الفصل 9
الفصل التاسع
صوت الرجل الجالس إلي جواره وهو يخبره أن عليه ربط حزامه استعدادا للهبوط؛ أعاده من رحلته الخاصة على متن ذكرياته المحملة بكثير من الألم والقهر.. والقليل من السعادة.
لا يدري كيف اجتاز كل إجراءات الوصول، ولا كيف رمى بنفسه في أول سيارة أجرة وجدها، أخرج هاتفه يحاول الوصول لأي من أفراد الأمن بالقصر فيطمئن منهم عن أخبار زوجته، فما أجابه أحد منهم؛ مما أثار مزيدا من قلقه؛ فصار أكثر حدة وعصبية وهو يخبر السائق بشكل مستمر أن يسرع في سيره، وراح يعلن ويسب طاقم الحراسة فردا فردا.
أخيرا وقفت به السيارة أمام البوابة الرئيسة للمشفى، فتح الباب مندفعا من السيارة وما أن وصل أمام مكتب الاستعلامات حتى سأل بهياج عن اسمها.
وأمام طبيبها الذي استلم حالتها، وقف بكر يسأل عنها ويطلب رؤيتها معلنا أنه زوجها. صوته العالي وهيئته الضخمة التي تبدو الآن مثيرة للخوف بشكل أكبر، وحالة الهياج التي تسببت فيها مشاعره المكبوتة لساعات طويلة مضت؛ كل ذلك جعل الطبيب وطاقم التمريض في موقف لا يحسدون عليه!
الطبيب بدى مرتبكا وحبات العرق تكاثرت فوق جبينه، والممرضات من حوله زاغت أعينهن خوفا وهن ينظرن للطبيب منتظرات أن يفجر الخبر المفجع في وجه هذا الثائر أمامهم، مسلمات أمرهن لله الذي هو وحده قادر على أن ينجيهم من بطشه!
كان المشهد أمام بكر لا يحتمل الكثير من التفسيرات؛ ولكن عقله أنكرهم جميعا، ومع صوت الطبيب الذي نطق أخيرا بنبرة حذرة مترددة قائلا..
-حضرتك يا فندم الحالة وصلت... أقصد أنها حتى مالحقتش تدخل عمليات و... هي كانت تناولت جرعة كبيرة جدا من الأقراص المسكنة وللأسف هي وصلت هنا متأخرة جدا و....
قبل أن ينهي الطبيب جملته، كانت قبضة بكر تدك وجهه، وصوته يصيح بنبرة مخيفة..
-لو نطقتها، لقتلتك قبل أن تكملها!
مع احتداد الموقف، كان الأمن قد وصل إليهما، فتكالب أفراده على بكر يمنعوه من مواصلة الاعتداء على الطبيب، الذي أخذ يتوعد بكر بأنه سيقدم فيه بلاغا، ولكن الأخير كانت ثورته تعميه عن تهديد الطبيب أو حتى عن أبعاد المكان من حوله، فراح في نوبة إنكار يهرول على غير هدى في الممر يفتح أبواب الغرف على الجانبين، يبحث في كل واحدة منهم عن ندى.. زوجته التي يزعمون أنها انتحرت.
........................................
بعد أن استنزف غضبه وهياجه كل طاقته، سقط فجأة على أحد المقاعد المعدنية الباردة منكك خائر القوى، وحوله التف عدد من أفراد الأمن ينظرون إليه في ترقب، ولكن جسده الضخم الذي سبب لهم الذعر.. ها هو بدء في الاستسلام لواقع مرير؛ فراح يرتعد كطفل صغير اكتشف فجأة أنه أضاع أمه في شارع مزدحم غريب!
انفض من حوله الرجال واحد تلو الآخر مع وصول مدير المشفى، وقف الرجل أمام بكر الذي لا يكف عن الهذي باسم ندى، سكت الرجل للحظات ثم بصوت هادئ بدء ينادي على بكر قائلا..
-يا سيد بكر، من فضلك انهض معي إلى حيث مكتبي. أنا بالطبع مقدر فداحة مصابك، ولكن هذه مشفى وبها مرضى يجب أن نحرص على راحتهم، أرجوك أذهب معي لنتحدث بهدوء.
رفع بكر رأسه إلى الرجل الواقف أمامه، وفي نظراته كمن كل تيه الدنيا، ربما لم يفقه أي مما قال الرجل، وربما لم يسمعه من الأساس. أرخى عينيه مرة أخرى في استسلام مميت وكأن عقله قد بدء يموت هو الآخر!
انحنى الرجل مادا يده بحذر تجاه ذراع بكر، ومع استسلام الأخير، تشجع الرجل أكثر؛ فأحكم قبضته علي ذراعه وراح يساعده في النهوض والسير به حتى غرفة مكتبه.
هناك جلسا متقابلين، ولا يزال بكر غارقا بتيهه مستستلما لألم صدمته. تنحنح مدير المشفى قبل أن يبدأ في حديثه ثم قال بهدوء..
-السيدة ندى زوجتك، وصلت صباحا وكانت حالتها خطرة، حاول الطبيب التدخل سريعا ونقلها لغرفة العمليات؛ ولكن للأسف وافاتها المنية قبل حتى البدء في العملية.
سكت الرجل برهة يستنبط تأثير كلماته على بكر ثم تابع..
