الفصل 11
الفصل الحادي عشر
البشر لا بد وأن يكونوا صنفين؛ مؤمن وكافر، شاكر وجاحد، خادع ومخدوع، جاني ومجني عليه، فريسة وصياد... إلخ
ولكن؛ تحتدم الحكاية وتأخذ بعدا أكثر وعورة عندما تختلط الأدوار وتتبدل المقاعد!
عندما لا تعود تعرف من أنت في حكايتك!
عندما تتشوش الصورة وتهتز القناعات؛ فلا تدري وقتها ماذا كان دورك الأساسي في تلك الحكاية!
هو كان نسرا جريحا، لجأ إلى عشه عندما وجد وليفته التي رجا منها أن تداوي جرحه، قرر أن يعتزل دور الضارية، ورضي بالفتات الذي كان يجود به القدر عليه، حتى جاءت الحية مقررة بعثرة العش والتخلص من الوليفة، طامعة في النسر الذي ظنته فريسة لمجرد أنه تنازل عن دوره في وقت مضى، وهجر كينونته!
وما كانت الحية تدري أن من يدخل عش النسر طامعا، لا يخرج منه سالما!
.......................................
جسده المنهك بتفاقم الغل ممد على فراش بغرفة مجاورة، جاءها ليلا بعد أن أفرغ كل شحنة غضبه على جسد الراقدة هناك بغرفة التعذيب التي أذاقها بها بعض صنوفه القذرة التي تستحقها عن جدارة.
تركها على حالها؛ عارية الجسد تماما، سواد كحلها امتزج بدموعها التي جفت في خطوط سوداء على وجهها فبدى مشوها، وبياض بشرتها قد تحول إلى ألوان متعددة تباينت بين الأحمر والأزرق والأخضر.
لقد أجادو تعليمه في كليته أين المواضع الأكثر إيلاما والأقل خطورة، وبعد أن أتم مهمته لليلة الأولى، تركها وقد أوشكت على فقدان وعيها من كثرة صراخها بعد أن تباسلت في كظم ألمها لحد أدهشه، حل قيد يدها مع إبقائه على قدميها مصفدتين؛ مع أنه حتى لو كان حل قيدهما.. ما كانت ستجد القدرة على الوقوف عليهما لتذهب إلى أي مكان.
لم يمسها، سيؤجل هذا الصنف من العذاب ليوم آخر، يوم سيطلق فيه العنان لمارده الذي كان مقيدا في قمقم الخوف على من ذهبت وتركته وحيدا يواجه أسوء ما فيه!
على ميعاد استيقاظه المعتاد، نهض من غفوته القصيرة فزعا وقد بات كابوسه مرافقا دائما لكل غفواته، بل وتضافرت معه كوابيس جديدة لتحيل غفوته لجحيم بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
غادر الفارش إلى الحمام، وهناك خلع عنه ملابسه ودلف إلى كابينة الاستحمام، يطهر نفسه من دنس الليلة الماضية.
أنهى حمامه وارتدى ملابس أخرى نظيفة، ثم ذهب إلى المطبخ يعد لنفسه وللجثة الهامدة بالغرفة، ما يُسد به الرمق.
أنهى تناول لقيماته على عجل، واتجه إلى فناء المنزل يجري مكالمة هاتفية من هاتف صغير قديم الطراز.
بعد ثوان من الرنين آتاه صوت محدثه قائلا..
-صباح الخير يا عريس، هل كل شيء تم كما أردت؟
-صباح الخير يا شيخ إدريس، نعم كل شيء إلى الآن يسير كما أريد، ولكن هناك ما هو أهم الآن.
قال الرجل بهدوء ورخامة صوته تهيمن..
-أعرف، وأريد منك ألا تقلق، أمانتك أصبحت بسابع أرض لن يستطيع مخلوق الوصول إليها.
تنهد بكر بارتياح، ثم سأل الشيخ..
-وما أخبار ذاك الكلب الراقد بالمشفى.. هل استفاق؟
-ليس بعد. الرجال هناك يخبروني بكل المستجدات أولا بأول، لقد طلبت منهم ألا يهاتفوك لأنني أعرف أنك لن تكون متفرغا.
-يا شيخ إدريس، أنا لا أعرف من دونك ماذا كنت سأفعل؟ أنا حقا مدين لك وللرجال الذين أرسلتهم إليَ ليعملو بالقصر وقت أن احتجت لمزيد من أفراد الأمن.
بشيء من حزم هدر الشيخ..
-بكر، لا أريد أن أسمعك تتحدث هكذا مرة أخرى! أنت تعلم قدرك لدي وأنني أعتبرك بمثابة ولدي، وكل ما تحتاج مجاب بفضل الله طالما كان بمقدوري مساعدتك، وهؤلاء الرجال الذين تتحدث عنهم.. هم رجالك وولاؤهم لك وحدك، وستجد أرواحهم دائما دون روحك.
صمت الشيخ برهة يستنشق فيها نفسا عميقا أستدرك بعده وقد تغيرت نبرته فشابها بعض الأسى..
-ولكن يا ولدي، أريدك أن تعلم شيئا آخر؛ أنا أساعدك فيما تفعل ليس لأنني أوافقك عليه، ولكن لأنني أعلم أنك بي أو من دوني ستفعله دون أن تكترث لبطش ذاك الرجل الذي كنت تعمل لديه.
الانتقام سلاح ذو حدين يا بكر، تقتل به نفسك قبل أن تقتل غيرك، وأنا أخشى عليك عاقبة ما تنتويه!
تحرشج صوت بكر وهو يرد على الشيخ وقد كسا نبرته عدم اكتراث..
-لسنوات وأنا أجازف بنفسي لأجل من لا يستحق يا شيخ إدريس، فكيف أخشى عليها اليوم لأجل من يستحق..
سكت هنيهة أتم بعدها حديثة بنبرة مقررة..
-غير أنهم لم يتركوا لي خيارا.. هناك ثمن لتلك الروح البريئة، وسيدفعه الجميع وأولهم أنا.
أغلق الهاتف مع الشيخ إدريس، ثم اتصل برقم آخر.. جاوبه صاحبه على الفور قائلا..
-صباح الخير يا سيد بكر
-أرسلت إليك أحد رجالي بتوكيل من زوجتي.. أريد توثيقه بأسرع وقت
-تحت أمرك.. اليوم سيتم الأمر.
انتهى من إجراء اتصالاته، ثم عاد للمطبخ تناول صينية الفطور التي أعدها من أجل عروسه، وذهب إلى غرفتها.
فتح الباب ليقع بصره عليها أول شيء، حيث كانت كما تركها ليلة أمس، غير أنها تبدو كجثة هامدة، غائبة في نوم أجبرها عليه إنهاكها البادي على قسمات وجهها المتألم حتى في ثباتها العميق.
ترك الصينية من يده على منضدة بالقرب من الفراش، وقف يرمق جسدها العاري المقيد بنفور، توجه صوب الخزانة يستخرج منها ما يستر به عريها.
ألقى عليها بالغطاء، ثم استدار خارجا من الغرفة التي أوصد بابها من خلفه على أسيرته الحسناء.
...........................................
يكاد يعتصر الهاتف بقبضته وهو يهدر بمن على الطرف الآخر من المحادثة
-كيف لم تستطع تتبعهما! ءلهذا الحد تتبع سيارة بها رجل وامرأة صعب أم أنك أنت ال****
تلقى الرجل الذي يتبع الطاقم الأمني بالقصر السبة التي تلفظ بها السيد منذر وهو يكز على نواجذه، حاول أن يتحكم بغضبه ثم قال بصوت اصطنع الارتباك في نبرته
-أعدك يا منذر بك أن أتلافى هذا التقصير، ولكنك تعلم جيدا أن بكرا رجل لا يسهل تعقبه، وهو بالطبع أخذ في اعتباره أنك ستفعل أمرا كهذا.. ويبدو أنه احتاط لنا جيدا.
احتقنت العروق غضبا بعنق منذر النعماني وهو يستنكر على الرجل جوابه
-وكيف ستتلافى تقصيرك يا هذا ولا أحد منكم يعلم أين بكر والسيدة حسناء الآن!
-حتما سيعود بكر يا منذر بك، وربما عادت معه السيدة حسناء..
وأعدك أنه حالما يظهر لن يغيب بعدها عن أعيننا أبدا.
أغلق منذر الهاتف بوجه محدثه، حيث أنه لم يعد يجد طاقة للأخذ والعطاء بلا جدوى.
ألقى الهاتف من يده، ووقف شاردا أمام شرفة مكتبه، يشعر بتشتت لم يشعر به من زمن طويل، كل الأمور تتداعى من حوله، ويفلت زمامها من يده.
وأكثر ما يربك تفكيره، هو عدم معرفته ما يدور برأس بكر، ولا ماذا يخطط!
هذا غير جبهة أخرى تتمثل في شركاء العمل الذي انتوى أن ينفرد به ضاربا بكل قواعد تلك الشراكة عرض الحائط.
كان يظن أن ذاك هو الوقت المناسب ليفعلها ويتربع على عرش السوق بلا منازع، وما كان يدري أن ولديه بغبائهما وشهوتهما سيهدمان المعبد فوق رأسه!
الضربة التي احتاط لها من البعيد، أتته على حين غفلة من القريب.
قطع رنين هاتفه نباح أفكاره برأسه، تناوله سريعا ليجيب على أحد رجاله الذي كلفه بحراسة عامر بالمشفى، أخبره الرجل أن بكرا بالمشفى جاء لرؤية السيد عامر.
..............................
يجاهد ليفرق بين جفنيه، وثقلهما يعارضه، أنفاسه ثقيلة عثرة بسبب ما يجثم على صدره من أربطة ولفافات تجبر كسر ضلعه، أما الألم في ساقه.. فلا يحتمل!
