بعض الحب إثم - الفصل 10 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بعض الحب إثم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 10

الفصل 10

الفصل العاشر جاءه الموت الذي كان يفر منه.. فهو ملاقيه! صرخات بكر باسمه أفزعته من فراشه الذي كان دخله للتو بحثا عن نوم فاته ليلة أمس. انتفض وقلبه يركض بنبضاته ليفر من أسوار أضلعه، وعقله يخبره أن بلا أدنى ريب تلك هي لحظاته الأخيرة بالحياة. هرع تجاه باب غرفته يوصده بمفتاحه ويجر بيده المرتجفة مرتخية الأعصاب المنضدة الجانبية للفراش ليضعها خلف الباب، وكأنها ستمنع بكر الدخول إليه ليجز عنقه بأسنانه. ولاقت صرخات بكر صداها بقلب رأس الحية المدبرة لهذه المأساة، فارتجت جنبات ذاك القلب خوفا -ربما للمرة الأولى-، ولكنها لم تتجه صوب بابها لتوصده كالجرذ أخيها، بل اتجهت إليه تفتحه بقوة يعززها رصيد تبجحها الذي لا ينفد. وبالبهو الداخلي للقصر وقف بكر كأسد جريح أقسم ألا موت له قبل أن يروي ظمأه بدم فريسته، عيناه تجوب زوايا المكان وصوته لا ينقطع صراخه باسم ذاك النذل. بغضب فتح السيد منذر باب مكتبه متجها صوب بكر يهدر فيه بصوت جهوري.. -ماذا أصابك بكر هل جننت! لماذا تصرخ هكذا باسم عامر؟ ولماذا تحمل سلاحك.. ماذا حدث؟ رمقه بكر بنظرة مشتعلة ولم يجبه، بل اتخذ طريقه يقفز درجات السلم صاعدا لغرفة عامر، غير آبه لصياح السيد منذر الذي استدعى بعض طاقم الحراسة ليسيطروا على هذا الموقف العجيب! بينما بكر يركض على السلالم قابلته حسناء فتسمرت في مكانها من هول ما رأت على وجه بكر. رعدة سرت بأوصالها، وضيق أصاب أنفاسها، وهي تتراجع بشكل لا إرادي وعيناها لا تحيد عن السلاح بيد بكر. توقف هو للحظة يحرقها بنظراته المتأججة غضبا ثم في اللحظة الثانية كان قد انقض عليها يجذبها من خصلات شهرها المتوهجة بحمرتها، وفي تلك المرة كان بالتأكيد قد اقتلع بعضا منها في قبضته. سار بها يجرها خلفه متجها نحو غرفة عامر، وهي تصيح فيه أن يتركها ويكف عن جنونه. وأمام ذاك الباب الذي ظن من خلفه أنه موصد، لم يحتج الباب سوى ركلة قوية من رجل بكر حتى ينفتح على مصراعيه، ويظهر عامر من خلفه في هيئة مزرية ذليلة، حيث كان متكوم على نفسه في وضع القرفصاء أرضا بجوار الفراش، يخبئ رأسه بين ركبتيه وبيده يصم آذانه عن صيحات بكر! برقت عينا بكر بنظرة الظفر وهو يطيح بحسناء بقوة صوب أخيها، ووقف يرمقهما بنظرة سوداء قاتمة تنضح بكل الغضب والغل، وصوته يأتي من جب حلقه العميق قائلا.. -هل ترى هذا الفراش الذي اغتصبت زوجتى عليه وهتكت به عرضي.. سأجعله الآن قبرا لك، هذا إن أبقيت منك على شيء يُقبر! وعلى صدى كلماته كان السيد منذر قد خطا بداخل الغرفة، فبهت بما سمع غير مصدق، وعيناه تقع على هيئة ولده الناطقة بإثمه، ولكنه مع ذلك لم يقاوم النطق بسؤاله.. -هل.. هل فعلتها حقا يا عامر؟ هل ما يقوله بكر صحيح؟ أخيرا نطق عامر شهادة ما قبل موته وهو يدفع الحية الملتصقة به عنه ويهدر بصوت مرتعدة نبراته.. -هي من خططت لكل شيء، حسناء هي من أتت بندى هنا وطلبت مني أن أفعل ذلك لتفرق بينها وبين بكر، لتناله لنفسها وتشبع هوسها به! هنا انتصبت قامة بكر فبدى أضخم مما هو، شد أجزاء سلاحه ومع آخر كلمات عامر كانت رصاصة بكر تستقر بفخذه. انتفضت حسناء تبتعد عن أخيها وعيناها مثبتة على السلاح بيد بكر تنتظر نصيبها من طلقاته، ولكن لحسن حظها لم تكن هي هدفه الآن فدورها لم يحن بعد. سبقت خطوات بكر خطوات السيد منذر الذي كان يتحرك بهلع تجاه ابنه ومرآى دمائه تسيل حول موضع الرصاصة قد أفقده صوابه. وصل بكر إلى عامر الذي يتلوى ألما، فجذبه من رأسه يوقفه، ثم طوق عنقه يساعده غارسا فوهة سلاحه برأسه يبتعد به عن الجميع. الكل مذنوبون وهو أولهم، الكل سيدفع الثمن وهو أولهم؛ ولكن ذاك الحقير الذي ينزف دماءه القذرة بين يديه سيكون أول وفده إلى جهنم، ومن ثم سيحين دور البقية وهو آخرهم. خرج