-أنت بالطبع يا سيد بكر تعلم، أن المشفى يجب عليها إبلاغ الشرطة عن الحالة، لأن الوفاة في النهاية لم تحدث بشكل طبيعي، ولكنى فضلت انتظارك عندما علمت ممن أحضروا السيدة زوجتك، أنك كنت مسافرا وقطعت رحلتك عائدا.
أخيرا صدر لبكر صوتا كان واهنا وهو يقول..
-أريد أن أراها!
.......................................
في تلك الحجرة الباردة ذات الرائحة النفاذة (رائحة الموت).. وقف بكر بجسده الضخم الذي ينهار داخليا على نفسه كنجم نفدت طاقته وبدء رحلته إلى الموت!
صوت الدرج المعدني الذي فتحه أمامه عامل المشرحة، جعل روحه تتفض قبل جسده، برقت عيناه وهي تطالع وجه ندى الذي غادره بريق الحياة ليتركه شاحبا وقد تحول بياضه الشهي إلى صفرة مقبضة، وصبغت شفتاها الورديتان.. بزرقة الموت!
كتم شهقة صدمته بيده، وتحجر الدمع بحدقتيه المتسعتين، وللحظة اختل توازنه وهو يتذكر يوما مماثل ليس ببعيد ولكأنه كان أمسًا، يوم وقف ذات الموقف يتطلع لوجه (آيته الصغيرة). وجهها الآن مجاور لوجه ندى، حتى أنه ما عاد يدرك أيهما وجه ندى وأيهما وجه آية!
أغلق العامل ثلاجة الموتى قائلا "البقاء لله يا أستاذ"
نظر بكر إليه مذعورا، ثم هرول خارجا وكأنه يفر من هذا الموت الذي يأبى إلا ملاحقة كل عزيز عليه، ركض وركض حتى غادر مبنى المشفى، ثم وقف يتطلع حوله لا يعلم إلى أين يذهب ولا إلى من؟ ولا حتى ماذا عليه أن يفعل الآن؟
......................
غربت شمس وأشرقت أخرى، دوامة دار فيها بين أسئلة للشرطة لم يكن بحالة نفسية متزنة ليجيب عنها كما يجب، وأخرى بعيون أسرة ندى التي فجعت بمصابها.. كانت أثقل عليه من أسئلة التحقيقات؛ فهو وحده من يعرف أنه قتل ندى ببطء قبل أن تقتل هي نفسها!
وها هو يمسك بين يديه ورقة صماء تحمل تصريحا لجسد ندى أن يُودع تحت الثرى، وتحمل أيضا حكما بإعدامه؛ إعدام روحه، وكل ما بقي من إنسانيته؛ إعدام رغبته في مواصلة الحياة، إعدام أحلام تأبى أن تتحقق مهما سعى هو لذلك؛ ولكن هل يتسع هذا القبر الصغير الذي يضم جسد زوجته.. لكل تلك الأشياء!
وقف بعد الدفن إلى جوار والد ندى يتلقى فيها العزاء -وأنى لأي عزاء أن يعزيه!- كلمات متشابهة يرد عليها بإماءة من رأسه التى يطأطئها في ألم باد لمن حوله، وخزي لا يشعر به سواه. وإذا بيد ناعمة كالحرير تحتضن كفه وتشد عليها، وصوت يعرف نبرته ذات الفحيح المميز يقول له بحنو
-البقاء لله يا بكر، رحمها الله وسامحها على ما فعلت بنفسها!
رفع رأسه إليها بحدة وعيناه تصطلي بجحيمهما، أخافتها نظرته؛ فسحبت يدها من يده سريعا وقد انتابها بعض التوتر، ثم غادرت عائدة لأخيها الذي ينتظرها بعيدا بسيارته.
فتحت باب السيارة وجلست وهي تقول له بهدوء لا يعكس ارتجافها الداخلي..
-ألن تذهب أنت أيضا لتعزية بكر!
يداه تعتصر المقود بتوتر وهو يقول..
-لا، لن أذهب! كيف لي أن أقف أمامه وأضع عيني بعينه معزيا في زوجته التي قتل...
وضعت بسرعة يدها على فمه تمنعه من إتمام جملته وهي تنهره قائلة..
-أخرس يا عامر، أجننت! حذار أن تتفوه بمثل تلك الترهات مرة أخرى.
أبعدت يدها عن فمه وهي تستدرك بحدة..
-كم مرة علي أن أقول لك ذلك، نحن لم نفعل شيئا، ندى انتحرت، ونحن لا دخل لنا بذلك.. هل تفهم؟
نظرته المرتجفة رعبا، وتعرق جبهته، يجعلانها تود لو تخنقه لتتخلص منه هو الآخر؛ ولكن ليس أمامها إلا مهادنته حتى لا يصبح مثيرا للشبهات فينفضح أمرهما. خففت من حدة نبرتها وقالت بهدوء..
-عامر، يجب أن تهدأ وتتوقف عن التفكير بهذا الشكل، ندى كان مقدرا لها أن تموت في تلك الليلة سواء كان حدث ما حدث أم لم يحدث. هذا قضاء الله، هي خرجت من بيتنا حية تسير على قدميها، وكل ماحدث بعد ذلك لا دخل لنا به.
يريد أن يصدقها حتى وهو يعلم كذب ادعائها، ليس لأنه لديه ضمير يؤرقه على فعلته؛ ولكن لأنه جبان وأضعف من أن يتحمل ثقل عبء كهذا!