آه خفيضة ندت منه قبل أن يفتح عينيه تماما آملا في قبس من نور يبدد عتمة غرق فيها ربما ليومين، وإذا به يجد قامة قاتمة تخيم فوق رأسه، صدح عنها صوت رغم قوته جاءت نبرته مكظومة وهو يقول..
-هنيئا يا بن النعماني؛ نجوت.. ولم تنج!
ود عامر لو أطاعه جسده في الانتفاض ولكن الجسد مكبل بجبائره، وحدها روحه هي التي لا تزال حرة، فكان كل الفزع من نصيبها.
وسط نظرات عامر المذعورة، امتدت يد بكر نحو عنقه تقبض عليه بقسوة تابع معها كلامه..
-هل تعلم لماذا لم أقتلك إلى الآن أيها الخنزير النجس!
برقت عينا عامر وروحه تهدد بالمفارقة، فحاول بيده الحرة السليمة أن يزيح طوق أصابع بكر الذي يسحق عنقه.. ولكن هيهات لوهنه أن يؤثر في تلك الأصابع ذات القبضة الفولازية.
استرسل بكر وهو يتلذذ بالتلاعب بهذا الرمق الأخير في روح الممدد أمامه..
-لأنني لا أنوى قتلك مرة واحدة يا عامر، بل سأدعك تعيش حتى يتسنى لي قتلك كل يوم.. ببطء وعلى مهل.
في اللجظة الفارقة بين الحياة والموت، فك بكر قبضة كفه عن عنق عامر، ليتركه يسعل وبقوة مع شهيقه المتلاحق لينال أكبر قدر من أنفاسه.
لم يمهله بكره حتى ليستعيد لونه الطبيعي ولا تستقر أنفاسه بصدره حين أخرج من جيبه ورقة ألقاها بوجهه، وقلم زجه بين أصابعه بقوة كادت معها أصابع عامر تتكسر
-وقع!
أخيرا صدر لعامر صوت وهو يسأل بنبرة مرتجفة ككل ما فيه
-أوقع ماذا؟ ماذا يوجد بهذه الورقة؟
هزء به كر وهو يجيبه ساخرا..
-ماذا.. هل أنساك خوفك القراءة، ولكني سأوفر عليك عناء قراءتها.
تناول بكر الورقة مجددا يفردها بوجه عامر قائلا..
-هذه هدية صغيرة منك بمناسبة زواجي من أختك ال... مصون!
تلعثمت الأحرف على لسان المذهول وهو يسأل..
-ماذا! هل.. هل حقا تـ تـ تزوجت من حسناء؟
ابتسامة متشفية احتلت شفتي بكر وهو يجيبه..
-نعم يا عامر، بينما كنت أنت تصارع قدرك المتأرجح بين الموت والحياة بسبب ما وسوست لك هي بفعله ، كانت أختك على فراشي تعيش ليلة لن تنساها ما حَيَت.
انحنى بكر فوق جسد عامر الذي ارتعد مع حركة بكر المباغتة، ثم أضاف وهو يأسر خوف عيني عامر بين تجبر نظراته..
-هي نالت ما سعت لأجله، ربحت غنيمة حربها، وأنت كنت بالنسبة لها ضرر جانبي لم تأبه له البتة وهي بين ذراعي.
احتد عامر على قدر ما ساعدته قوته الواهية..
-كيف تفعل لها ما ترغب.. كيف وهي من قتلت زوجتك!
شرارات الغضب اتقدت بعيني بكر وهو يأخذ بمقدمة شعر عامر هادرا بصوت مرعب..
-كف عن الحديث يا**** أنا لم آت إلى هنا لأتسامر معك. وقع الورقة قبل أن أغير رأيي وأرسلك لتحتل مقعدك من جهنم عاجلا وليس آجلا.
نقش عامر توقيعه أسفل العقد، بعدها انتزعه بكر من يده، طواه بعناية ثم وضعه بجيبه كما كان، رمق عامر بنظرة مستحقرة، ثم اتجه صوب الباب يفتحه ليغادر.
انفرج الباب أمامه ليطالع هيئة السيد منذر الذي كان على وشك دخول الغرفة، قبل أن ينفتح الباب من تلقاء نفسه أمامه.
لمح بكر في عيني منذر نظرة ذعر على ابنه الملقى على فراشه لا حول له ولا قوة.
تقدم منذر يخطو داخل الغرفة وهو يزيح بكر عن طريقه ليطمئن على ابنه، انزاح بكر له ووقف بجوار الباب يقول بنبرة مستخفة..
-لا تخشى على نسلك النجس يا منذر بك، أنا فقط أتيت لأطمئن عليه؛ فهو الآن أصبح صهرا لي!
بعد أن اطمأن منذر أن ابنه لا يزال على قيد الحياة، التف عائدا لبكر يسحبه خارج الغرفة التي أغلق بابها خلفه.
وقف يطالع بكرا بتحفز وهو يسأله..
-أين ابنتي يا بكر؟ ماذا فعلت بها؟
ضحك بكر ضحكة مبتورة غامت ملامحه بعدها وهو يجيب بهدوء مستفز..
-ابنتك في بيت زوجها يا سيد منذر! أما بالنسبة لسؤالك الآخر؛ فأنا أستحي أن أخبرك عما فعلته بها.. أم أنك نسيت أن البارحة كانت ليلة دخلتنا!
نفرت عروق الرجل غيظا وكز على نواجزه وهو يهدر بصوت مكظوم..
-اليوم تعود بحسناء إلى القصر، كل شيء أصبح معدا لكما هناك.
-يا حماي العزيز، أنا لم أعد أعمل لديك حتى تملي علي أوامرك.. هذا أولا.
أما ثانيا، فزوجتي مكانها منزلي وليس العكس. أنا لن أعيش بقصرك المهيب بصفتي (زوج الهانم) يا سيد منذر!
حاول منذر أن يتحلى بكل الصبر حتى لا يفقد أعابه في مواجهة بكر؛ فقال بضيق..
-إذن أخبرني أين منزلك هذا لآتي فأزور ابنتي واطمئن عليها.
ضحك بكر مجددا وتلك المرة علا صوت ضحكته ثم قال..
-على حد علمي أن ابنتك قد سبق لها الزواج وربما غير الزواج؛ فهي لا تحتاج لمن يطمئن عليها.. ابنتك ذات (خبرة) يا حماي العزيز!
ارتفعت يد السيد منذر لتقبض على تلابيب بكر مع قوله..
-أنت وقح، كيف تتكلم هكذا عن امرأة في ذمتك؟
ببرود أمسك بكر بكف الرجل يبعدها عنه قائلا..
-أنا لست وقحا يا سيد منذر، أما فقط أحاول أن أتشبه بكم لأكون لائقا بهذا النسب ال... مشرف!
غادر بكر وترك الرجل خلفه يرغي ويزبد، وبعد خطوات بسيطة التفت إليه هاتفا بصوت عال..
-لا تجعل رجالك يتبعونني مجددا، لأنهم لن يفلحوا كما في المرة السابقة.
...................................
ليلة تحرقت إليها شوقا لشهور طويلة، هدف لم يفتر سعيها نحوه، رغبة لم يردعها عن تحقيقها أي شيء.
ليلة انتهت بها مقيدة في فراش كبهيمة في زريبة، جسدها الذي لطالما تباهت بأنوثته المفرطة، صار كخرقة بالية ألقاها أحدهم بإهمال بعد أن فرغ منه؛ وياليته فرغ!
ما أشبه اليوم بالبارحة!
وياليتها أدركت أن ما تزرعه اليوم، لا بد وأنك حاصده غدا!
بدأت أجفانها ترتعش منذرة بإفاقة قريبة، حاولت تحريك جسدها من وضعه المؤلم، لتكتشف أن محاولة التحريك لا تحمل إلا مزيدا من الألم.
تألمت بوهن بعد أن فتحت عينيها ليصطدم بصرها بسقف الغرفة، هاجمها الحنق بمجرد أن استعادت كامل وعيها وأدركت أن كل ما حدث بالأمس لم يكن أسوء كابوس يمكنها أن تراه بحياتها، وأنها لا تزال على وضعها.
جلست على الفراش وحاولت بكل ما بقي لديها من عزيمة أن تفك قيد قدميها، ولكن كل ما تفعله لا يجدي ويجعلها تتألم أكثر.
زفرت أنفاسها بضيق وعصبية قبل أن يعلو صياحها مناديا باسم "بكر"، صاحت به مرة ومرتين وثالثة.. ولم يلق صياحها ردا.
استسلمت لوضعها المهين، وكتمت دموعها بغل وهي تتوعده بأسوء الوعود. لفت نظرها صينية الطعام الموضوعة على المنضدة الجانبية، فتذكرت أنها لم تأكل شيئا منذ عشية الأمس وهاجمها شعور بجوع شديد، مدت يدها لتلتقط الصينية ولكن كانت المسافة أبعد من أن تصلها دون مشقة.
حاولت قدر ما استطاعت أن تبلغ حافة الفراش، ومدت ذراعها لآخر ما يمكنها مده لتصل أطراف أصابعها لحافة الصينية، ظلت تحاول أن تحكم قبضتها على الصينية حتى لا تفلت من يدها فتضيع عليها وجبتها التي لا تعلم متى سوف يأتيها بكر بغيرها!
تناولت كل محتويات الصينية بنهم، وتجرعت علبة العصير دفعة واحدة تروي بها ظمأ لم تختبر مثيله بحياتها.
انتهت من طعامها، ثم تراجعت تستند بظهارها لظهر الفراش وهي تحكم الغطاء حول جسدها المليء بكدمات وجروح تجعل براكين غضبها تفور كلما وقعت عيناها عليها.
أفكار تجول برأسها راحت تفندها وتعقلها؛ ماذا ينتوي بكر فعله بها؟
هل سيحبسها هنا وحدها، ويمارس ساديته عليها كل ليلة حتى تموت بين يديه؟
خوف داهمها من الفكرة ورعدة احتلت جسدها، ولكن..