به من الغرفة يجرجره على درجات السلم ودماؤه تسيل بلا توقف حتى خضبت الأرض بلونها القاني. وفي أسفل الدرج وقف حشد من الحرس الذين تجمعوا فور سماع صوت الرصاصة، واصطف جميع الخدم جنبا، ينظرون لما يحدث ببلاهة غير مدركين أبعاد الحدث، فقط قلوبهم تهدر في خوف وترقب، ووسطهم كانت ابتسام تقف تتابع ما يحدث وبعينيها نظرة تشفي تجاور دمعاتها المنهمرة. وقف بكر أعلى الدرج هادرا في الرجال المتأهبين أسفله يسألهم الابتعاد وإخلاء السبيل حتى لا يكون مضطرا لقتل إي منهم. ومن خلف بكر وقف منذر وقد بات متيقن أنه فاقد ابنه اليوم لا محالة، ولكن بأمل واهن راح يستجدي بكر قائلا.. -اتركه يا بكر ولك كل ما تريد، لا تقتله وسأفعل لك به ما هو أكثر من القتل! ثم وجه نظره للحرس يصيح بهم.. -ماذا تنتظرون؟ هل ستتركونه حتى يقتله! بين إقدام وإحجام وقف الرجال لا يعلمون ماذا يفعلون، تقدم أحدهم خطوة وحيدة جعلت بكر يصيح بصوت مرعب.. -لو تقدمت غيرها سأفرغ هذا السلاح برأسه. ثم نظر لمنذر هادرا.. -لو أردت الإبقاء على حياته.. فليخرج الجميع من هنا قبل أن يتحول الأمر إلى مجزرة! نفذ منذر الأمر وكل ما يشغل باله كيف يحتوي ثورة بكر ويجعله يهدأ حتى يقتنص ابنه من بين براثنه سالما. بصوت لم يخل من ارتجافة وقد تخلت عنه ثقته المعهودة ونبرته القوية الحازمة، طلب من الجميع المغادرة وإخلاء بهو القصر. وفي وسط كل هذه المعمة كانت حسناء تقف بجانب منزو تراقب بحذر وتنتظر اللحظة التي يمكنها بها الهرب من سلاح بكر الذي حتما ستنالها إحدى طلقاته المحنونة بعد أن يجهز على أخيها؛ أخيها الذي أصبح بين يدي بكر كفرخ طير يتهاوى وقد ازداد نزف جرحه بشكل خطر. خلا المكان إلا من بكر القابض على عنق عامر وسلاحه لا يزال مغروس بصدغه، والسيد منذر الذي لا تحيد عيناه عن ابنه الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي بكر.. وأخيرا حسناء التي تتخذ إلى الآن في تلك المأساة دور المتفرج المترقب! خطوة واحدة هم منذر باقترابها تجاه بكر الذي ابتعد وهو يضغط على مهددا على زناد سلاحه، ليقف منذر في التو قائلا بهدوء.. -ها قد فعلت ما تريد، هلا تركته أو على الإقل تركتني أتصل بالإسعاف. جاء صوت بكر يحمل قهرا وهو يضغط على أحرف كلماته.. -أنا كنت طوال الوقت أحمل روحي على كفي لأحميك، وابنك هنا على شراشفكم الحريرية يستبيح زوجتي ويهتك عرضي. مع كلماته الأخيرة كان ساعده يشتد على عنق عامر دون وعيه؛ فجحظت عينا الأخير وراح بوهن يحاول فك ذراع بكر عن رقبته أملا في نفس ولو الأخير! مرآى الرجل لابنه بهذا الشكل جعله يتوسل بكر قائلا في محاولة أخيرة للنجاة من هذا الموقف.. -بكر، فكر بعقلك كما عهدتك.. أنت لن تستفاد شيء إذا قتلت عامر.. فقتله لن يعيد زوجتك، بل سيعيدك أنت للسجن مرة أخرى لتقضي ما تبقى من عمرك حبيس جدرانه. هدر فيه بكر بقوة وقد أبعد سلاحه عن رأس عامر ليوجهه الآن في وجه منذر.. -وهل تعتقد أنني أخشى العودة للسجن.. أنا حتى وإن ظللت حرا فلا يشكل ذلك فارقا لدي، لأنني أحمل سجنى بين أضلعي. غامت عيناه ونبرته تزداد قسوة وهو يردف.. -أنا سجين ثأر لم يمنحني القدر الفرصة لآخذه، والآن وقد بت أقبض على ثأري بيدي هل تعتقد أنني تاركه! عاد بفوهة سلاحه لرأس عامر الذي بدأ يفقد وعييه متمما.. -صدقني أنا أهديك معروفا أن سأخلصك من حقير كهذا، لا يجيد سوى القذارة ولا يعرف سوى الدناءة. -خمسة ملايين مقابل حياة ابني يا بكر، ما رأيك؟ نطق بها منذر بغتة وعيناه مثبتة على السلاح بيد بكر، بكر الذي اشتعلت عيناه بمزيد من الغضب وهو يهدر.. -تقصد خمسة ملايين مقابل شرف زوجتي، أما حياة هذا الكلب فلا تساوي شيئا! شبح ابتسامة مسها تهكم ظهرت على فمه وهو يردف.. -لو كان لك شرف، لكنت ساومتك عليه.. ولكن عاهرتك الأخرى والتي سيأتي دورها.. لا تملك منه حتى مثقال ذرة لأنتهكه! قال جملته وهو يلقي بنظرة مزدرئة تجاه حسناء التي تقف بعيدا تحتمي خلف أحد أعمدة البهو، ثم ساد صمت للحظة بين الجميع. وهنا نفث شيطان بكر في رأسه شظايا من جحيم مستعر؛ لو قتل عامر الآن سيموت النذل مرة، وسيموت هو ألف مرة؛ لأنه لن يستطيع قتله مرارا وتكرارا! وتلك الحية، الموت لها رحمة.. لن تنالها أبدا طالما هو لا يزال حيا، يتنفس هواء هذا الكون المسمم بأنفاس من على شاكلة هؤلاء. عاد بنظره إلى منذر يرمقه بتعال وهو يقول.. -حياة هذا الكلب لا تساوي عندي حتى ثمن الرصاصة التي سأقتله بها، ولكن إن كانت حياته لها قيمة لديك.. فيجب أن تعلم أن هذا سيكلفك الكثير يا سيد منذر! تشبث منذر بالخيط الواهي الذي ألقاه بكر في وجهه، فقال دون تردد.. -أي شيء تطلبه يا بكر.. أي شيء! -عشرة ملايين، ونصف أسهم عامر بالمجموعة.. سكت برهة، نظر بعدها إلى الحسناء متمما.. -وأتزوج حسناء! انتفضت حسناء وهي لا تصدق ما تفوه به بكر للتو! هل قال (أتزوج حسناء)! نفضت رأسها في غير تصديق؛ هل حقا بعد كل تلك الأحداث المفجعة.. ستحصل هي على مرادها وسيأتي مقدما على طبق من ذهب! أما منذر ففي تلك البرهة التي صمتها بكر، رتب حساباته جيدا في رأسه؛ لا يهم ماذا سيطلب بكر، ولا يهم ما سيمنحه له.. فهو حتما سيتخلص منه بمجرد أن يأمن شره؛ فلا عاقل يربي ذئبا ببيته، حتى وإن كان البيت وكرا للثعالب. -موافق يا بكر.. موافق على أي شيء. نطقها منذر بغير تردد، ليقول بكر بعدها وهو يفك قبضة ساعده عن رقبة عامر دون أن يفلته تمام.. -بإمكانك أن تطلب الإسعاف له الآن. بيد مرتعشة تناول منذر هاتفه وبعد أن طلب الإسعاف، طلب من بكر أن يترك عامر ويخفض سلاحه، فابتسم بكر بمكر قائلا.. -حرر لي شيكا بالمبلغ، واكتب لي تنازلا مبدئيا عن الأسهم الآن، وغدا عقد قراني على ابنتك ال... مصون! -وبماذا سيفيدك التنازل وعامر غائب عن الوعي لن يستطيع أن يوقعه! -بصمته ستفي بالغرض حتى يفيق ويوقع على العقد. وأريد أن أذكرك في حال نسيت بالأمانة التي في حوذتي، تلك التي إن حفظت عهدك معي، سأحفظها أنا الآخر. نظرة مستخفة رمق بها من كان سيده وهو يضيف بتشف.. -تأكد يا سيد مندر أن قتلي لن يجلب لك إلا الكثييير من المصائب.. مصائب أنت في مأمن منها طالما أن حي! .............................. حلة سوداء أخرى يرتديها، ولكنها تختلف كثيرا عن سابقيها! الأخريات كن يسترن جسدا وهبه صاحبه لحماية من يأتمنه على حياته، أما هذه.. فسوادها ما هو إلا لمحة من سواد أغطش وإن كسره بياض قميص رقد تحته؛ فسواد قلب صاحبه يكفي لإحالة حياتهم إلى جحيم لا ينجو منه أحد. صياح صديقه الذي يأتيه عبر الهاتف يعلن رفضه عن كل هذا الجنون قائلا.. -هل جننت يا بكر! زوجتك لم يمر يومان على وفاتها.. وأنت تخبرني أنك ستزوج اليوم.. وممن! من تلك الحية التي لطالما أخبرتني عن مطاردتها لك! تنهد بكر يخفي عن صديقه لهب النيران المشتعل بصدره، ثم قال بصوت جاف مختنق.. -علاء، اهدأ واطمئن.. فأنا أعرف ماذا أفعل! عاد لهياجه مرة أخرى ينهر صديقه الذي بات يشك في سلامة قواه العقليه.. -لا يا بكر، أنت لا تعلم ماذا تفعل، أنت واقع تحت تأثير فقدك لزوجتك، خطواتك طائشة كرصاصة لا تعلم بصدر من ستستقر! -بل على العكس تماما يا علاء، ربما تكون تلك المرة الأولى التي لا أجازف فيها بشيء.. وأدرك تماما عاقبة ما أفعل! زفر بضيق ثم تابع.. -علاء، منذر النعماني ليس بالرجل السهل، وعندما أخبرته عن رغبتي في ترك العمل.. هددني بشكل صريح أن من يعمل بمثل وظيفتي، لا يتركها بإرادته وإنما بقضاء الله. -هل تعني أنه هددك بالقتل! -هو يدرك أنني أعلم عنه الكثير بحكم ملازمتي له طوال الوقت، ومثل هؤلاء لا يتركون حبالهم معلقة بيد آخرين؛ لذلك وجب على أن أؤمن نفسي ضد غدره، وحسناء هي ورقتي الضامنة في الوقت الحالي. هتف علاء بغير رضا.. -ولكن زواجك من ابنته لن يردعه عن قتلك لو أراد! -أعلم ذلك يا علاء، ولكن تلك الزيجة ستثبت على الأقل أنني لا أنوي غدرا. -أنا على يقين يا بكر أن رأسك