-ربما معك حق، ندى انتحرت بإرادتها، كان يمكنها ألا تفعل، وتمرر الأمر وتترك بكر كما طلبتِ منها، وتنعم بحياة هادئة بعيدا عن كل تلك المعاناة التي كانت تعانيها حتى مع بكر، أليس كذلك حسناء!
شدت على ذراعه بحماس وهو تصدق على حديثه قائلة..
-بالطبع يا عامر، كان يمكنها أن تتخذ قرارها بشكل عقلاني يضمن لها الراحة، ولكنها اختارت الراحة الأبدية! فما شأننا نحن؟
هز رأسه موافقا فتابعت هي بنفس الحماس..
-الآن أريدك أن تذهب إلى بكر وتقوم بتعزيته، حتى لا يثير تغيبك ريبته؛ فأنت فالنهاية تقول أنه صديقك، ويجب على الصديق أن يؤازر صديقه في مثل تلك المواقف!
ألقت على أخيها تعويذتها الشيطانية، لينفذ في النهاية رغبتها كما العادة؛ فلا شيء سيمنعها الوصول إلى مبتغاها، ولن تضيع كل خططها سدى بعد أن أصبحت على مشارف النصر.
.................................
انفض الجمع من حوله، ورجع الناس كل إلى ما يشغله؛ حتى أسرة ندى غادرت وإن كانت تحمل أحزانا ربما سيطول موسمها، وافتقادا لن ينمحي أثره ربما إلى الأبد.
وبقي هو ها هنا جالسا إلى قبرها، وكأنه يحتمي بهذا الضريح من براثن ما ينتظره بالخارج.
جسده أبرد من ذاك الشاهد الرخامي الذي يحمل اسمها قليل الأحرف... والحظ!
يستجدي البكاء عله يزيل بعضا مما يجثم على قلبه، ولكن حتى البكاء مات في مقلتيه كما الجميع، تاركا متسعا لذاك السديم الأسود الذي يمتص روحه بتلذذ.
ملامحه استبدلت حزنها الذي ما عاد يجدي.. بقسوة يقشعر لها البدن، قسوة تتسع رقعتها بروحه وكأنها سيل من مداد أسود فاحم حط على بحيرة كان من المفترض أن تكون عذباء!
نظرة قاتمة لاحت منه تجاه الضريح الذي يلقي برأسه على شاهده، وقبضته المتكورة راحت تكيل للثرى من حوله لكمات متتالية، حتى انجرحت يده فاختلطت صفرة الرمل بحمرة دمائه؛ ولكنه لا يشعر.. لا يشعر بألم إلا ذاك الذي بقلبه.
أخيرا خرج صوته بسؤال يحمل إليها الكثير من العتب، ويحمل لنفسه الكثير من الكره والنفور..
"لماذا ندى؟ هل كنت استحق أنا أن تخسري حياتك لأجلي!"
لكمة أخرى هوت بقوة فوق حبات الرمل المغلوبة على أمرها، احتدت بعدها نبرته وهو يردف بقهر..
"أنا لا أجد مبررا لتلك النهاية السوداء! لماذا اخترتي أن ترحلي عن الدنيا كلها، وقد كان بإمكانك أن ترحلي عني أنا فقط وعن مستنقع حياتي الآسن، وأن تحظي بحياة سوية كالتي كنتي تستحقينها ولم أقدر أنا أن أمنحك إياها!"
شردت عيناه في الفضاء المغبر من حوله والذي يحمل عبق الموت بقوة، ثم استسرسل غير واع..
"هل كنت أعمى إلى هذا الحد؛ فلم أر موتك البطيء كل يوم وكل ليلة!...
لا لم أكن كذلك؛ بل كنت مدركا تماما لكل ما تعانيه معي، واخترت ببساطة أن أتجاهله طالما أنك صامتة راضية، بل وتتحملين أنانيتي بصبر وحب ما كنت استحقه من قلب كقلبك"
رفع وجها للسماء بعينين قاحلتين، وقبضته تلك المرة تخلت عن لكم الثرى وراحت توجه لكماتها لصدره المتهاج ببغضه، وأخذ يناشد الله قائلا..
"يا رب أني أشهدك أنها لم تقتل نفسها عمدا؛ بل أنا من فعلت.. أنا قتلتها، فارحمها، واقتص لها مني أنا"
..................................
الظلام يكتنف هذا الكيان المقبض الذي يسمى عرضا (قصر النعماني)، ربما هو ظلام لا تراه جليا بالعيون، ولكنك تستشعره يهيمن على المكان وأصحابه سواء بسواء!
مرق من البوابة الضخمة للقصر، فانتفض الحارسان يحييانه بملامح واجمة حزينة تعاطفا مع مصابه.
تفوه أحدهما بكلمات لم تصل لوعي بكر، حتى أنه ربما لم يسمعها من الأساس، لذا مر دون تعقيب متجها إلى ملحقه، خطواته وجلة متثاقله تحثه على عدم التقدم، وربما الفرار من براثن كل ما ينتظره خلف تلك الجدران، ولكنه مجبر على المواجهة، بل ويريدها.
هو يريد مزيدا من الألم، مزيدا من القهر وعذاب الضمير، يريد أن ينتقم لها منه بعذابه، بضياعه، باحتراقه حتى يصبح هباء منثورا!