هل يتركها أبيها فريسة لانتقام بكر دون أن يسأل عنها!
لا، بالطبع لا.. حتى وإن كانا على خلاف والعلاقة بينهما ليست مثالية، ولكنها تظل في النهاية ابنته وتحمل اسمه، ومن غير الممكن أن يضحي بها ككبش فداء ليسترضي بها بكر!
ولكن، ماذا إن فعل؟
كيف ستتمكن هي من مواجهة بكر بمفردها، حتى عامر أخيها لا تعلم عنه شيء.. لا تعلم حتى هل هو حي أم...
صوت انفتاح باب الغرفة بقوة أفزعها وجعلها لا إراديا تنكمش على نفسها وهي تطالع هيئته المتحفزة التي لا تبشر بخير.
رغم لبها الذي تتخبط دقاته خوفا، فإن بقايا من عناد أمدتها بقوة تهدر بها في وجه ذاك الغاضب أمامها قائلة
-كيف تتركني هكذا مقيدة إلى الفراش وتغادر!
ماذا كنت سأفعل لو لم تعد؟
خطوتان واسعتان تقدمهما ليصبح أمام الفراش في مواجهتها، نظر إلى الطعام الذي لم يتبق منه شيئا ثم ابتسم في تهكم قائلا
-ماذا كان سيحدث! كنتي ستتعفنين في هذا الفراش وتموتين وحيدة كحيوان أجرب.. تماما كما تستحقين!
هدرت مجددا بغضب مستعر
-بكر! كف عن إهانتي.. فأنا زوجتك ولست فتاة ليل التقطها من على قارعة الطريق، ولا تنس ابنة من أنا!
قهقهته أربكتها وجعلتها تضطرب، دنا منها فابتعدت تلقائيا، جلس أمامها على طرف الفراش وهو يقول بسخرية مع نظرته التي مرت على جسدها بازدراء
-ياليتك يا حسناء كنت فتاة ليل التقطها من الطريق.. لكنت استفدت منك بشيء!
رمق صينية الطعام الفارغة ثم أردف بتهكم
-هل كنت جائعة إلى هذا احد.. أم أن شعورك بأنها محتمل أن تكون آخر وجبة تأكلينها، جعلك لا تتركين حتى الفتات!
ولأن الأفعى حتى وإن ماتت يبقى سمها يقطر من نابيها، أرخت عنها الغطاء بعض الشيء لتكشف بسخاء عن نهديها وهي تقترب منه قليلا، وبصوت هامس مغوي همست
-إلى متى ستظل تعاملني بهذه القسوة يا بكر، ألم يكفك ما فعلت بي أمسا!
تحسست بكفها فخذه بنعومة وهي تسترسل
-لقد تحملت كل قسوتك لعلك تهدأ وتنتهي نوبة غضبك؛ فيتسنى لك أن تدرك كم أحبك وأتلهف عليك!
كجبل راسخ لا تُزعزع ثباته أعتى الرياح، كان يجلس أمامها.. عيناه باردتين رغم احتراق فؤاده، ملامحه نافرة من هيئتها التي من المفترض أنها تحمل الكثير من الغواية والإغراء.
بحركة مباغتة قبض بكفه القوية على يدها فوق فخذه حتى كاد يكسر عظامها؛ تأوهت هي وحاولت انتزاع يدها من قبضته ولكنه تشبث بها أكثر وهو يقول
-أنت لم تري غضبي بعد يا حسناء.. فما حدث بالأمس يا حلوة، كان اختبار لأرى إلى أي مدى يمكنك التحمل!
نفض يدها بقسوة فسمعت لعظامها طقطقة، ونهض هو مغادرا، لاحقته سريعا بقولها
-فك قيدي يا بكر، فأنا أريد أن أذهب للحمام.
عاد إليها يفك قيدها، ووقف يرمقها بضيق وهي تترنح في مشيتها حتى غابت بداخل الحمام المرفق بالغرفة.
لم تغلق بابه عليها قبل أن تسقط عنها ما كان يستر جسدها، التفتت إليه وهي تدخل حوض الاستحمام قائلة
هل يمكنني الاستحمام أم أن هذا غير مسموح!
لم يجبها، هم بمغادرة الغرفة وقبل أن يصل إلى الباب قال بصوت عال بعض الشيء
-هناك ملابس نظيفة بالخزانة يمكنك ارتداؤها.
..................................
في حوض الاستحمام جلست تغمر جسدها بالماء الدافئ علّه يخفف من حدة الألم الذي تشعره. استرخت قليلا وقد شعرت ببعض الراحة، وعلى شفتيها ولدت ابتسامة لا محل لها من الإعراب في موقف مثل الذي هي به؛ حبيسة مكان تجهله، لا تعرف مصيرها مع ذاك الوحش الذي سعت إليه بكامل إرادتها، تخشاه..؟ بالطبع، ولكن لذة انتصارها تسكرها عن إدراك حقيقة موقفها معه.
أغمضت عينيها تتذكر قبلته المتوحشه التي أدمت شفتيها، وللعجب أشعرتها بالإثارة!
لا تزال ترغبه وبجنون، وهذا ما يمدها بالقوة لتتحمل ثورة غضبه التي لا بد وأن تنتهي، وينطفئ في عينيه لهيب الانتقام، فيعود يطفو على نظراته إليها تلك الرغبة التي كانت تلمحها فيما قبل، رغم محاولاته المضنية لإخفائها وإنكارها.
مدت يدها تتحسس موضع الكدمات المتفرقة على جسدها؛ فتغضنت ملامحها بالألم، وزاد عليه بعض الحنق من تلطخ نصاعة بياض بشرتها بمثل هذه الكدمات، طرقاته القوية على الباب أجفلتها وصوته القوي يأتيها ناهرا
-هل ستبقين بالحمام لبقية اليوم! فلتنتهي سريعا فأنا جائع.
-حسنا يا بكر سأخرج في الحال.
قالت جملتها ولم تفهم.. ما علاقة حمامها بكونه جائع! هل يعقل أنه لا يريد أن يأكل دونها!
أنهت حمامها سريعا وخرجت متلحفة بالمنشفة تبجث عنه بالغرفة، ولكنها وجدتها خالية منه وبابها مغلق، لفت نظرها نافذة متوارية خلف ستار، معتمة بعض الشيء لا ضوء يسطع منها ضوء النهار، اتجهت نحوها تزيل عنها الستار لتفتحها وتنظر منها علّها تتعرف على المكان من حولها.
بمجرد أن أزالت الستار وفتحت الزجاج وجدت أمامها شيش خشبي حاولت فتحه ولكنها لم تفلح، حيث بدى أن خلف الشيش ما يعوق فتحه، اقتربت تدقق النظر عبر الفتحات الخشبية المستعرضة لتجد أسياج حديدية تسد النافذة من الخارج، تأففت بضيق مبتعدة عن النافذة، وقفت بمنتصف الغرفة تفكر ولا تدري تحديدا بأي شيء تفكر، أفكارها كلها متضاربة مشوشة؛ هي لم تعتد الشعور بالخوف؛ فالخوف وحش صارعته منذ زمن ودحرته بداخلها، وكل تجاربها في الحياة أثبتت لها أن الرجل مهما بلغ من مكانة اجتماعية أو قوة جسدية؛ فهو لا حيلة ولا قوة له أمام دهاء امرأة، خاصة لو كانت جميلة وتعرف كيف تجعل جمالها يفرض سطوته على الموقف.
أبيها، أخيها، زوجها السابق، وكل من عرفت من رجال طبقتهم المخملية؛ رجال ذوي مناصب ونفوذ وثروات، كلهم لا يكشف مدى ضعفهم ونسبة غبائهم.. سوى جمال امرأة يلهثون خلفه ككلاب جائعة تتوق لوجبة دسمة.
وجاء ذاك الجبل الراسخ ليزعزع ثبات معتقدها، ويربكها بترفعه عن جمالها الذي لهث خلفه الكثيرون، وربما كان ذلك هو سر تعلقها المَرَضي به وسبب سعيها المجنون خلفه، ولم يكتف هوبذلك، بل راح ينفث في رماد خوفها يسعى لبعثه من رقاده؛ فكيف تسمح له؟
ارتدت ما وجدته بالخزانة التي أخبرها عنها؛ سترة بدت لها رخيصة مهلهلة، وبطال نفرت من ارتدائه، فآثرت ألا تفعل واكتفت بالقطعة العلوية فقط التي بالطبع تفوق قياسها فغطت من ساقها حتى منتصف فخذها.
فتحت باب الغرفة الذي كان غير موصد، ووقفت لبرهة تتطلع للمكان من حولها..
وجدت نفسها تقف بردهة متوسطة الطول، وأمام باب حجرتها باب آخر مغلق ربما كان لحجرة نوم أخرى، تقدمت تفتحه ولكنها وجدته موصد، وعلى بعد خطوات من ذاك الباب، يوجد باب آخر بمنتصفه من الأعلى إطار خشبي مثبت به لوح زجاجي منغمش صغير مربع الشكل، اتجهت إليه تحاول فتحه أيضا، فانفتح مها لتجده حماما آخر، أغلقته وتجازوت الردهة لتجد نفسها أمام صالة فسيحة تحوي بعض قطع الأثاث قديمة الطراز، ولكنها تبدو بحالة جيدة، وعلى الجهة المقابلة لوقفتها يوجد شرقة مغلقة بستار، هرولت إليها تحول فتحها، ولكنها وجدتها كما النافذة التي بغرفتها تماما.. زفرت بضيق وهي تضرب الشيش الخشبي بغيظ، وحيت التفت بجسدها وجدته يقف بقامته يشرف عليها بقرب شديد، انتفض جسدها لوجوده المباغت، ذراعاه معقودتان خلف ظهره ونظرة عينيه تكاد تصهرها بالوهج المأجج النافذ منها.
