الفصل 8
الفصل الثامن
خلف قضبان حديدها بارد لا يتناسب مع الجمر المشتعل بصدره، يقف بكر في موقف ما تصور يوما أن يقف فيه.
(كيف حدث كل هذا العبث؟) يتسائل وعيناه تطوفان قاعة المحكمة على غير هدى، كيف أصبح بين عشية وضحاها متهما بعد أن كان صاحب الحق؟
مات عماد نتيجة تعرضه لضرب مبرح؛ فأصبح هو قاتلا!
أصبح قاتلا؛ لأنه أخذ بثأر أخته وأمه من قاتلهما! أهذه هي العدالة التي يقف هو بصددها الآن، وتحت رحمة مقصلتها!
هل العدالة التي جردته من وظيفته، وجعلت منه مجرما، لأنه قتل مجرما؛ تعرف عن العدل شيئا؟
أحل الله القصاص في كتاب تتلى آيته بالحق، وإلى يوم الحق، وجرم قانون الأرض قصاصه، وجعل منه مجرما.
اشتدت قبضتاه حول القضبان التي تحجبه عن الناس في قفص، وكأنه وحش مفترس، يخشون على الناس شر توحشه.
عقله متقد بأفكار يحرقه لهيبها، هو لا فارق لديه بين سجن أو حرية؛ فهو على الحالتين، مسجون داخل ألمه، ورغبته في الانتقام التي سيحول بينه وبينها سنوات السجن.
(محكمة)
انتصب الجمع فور نداء الحاجب، ودخل القاضي ومستشاريه، وبعد أن استقروا بمقاعدهم، جلس الجميع في ترقب لسماع النطق بالحكم، وهو الوحيد الذي ما كان يبالي.
نطق القاضي بحكمه الذي ارتآه عدلا (ثلاث سنوات مع الشغل)!
ثلاث سنوات تفصله عن ثأره الحقيقي، ثأر لن يبالي بعده إن قُتل، أو سُجن، أو أُعدم؛ فكل مصير بعد ذلك بالنسبة إليه.. سواء.
بعد النطق بالحكم، هرع إليه صديقه الرائد علاء، ورئيسه اللواء "أسعد الشناوي" الذي شد على يده القابضة على القضبان قائلا..
-صدقني يا بكر لقد فعلت ما بوسعي لتحصل على أقل عقوبة. ويا ليتني كنت أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك؛ ولكنها العدالة، وأنت خير من يعرف قوانينها.
ابتسم في تهكم، ونظرة التوعد ما عادت تفارق عينيه ثم قال..
-صدقت يا سيادة اللواء، أنا الآن خير من يعرف أن عدالتكم عرجاء عوراء، عدالة بقدم واحدة، لاتحسن أن تطأ بها إلا رقاب المظلومين، وعين واحدة ترى بها النصف البادي من الحقيقة.
......................................
السجن؛ امرأة قبيحة، لا تتكبد عناء مداراة قبحها، بل تتباهى به، وتتفنن في إظهار بشاعته؛ ولكنها تعلمك كيف تفرق بين الزيف والحقيقة.. بعين خبير، كيف ترى في الأشياء جوهرها، لا سطحها الهش المزركش، كيف تفرق بين الصديق والعدو، وتعرف جيدا متى تلجأ لكل منها وقت الحاجة.
وهو تعلم، تعلم الكثير من الأشياء التي لم تعلمه إياها أكاديمية الشرطة العزيزة التي قضي فيها أكثر من مدة حكمه هنا.
كان في السجن مهابا، لضخامة جسده، والقسوة التي تقبع في عينيه؛ ولكنه كان لكل من لمس جوهره، وعلم مروءته وشهامته.. محبوبا.
في فناء السجن جلس يستند بظهره إلى جدار أشبه بلوح شواء من شدة حراراته في يوم قيظ، جلس شاردا غير عابئ بالضجيج الذي يصنعه من حوله باقي المساجين؛ ولكن عقله غائص في دوامته الخاصة، دوامة يبدو أن لا نجاة له منها.