ولج إلى الملحق وكان أول ما استقبله؛ عطرها!
استنشقه بغتة وكأن العطر كان يترصده، ينتظر الانقضاض عليه دفعة واحدة كما الضاري يقبع لفريسته في عمق الظلام.
غص هو بذاك العبق المتبقي ممن رحلت دون سابق إنذار، وكأنها يوم عادت إليه تهديه نفسها، كانت هديتها هدية وداع؛ ولكنه كان أحمقا فلم يعي قدر الهدية!
لم يشعل إي ضوء في طريقه إلى الغرفة؛ فما حاجته للنور وقد أظلمت مقلتاه بعتمة الفقد التي لا تنقشع ولو سطعت عليها ألف شمس.
حط بحمله فوق الفراش الذي لا يزال يحمل بين طياته آخر أنفاسها التي زفرتها هنا بمفردها وهو كان غائبا عنها؛ كما كان دائما!
اعتصر الوسادة بقبضته ثم رفعها يضمها بقوة إلى صدره المحترق، وراح يحرك جذعة إلى الأمام وإلى الخلف بوتيرة ثابتة ضاغطا بقوة على أسنانه حتى كاد يحطمها.
عيناه لا تزال تتمسكان بقحطهما، وهو لا يأبه؛ حتى وإن انبجس منهما الدمع.. هو لن يذرفه، البكاء فيه راحة وتفريج، وهو لا يريد أن يرتاح، ولا يريد لضيقه أن ينفرج، هو سيعتنق ألمه عن آخره، بل حتى أنه إن شعر يوما بجذوته تخبت، سينفث فيها بكل قوته ليحرقها اشتعالا لا ينطفئ، وسيراقب احتراقه الذاتي بنشوة ستعوضه حتما عن نشوة ثأر كان حري به لو ناله!
........................................
عندما وصل قبل وقت ليس بالقليل، لمحت هي عودته من حديقة المطبخ المطلة على الملحق من بعيد؛ تلك الصامتة عن حقيقة لو أفصحت عنها، لاحترق هذا البيت بكل من فيه!
منذ تلك الليلة المشئومة وهي مؤرقة لا يتوقف عقلها عن التفكير في كل الاحتمالات، صمتها يشعرها أنها شاركت في قتل تلك المسكينة؛ هي شيطان أخرس، سكتت عن حق امرأة، رأت بعينيها كيف اُنتهكت غدرا.. فما وجدت لعارها من طهر سوى خلاص الموت.
دمعة حارقة عاجزة انسابت من مقلتها لتزيد ضميرها احتراقا، دمعة لمحتها مدبرة المنزل التي تقف فوق رؤوسهم تحثهم على الانتهاء سريعا من اعداد العشاء.
اقتربت منها وعلى وجهها جمودا لا تتنازل عنه ثم قالت بصوتها الحاد..
-انتبهي لما تفعلين وكفاكِ شرودا يا ابتسام!
تفحصتها بعينيها الجامدتين ثم أردفت بنفس الحدة..
-منذ تلك الحادثة وأنتِ شاردة طوال الوقت ولا تكفين عن البكاء، ونحن -الخدم- هنا في هذا المنزل لا نملك رفاهية الحزن، من رحلت رحلت بإرادتها؛ لذلك هي لا تستحق حتى الرثاء.
حجظت عينا الفتاة غير مصدقة لقسوة قلب المرأة، وألجم لسانها عن التفوه بأي شيء حتى ولو على سبيل الاعتذار، فعاودت المرأة نهرها لابتسام مردفة..
-من الأفضل لكِ أن تنتبهي لعملك.. وإلا خسرته!
.........................................
مع صباح اليوم التالي، كان السيد منذر قد قطع رحلة عمله عائدا بشكل مفاجئ.
وصل قصره، وأول ما سأل عنه كان بكرا، فأخبره أحد الحراس أنه عاد بالأمس ودلف إلى الملحق دون التحدث إلى أي شخص، وإلى الآن لو يغادره.
قال السد منذر وهو ترك الرجل خلفه صاعدا إلى غرفته..
-بعد ساعة إن لم يخرج بكر من تلقاء نفسه، أذهب وأخبره أنني عدت وأرغب برؤيته.
ثم التفت قائلا إلى الخادمة التي تقف أسفل السلم منتظرة إى أمر للسيد..
-إين حسناء وعامر؟
أجابت المرأة بسرعة..
-السيدة حسناء لا تزال نائمة بغرفتها، أما السيد عامر.... فلم يعد منذ ليلة أمس!
زفر منذر بضيق وهو يحرك رأسه يمنة ويسرة قائلا..
-لا أمل يرجى من ذاك البائس.. فعلما الأسف!
...........................
بعد ساعة كان الرجل المأمور يدق باب الملحق ليخبر بكرا برغبة السيد منذ في لقائه، فتح بكر الباب بوجه لا تفسر ملامحة، اضطرب الرجل وهو يخبر بكرا بالأمر، فرد بكر بصوت قاس متحشرج..
-أعلم أنه عاد، وكنت ذاهبا للقائه، أذهب أنت وسأوافيك.
بعد دقائق معدودة كان بكر يلج إلى مكتب السيد منذر بوجه وكأنه قد من صخر.
استقبله منذر بترحاب لم يخل من أسف وهو يقول..