شهقتها واختلال توازنها لم يحركا به شعرة، ولكنها تمالكت نفسها وسيطرت على اضطرابها بحدة صوتها وهي تقول
-بكر.. أجفلتني! لماذا لا تصدر صوتها في تحركك!
نظرة منه تفحصت هيئتها بنفور.. ثم قال بنبرة خافتة ولكن مخيفة
-ماذا تفعلين عندك؟ ألم أخبرك أني جائع!
-خطوة تقدمتها فالتصقت بصدره العريض الذي راحت تداعبه بأناملها وهي تقول بصوت مغوي
-وأنا يا بكر.. أنا جائعة إلى حد مؤلم!
رفع أناملها يمسح وجنتها بنعومة، ثم تغلغلت أناملها بين خصلات شعرها؛ لإاغمضت هي عينيها وعلت أنفاسها توقا للمسته، لمسته التي تحولت بغتة لقبضة عنيفة أطبقت على خصلاتها وهو بقول
-أنا جائع إلى الطعام يا حسناء.. الطعام المكدس بالمطبخ ينتظرك لتطهيه!
تأوهت وهي تعود برأسها للخلف لتقلل من سحبته القاسية لخصلاتها ثم هتفت بحنق
-عن أي طهي تتحدث.. أنت تعلم أنني لا أجيد الطهي!
-آه، عذرا يا حسناء هانم.. نسيت أن أحضر لك خدمك من القصر ليقوموا بوجباتك عوضا عنك!
أفلتها ثم دعها لتتقدمه زاعقا بضيق
-أنا لا طاقة لي على تحمل رعونتك أكثر من ذلك، أذهبي إلى المطبخ وقومي بما تفعله جميع النساء لإطعام أزواجهن.. أمامك ساعة واحدة لتحضري شيئا يُؤكل.. ومن الأفضل لك أن يكون طيب المذاق وإلا لن تحمد العواقب يا حسناء!
دخلت إلى المطبخ لتقف في وسطه مرتبكة لا تدري ماذا عليها أن تفعل بتلك الأشياء الموضوعة أمامها على الطاولة، وفي عقلها فكرة واحدة؛ أن ما فعله بها بالأمس مقارنة بما يطلبه الآن (رأفة)!
بعد أكثر من ساعة، خرجت من المطبخ لتجده ممدد على الأريكة وقد غلبته سنة نوم. وقفت أمامه تراقبه في نومه، ظهره مفرود بينما قدماه إحداهما مستندة على مسند الأريكة، والأخرى متدلية على الأرض؛ فبالطبع الأريكة لن تسعه!
جثت إلى جواره على ركبتيها بهدوء حتى لا توقظه، وراحت تتفرس في ملامحه التي تخلت عن حدتها وعبوسها الدائم، جذبت شفتاه الغليظتان عينيها، ازدردت ريقها وهي تتمنى لو تحظى منهما بقبلة راغبة غير تلك القبلة الوحشية الانتقامية التي يقبلها بها.
انسابت نظراتها على طول جسده وبدأ خيالها ينسج لها مشاهدا لهما معا، مشاهد يكون فيها لها راغبا متلهفا محترقا مثلها بنار الشوق التي لم تبق منها على شيء!
طاوعت جنونها لتقترب بشفتيها من شفتيه تقبلهما، وما كادت تفعل حتى فتح هو عينيه منتفضا ثم دفعها بقوة ارتطمت معها بالطاولة خلفها.
اعتدل جالسا يسألها بحدة ستنكرا
-ماذا كنت تنوين أن تفعلي؟
استندت على الطوالة لتستطيع النهوض ثم اقتربت منه وهي لا تزال جاثية على ركبتيها تقول في نعومة
-بكر، أنا على استعداد أن أفعل كل ما تأمر به، أن أكون كما تريد تماما.. ولكن لا تعاملني بهذا الشكل، لا تنفر مني وتقسو علي هكذا!
نظر إليها وهي تحت قدميه جالسة ترجوه بعض اللين.. ثم قال بلا مبالاة
-هل انتهيتِ من إعداد الطعام يا حسناء؟ فأنا لن أنتظر طوال اليوم جائع!
ارتكزت بعمد على فخذيه لتنهض وهي تقرب جسدها بشدة من جسده ثم أجابت
-نعم انتهيت، وأرجو أن ينال الطعام إعجابك!
على مائدة خشبية مستديرة، لا تشبه تلك التي اعتادت أن تتناول وجباتها عليها، ولا تمت لفخامتها بصلة.. جلست بجواره بعد أن وضعت طبقين من الطعام يحتوي كل منهما على قطعة لحم من المفترض أنها مشوية، وحفنة من الأرز، وبعض قطع الخضار السوتيه.
رمق بكر الطعام باستنكار ثم سأل بنبرة ساخرة
-هل هذا هو ما سآكله كوجبة غداء!
نظرت هي أيضا للطبقين أمامهما ثم أجابت ببديهية
-نعم! ثم استدركت سريعا
هل كنت ترغب بشيء آخر؟
-نعم يا حسناء، كنت أرغب بطعام أسد به رمقي، لا طعام أتصور إلى جواره!
ردت متأففة لم تستطع مداراته
-ولكنك لم تطلب شيئا بعينه، غير أن هذا كل ما أستطيع صنعه.
تناول الشوكة والسكين من جوار الطبق وهو ينظر إليهما متعجبا ثم قال
-أصمتي يا حسناء وتناولي ما تطلقين عليه طعاما.
تغاضى هو عن لون اللحم الحترق وقطع قطعة لاكها قليلا بفمه فوجدها غير ناضجة، فبصقها على الطاولة مما جعلها تبتعد في نفور، حرك الشوكة قليلا في الأرز الذي بدى كمعجون، وبحركة مباغتة أطاح بالطبق فسقط على ملابسها وهو يهدر غاضبا
-هل تسمين هذا طعام!
لم يمهلها وقتا للرد فأطاح بطبقها هي الأخرى أرضا ثم جذبها من ذراعها بقوة وهو يردف
-هل تعلمين ما هو عقابك على تلك الوجبة التي أفسدتها علىّ..
أولا: ستأكلين هذا القرف الذي صنعته ومن على الأرض، هذا إن كنت تريدين ألا تموتي من الجوع؛ لأنني لن آتي لك بأى طعام آخر.
وثانيا: ستنظفين هذه الفوضى بعد أن تنتهي من تناول وجبتك!
حاولت هي نزع ذراعها من قبضته ولكنها لم تفلح، فهتفت بصوت حانق
-كفى إهانة يا بكر، هل تعتقد أن أبي سيسمح لك بحجزي هنا ومعاملتي بهذه الطريقة المهينة!
نفض هو ذراعها بقوة فارتطم بظهر الكرسي، رمقها بنظرة مطولة وعيناه تحمل الكثير من التوعد كغيمة تحمل سيلا لا خير فيه ولا رجاء، ثم ابتسم أخيرا وقال هازئا
-عن أي أب تتحدثين يا حسناء، هل تقصدين منذر بك النعماني!
هل تعتقدين أنني لا أعلم كم يكرهك الرجل ويراكي عار على اسمه!
أم لم تفكري للحظة لماذا وافق على زواجي منك بهذه البساطة رغم أنه كان بإمكانه التخلص قبل خروجي من قصركم المهيب!
بهتت هي وبدى عليها التوتر جليا، شردت بعينها للحظة تزن كلامه، وتعلم في قرارة نفسها أنه محق. ولم يغفل هو ما دار بخلدها فأكمل عزفه على ذات الوتر مسترسلا
-عندما تزوجتي في المرة الأولى، ظن أنه تخلص منك ومن عبثك وجنونك، ولكنك لم تجعليه يهنأ بغيابك، فعدتي إليه مطلقة بفضيحة لم يدخر هو جهدا ليقتلها في مهدها حتى لا يعلم الناس أن ابنته المصون كانت تخون زوجها.
برقت عيناها صدمة لمعرفته بكل تلك التفاصيل، وانتشى هو بما رآها على صفحة وجهها فخاض أكثر
-وكل هذا بكفة، وشماتته بك في كفة أخرى عندما تشتكي إليه الرجل الذي سال لعابك عليه وفعلتي كل ما فعلتي لتحصلي عليه!
صمت قليلا يرصد تلك التعابير المتباينة على وجهها باستمتاع ثم ألقى آخر كروته.. اقترب منها، مال عليها وقرب أذنها همس
-ولكن أنا لن أمنعك لو أردتي أن تشتكيني إليه.. لعلك ترين بنفسك أنه لن يحرك ساكنا من أجلك، بل أعتقد أنه سيسعد بمعاناتك في مقابل أنك كدت تتسببين في خسارته لولده الوحيد برعونتك وأنانيتك يا... زوجتي العزيزة.
انتصب واقفا مرة أخرى وهو يرمقها من عل ثم قال
-ولكن رغم كل مصائبك يا حسناء، أعدك أنك لو أحسنتي التصرف وكنتِ مطيعة.. أنني في المقابل سأحسن معاملتك.. وربما منحتك ما تتوقين إليه!
اتجه نحو الباب أمام نظراتها المضطربة، غادر وأوصد الباب خلفه ليتركها وحدها.. مرهقة، جائعة، خائفة؛ حتى لو لم تعترف هي بذلك.
...................................
في ردهة استقبال أنيقة باردة، جلس ينتظر الإذن بالدخول.. وطالت جلسته؛ ولكنه لم يهتم، فرحى أفكاره الدائرة باستمرار تشغله عن متابعة ****ب الساعة.
وأخيرا فتح الباب الأنيق لمكتب (نجيب بك العزازي) ليطل منه رجل ضخم بحلة سوداء، لشد ما بدى يشبهه في وقت ليس ببعيد.