به شيئا آخر لا تود إقحامي فيه، ولكن تذكر يا صديقي أنني لن أخذلك أبدا عندما تلجأ إليّ! -أعلم ذلك يا علاء وأثق به تماما! أغلق بكر الاتصال، وهو يشعر بالرضا عن نفسه لعدم إقحام صديقه في وغى حرب لن يخرج منها أحد منتصر.. حتى هو نفسه! ورغم تلك المكانة التي يشغلها علاء لديه، لم يستطع أن يخبره عما حدث لندى، وبالتالي لم يستطع أن يخبره عن أسبابه الحقيقة وراء كل ما يفعل وكل ما سيفعل! لمعت عيناه ببريق الانتقام وسرت نشوة مذاقه في فمه عندما راح عقله يهديه صورا متخيلة من كل هذا الذي سيفعله. الانتقام سم يتجرعه المنتقِم برضا، ويتجرعه المنتقَم منه بغفلة أو بالغصب.. لا يهم! فالكل هالك، وهو أكثر من راض بهالكه، حتى أنه ينشده! ولكن قبل ذلك، وعدا عليه أن تفتح قبورهم بيده.. وتردم بيده، ثم يجلس على شواهدها يرشف أخر قطرة في كأس سمه بتلذذ وانتشاء. ........................................ وبغرفتها وقفت الحسناء أمام مرآتها بنشوة ما تحسبه نصرا، تتزين لعقد قرانها على فارس الأحلام. فارس أنستها نشوة امتلاكه، أن فارسها قد ألبسته هي بيدها حلة الطاغية، وأنها قد تقتسم فراشها الوثير هذا مع رجل أكثر وحشية من (جينكيز خان)، وأكثر جنونا من (ستالين)! نظرة تفيض بالعُجب ألقتها على هيئتها التي تواجهها بالمرآة، فستانها الأبيض الذي ترتديه رغم أنه لا يشبه فساتين الأعراس بشيء، فإنه يجعلها تضوي كشمس متوهجة؛ خاصة بخصلاتها النارية التي تحيط وجهها وقد رفعتها للأعلى بشكل بسيط يسمح لتلك الفرجة الواسعة بظهر الفستان أن تظهر بياض بشرتها المرمري المشرب بحمرة فتجعل بشرتها تميل للون الوردي أكثر منه بياضا. أما شفتيها فطُليت بحمرة مناسبة زادتها فتنة وإغواء لا ينقصها من الأساس، وختاما كان كحل عينيها الخضراوين الذي زادهما سحرا وغموضا؛ كعينين نمرة شرسة تعرف تماما كيف تقتنص فرصتها. لا تكترث بمثقال ذرة لأخيها الذي يرقد بالمشفي معلق بحبال واهية بين الحياة والموت. هذا الذي كان دمية بخيوط تلاعبت هي بها فجعلته بيدقا كل وظيقته أن يخلي لها السبيل حتى تصل بأمان لرقعة الملك؛ وها هي وصلت.. أو هكذا تظن نفسها! دقات على باب غرفتها سمحت لها بعدها بدخول الخادمة التي نظرت لها بانبهار لم يخل من اشمئزاز، ثم أخبرتها أن الجميع بانتظارها بالأسفل لعقد القران. ....................... على درجات السلم المواجهة للأريكة التي يجلس عليها بكر وأبيها وبينهما المأذون، تهادت هي في هبوطها حتى تترك لعينيه كل الوقت للتفرس بفتنتها الآخذة للأنظار. برقت عيناه بالفعل فور رؤيتها، ولكن الغافلة التي ظنت تلك النظرة جراء إعجاب بحسنها، لن تعي سوى متأخرا المغزى الحقيقي وراء نظرته! جلست على كرسي مجاور له، وراحت عيناها تسرح على هيئته التي تجعل تبعثر نبض قلبها العابث. عطره النفّاذ يسكرها بشذيه، ويجعل عقلها ينشط بشكل مثير ليصور لها صولات وجولات سوف تكون له فوق جسدها الذي يتحرق شوقا للحظة التي سيغلق عليهما باب غرفتها. أخذ الشيخ يردد الكلمات المعهودة، ثم طلب من بكر الترديد خلفه.. للحظة تجمدت الأحرف على شفتيه! يشمئز من نطقها لأجل تلك العاهرة التي تجلس تلتهمه بعينيها بجرأة دون مراعاة لأبيها ولا لوقار الشيخ الذي تجلس بحضرته! لا يصدق أنه سيجعل منها زوجة له تحمل اسمه، وعرضه.. حتى ولو كان ذلك وسيلة لأن يذيقها الويلات ويثأر لزوجته منها ومن أخيها ال... لمسة يدها لركبته جعلته تلقائيا يبتعد في نفور رغم رقة نبرتها وهي تقول.. -بماذا شردت يا بكر! ردد وراء الشيخ. انتبه للشيخ وغصبا عنه راح يردد الكلمات وهي ثقيلة على لسانه. انتهوا من عقد القران، وحل بعدها صمت عجيب.. لا فرحة ولا زغاريد ولا حتى ابتسامة زائفة من العريس لحميه أو حتى لعروسه. أفقل الشيخ دفتره وهم واقفا ليغادر وهو يتعجب مما يرى! التفت منذر لبكر يسأله بجمود.. -والآن ماذا يا بكر؟ ضاقت عينا بكر بنظرة ساخرة وهو يمد كفه يطبق به على كف حسناء يعتصره وهو يجيب.. -شهر عسل! سآخذ ابنتك ونذهب في شهر عسل كأي عروسين. قالها وهو يجر حسناء خلفه متجها لباب القصر، والتي اتسعت عيناها في دهشة وهي تقول.. -بكر لماذا لم تخبرني حتى أعد حقيبتي.. كيف سأغادر هكذا وليس بحوذتي أي ملابس؟ نظر إليها بوقاحة ثم ذهب بتلك النظرة صوب منذر قائلا بصوت مسموع.. -ومن قال أنك ستكونين بحاجة إلى ملابس.. لن يكون لديك فرصة لارتداء أي منها يا عروس! صدحت ضحكتها المائعة يتردد صداها في أرجاء المكان وهي تذهب خلفه قائلة.. -مجنون! ............................ على طريق مظلم بدى لها لا ينتهي، يقود السيارة ويكتنفه صمت مطبق. سألت وهي تقترب منه تتحسس ساعده بلهفة لم تعد تطيق أن تصبر عليها.. -بكر، ألن ينتهي هذا الطريق أبدا.. إلى أين تأخذني؟ نفض ساعده عنها ولم يتكلف حتى عناء النظر إليها، عادت هي بيدها تتحسس جيدها مرورا بنحرها ثم أعادت ظهر الكرسي للخلف في وضع استلقاء وهي تغمض عينيها وتقول بوقاحة.. -ما رأيك لو فعلناها هنا يا بكر! لتصبح ليلة دخلتنا ليلة استثنائية لن ننساها! رمقها بنظرة سريعة، ونبتت على جانب فمه ابتسامة مخيفة سرعان ما اختفت قبل أن يقول بنبرة متوعدة.. -أعدك يا حسناء بأنك لن تستطيعي نسيان هذه الليلة، ولا كل الليالي التي ستليها.. فاطمئني! .............................. صف السيارة أخيرا أمام مبنى مكون من طابق واحد، يقع في مكان منعزل.. يصلح لجريمة قتل أكثر منه لقضاء شهر عسل! بدى القلق جليا على وجهها وهي تسأل بتهكم.. -ماذا يا بكر! هل أتيت بي هنا لتقتلني! أطبق على ذراعها يقودها أمامه وهو يجيبها.. -لا تغرني بالفكرة يا حسناء؛ لأن قتلك لن يفيدني بشيء! فتح الباب ثم ألقى بها أمامه على طول ذراعه، تعثرت حتى كادت تسقط؛ ولكنها اعتدلت سريعا وعادت ترمي بجسدها على صدره محاوطة عنقه بشغف مع همسها المحموم قرب أذنه.. -وها أنا أصبحت ملك يديك يا بكر، ولا أمانع في أن تستفيد مني بالطريقة التي ترضيك. يقف منتصبا أمام لهفتها، يكز على أسنانه حتى لا يطاوع شيطانه ويخنقها بيديه العزلاء؛ علّه يجد سلوانه في مرآى أنفاسها وهي تُزهق على مهل حتى تفيض روحها الآثمة عائدة إلى حيث تنتمي.. الجحيم! وبينما هو غارق بأفكاره السوداء، كانت هي غارقة في محاولاتها البائسة في الوصول إلى شفتيه، ولكن فارق الطول بينهما يشكل أمامها عقبة لا تستطيع تخطيها إلا إذا قرر هو منحها ما تهفو إليه. عاد هو من شروده على يديها التي تتحسس صدره بجوع مقزز محاولة فك أزرار قميصه. نفض يدها بقسوة عنه ليوقفها عما تفعل، ثم سحبها من يدها خلفه حتى وصلا غرفة مغلقة، ركل بابها بقدمه فانفتح على مصراعيه، وبحركة عنيفة كادت تخلع ذراعها، سحبها من خلفه لتواجهه. وقف أمامها بتجبر وهو يلقى بحمم نظراته في قلب عينيها، فارتجف قلبها وجف حلقها خوفا.. هي تعلم أنه لم يتزوجها رغبة بها، ولديها من الخبث رصيد يؤهلها أن تدرك أنه بالتأكيد يضمر لها شرا، ولكن رغبتها العمياء به تخدر خوفها واحتياطها منه في سبيل أن تصل لمبتغاها. بعد لحظة ارتجافها أمام هول نظرته، تماسكت سريعا ولاحت على ثغرها الجميل ابتسامة مغوية وهي تذهب بيدها لسحاب فستانها تفتحه بتمهل، حتى سقط الفستان عن جسدها الذي تلألأ بريق بشرته، ثم رفعت يدها لتسحب مشبك شعرها فتتحرر خصلاته النارية المموجة لتزيدها قتنة إلى فتنتها. مررت يدها ببطء على منحنيات جسدها الملتهب برغبته، وعيناها ترسل للجبل الراسخ أمام حسنها نداءات استغاثة عاجلة. خطوة عادها هو للخلف وعيناه تمران على جسدها ببطء من أعلى رأسها حتى إخمص قدميها.. نفس عميق سحبه ثم حبسه داخل صدره، وبعزم لم يدخر منه شيئا، رفع كفه ثم هوى به على صفحة وجهها. في تلك المرة كان سقوطها حتمي! هوت عند قدميه بعد آهة صدحت بها إثر مفاجأة الصفعة، تلقائيا ذهبت أصابعها تتحسس السائل اللزج الذي يسيل من شفتيها وتتساقط قطراته على فستانها الأبيض الملقى عند قدميها. رفعت عينيها إليه