-البقاء لله يا بكر، رحمها الله وألهمك الصبر!
لم يجب بكر واكتفى بإماءة من رأسه بينما كانت قبضة يده متكورة يشد عليها بقسوة.
أشار له السيد منذر بالجلوس قائلا..
-اجلس بكر، لماذا تقف هكذا.
جلس بكر في الكرسي المجاور لطاولة المكتب ثم عاد منذر يسترسل حديثه..
-أنا أقدر تماما ما تشعر به يا بكر، وأتفهم صدمتك ومدى حزنك، بالطبع أدرك أنك في هذه الفترة لن تستطيع مزاولة عملك بالكفاءة المطلوبة والتي عهدتها منك دائما؛ لذلك سأمنحك إجازة لمدة أسبوعين، وأنصحك أن تسافر فيهما لأي مكان هادئ حتى تريح أعصابك وتلملم شتات نفسك..
ما رأيك، هل ذلك الوقت كاف لك يا بكر، أم..
قاطعه بكر بنبرة قاسية..
-سيد منذر أنا أشكرك على تفهمك ودعمك، ولكني قررت أن أترك العمل بشكل نهائي، أنا لم أعد أصلح لتلك المهمة.
غامت عيناه وتغلفت نبرته بمزيد من القسوة وهو يردف أمام تعابير وجه منذر المصدومة..
-أنا لم أعد أهلا لحمايتك، أو لحماية أي أحد؛ فأنا الموت يتبعني أينما ذهبت!
انتفض منذر من فوق كرسي مكتبه يقترب من بكر، حتى جلس أمامه قائلا..
-ماذا تقول يا بكر! أنت بالتأكيد غير مدرك لمدى خطأ قرارك، أنت الآن تحت تأثير صدمتك.. وبالطبع لك كل الحق في ذلك؛ ولكن اعلم أن أسوء قرارات نأخذها، هي تلك القرارات الانفعالية التي تأتي كردة فعل على حزننا وصدمتنا.
أنا لن أقبل بقرارك هذا يا بكر، لأنني أعلم أنك لا تعنيه حقا؛ لذا الأجدر بك أن تفعل ما اقترحته عليك وتسافر لبعض الوقت، ولتعيد التفكير هناك ببعض المنطقية، وحينها ستدرك أنني على حق.
نهض بكر بحدة من جلسته ليشرف بجسده الضخم على السيد منذر الجالس أمامه، ثم قال بنبرة ميتة لا حياة فيها..
-أنا حسمت قراري وانتهى الأمر يا سيد منذر، وصدقني أنا أفعل ذلك لصالحك قبل كل شيء.
خطى بكر خطوتين تجاه باب المكتب حين آتاه صوت السيد منذر يأمره بالتوقف وقد حملت نبرته بعض التهديد..
توقف بكر، يبدو أنك غافل عن أمر هام!
أنا لست وزيرا كنت مكلف بحمايته من قبل دخليتك لتأتي إلى الآن تطلب أن تستقيل!
وقف السيد منذر وراح يخطو تجاه ذاك الذي لا يزال يوليه ظهره، وما أن وصل إليه أداره إليه بقوة انصاع لها بكر، ثم استرسل بذات النبرة..
-من يعمل عملك يا بكر لا يتركه مستقيلا.
ابتسامة ساخرة مست شفتي الرجل الغليظتين وهو يردف..
-أنت تعلم عني وعن عملي الكثير يا بكر، بل أكثر مما ينبغي في الواقع، فهل تعتقد أنني سأتركك ترحل عن هذا القصر بتلك البساطة التي تتصورها.
اعمل بنصيحتي يا بكر واستفد من ذراعي المفتوحتين إليك... إلى الآن، لأن هذا هو خيارك الأسلم وربما الوحيد!
تركه الرجل عائدا إلى كرسي عرشه، وصله وتربع عليه وسط نظرات الساكن أمامه لا تتحرك به شعرة.
وقف يتطلع إلى منذر من مكانه، وبريق الغضب لا يخبو بعينيه..
هو لم يكن يرغب بتلك الخاتمة مع رجل ظل لسنوات يذود عنه بروحه، يحفظ أسراره ويصون زاده ويقدر ثقته، ولكن كل هذا لم يمنعه من أن يأخذ حذره، ويؤمن نفسه ضد غدره تحسبا للحظة كهذه.
تقدم بكر من الرجل بكل ثبات، ثم عاد ليجلس على الكرسي المقابل لمكتبه قائلا ببنرة متهكمه..
-أنت محق يا سيد منذر، أنا بالفعل أعلم عنك أكثر مما ينبغي..
ولكنني لست فقط أعلمه، بل أنني كنت أدونه فيما يمكن أن تسميه (مذكرات شخصية)، هي حيلة كان نصحني بها طبيب نفسي؛ أن أكتب كل ما يمر بي في يومي أثناء وجودي بالسجن حتى أتخلص من الغضب المكبوت بداخلي.
وبين أعين الرجلين دار سجال محتدم حسم بكر جولته وهو يردف..
-كل الصفقات المشبوهة، كل الأسماء المتورطة، كل التفاصيل التي حتى أنت ربما تكون قد نسيتها، باليوم والساعة؛ كلها مسجلة بالصوت وأحيانا الصورة على (ذاكرة إليكترونية).
نهض بكر من مجلسه يشرف بجسده على الجالس أمامه يتميز غيظا حتى أن جفونه بدأت ترجف كعادته عند شدة الغضب.