تقدم الرجل وعلى وجهه علامات التجهم يخبره أن نجيب بك ينتظره، وقف بكر وتقدم في خطوات واثقة صوب الباب المفتوح، والرجل من خلفه يتبعه كظله، حتى دخلا معا ووقفا أمام نجيب بك الذي رمق بكر بنظرة ساخرة ثم قال بنبرة تحمل بعض التهكم
-هل أرسلك سيدك لتعتذر بالنيابة عنه، أم ليكمل تهديداته!
جلس بكر في المقعد المقابل للرجل دون أن يسمح له الأخير، وأجاب وهو يتلقى نظرات الغضب من عين نجيب
-أولا يا سيد نجيب: أنا لا سيد لي؛ فأنا لست بعبد ولا بكلب!
وثانيا وهو الأكثر أهمية بالنسبة لك: أنا هنا لصالحك أنت، لا لصالح منذر النعماني، الذي أصبح حماي.. أم أنك لم تعلم بعد أنني تزوجت من ابنته حسناء!
تفصدت ملامح الرجل عن دهشة بالغة وهو يرد مستنكرا
-ماذا! منذر النعماني زوج ابنته من حارسه الشخصي!
ثم تحولت نبرة استنكاره لسخرية وهو يردف
-ماذا، هل تعذر عليه أن يدفع لك راتبك، فزوجك ابنته مقايضة!
ابتسامة باردة ارتسمت على شفتي بكر قال بعدها
-سيد نجيب، أنا لا وقت لدي لسخريتك أو لاندهاشك..
هل أنت على استعداد أن تسمع عرض فيه صالحك وصالح من تعمل معهم أم أختصر الوقت علىّ وعليك وأبحث عن من يقدر ما لدي؟
ضاقت عيني الرجل وهو يسأل بريبة
-وماذا لديك؟ ولماذا تقدم لي عرضا فيه صالحي وقد أصبحت زوجا لابنة منذر.. أي أنك أصبحت من العائلة!
-أسبابي لا تهمك يا سيد نجيب، ولكن ما يهمك حقا أنا قد أتيت لأقدمه لك على طبق من ذهب، فهل لديك الشجاعة لتشاركني ذاك الطبق أم تراني أخطأت وجهتي؟
أجاب نجيب متلهفا
-بالطبع أنا معك، ولكن يجب أن أعرف كل التفاصيل.. أفصح يا بكر.
اتسعت ابتسامة بكر وقد أيقن أنه دق أول مسمار في نعش منذر النعماني.. والباقي سيأتي تباعا.
...............................
ممد على فراشه بالمشفى، ميممنا وجهه نحو الشرفة يتابع بشرود تدفق حمرة الغروب بين حنايا السماء، سؤال واحد لا يبارح عقله منذ أن عاد لوعيه "هل كان الأمر يستحق كل هذا الذي صار!"
امرأة فقدت حياتها، حتى وإن كان بإرادتها.. فهو موقن أنه قاتلها!
رجل تحول بين عشية وضحاها من مصدر آمان لهم.. إلى خطر لا يعلم أحد منهم مداه!
وهو "ولي العهد" المرتقب، كاد يفقد حياته، وبالفعل فقد قدرته على السير بشكل طبيعي، وبلي بعرج دائم؛ يتمنى في قرارة نفسه لو يكتفي القدر به عقابا على جريمته!
اشتدت قبضته على شرشف السرير بغضب وصورتها تقتحم أفكاره هازئة من بلاهته وضعفه!
"حسناء" من يأتي بها أمامه الآن لينقض على عنقها بكل ما تبقى فيه من قوة، علّه يخلص كل من حوله من شرها.. وأولهم نفسه.
كيف بعد كل ما فعلت.. تكون هي الرابحة الوحيدة بينهم؟!
لقد تزوجت من بكر وحققت كل ما كانت تحلم به ليل نهار. لماذا تزوجها وهو يعلم أنها هي من حرضته على فعلته التي أودت بحياة زوجته!
تنهد بحيرة وهو يشعر أنه يدور في قلب دوامة، يعلم جيدا أنه لن يخرج منها سالما.. ليت بكر كان قتله، لكان أراحه من عذاب الضمير الذي فوجئ أنه يملك قدرا غير يسير منه.. إدراك متأخر أصابه عندما غابت وسوسة شيطانته عنه، وتجلت الحقائق عارية أمامه لتريه مدى قبح فعلته.. ولكن بعد فوات الآوان.
صوت انفتاح الباب أفزعه وقد اصبح الخوف رفيق أوقاته، ولكن بعض الارتياح تسلل إليه وهو يرى أبيه يدنو منه على وجهه علامات التجهم يقول بنبرته الحازمة..
-لقد سمح لك الطبيب بمغادرة المشفى واستكمال علاجك بالمنزل، هنا ليس آمنا.. وأنا لا أستطيع ملازمتك طوال الوقت. يكفيني تشوش رأسي بحسناء وبكر.
سخرية شابت نبرة عامر وهو يعقب
-ولماذا تشغل بالك بتكل الحية قد وصلت لمبتغاها على رقابنا جميعا! ثم منذ متى وأنت تشغل بالك بنا وبما يحدث معنا!
تطاير الغضب من عيني منذر وهو يحتد على عامر قائلا
-هل لك عين تتطاول علي بالكلام بعد الكارثة التي فعلتها.. ألا يكفيك كونك نذلا وخسيسا.. لتكون جبانا يلقى بأوزاره على غيره.
ابتسامة هازئة أعقبها عامر بتعليقه
-نذلا، وخسيسا.. ترى من أين أتيت أنا بهذه الصفات يا أبي العزيز!
رفع منذر كفه في رد فعل تلقائي، ولكنه تراجع عن صفعته وهو يشعر بنظرات عامر تتحداه، أنزل كفه مع قوله الحانق
-كان من المفترض أن أدع بكر يقتلك.. لكنت تخلصت من عار أن يكون لي ابن على شاكلتك!
بنبرة مليئة بالأسى همس عامر
-ياليتك فعلت!
.....................................
الظلام بدأ يكسو السماء مع تبدد آخر خيوط الشمس، ولكن الظلام برأسها وقعه عليها أشد.
يخيفها أنها لا تعرف ماذا يحدث خارج هذا السجن المحتجزة هي بداخله، ولا ما يدور داخل رأس سجانها، وحتى يقينها الزائف بأن أبيها لن يتركها لقمة سائغة يلوكها بكر بأسنانها.. كشف لها الأخير إلى أي مدى واه هو يقينها.
فربما كان هذا هو هدف منذر النعماني من البداية؛ أن يرميها لبكر حتى ينشغل بها عن ابنه المفضل، فإن كان هو خاسر أحد أبنائه؛ فبالتأكيد لن يقبل بأن يكون المفقود هو (عامر منذر النعماني).
كانت تظن أنها هي الرابحة الوحيدة بعد كل ما حدث، وإذا بها تكتشف أنها ليست أكثر من كبش فداء!
زاد شعورها بالخوف من توترها، وقد حل الظلام عليها وحيدة في هذا المكان الذي لا تعرف أين هو تحديدا ولا ما يمكن أن يحوم حول هذا البيت، والجوع الذي يفترس أمعائها بضراوة، هذا في كفة وحده!
ماذا لو لم يعد بكر؟
هل ستموت هي هنا جوعا دون أن يدري بها أحد، أو ربما افترسها حيوان بري حتى قبل أن يهلكها الجوع، أو
جاء صوت انفتاح الباب وظهور بكر من خلفه، كروح جديدة وُهِبت إليها بعد أن هربت الأولى رعبا، فما درت كيف هرولت تجاهه ترمي بنفسها على صدره، وقد كان كل ما تبتغيه في تلك اللحظة.. بعضا من آمان!
ابتسم هو بدهاء لضعفها الذي يحسه منها لأول مرة، وتلك الضمة التي لم يشعر فيها برغبتها المقززة نحوه، بل شعرها مختلفة.
تركها للحظة تغوص بصدره دون أن يلمسها حتى، ثم ابتعد متأففا وهو يقول بنفور
-ما هذا يا حسناء رائحتك لا تطاق! ألم تستحمي وتغيري ملابسك المتسخة تلك إلى الآن!
شعرت بالحرج وقد تذكرت أنها لا تزال ترتدي ملابسها التي سكب عليها الطعام قبل أن يغادر، فبررت قائلة
-بكر، أنا لم أجد ملابس مناسبة لي هنا غير هذا الذي أرتديه، غير أنني...
سكتت عن تتمة قولها وقد أبت أن تخبره بخوفها من أن تستحم وهي وحدها في هذا البيت العجيب.
ألقى أمامها بحقيبة متوسطة الحجم قد أتى بها معه قائلا
-هذه ملابسك، مررت اليوم بالقصر وجعلت إحدى الخدم تجمع لك في هذه الحقيبة بعض الأشياء الأساسية.
انكبت هي على الحقيبة تفتحها بفرحة وقد تبخر خوفها وقلقها، وبدأت تعود لطبيعتها رويدا وهي تقول بعد أن تفحصت محتويات الحقيبة
-ولكن يا بكر لا تزال هناك أشياء كثيرة أحتاجها من غرفتي.
عادت لتقترب منه ولكنه أوقفها بإشارة من إصبعه وقد عادت لوجهه أمارات النفور، نظرت هي لكنزتها المتسخة ودون تردد كانت تخلعها عن جسدها وتطيح بها بعيدا لتبقى بملابسها الداخلية فقط.
عادت تقترب منه في غنج وهي تهمس
-ما رأيك لو تصحبني غدا للقصر، أجمع أغراضي وكل متعلقاتي بنفسي وأعود معك إلى بيتنا هذا.