بحقد وهمت بأن تتفوه بشيء، ولكنه لم يمهلها وقتا لذلك حيث انحنى فوقها من عليائه يجذب خصلات شعرها بقوة فترجع رأسها للخلف طاوعية.. نظرة الازدراء بعينيه تخبرها عن مكانتها الحقيقية، وجاءت نبرته المتهكمة تصدق على ذلك وهو يقول من بين أسنانه.. -هل تعتقدين يا حسناء أنني كنت بحاجة أن أتزوج عاهرة مثلك كي أقيم معها علاقة! رفعها من خصلات شعرها التي تتمزق على يديه حتى استقامت بوقفتها، ثم تابع وهو ينظر لجسدها شبه العاري بقرف.. -أنتي أرخص من ذلك بكثير.. أم أنني بحاجة لأن أذكرك! دفعها تجاه الفراش الذي سقطت عليه، ومع تقدمه باتجاهها، راحت تزحف هي للخلف بتوجس وهي تسأل بصوت مرتجف.. -لماذا تزوجتني إذن يا بكر؟ رفع يده نحو وجهها فانتفضت مبتعدة، ولكنه واصل حتى حطت أصابعه برفق على مكان صفعته المتورم بوجهها، ثم ابتسم ابتسامة لم تستطع هي تفسيرها وهو يجيب سؤالها بسؤال.. -هل سمعتي قبلا يا حلوة عن المقولة التي تقول (احذر مما تتمنى)! صمت هنيهة يتلذذ برحيق الخوف المنبعث من خلاياها ثم واصل.. -أنا تزوجتك يا حسناء لأجعلك تندمين كل ليلة على تلك الأمنية التي تمنيتها وفعلت كل ما فعلت لتحققيها. بعض التحدى شاب نبرتها وهي تسأله.. -هل تعني أنك لن تقربني.. هل تلك هي الوسيلة التي ستعاقبني بها؟ اعتدل في وضعه وراح يقهقه وكأن به مس من جنون، ثم انحنى فوقها مرة أخرى وراحت أصابعه تسرح على جسدها بالكاد تلمسه، فشعر بلهيب الرغبة يتأجج بذاك الجسد أمامه ثم قال بهمس أقرب إلى فحيح.. -وهل هناك رجل يستطيع أن يقاوم جسدا كهذا في فراشه يا حسناء! بعض الأمل عاد يطرق أبواب هوسها به، وهدير قلبها يزيد الأمر سوءا بدمائها الفائرة التي يضخها بلا هوادة في كل عروقها! فجاء صوتها واهنا راجيا وهي تسأل.. -إذن ستفعلها يا بكر، ست.. وضع سبابته فوق شفتيها التي تجمدت بقايا قطرات الدماء فوقهما ثم همس أمام وجهها.. -كل ليلة يا حسناء، كل ليلة سأروي جسدك الظمآن إلىّ، ولكن... اعتدل، ابتعد خطوة، وسكت عن إتمام جملته، وبسكوته لعب على وترها الحساس، فانتفضت تقترب مقدار ابتعاده تتشبث بذراعه وهي تسأل بجزع.. -ولكن ماذا بكر.. أكمل! تنهد وهو يرفع يده يمسد على خصلاتها الثائرة ثم أفصح.. -ولكن.. لكل شيء ثمن يا حسناء، أليس كذلك؟ برقت عيناها للحظة، عادت بعدها الحية تتلوى وقد أعجبتها المساومة رغم دناءتها، فسألت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها فيزداد بروزا في حمالته.. -وماذا تريد في مقابل معاشرتي يا سيد بكر؟ رمقها بنظرة مهينة لم تبال هي بها، ثم استخرج من جيب سترته ورقة.. فردها أمامها وهو يقول.. -فقط إمضاؤك على هذه الورقة. تطلعت فيما يحمل بيده وهي تسأل بتوجس.. -وماذا بالورقة؟ -توكيل عام منك ليّ يا زوجتي الجميلة.. توكيل يخولني إدارة أسهمك في المجموعة ويمنحنى حق التصرف في كل شيء! سكتت تتطلع إليه بتوجس وقد عُقد لسانها لا تعرف بماذا تجيبه، وبادلها هو نظرتها بنظرة وقحة أسقط بعدها الورقة فوق رأسها وهو يقول.. -أنا بالتأكيد لن أجبرك على الإمضاء يا حسناء، ولكن سأمنحك مهلة لتفكري مليا في الأمر وتتخذي قرارك. تحرك يبتعد عنها متجها صوب باب الغرفة، استوقفته بندائها ثم سألته.. -ماذا كنت تعني بأنك ستجعلني أندم على ما تمنيت؟ لم يستدر ليواجهها وحتى لم يلتفت إليها، ولكنه أجاب وهو يوليها ظهرها.. -أنا أنهيت حديثي حسناء ولا شيء لدي آخر لأقوله.. الكلمة الأخيرة الآن عندك، وسأمهلك حتى الصباح كي تخبريني بها... تصبحين عل خير. عند باب الغرفة التي هم بمغادرتها استوقفته مجددا بنداء مغلف باللهفة وهي ترى رحيله عنها.. -بكر! توقف.. لا داع للانتظار حتى الغد، سأوقع. لم تر هي تلك الابتسامة التي رسمت على فمه، ولم تلحظ قبضة يده التي تكورت في جيب بنطاله تنم عن كبته لغضب مستعر حتى مع حلاوة مذاق النصر الأولي الذي يستشعره. استدار إليها ثم استخرج من جيبه قلما مد يده إليها به، تناولته هي