-ولكن اطمئن يا سيد منذر، هي بيد أمينة طالما أنا على قيد الحياة.. هذا وعد مني، وأنت تعرف أنني رجل ألتزم بكلمتي.
تخلى صوته عن نبرة التحدي ليعود معتنقا حزنه ويأسه.. أردف
-رغم أنني وللحق، لا أبالي كثيرا بحياتي أو بموتي.. فكما ترى لم يعد لدي ما أحيا لأجله أو حتى أموت، ولكنني أكره الغدر يا سيد منذر؛ لذلك كن على يقين أنني طالما كنت في مأمن من غدرك، فأنت في مأمن من غدري!
أولى بكر من كان سيده ظهره متجها إلى الخارج، ثم هتف بالقرب من باب المكتب..
-شكرا يا سيد منذر على كل شيء، وأتمنى أن تجد من هو أفضل مني.
أخرج من جيبه ميدالية بها ثلة من المفاتيح متمما..
-لقد أعددت حقائبي وسأرحل الآن، وهذه كل المفاتيح التي كانت بحوزتي.
وضع الميدالية أمام منذر الصامت غضبا، ثم توجه عائدا إلى الملحق ليحمل حقائبه ويغادر إلى غير رجعة، هذا المكان الذي يحمل طيف ندى في كل بقعة منه.
قبل ثوان كانت حسناء في طريقها لمكتب والدها حين لمحت بكر يغادر بوجه مكفهر، هتفت باسمه تناديه ولكنه حتى لم يلتفت لنادائها.
دخلت على أبيها مكتبه وحين رأت قتامة التعبير الذي يعلو وجهه سألت بقلق..
- ماذا حدث يا أبي؟ لماذا وجهك غاضب هكذا؟ وما له بكر خرج بوجه مماثل! هل تحدث معك بشيء يخص زوجته؟
التفت إليها يقذفها بشرر عينيه وهو يهدر..
- الصعلوك الذي آويته بعد خروجه من السجن، جاء اليوم الذي يهددني فيه!
وقعت عليها لفظة السجن كلطمة، حتى أنها كررتها خلف أبيها ربما استوعبتها..
-السجن! هل بكر كان سجينا قبل أن يعمل لديك؟
وكأن أبيها انتبه فقط لوجودها في تلك اللحظة، فهدر فيها ينفث عن غضبه..
-ماذا أتى بك الآن حسناء؟ ولماذا تتدخلين دائما فيما لا يعنيكِ!
اغربي عن وجهي الآن.
عاندت كطبعها، فاقتربت من مكتبه أكثر وهي تقول بإصرار
-لن أذهب لأي مكان قبل أن أعرف ماذا حدث! لماذا يهددك بكر وبماذا؟ وهل حقا كان سجينا؟
أجاب وهو يرمقها بضيق..
-فارس أحلامك القذرة يريد أن يترك العمل بعد وفاة زوجته المصون، ويهدني بما لديه من معلومات تخص عملي حتى أقبل واتركه يرحل يسلام.
ظهر الضيق جليا على مالمحها وهي تشعر بخلل كبير يهدد خطتها التي كانت تسير بالظبط كما ترغب، لمعت عينا منذر وهو يلتقط ضيقها، فكر بخبث هو من أورثه لابنته؛ أن ربما حسناء هي سلاحه الأخير الذي يستطيع أن يلوح به في وجه بكر؛ فالنساء دائما هن نقطة الضعف والسلاح الآمن، ابتسم بسخرية معلقا..
-فريستك تفر من بين مخالبك حسناء، أليس كذلك؟
ستتحطم كل أحلامك في بكر قبل أن تحاولي حتى تحقيقها؛ خاصة بعد أن أهداكي القدر هديته العظمى بوفاة زوجته!
لم يفهم منذر سبب شبح الابتسامة الذي طاف فوق شفتي ابنته، ولا بريق عينيها الذي ومض بغتة ثم انطفأ قبل أن تتركه وحيدا وسط غضبه وتفر إلى الذي يعد عدته منتويا الرحيل عنها.
أحمق إن ظن أنها بعد كل ما فعلت لتناله، ستتركه يمضي هكذا دون أن تحقق فيه كل رغباتها!
......................................
وقف وسط الغرفة التي لملم منها كل ما يخصها واضعا إياه في حقائب لا يعلم بعد إلى أين سيذهب بها، ولكن كل ما يعلمه أنه مكان غير هنا لن يترصده به طيفها، ولن يحاصره به بقايا عطرها.
نظرة مشتعلة بغضبها ألقاها فوق الفراش؛ ذاك النصب الذي كان يذبحها عليه مرارا، حتى نزفت آخر قطرة بدمها في صمت عاجز..
ووقف هو يشاهد موتها بسادية مقززة!
طرقات على باب الملحق جعلته يعود من لجة ذكرياته منتفضا، تحرك بتثاقل وكأنه يحمل ركام كل خسائره فوق كتفيه.
فتح الباب ليجدها أمامه تقف متأهبة ولكن في وجل، حمرة شعرها تحيط بوجهها شديد البياض وكأنها حلقة من لهب تتطاير شررها من بين خصلاته.
رمقها بجمود ثم سألها..