صورة أخته التي تستحوذ على يقظة عقله صباحا، وتسكن غفوته مساء.. تلومه تارة؛ فيتمزق كبده حسرة عليها، وغضبا على نفسه؛ وتارة يراها تبتسم له في إشفاق وكأنها تخبره أنه لم يكن إلا سببا في قدر خرج سهمه مسبقا وما كان هو ليمنع نفاذه لو مهما فعل!
حركة أحدهم بجانبه استعادته من عالمه البعيد، رفع عينيه للقامة التي أظلت على جلسته، مع تلاقي الأعين هتف الشيخ الكبير به بصوته القوي
-أنا لن أستطيع أن أجلس جِلستك هذه؛ فقد تيبس الجسد وفقد مرونته منذ زمن ولّى، فقم معي أنت يا ولدي لأتوكأ عليك في سيرنا معا قليلا.
ابتسم بكر ابتسامة مبتورة لم تستحوذ على كامل شفتيه، فقط انحصرت في جانب واحد ثم قال وهو ينهض آخذا بيد الشيخ
-يا "شيخ إدريس" ليت كل العجز عجزا يسكن الأبدان، فعجز الروح مُهين حتى لو كان صاحبها يملك جسدا مثل جسدي!
تأبط الشيخ ذراع بكر وهما يسيران مبتعدان قليلا ثم قال
-عجز الأبدان يا ولدي، لا سلطة لنا عليه؛ فهو قانون أجراه الله على كل بني آدم، أن ينالهم من بعد قوة ضعف؛ أما عجز الروح الذي تتكلم عنه؛ فهو اختيار لك عليه سلطان إيما بالخضوع له أو محاربته.
صمت الشيخ برهة تطلع فيها إلى بكر ثم أردف وهو يهز رأسه في أسى
-وأنا أرى أنك اخترت أسهل الأمرين وقبلت بالخضوع لعجزك الذي تزعمه!
توقف بكر عن المسير والتف بجسده واجه الشيخ ببعض الحدة
-أنا لم أختر شيئا، ولم أقبل بشيء. أنا رجل فقد كل ما كان يربطه بالحياة في غمضة عين بسبب أنني أديت واجبي في عملي، وعندما أردت أن أصل إلى العدالة..
فتح ذراعيه على مصراعيهما متطلعا حوله ثم اكمل بسخرية لها مر المذاق
-ركلتني العدالة هنا، وسلبتني عملي الذي أصبحت عارا عليه بعدما قتلت -خطأ- حيوانا قتل أختي ومن بعدها أمي!
ولكن إن كنت قتلت ذاك الحيوان بغير قصد؛ فأنا عازم على أخذ ثأري الحقيقي ممن أطلق تلك الرصاصة، فكسر السلاح لا يكفيني!
تنهد الشيخ بأسف وقد مست كلمات بكر جرح غائر بقلبه لن يبرأ أبدا.. فقال بنبرة غائرة أثقلتها الذكرى
-أنا على يقين يا بكر أن تلاقينا هنا أنا وأنت وتقاربك مني رغم رفضك لجميع، ليس عبثا ولا صدفة!
فلكم تذكرني بنفسي يا بكر قبل خمسة عشر عاما!
نفس الألم، نفس المرارة، نفس الحريق المتأجج بالصدر الذي اعتقدت أن الثأر سيطفئ ألسنته؛ ولكن اكتشفت بعد فوات العمر أن ذاك النوع من الحرائق.. ثأر العالم كله لا يقوى على إخماده.
ضاقت عينا بكر وهو يسأل مستفهما
-ماذا تقصد يا شيخ إدريس؟ هل أنت هنا لأخذك بثأر لك؟
أشار الشيخ لمقعد خشبي قريب نسبيا وهو يقول
-تعال يا ولدي لنجلس هناك قليلا.. فقد أنهكني طول المسير!
سار بكر بمحاذاة الشيخ حتى وصلا، فجلسا وبعد برهة صمت أخذ فيها الشيخ نفسا عميقا أردف عقبه
-إن صح القول؛ فأنا هنا لأكفر عن ذنب!
خسيس آويته بداري واعتبرته مثل ولدي، خمس سنوات لم يرى مني إلا الإحسان، وقابل هو الإحسان بالإساءة والخسة، خانني وقد استأمنته على مالي وتجارتي وحتى بيتي وأهله!
