وهو يقول
-دكتور نبيل، دعنا من هذا الهراء، فأنا لم آت إليك صدفة ولا بسبب حسن السمعة.
سكت برهة يواجه الطبيب في جلسته التي بدأت تتوتر ثم أكمل وهو يستخرج من جيبه شيكا يلقيه أمامه
-أنا أتيت إليك خصيصا وبتوصية من عميل سابق لديك، أتيت استأجرك لتقوم لي بخدمة أنا وأنت نعلم أنك تجيد تقديمها هنا.. في مصحتك الجميلة هذه.
ها ما رأيك يا طبيب في عرضي؟
هدأت ملامح نبيل قليلا وتناول الشيك ينظر إليه؛ فتوسعت عيناه بدهشة للرقم المكتوب هناك، ثم ابتسم في سعادة وهو يقول
-أنا تحت أمرك يا سيد بكر، فقط أخبرني تحديدا ماذا تريد وأنا سأنفذ، ولكن أخبرني صدقا؛ هل هي من كانت تتعاطى ذاك المخدر، أم أنت من كان يدسه لها؟
ابتسم بكر ابتسامة شيطانية ثم أجاب
-هذا لا يهم، ما يهم الآن أنك بالطبع لاحظت الاسم الكامل لزوجتي وعرفت هي ابنة من، لذا عندما يأتي والدها إلى هنا ليراها ويسأل عنها، ستخبره بما سأقوله لك تحديدا، وإن حاول بأي طريقة إخراجها من هنا لا تسمح له مطلقا؛ فأنا زوجها وأنا المسؤول عنها، وبالطبع لن تغفل إخباري بزيارته عندما يأتي.
-بالتأكيد يا سيد بكر.. اطمئن.
نهض بكر هاتفا
-والآن أريد أن أرى زوجتي.. هل تسمح لي؟
وقف الطبيب بالمثل قائلا
-بالطبع يا سيد بكر، تفضل معي.
وهناك بغرفة اتخذت من الأبيض رداء، سرير أبيض الشراشف والنمارق، جدران مبطنة بعازل أبيض يحمي النزلاء من صلابة البنيان خوفا من أي محاولات للانتحار؛ وقف بكر يشرف عليها بقامته وهي نائمة بسريرها شبه غائبة عن الوعي بتأثير جرعة بسيطة من المخدر، كانت شاحبة، هزيلة، غاب عنها الكثير من نضارتها وإغوائها، كانت مجرد امرأة مستهلكة ومنهكة!
عيناه تفيض نظراتها بالتشفي، سعادته تنضح بها ملامحه رغم قسوتها، قلبه يقيم احتفالات انتصاره بأولى جولاته في معركته الضارية، لقد قطف أول قطفة من ثمار انتقامه والبقية آتية لا محالة... والبادئ دائما أظلم!
************************