لم يجيبها بقبول أو برفض، فقط ظل يرمقها بجمود وكأن ملامحه قدت من صخر، زحفت بأصابعها فوق صدره مع قولها
-بكر، أنت بالطبع لا تنوي حبسي هنا أكثر من ذلك، صدقني يا بكر أنا سأنفذ لك كل ما ترغب طواعية دون حبس أو إرغام، وكل ما أرغب أن تلتزم بوعدك لي في المقابل؛ كلما أحسنت أنا التصرف، ستتوقف أنت عن معاملتي بفظاظة و... تتخذني كزوجة حقيقية لك.
نظرة سقطت من عينيه تجول بها على طول جسدها -شبه العاري- صعودا وهبوطا، ثم انحنى قليلا يهمس بالقرب من أذنها
-كل ما أرغب يا حسناء؟
اتسعت ابتسامتها مع بريق عينيها وهي تجيب بلهفة
-كل ما ترغب يا بكر، بل كل ما تحلم أو لم تحلم به يوما!
أومأ برأسه في رضا ثم أزاحها من طريقه وهو يأمرها
-أنا متعب وسأخلد للنوم، وأنت تحممي والزمي غرفتك ولا تخرجي منها حتى الصباح. وغدا سنذهب معا لقصر أبيك (منذر النعماني).
هرولت خلفه تلاحقه بقولها
-ولكن..
بضيق استنطقها فتابعت
-أنا جائعة يا بكر، لم آكل شيئا منذ الصباح!
-حسناء، أنا لم أحرمك الطعام، ولم أجوعك! المطبخ مزدحم بأصناف الطعام، ولكن أنت من لا تجيد الطبخ، فما ذنبي أنا!
خطا داخل غرفته وهو يصيح قبل أن يغلق بابها
-أذهبي إلى المطبخ يا حسناء وابحثي عن أي شيء يصلح أن يؤكل دون طهي.. تصبحين على خير.
..............................
هدف جديد أحرزه في شباك حارس لاهٍ عنها.
هدف سيجعله يربح جولته بفارق نقاط لا يستهان به!
انبلج الصباح وكما وعدها اصطحبها لقصر أبيها، دخل ممسكا بكفها في تملك واستحواذ يصرخ دون كلمات مسموعة بأن تلك الدمية أصبحت تحت سيطرته الكاملة.. ودون أدنى مجهود يذكر.
وقفا أمام أبيها الذي لم يبد قلقه عليها، ولكن عينيه اللتين تفحصتاها بدقة ليتأكد من سلامتها، فضحت ذاك القلق، ولكنها كانت في معزل عن ملاحظة كل ذلك، حيث أن حنقها عليه بسبب كل الأفكار التي تلاعبت بعقلها، جعلتها متحفزة تجاهه -كما هي عادتها- ولكن الآن بشكل أكثر ضراوة.
جاء سؤاله جافا متعاليا لا يمت برغبته الحقيقية في الاطمئنان عليها بصلة
-كيف حالك يا حسناء؟ هل أنت سعيدة في تلك الزيجة؟
اقتربت هي من بكر أكثر وراحت تمسد بكفها الحرة على كتفه، وابتسامة بطعم الكيد تتسع على شفتيها وهي تجيب في دلال
-أنا في أحسن حال يا منذر بك، وبالطبع سعيدة، حتى أنني اكتشفت في اليومين الماضيين أنني لم أكن سعيدة قط، حتى تزوجت من بكر!
بريق النصر في عيني بكر قابله وهج الغضب في عيني منذر وهما يرمقان بعضهما في صمت، حتى نطق بكر ويده تترك كف حسناء وتنتقل إلى خصرها يضمها إليه بفجاجة..
-من الجيد أنكِ طمأنتي أبيك يا حسنائي.. فربما كان قلق عليك يا عروس!
انتقل منذر بعينيه إلى حسناء وهو يقول بحدة
-لقد عاد أخوك من المشفى. هو الآن بغرفته، اذهبي للطمئنان عليه!
اعتدلت في وقفتها، وارتعشت نبرة صوتها وهي تسأل عن أخيها ببعض القلق
-هل صرح له الطبيب بالخروج! كيف هو؟ هل تعافى تماما أم...
رمقها بنظرة نارية وهو يجيب
-اصعدي لتري بنفسك يا... عروس!
نظرت إلى بكر الذي أومأ لها برأسه علامة الموافقة، فهرولت صعودا على الدرج لغرفة أخيها، دخلتها بهدوء فوجدته ممددا على فراشه وسط جبائره، على وجهه الشاحب تتجلى آمارات الألم رغم غفوته الظاهرة.
اقتربت قليلا من فراشه، وبصوت خافت همست باسمه، ففتح عينيه بفزع وكأن صوتها ذكره بفحيحها الذي لم ينقطع من أذنيه حتى أوصله لما هو عليه الآن.
نطق اسمها باضطراب
-حسناء! ماذا تفعلين هنا؟
-جئت لأطمئن عليك يا عامر، صدقني لقد كنت...
قاطعها بغصب
-اصمتي حسناء.. اصمتي، لا أريد أن أسمع صوتك مجددا أو حتى أراكِ، أغربي عن وجهي، غادري غرفتي حالا!
علا صوتها أيضا وهي تصيح به
-هل جننت يا عامر أم ماذا أصابك!
اتسعت عيناه وهو يرمقها بغل مجيبا في تهكم
-أنتِ محقة، فأنت لا تعلمين ماذا أصابني. وكيف ستعلمين وقد تركتني بين الحياة والموت وركضتي لتستمتعي بغنيمتك. وبينما كنت أنا أنازع سكرات الموت، كنت أنت تتأوهين نشوة بين ذراعي زوجك السيد بكر الذي كاد يقتلني!
وكأن الأخير حضر على ذكر اسمه، فلم يدر أي من عامر ولا حسناء كيف فجأة أصبح يقف بمنتصف الغرفة، ودون كلمة واحدة كان يقبض بكفه على مقدمة ملابس عامر الذي تألم بشدة في ذعر، ولكن بكر لم يكترث لألمه وصاح به وهو يدفع يد حسناء التي حاولت إبعاده عن عامر
-لو تحدثت معها بتلك الطريقة مرة أخرى، لن أكتفي حينها بكسر ذراع أو رجل بل سأكسر عنقك يا عامر.. هل تسمعني!
نفضه بكر ثم سحب حسناء من ذراعها وهو يقول في نبرة آمرة
-هذه الغرفة لا تدخليها مجددا، ومن الأفضل لك وله أن تنسي أن لك أخ حتى يتعلم كيف يتحدث معك باحترام.
رغم غرابة الموقف وتأزمه، فإنها لم تستطع إلا إن تشعر بالامتنان لبكر، فلأول مرة بحياتها تجد رجل يدافع عنها وينتصر لها.. حتى من أقرب الناس إليها!
قادها إلى غرفتها التي دخلاها ثم أغلق بابها عليهما بقوة تنم عن غضبه.
وكانت تنظر هي إليه بوجد تود لو تلقي بنفسها على صدره وتغوص فيه بكليتها فلا يتبقى منها شيء لغيره، ولكنها خشيت غضبته فآثرت التريث.
واستغل هو الموقف لصالح هدفه فصاح مدعيا الحميّة تجاهها
-هل رأيت يا حسناء كم أنا محق، أنا حقا لا أعلم كيف قضيتي كل تلك السنوات في هذا البيت الذي كل من فيه يكرهك ولا يأبه لكِ!
هي فرحة بكل كلمة تخرج منه، ولكن لا يزال هناك جزء في عقلها يتمسك بوعيه ويحتار في تفسير ردة فعله، هو أفصح في غير كذب أنه لا يحبها، وأنه تزوجها لينتقم منها ويحيل حياتها إلى جحيم، فلماذا يقف إلى جانبها أمام أبيها وأخيها؟
لماذا يدافع عنها ويهتم بصورتها أمامهما؟
تقدمت منه تلامس كتفه بحذر وهي تفصح عن حيرتها بسؤاله
-لماذا تفعل ذلك يا بكر؟ لماذا تدافع عني وتهتم بي وأنت من أخبرتني أنك تزوجتني لتنتقم مني، بل ونعتني مرارا بالعاهرة، وعاملتني بسادية مهينة في أول ليلة لنا معا!
نظر إليها باستهانة ثم خطى خطوات بطيئة حتى وصل إلى الشازلونج الذي يقبع بركن قصي في الغرفة، جلس عليه ثم أشار إليها لتقترب، وعند وصلها إليه جذبها من ذراعها ليجلسها أرضا بين قدميه، مسد على شعرها بحنو وهو يقول
-حسناء، أنت زوجتي ولن أسمح لأحد أن ينتقص منك أو يهينك؛ لأن كرامتك الآن من كرامتي.
صمت لبرهة يستمتع فيها بتأثير كلماته المسكر عليها، ثم بغتة قبض بقسوة على خصلات شعرها مردفا
-أنا فقط يا حسناء من له الحق في أن يفعل بك كل ما يحلو له، أسقيكِ حلوا، أسقيكِ مرا.. أنا ومزاجي..
فك قبضته عن شعرها وهبط بيده يداعب شفتيها وهو يكمل
-هل لديك اعتراض على كلامي يا حسناء؟
أومأت برأسها نفيا دون أن تنطق وقد اشتعل جسدها للمسته وتهدجت أنفاسها، فتابع هو باستمتاع
-أريدك الليلة أن تتجهزي لي، ولكن..
سكت ثم أزاحها بعيدا عنه وهو يبنهض مبتعدا، فنهضت خلفه تتبعه وهي تسأل بلهفة
-ولكن ماذا يا بكر؟ أكمل!
قال أخيرا وقد أيقن أنه لو طلب منها أي شيء لفعلته
-يجب أن تفعلي من أجلي أمرا هاما وخطيرا، لو نجحت به...
اقترب منها يحاوط خصرها بتملك متمما
-سأجعلك تعيشين ليلة لم تحظي بمثلها حتى في أبعد أحلامك!