سريعا ثم وضعت إمضتها أسفل الورقة التي لم تقرأ منها سطرا. بمجرد انتهائها سحب الورقة من يدها قائلا.. -دقائق وسأعود إليكي يا عروس.. نظرة رمقها بها أشعلت بها نيرانا لا تخمد مطلقا ثم قال.. -أريدك على هيئتك هذه.. لا تغيري شيئا! .................................. خطأ نقترفه بغفلة.. يكلفنا الكثير، ربما كلفنا حياة بأكملها.. أو حيوات! بالقرب من جسد ابنه الراقد فوق فراش المشفى، جلس السيد منذر باسطا ذراعيه على مسندي الكرسي، وقبضة كفيه فوقهما تشي بغضب لا يجد متنفسا له. عيناه مثبة على الغائب عن عالمه بتأثير مخدر يحقن بجرعات مقننة منه حتى يتحمل آلام جسده الذي لم يترك فيه بكر شيئا لم يكسره! عملية جراحية أُجريت له لاستخراج الطلقة من فخذه، أخبر الطبيب السيد منذر عقبها أن الإصابة لم تكن سطحية، وأن ولده لن يستطيع السير بشكل طبيعي بعد اليوم، ستلازمة عرجة أثناء سيره، وذلك بعد فترة طويلة سيتوجب عليه فيها استخدام عكاز طبي. -أحمق! سبة هدر بها منذر يصف بها من كان يأمل أن يخلفه يوما على عرش إمبراطوريته التي أسسها وأرسى قواعدها وحافظ على هيبتها على مدار سنوات بكل الطرق، المشروع منها وغير المشروع. بسمة باطنها غاضب وظاهرها ساخر، مست جانب فمه وهو يفكر أن رقابهم جميعا اليوم أصبحت تحت مقصلة انتقام بكر، وهو الأعلم ببكر وببأس بكر! يفكر، يحلل، يفند، ومع ذلك لا يستطيع أن يصل لهدف بكر الأساسي من زواجه من حسناء! ربما كان طلبه للأموال منطقي، وأيضا أسهم الشركة؛ ولكن بماذا ستفيده حسناء ليصر على زواجه منها وبهذه السرعة! هل كان يرغبها قبلا كما كانت ولا تزال هي؟ أم أنهما كانا على علاقة قبلا، وكان هو الأصم الأعمى في وسط ذاك السيرك الدائر بقلب بيته! نفض الفكرة عن رأسه برفض؛ فبكر لم يكن ليفعلها أبدا.. ولو كان فاعلها، لما كانت لجأت حيّته لبخ سمها بقلب زوجته لتفرق بينهما. إذن؛ لماذا تزوجها؟ تنهد بضيق مع شعوره بالتشتت، وتشتته يشوش على أفكاره ويمنعه رؤية الصورة بشكل أوضح، فالتفاصيل كثيرة ومهمة ويجب ألا يغفل منها شيئا ليخرج من تلك المحنة منتصرا كما اعتاد طوال حياته. ...................................... تركها بمفردها في تلك الغرفة قرابة النصف ساعة، وكأنه تركها على موقد رغبتها تنضج على مهل بنيران الترقب واللهفة! جلست بمنتصف الفراش بهيئتها التي أمرها ألا تغير منها شيئا؛ شعرها بخيوطه النارية مشعث حول وجهها، لا يستر جسدها إلا ملابسها الداخلية بلونها الأسود الذي يناقض في إغراء صريح بياض بشرتها الشديد، وبقايا دمائها الجافة حول شفتيها اللتين زادتهما صفعة بكر اكتنازا بسبب التورم الطفيف الذي أصابهما، وأخيرا زرقة حددت موضع أصابعه فوق وجنتها. بعدما انتهى الوقت الذي حدده هو ليصل بها إلى أوج توقها، ويمنح خيالها الوقت الكافي لتصور كل ما تتوق إليه معه، وقف أمام الباب الذي أوصده عند رحيله.. وقف يتنفس بعمق جازا على نواجذه، تلك المضغة التي بين أضلعه لا تزال ترفض تحوله لهذا الشيطان الذي ينشده، ولكن عقله يحثه على المزيد من السقوط في بئر الدناءة حتى يستطيع مجابهة هذه النوعية من المخلوقات. فإن كنت تريد أن تفترس ضارية؛ فليس أمامك إلا أن تكون ضارية أشرس وأشد قتكا! صوت المفتاح بالباب جعلها تنتبه، ولكن صوت الركلة التي سددها بكر بقدمه للباب؛ ففُتح أمامها بقوة.. جعلها تنتفض في موضعها. خطا بتمهل حتى جاوز الباب الذي أغلقه مرة أخرى خلفه وعيناه مثبتة عليها بنظرة تبدو للوهلة الأولى وقحة، ولكنها مغلفة بشراسة أخافتها.. لن تنكر! أكمل خطواته حتى وصل أمام الفراش، ألقى إلى جانبه بحقيبة جلدية سوداء أصدرت صليلا، قطبت له حاجبيها في ريبة وهي تسأل.. -ما هذه الحقيبة يا بكر؟ ابتسامة شيطانية تلاعبت فوق شفتيه، كانت جوابه على سؤالها. رفع يده يحل أزرار قميصه ببطء واحدا تلو الآخر، مما جعلها تنسى السؤال والحقيبة، وهذا الموقف المريب الذي يجمعهما. تقدمت نحوه زحفا فوق الفراش كقطة شرسة، ولكن نظرة ناهرة من عينيه أوقفتها عن تقدمها، فثبتت مكانها تتابع حركة يده بعينين تلتمعان بوهج ناري يشعل كل خلية بجسدها. أنهى هو حل أزرار قميصه فخلعه عنه لتتجلى أمام نظراتها النهمة تقسيمات جسده العضلي؛ فيجف حلقها شوقا للوصال. تابعت يده التي ذهبت لحزام بنطاله، خلعه ثم دار حول الفراش يقترب منها، انحنى بجذعه نحوها، شرعت خي في رفع ذراعيها لتتعلق بعنقه، ولكنه باغتها بلف الحزام حول رقبتها قائلا.. -لا تفعلي شيئا لم أطلبه منك.. أبدا! عادت بذراعيها خائبتين إلى جانبيها، بينما انحنى هو يلتقط حقيبته يرفعها فوق كرسي مجاور للفراش، فتحها واستخرج منها أصفادا لمع بريقها الفضي في عيني تلك الجالسة فوق الفراش؛ فاتسعت حدقتاها بنشوة وهي تمد له كفيها هامسة باستسلام مغوي.. -تماما كما تخيلتك؛ قاس.. متوحش.. عنيف! نظرة متوعدة أسقطها عليها وهو يصفد كفيها معقبا.. -أنا أكيد من أنك لم تقتربي حتى! بحركة عنيفة رفع كفيها المصفدتين يعلقهما بأحد الأعمدة المعدنية للسرير، تأوهت بنشوة وهي ترفع إحدى قدميها تلامس بها صدره العاري، ولكنه أدركها بيده قبل أن تلمسه، قبض عليها بقسوة وبيده الحرة استخرج من الحقيبة أصفادا أخرى ليقيد بها قدميها، كل قدم بأحد القوائم المعدنية للفراش. خطوة عادها للوراء وقف بعدها يتأملها بوضعيتها (المقيدة)، اتجه بعدها مرة أخرى للحقيبة وتلك المرة أمسكها ليفض محتواها دفعة واحدة فوق الكرسي. الصوت الحاد الذي أصدرته الأشياء حين اصطكاكها.. اخرجها من غيمتها الحالمة، للتبدل النظرة في عينيها من لوعة الرغبة إلى اضطراب القلق. سألت وهي ترمق الأشياء أمامها وجاءت نبرتها تشي بقلقها... -ما كل تلك الأشياء يا بكر؟ ماذا ستفعل بها؟ ذاك الذي لمحه بعينيها واستشعره بنبرتها، أهدياه هو نشوته الخاصة، حتى أن البسمة التي دابعت شفتيه تلك المرة كانت حقيقية مستمتعة! تناول من فوق الكرسي أداة تسبه السوط وعاد يقترب من جسدها المقيد الممد فوق الفراش بلا حول ولا قوة، ثم جاء صوته مخيف رغم خفوته وهو يقول.. -نسيت أن أخبرك أنك ليس مسموح لكِ بالحديث يا حسناء.. فقط مسموح لكِ بالصراخ! قالها وهو يرفع يده ليهوي بما فيها فوق جسدها؛ لتأتي صرختها المتألمة تطربه وتجعله يشتهي المزيد والمزيد... فعلها مرة ومرتين وثالثة، ولكنها عقب المرة الأولى حاولت أن تكتم صراخها حتى لا تهديه نشوته التي تراها جلية في عينيه، وعبثا تحاول أن تتخلص من أصفادها بحركات عشوائية من يديها وقدميها؛ حتى آذت أطرافها من كثرة الجذب. توقف وهو يرمقها بحقد، وقد أدرك أنها تكتم ألمها وتتحكم بصرخاتها، فترك ما بيده قائلا بصوت متهدج من شدة انفعاله.. -يبدو أنكِ تحتاجين لشيء أقوى يا حلوة بما أن لديك قدرة عالية على التحمل! عاد يستخرج من أدواته أداة جديدة برقت لها عيناها وهي تراه مقبلا نحوها بها ثم صاحت به.. -أنت مجنون.. أنت سادي! هل كنت تفعل هكذا بزوجتك؟ مجرد ذكرها لزوجته رفع مستوى جنونه ذاك ليبلغ منتهاه، فمال عليها يجذب شعرها من مقدمته بقبضة قوية هادرا.. -كل كلمة خاطئة ستتفوهين بها ستكلفك الكثير يا حسناء! هبط على شفتيها وما كان يقبلهما، بل كان يقضمهما بوحشية حتى استشعر مذاق دمائها في فمه بوفرة، فأطلق سراح شفتيها وابتعد قليلا ليطالع وجهها المتألم، وخطان من الدمع قد سالا بجانبي وجهها. رمقها بتلذذ وهو يستجمع دماءها في فمه، ثم بصقها في وجهها! وجاء ردها سبة وقحة سبته بها وهي تحاول مسح بصقته عن وجهها بأعلى ذراعها، سبة لم يكترث هو لها وهو يستعد لاستعمال ما بيده على جسدها، وبعد ثوان كانت صرخاتها يتردد صداها من حوله، مرة بغضب، ومرة بتوعد، ومرة بتوسل.. وهو لا يجيب أي منهم؛ فقط مستمر بتقمص سادية اعتنقها كارها، يمارسها على جسدها بكل الوسائل والأدوات التي أحضرها لأجل أن يحيل حلمها به إلى كابوس ستحيا به كل ليلة، حتى ينال هو ثأره كاملا ويشعر بالاكتفاء. **************************