ثقلت الكلمات على لسان الشيخ؛ فسكت هنينهة وغامت عيناه وكأن سحابة من الضباب سكنتهما.. همس بكر مع سكوت الرجل مستنتجا النتيجة
-قتلته!
-ياليتني كنت أنا من فعلها حقا! قتله ولدي عندما اكتشف أن النذل هتك عرضه، واغتصب ابنته.. حفيدتي التي كانت زهرة تتفتح براعمها على استحياء، غرر بها واستغل براءتها، وعندما علمت الفتاة أنها تحمل بأحشائها بذرة الخسيس، طلبت منه أن يتزوجها ولكنه بالطبع تهرب وأجبرها أن تقوم بعملية إجهاض.. ماتت على إثرها.
قبض بكر كفه بقوة وهو يقول
-واعترفت أنت بأنك الفاعل لتنجي ولدك!
-الخطأ كان خطأي، وهو لطالما حذرني منه، وقال أنه ليس أهلا لثقتي، ولكنني لم أستمع له واعتقدت أنه يغار من محبتي لذاك الخسيس؛ لذلك لم اسمح له بأن يعترف على نفسه، غير أنه لديه من هم بحاجة إليه؛ زوجة وأولاد؛ أما أنا فلم يكن لدي غيره.
سكت الرجل برهة يأخذ فيها بعض أنفاسه ثم أطرق أرضا وهو يكمل
-لم تعتبر القضية قضية عرض؛ لأنني لم آت على ذكر سيرة حفيدتي ولا ما فعله ذاك النذل بها، اعترفت أنني عرفت أنه يسرق مالي فتشاجرنا وقتلته
غلف الإشفاق نبرة بكر وهو ينظر إلى الشيخ يسأله
-وكيف تحملت كل تلك السنوات في السجن؟
ابتسم الشيخ في أسى وهو يجيب
-لن أخفي عليك، في بادئ الأمر ثقل علي أن أشعر بشعور السجين الذي فقد حريته؛ خاصة وقد كنت رجلا ذا هيبة ومكانة بين أهلي وعشرتي، ولكن مع مرور الوقت أدركت أن داخل تلك الأسوار.. لا يختلف كثيرا عن خارجها، بل ربما كان الوضع هنا أفضل من الخارج، فهنا لا أقنعة، ولا خداع، ولا ثعالب تتخفى في رداء الحملان.
كل شيء هنا يبدو على حقيقته؛ فهنا تتاح لك الفرصة لتكتشف جمال القبح!
انعقدت ملامح بكر استنكارا وهو يسأل متعجبا
-وهل للقبح جمال يا شيخ إدريس!
ربت الشيخ على كتف صديقه القوية مجيبا بحكمة
-جماله في صدقه يا ولدي، هنا أنت تعلم صديقك، وتعلم عدوك. فلا حاجة لأحد في زيف أوخداع.
طالت نظرة بكر للشيخ إدريس وساد صمت بينهما، كل يغالب ألمه!
دوت صافرة التنبيه لعودة المساجين إلى مهاجعهم، فتأبط الشيخ ذراع بكر مة أخرى في طريق العودة، ولكن في تلك امرة كانت مكانة الشيخ مختلفة لدى بكر، وكأن محبته وقعت في قلبه.. فتلازم الرفيقان طوال فترة صحبتهما في السجن، حيث وجد كل منهما في الآخر ما كان يفتقده.. الولد والوالد!
.........................................
وعلى هذا الحال مر ثلثا المدة، وبينما كان يفصله عن أخذ ثأره أشهر قليلة، جاءه الرائد علاء بخبر ارتج له قلبه، لا حزنا؛ بل غضبا. أخبره صديقه أن الشيخ الهواري تُوفي، وطلب منه راجيا أن ينفض من رأسه فكرة الثأر، حيث أن الرجل بالفعل قد مات، وأكد له أنه دبر له عملا فور خروجه في شركة أمن كبيرة ذات سمعة وصيت، لن يختلف عمله بها شيئا عن طبيعة عمله السابقة.
عند عودته لمهجعه، كان كمن ضربته صاعقة أطاحت بثباته الزائف الذي اختار أن يعتنقه؛ فاتجه مباشرة إلى سريره الذي اختاره بركن قصي، وترك العنان لدمعه أن يتحرر أخيرا، يبكي أخته وأمه (لأول مرة) وكأنهما ماتتا للتو!