سال لعابها لقوله فهتفت بلا تردد
-أي شيء يا بكر، أفعل من أجلك أي شيء!
ابتعد عنها وتلك المرة اتجه نحو الفراش يجلس عليه بأريحية، وعلى الفور تبعته هي لتجلس بجواره شبه ملتصقة به تنتظر أن يفصح عن مطلبه.. فقال هو ببعض الجدية
-حسناء، أنت بالطبع تعليمين أن أبيك لم يوافق على زواجنا إلا لينقذ عامر من بين يدي، وأنا أكيد أنه يدبر ليَ الآن شيئا ليزيحني من طريقه وطريقك؛ لذلك أريد أن يكون بين يدي ما أستطيع أن أساومه عليه وأضمن به حياتي وتضمنين أنت وجودي إلى جوارك.
سألت عند صمته
-مثل ماذا؟
-بعض الأوراق والمستندات هي بالتأكيد في خزنة مكتبه هنا، هل تستطيعين أن تفتحي تلك الخزنة وتأتي لي بنسخ عن كل ما فيها؟
انفرجت أساريرها وهي تتمدد على جانبها بإغواء أمام نظراته ثم قالت وهي تغمزه بعينها
-بسيطة! لو هذا حقا ما تريده اعتبره بحوزتك منذ الآن.
بتوجس سألها
-كيف بسيطة؟ هل تعلمين شيفرة الخزنة؟
اعتدلت بعض الشيء لتقترب منه حد الالتصاق ثم مددت ساقها على ساقه وراحت تحركها صعودا وهبوطا وهي تقول بهمس حار
-لا شيء يخطر على بالك يا بكر لا تستطيع حسناء أن تفعله لترضيك، أنا أعلم الكلمات السرية لكل شيء وأي شيء!
ابتسم هو في رضا دون أن يبدو عليه أي تأثر بما تفعل بينما هي تغلي وتفور رغبة به فهمست مجددا قرب أذنه بلهيب أنفاسها
-بكر، لماذا علينا أن ننتظر لليل، ها أنا ضمنت لك أن آتيك بكل ما ترغب
تحركت شفتيها تقترب من شفتيه حتى كادت تلمسها مع استرسالها الهامس
-دعني أكون معك الآن وأدللك كما ينبغي لرجل مثلك أن يتدلل!
نظرة باردة كانت جوابه وهو يفك التصاقها به بضيق، ثم نهض وهو يقول
-لا وقت لدي لك الآن يا حسناء، فأنا يجب أن اتبع أبيك إلى الشركة وأتسلم منصبي الجديد.
وقف أمام المرآة يهندم من هيئته ثم أضاف
-عندما أعود مساء يجب أن أجد ما طلبته يا حسناء ودون أي خطأ، لديك فرصة جيدة والبيت خال.
اتجه صوب الباب يفتحه وقبل أن يغادر التفت إليها محذرا
-ولا تنسي ما أمرتك به من عدم الدخول لغرفة عامر مجددا!
غادرها ليتكها تحلم بمجيء الليل وتشتعل شوقا لكل ما سيحدث في ذاك الليل، فنهضت بهمة تنتقي ما سترديه له، ووقفت أمام المرآة تضع أثواب النوم الواحد تلو الآخر فوق جسدها، فتبتسم تارة راضية وتارة تهز رأسها في رفض، حتى شعرت أن الوقت سينفد منها لو بقيت على هذا الحال، فتركت ما تفعل لتذهب لغرفة مكتب أبيها تنفذ ما طلبه زوجها العزيز.
.................................
الشمس تتلألأ أشعتها فوق جسدها الممدد المبلل بماء حمام السباحة الذي اشتقاته كثيرا ويبدو أنها ستشتاق إليه أكثر في هذا المنفى الذي يصر بكر على احتجازها فيه، ولكن لا يهم، ستنفذ له كل رغباته حتى تصل معه للمكان الذي تريده.
هي تعلم جيدا مدى جودة بضاعتها، هو فقط عليه أن يتذوقها مرة ويرفع رايته أمام أنوثتها ثم سيقع أسير ذاك السحر الذي ستصيبه تعويذته إلى الأبد.
تقدمت منها إحدى الخادمات تسألها إن كانت ترغب بشيء، التفتت إليها حسناء وابتسامتها تزيد وجهها حسنا وهي تجيبها ب "لا" ولكن قبل انصراف الفتاة سألتها حسناء عن أصناف الطعام على العشاء اليوم، ثم طلبت منها إضافة بعض الأصناف؛ فهي تشعر أنها تشتاق الطعام كثيرا، بالإضافة إلى شهيتها التي تشعر بها مفتوحة لكل شيء.
ما لبثت الفتاة أن تنصرف حتى دق هاتف حسناء الذي منحها إياها بكر عوضا عن هاتفها، التقطته سريعا بعد أن لمحت اسمه يضيء شاشته، وبصوتها الناعم أجابته، ولكنه سألها بغلظة ودون مقدمات
-هل فعلت ما طلبته؟
-نعم، ولكن...
-ولكن ماذا يا حسناء! هل واجهتك مشكلة أم رآك أحد؟
-لا هذا ولا ذاك، ولكنني لم أجد هناك أية أوراق، كل ما وجدته (ذاكرة الكترونية)، وعندما حاولت معرفة ما تحتويه وجدتها مشفرة بكلمة سر لم استطع تخمينها.
صمت قليلا يفكر ثم سألها
-هل لا تزال معك أم أعدتها للخزنة؟
-بلى، لا تزال معي.
-حسنا، أنا قادم سآخذها أفك شيفرتها وآخذ نسخة عما تحتويه ثم سأعيدها إليك لتعيدها إلى الخزنة، لا يجب أن يعرف السيد منذر بأن هناك من فتح خزنته.
ومن إحدى النوافذ الخلفية كانت ترقبها (ابتسام) تلك التي خاطرت بوظيفتها وربما بحياتها لتتخلص من تأنيب ضميرها، في محاولة لأن ترد لتلك الروح البريئة التي انتهكت ظلما بعض حقها لتنعم بالراحة في مثواها الأخير.
وماذا كانت النتيجة.. لا شيء!
باع صاحب الحق حقه وحق زوجته في صفقة بدت له مربحة، واستبدل زوجة بزوجة، رمى بنفسه في أحضان قاتلة زوجته حتى لا يخرج في النهاية صفر اليدين، واكتفي بمشاجرة كسر فيها لمنتهك عرضه بضعة أضلع وساق ثم بعد ذلك أي ليعيش معه في بيت واحد، يشاركه طعامه وشرابه وماله ويغفو على بعد خطوات من الغرفة التي اغتصب فيها السيد زوجته!
توهجت عيناها بلهيب الغضب وهي تتابع استمتاع السيدة بجلستها الرائقة وكأن شيئا لم يكن.. حقا، وماذا يهمها وقد حققت كل ما تحلم به وأكثر!
علا هتاف مدبرة المنزل باسمها وهي تنهرها على ترك عملها والوقوف كهذا بلا شغل ولا شاغل، فاضطربت وهي تقترب منها معتذرة ثم انصرفت سريعا عائدة إلى المطبخ تتابع عملها الذي أصبح عبئا عليها تدعو الله كل يوم أن يفتح لها باب رزق غيره.
..........................................
طاولة فخمة تعج بأصناف الطعام الفاخرة الشهية، جمعت بينهما على موعد العشاء، جلس السيد منذر على رأس الطاولة، وإلى يمينه جلست حسناء وإلى جوارها جلس بكر.
طاولة بفخامتها أشعرته بشوق ذبّاح لتلك الطاولة البسيطة التي كانت تعدها له ندى حين عودته بعد يوم طويل من عمله، طاولة كانت أصنافها البسيطة التي صنعت بمحبة وشوق تشبعه وتغنيه بمجرد النظر إليها.
استشعر مذاق الحسرة التي لم تفارقه منذ الصباح، وخاصة مع مروره ذهابا وإيابا من أمام الملحق، كم ود لو دخل إلى هناك لعله يصادف أي بقايا من عبيرها أو أنفاس باقية من آخر أنفاسها، ولكنه خشي أن يتعثر بروحها العالقة هناك حبيسة الغدر والخذلان، خاف من أن تلومه.. تعاتبه على كل ما مضى وعلى كل ما هو آت!
اعتصر قبضته بقهر أسفل الطاولة، وكادت أسنانه تتحطم من ضغطه عليها كاظما كل غضبه لوقت مؤجل!
شعر بأصابعها تمسد ذراعه بنعومة وهي تستعيده من شروده تسأله
-لماذا لا تأكل يا حبيبي؟ هل بالطعام ما لا يعجبك؟
-بالعكس، الطعام شهي للغاية، ولكني مرهق بعض الشيء وأحتاج للراحة، لو انتهيتي من العشاء فلنصعد إلى غرفتنا.
قال جملته الأخيرة وهو يداعب خصلات نارية من شعرها بطريقة ناعمة، فتلألأت نظراتها ببريق اللهفة وهي تترك الشوكة والسكين من يدها قائلة
-بالطبع انتهيت، هيا يا حبيبي لترتاح كما تريد.
جذب يدها لتجلس مرة أخرى وهو يقول ناظرا لعيني السيد منذر بتحد
-قبل أن ننهض يا حسناء أريد أن أسألك أمام والدك، هل لديك أي اعتراض على أن نعيش بمنزلي وليس هنا في قصر أبيكِ الفخم؟
بدورها نظرت لأبيها وعينيها تصب عليه جام حقدها
-مؤكد ليس لدي أي اعتراض، فأنت يا بكر زوجي وسأعيش معك في أي مكان ترتاح أنت فيه، هذا بالإضافة إلى أنني لم أعد أطيق هذا القصر ولا الحياة فيه!