-ماذا أتى بك إلى هنا حسناء؟
تقدمت خطوة لتصبح داخل الملحق وعندها وقعت عيناها على حقائبه المعدة فهمست بلهفة..
-بكر، هل ستغادر حقا؟
اشتدت قبضته على مقبض الباب مع شعوره أن تلك الواقفة أمامه، كانت بشكل أو بآخر سببا في أن يحرمه الله نعمة جحدها عندما اشتهى تلك الشيطانة ولو في لحظة ضعف!
مع صمته أكملت هي بتوسل بدى لها مقيتا..
-أرجوك بكر لا تذهب.. إن كنت لن تستطيع المكوث بهذا الملحق بعد ما حدث، فلتتركه وانتقل للعيش معنا داخل القصر، أنا واثقة أن أبي لن يمانع، هو سينفذ لك أي طلب تطلبه؛ لأنه أيضا لا يريدك أن تغادر.
زفر أنفاسا محترقة بلهيب الغضب وهو يرخي قبضته عن مقبض الباب، ثم بغتة أحكم تلك القبضة حول ذراعها حتى كاد يسحق عظامها بين أصابعه، شهقت هي ثم كتمت ألمها ومعه أنفاسها.
دفعها بغل يرجعها تلك الخطوة التي تقدمتها وهو يقول من بين أسنانه..
-أغربي عن وجهي حسناء.. أذهبي للجحيم الذي أتيتي منه واتركيني وشأني.
فك قبضته عن ذراعها بعدما ألقاها خارج حدود الملحق ثم قال باشمئزاز قبل أن يصفع الباب في وجهها..
-هذا آخر تحذير لكِ حسناء، صدقيني في المرة القادمة -لو كان هناك مرة قادمة- سأجعلك تتمنين لو لم تقابليني يوما!
وقفت تهدر أنفاسها أمام الباب الموصد أمامها، وتمسد ذراعها الذي ترك عليه أثر قبضته المتوحشة، ولكن بعينيها كانت تلمع نظرة شيطانية.
هل يعتقد أن بقسوته وعدائيته تجاهها سيفلح في إبعادها!
على وحشية مظهره، فإنه ساذج لا يفهم بالنساء.. كل ما يفعله معها لا يزيدها إلا رغبة وتشبثا به، هي لن تهدأ ولن تهنأ إلا بعد أن تصل لمبتغاها، وفي سبيل ذلك لن تدخر سلاحا ولن تعدم وسيلة.
........................
في طريق عودتها وهي تجرجر أذيال خيبتها المؤقتة، قابلت العائد من هروبه الاضطراري.
تقدم نحوها وعيناه تشيران إلى الملحق سائلا باضطراب..
-هل عاد بكر يا حسناء؟
رومقته بضيق يميل إلى النفور وهي تجيبه..
-بكر ترك العمل يا عامر وسيرحل اليوم.. عسى أن يكون هذا خبر يجعلك تطمئن وتكف عن تصرفاتك المريبة!
تركته منصرفة ليلحق بها سريعا يستفهم عما قالته..
-ماذا تعنين بأنه ترك العمل وسيرحل! لماذا؟
أشارت بعينيها تجاه الملحق وهي تجيب بسخرية..
-هو لا يزال هناك، اذهب وسأله (لماذا) إن كنت حقا ترغب في معرفة السبب!
مسح بيده على وجهه ليقول ببعض الارتياح..
-لا، لا أريد أن أعرف شيء، فليذهب حيث شاء.. المهم أن ينتهي هذا الكابوس للأبد!
سبقها متجها إلى داخل القصر، فاستوقفته تخبره بنبرة ساخرة مجددا..
-لقد عاد السيد منذر، استعد للقائه ولسماع وصلة تقريع ينفث بها فيك عن غضبه تجاه استقالة بكر!
....................................
عيناها التي جافها النوم لا تحيد عن الملحق، تتابع كل ما يحدث عن بعد، لقد علمت من أحد الحراس بنية بكر في المغادرة، ورأت تلك الشيطانة ذات الرأس الحمراء وهي عند الملحق، وأيضا رأت كيف طردها.
لا تستبعد أن يكون كل ما حدث من تدبير تلك الأفعى، لتصل إلى بكر!
منذ مدة طويلة وهي تلاحظ تحرشها البين به، نظراتها المشتعلة بالرغبة كلما نظرت إليه؛ فلماذا لا تكون هي من خطط لكل ذلك حتى تتخلص من زوجته ويخلو لها السبيل.
سقت الطبق الذي كانت تحمله من يدها ليحدث ارتطامه بالأرض دوي لفت إليها الأنظار.
انحنت بارتباك تلملم قطع البورسلين المتناثرة بالأرض، وفوق رأسها وقفت مدبرة المنزل ترمقها بغضب ثم قالت..
-هل تعلمين ثمن هذا الطبق الذي كسرته بسبب شرودك الدائم وعدم انتباهك لما تفعلين!
وقفت ابتسام أمامها مطأطأة رأسها في خزي وهي لا تجد ما تبرر به موقفها، تابعت المرأة في صرامة..
-هذا الثمن سوف يخصم من راتبك، حتى تتعلمي أن كل خطأ يجب أن يدفع صاحبه ثمنه، وكلما عظم الخطأ.. عظم العقاب!
رفعت ابتسام رأسها تواجه عيني المرأة بدهشة، وكأن كلماتها جاءت تحسم بداخلها ذلك الصراع الدائر منذ تلك اللحظة التي شهدت فيها على ما شهدت.