ابتسامة متشفية احتلت جانب شفتي بكر وهو يعلق
-ها قد سمعتها بأذنيك يا سيد منذر، حتى لا تظن أنني أغصبها على شيء، ولا أعتقد أنك كنت تظن أنني سأعيش بمكان واحد مع الحقير ابنك دون أن ينتهي بي الأمر قاتله!
نهض السيد منذر بغضب من مجلسه وهو يهدر فيهما
-فلتهنآ ببعضكما!
قالها ثم وجه كلماته الأخيرة إلى حسناء مردفا
-وأنتِ، طالما اخترت أن تنصاعي لكل رغباته كالبلهاء؛ فلتتحملي نتيجة اختيارك، ولا تظني أنني سأحرك من أجلك ساكنا لو مهما فعل بك!
قبل أن ينصرف عنهما تماما لاحقته حسناء بقولها
-ها قد وجدت مبررا معقولا يا منذر بك لتزيح عن كاهلك عبئي الذي أرهقك لسنوات!
بمجرد وصلهما الغرفة سألها سريعا
-هل أعدت الذاكرة إلى مكانها؟
-بالطبع، ولكنك لم تخبرني.. ماذا وجدت بها؟
جلس باسترخاء وقد لمعت عيناه وهو يجيبها
-وجدت كنزا يا حسناء، كنزا سيجعل عنق أبيك وأعناقا كثيرة في قبضة يدي!
جلست إلى جواره تتحسس صدره بلوعة وهي تهمس
-وما مكافأة الحسناء على هذا الكنز يا سيد بكر؟
التفت إليها بنظرة متسلية وهو يجيبها بمراوغة
-ماذا! هل تنتظرين مني أن آخذك رحلة لجزر المالديف كشهر عسل أم عقدا ماسيا ألفه حول عنقك وأنا أخبرك كم أنت جميلة!
تنهدت بوجد وهي تغير من جلستها لتجلس بين قدميه وتحط بكفيها فوق فخذيه بلمسة مغوية
-أنا لا يهمني أي من كل ذلك يا بكر، أنا لا أريد غيرك.. أنت وحدك. أريدك لي بإرادتك، أريدك أن ترغبني وتتوق إلى وصالي، أريدك أن تحبني كما أحبك أو حتى نصف ما أحبك... أنا راضية.
سقطت نظراته عليها بتسل، وفي عقله تدور الأفكار؛ هذه المشعوذة التي انقلب سحرها عليها، في كل كلمة تتفوه بها وفي كل خطوة تخطوها، تسير تماما على خطته نحو هاوية لا مفر منها، هاوية سحيقة يعدها للجميع، ولكن أولهم ستكون هي، سيمتص منها روحها على مهل حتى تصبح لا فائدة مرجوة منها ثم تأتي بعد ذلك نهايتها التي استحقتها عن جدارة.
نهض بعد أن نفض يديها عنه وهو يقول
-سآخذ حماما يا حلوة، وعندما أخرج.. أجدك فوق هذا الفراش جاهزة وفي انتظاري.
دقات قلبها تركض في كل اتجاه من فرط حماسها، بيد ترتجف خلعت فستانها لترتدي غلالة مثيرة زادتها توهجا وفتنة، وعلى شفتيها رسمت خطين ناريين بلون قان، وفي عينيها الخضراوين رسمت شطآنا بكحلها لترسوا عليهم أمراج نظراتها المغوية، وكللت خصلات شعرها النارية التي تناثرت حول وجهها وكتفيها العاريتين تلك اللوحة التي تنضح إغراء، وأخيرا جاء عطرها الصاخب الذي نثرته فوق جسدها ليبعث في زوايا الغرفة حياة. ثم تممدت هي في منتصف الفراش بجسد مشتعل زفر آخر أنفاس صبره.. تنتظر.
بينما كان هو بالداخل يجاهد نفسه ليحملها على ما لا تطيق!
كيف سيفعلها وهو ينفر منها، فبالرغم من جمالها الصارخ وفتنتها المغوية، لا يجد في نفسه أي رغبة تجاهها؛ وكيف ذلك وهي من حرمته بقايا روحه التي بها كان يعافر لمواصلة الحياة!
يداها المخضبتين بدماء زوجته يود كلما لمسته بهما لو كسرهما لها..
آه لو يستطيع أن يزهق روحها المدنسة بالخطايا الليلة ثم يحيها ليعاود قتلها مجددا كل ليلة.. وياليته بذلك يكتفي؛ فألف روح مثل روحها لا تعادل لديه نفسا من أنفاس زوجته.
وأخيرا انفتح الباب المعلقة به عيناها في ترقب، ورأته خارجا بجسد تتلكع عليه بقايا قطرات الماء وكأنها ترفض مغادرته، جسد لا يستر عريه سوى منشفة يلفها حول خصره بإحكام. تهدجت أنفاسها وهي تشعر بلهيب يسري في خلايا جسدها بلا تمهل.
كادت تغادر الفراش راكضة إليه، ولكنه أوقفها مكانها بحركة ناهية من يده مع نظرة حادة من عينيه، فهتفت من مكانها وهي تمد إليه ذراعيها
-إذن فلتقترب أنت يا بكر.. وارحم لهفتي!
تمهلت خطواته بتعمد في سيره تجاه الفراش، وقف على بعد خطوة منه يرمقها من عل مع قوله بجمود
-تذكري القواعد يا حسناء.. لا تفعلي شيئا لم آمرك به، ولا تعترضي على شيء آمرك به!
أومأت برأسها في خضوع تستعذب مذاقه ثم نطقت اسمه بغواية تجيدها واتبعته بقولها
-أعدك أن أكون طوع يديك.. فافعل بي ما تشاء، واطلب مني ما تشاء، وانهني عما تشاء.
سرحت عيناه على جسدها في غلالته التي اقتبست في لونها بعضا من نارية صاحبتها التي تتلوى أمامه بألم الرغبة، كل ما فيها ينضح بأنوثة مفرطة تغوي أي رجل وتعده بالكثير؛ ولكنه الآن لا يراها سوى وسيلة لغاية باتت هوسه، فقط لو يطاوعه عقله فيأمر جسده بأن يتبع غريزته كأي رجل في موقف كهذا ويستجيب.
فكرة وحيدة تحفزه كانت هي السبب الأساسي في تلبية نداء تلك المهوسة به، هنا تحديدا في هذا الغرفة؛ وهي أن تصل لأسماع ذاك الملتصق بفراشه جبرا في الغرفة المجاورة، أصوات ليلتهما الحميمية، أن يسمع بأذنيه صوت تأوهات أخته المستمتعة، حتى تظل صورتها على تلك الحال تؤرق لياليه، وتنفره منها أكثر وتملأ قلبه بمزيد من الحقد والكراهية تجاهها!
الليلة سيدخر لها نصيبها من العقاب لليال قادمة تكون فيها وحدها ببيت لا يغيثها منه فيه مغيث، ولكن الليلة هو يريدها مستمتعة؛ لأن استمتاعها سيكون حجرا سيضرب به عصفورين؛ الأول أخيها، والثاني ما بقي من حذرها.
آتت أفكاره بثمارها المرجوة وشعر برجولته تستجيب -وكم كره تلك الاستجابة-
ولكنه تبع غريزته منحيا كل مشاعره جانبا حتى يتم هذا الأمر ويزيل ثقل حمله عن كاهله.
دائما المرة الأولى في كل شيء هي الأصعب!
أول خطوة، أول مغامرة، أول شجار، أول روح تزهق بيدك، أول مرة تعتنق جانبك الحيواني متخليا عن جزء من إنسانيتك؛ وها هو يفعلها مجددا.
يعتليها مغمض العينين والقلب، لا يشعر بها ولا بذاته، فقط حركته الآلية التي تحفزها تأوهاتها المدوية ونداؤها المنتشي باسمه.
وهناك في الغرفة المجاورة، كان يحدث ما أراد هو وأكثر.
صدى صوتها يخترق الجدران وكأنه متواطئ مع بكر، عازم على الوصول لمسامع الراقد بفراشه، عاجز عن الذهاب لأي مكان آخر.
تتغضن ملامحه بنفحات الغضب والتقزز، والدمع محتقن بمقلتيه يأبى السقوط عن خذي، ولا يدري هل هو خزي من حاله أم من حال أخته التي يشعرها الآن لا تفرق شيئا عن من اعتاد معاشرتهن من عاهرات.
ولكن، لماذا يشعر هو بكل هذا الندم والخزي، إن كان صاحب الحق ذاته فرط في حقه ورضي أن يستبدل بزوجته واحدة جديدة أكثر فجورا وتناسب مزاجه ورغباته، ومعها آتى المال والجاه.. صفقة رابحة بكل المقايس؛ والثمن هو (عامر) وحده من دفعه بعاهة مستديمة ستلازمه ما بقي من حياته!
وبالعودة للصراع الدائر هناك فوق فراش الحسناء والذي أوقفه بكر فجأة بانسحابه المباغت عنها وقد شعر أنه لا يستطيع حمل نفسه على أكثر من ذلك، فابتعد عنا بضيق وأخذ برهة يلتقط أنفاسه أتاه في صوتها الهامس تتوسله المتابعة ولكنها هرول تجاه الحمام تاركا إياها لا تزال ظمأى لم ترتو بعد.
تحمم وكأنه يطهر نفسه من دنسها، بينما طرقاتها على باب الحمام تسأل باضطراب عما به وعما حدثولا يأتيها جواب، بعد دقائق فتح باب الحمام مرتديا ملابسه التي كانت بالداخل قائلا دون أن ينظر إليها
-لقد تذكرت موعدا هاما ويجب أن ألحق به.. لا تنتظري عودتي!
غادر الغرفة ومن بعدها القصر كله، وظلت هي واقفة بمنتصف الغرفة لا تعي ماذا حدث؟ ولا كيف انتهت ليلتهما الأولى هذه النهاية العجيبة!
************************