بحركة مفاجئة كانت تخلع مئزرها واضعة إياها على الطاولة أمامها، ثم توجهت إلى الباب الخلفي للمطبخ المطل على الحديقة.. والملحق!
............................
بشرفتها المطلة على حديقة القصر، وقفت ترمق الحركة الدائرة بالأسفل وبيدها هاتفها الذي تتحدث فيه إلى أحد الحراس الذي بحفنة من المال استطاعت أن تجعله كلبها الوفي.
بلهجة آمرة واعدة هتفت..
-عيناك لا تغفلان عنه يا سعد، أريد أعرف كل تحركاته.. أين سيذهب؟ من سيقابل، أين سيستقر؟
أريدك أن تعد عليه أنفاسه.. مفهموم!
تلجلج الرجل وهو يجيب..
-أنا تحت أمرك يا حسناء هانم، ولكن...
بنزق هدرت..
-ولكن ماذا، أنطق!
-يا هانم لن يكون من السهل أن أراقب السيد بكر، لا بد أنه سيشعر بي ويكتشف أمري.. وحينها لن نضمن ردة فعله!
بترت الحديث معقبة..
-تلك ليست مشكلتي.. تصرف!
............................
جسدها يرتجف وهي تخطو بخطوات مضطربة نحو الملحق، ربما لا تدري حجم الكارثة التي ستلحق بكل من في هذا البيت عقب ما سوف تتفوه به، ولكنها تدرك شيئا واحدا؛ أن ما ستفعله هو الصواب بعينه.. هي لن تكون شيطانا أخرس!
قبل أن ترتفع يدها لتصل لسطح الباب تدقه، انفتح أمامها بغتة ليظهر بكر من خلفه يدفع بالحقائب إلى الخارج.
تجمدت للحظة وهي ترمق هيئته الجامدة التي بثت الرعب في قلبها، وما زاد عليها.. نبرة صوته القاتمة وهو يسألها بحدة..
-ماذا أتى بك إلى هنا.. ماذا تريدين؟
حاولت أن تزدرد ريقها فوجدته جافا من أثر الخوف، حاولت أن تستجمع الحروف، فوجدتها مبعثرة بعقلها، ولكن صيحته النازقة بها دفعتها للتفوه دون كثير تفكير
-سيد بكر أنا لدي ما أود إخبارك به!
رمقها باستغراب وتأفف ثم قال..
-أنا آسف ليس لدي وقت، غير أنني لم أعد مسؤول هنا عن أي شيء، يمكنك أن تذهبي لأي أحد من طاقم الأمن.
حاول أن يتجاوزها ليمر ولكنها نطقت بما جمده في مكانه
-ما أريد أن أخبرك به يخص زوجتك!
التفت إليها وعيناه تتفرسان بها بنظرة ضيقة ثم بخطوة واحده اختصر المسافة بينهما يقبض على ذراعها بقسوة ولهيب نبرته يلفح وجهها
-ماذا تعرفين عن زوجتي؟
ترتجف أمامه كعصفور وقبضت تكاد تخلع ذراعها، ولكنها تكتم ألمها وصوتها برعشة الخوف يجيب
-أرجوك اترك ذراعي وسأخبرك كل شيء!
أرخى قبضته عن ذراعها وعيناه تنظر لها بترقب، فحركت رأسها بإماءة ضعيفة تجاه باب الملحق لتخبره في صمت أن حديثهم يجب أن يكون بالداخل.
دلفا معا وبجرد دخولهما تهاوت هي على أول مقعد قابلها وأشرف هو عليها فبدى كوحش يستعد لفتراسها.
صوتها الواهن المرتجف ينطق كلماتها بتقطع وهي تقص عليه كل ما حدث تلك الليلة، بدأ من دعوة حسناء لزوجته لتتناولا العشاء معا، انتهاء بما رأته في غرفة عامر.
ختمت حديثها قائلة والدمع ينهمر من عينيها..
-أنا لا أعرف هل انتحرت السيدة ندى حقا أم لا، ولكن أنا أكيدة من أنها ماتت هناك في تلك الغرفة قبل أن تلفظ ما بقى من أنفاسها هنا!
عيناه تدور في محجريهما بجنون من يجاهد لكي يستوعب!
لم يعد يرى ابتسام أمامه، بل عيناه لا ترى غير صورة ندى بفراش عامر (يغتصبها)!
ردد الجملة بصوت مسموع ربما استوعبها عقله العاجز عن التصديق
"عامر اغتصب ندى!"
"عامر هتك عرضي!"
"عامر قتل زوجتي!"
في تلك اللحظة غاب عقله، وتلبسه كل نوع متاح من الجنون!
الجحيم الذي كان يصطلي وحده بسعيره، أخيرا وجد له المزيد من الآثمين.
انتقامه الذي بقي سهمه بكنانته لا يجد وجهة يسدد إليها، الآن وجد له هدفا ووجهة.
الآن سيحترق الجميع في سيل انفجار ذاك البركان الذي أخمده بصدره لسنوات، اليوم الكل سيدفع الثمن!
سحب سلاحه من جرابه، شد أجزاءه، وخرج كقذيفة مدفعية متجها صوب القصر وهو يزأر بصوت انتفضت له الأشجار الساكنة...
"عااااااااااااامر"
************************************