مرت الأشهر المتبقية بحال غير الذي كان عليه، خاصة بعد الإفراج عن الشيخ إدريس، أصبح وكأنه لا يكترث لكل ما يدور حوله. هدوء يكتنفه أو ربما كانت لا مبالاة؛ فماذا بقي له بالأساس ليبالي به!
الآن فقط أدرك أنه خسر كل شيء؛ عائلته، وظيفته، سمعته ومستقبله. حتى هذا العالم الذي اعتاده، سيغادره قريبا.
سيتحرر من تلك الجدران وحراسها، ليواجه خارجها سجنا أكبر واشرس، وأكثر وحشة. الوحدة، والنبذ، ونظرات وأحكام مجتمع.. لا يرحم من سقط من عليائه.
...............................................
وقف علاء ينتظره عند بوابة السجن، وما أن خرج بكر حتى هرول علاء باتجاهه فاتحا ذراعيه، ضمه بقوة مربتا على ظهره وهو يحمد الله على سلامته، ولم تكن ضمة بكر أقل ودا؛ فالزمن قد أثبت له معدن صديقه وأصالته، مما جعل محبته تترسخ بقلبه أكثر.
قال بكر وهو يجلس إلى جوار صديقه بالسيارة، ولكنه لم يكن ينظر إليه، بل كان موجها نظره إلى الطريق غبر النافذة...
-أتعلم يا علاء، أنت الصلة الوحيدة المتبقية لي تربطني بهذا العالم!
لم تعجب علاء نبرة اليأس في صوت صاحبه، فعقب بنبرة قوية...
-لا تقل ذلك يا بكر، لا تستسلم لنوبة اليأس التي من الطبيعي أن تشعر بها الآن، كل ما مر بك على الرغم من قسوته؛ إلا أنه انتهى الآن وأصبح ماضيا، فلا تسمح لهذا الماضي أن يغتال مستقبلك!
سخرية مرة المذاق غلفت صوت بكر وهو يقول...
-بالله عليك يا علاء، عن أي مستقبل تتحدث؟ وهل بقي لى شيئا لم أخسره! أنا حتى لا أعلم أين سأقضي ليلتي أو حتى الليالي المقبلة!
-لماذا تقول ذلك؟ ألن تعود إلى بيتك؟
(بيته) مجرد ذكر تلك الكلمة، كفيل بأن يفتح جرحه الذي لم يبرأ ذاتا بعد، ويجعله يشعر بفداحة خسارته أكثر؛ فقال لعلاء بصوت مختنق..
-عن أي بيت تتحدث يا علاء! كيف أعود إلى هناك لأعيش وسط ذكريات قادرة على أن تميتني ألف مرة في اليوم، هذا لو اعتبرت نفسي حيا.
تنهدت علاء وهو يشعر بفداحة مصاب صاحبه، وعجزه عن مواصلة حياته بشكل طبيعي..
-إذا ستأتي معي إلى منزلي يا بكر، ريثما ندبر لك منزلا آخر.
-أعذرني يا علاء، لا أستطيع أن أنزل ضيفا عندك، فأنت رجل متزوج، ولن يكون ذلك مقبولا بأي شكل.
سكت علاء قليلا وقد شعر بمنطقية رفض بكر، فقال..
-إذن سأخبر والدي أن يجهزوا لك غرفتي بمنزلهما، أنت تعلم أنهما يعيشان بمفردهما، وأمي ستسعد كثيرا باستضافتك؛ فأنت تعلم كم هي تحبك!
ربت بكر على كتف صديقه قائلا..
-علاء، أنا أقدر رغبتك في مساعدتي، ولكنني لن أستطيع الموافقة على أي من ذلك. لو حقا تريد أن تسعادني، دبر لي أمر مقابلة العمل في تلك الشركة الأمنية سريعا؛ فأنا لن أستطيع أن أبقى دون عمل فترة طويلة.
-لا تقلق يا صديقي ، أمر العمل اعتبره منته، غدا باكرا سآتيك ونذهب لصاحب الشركة، وستتسلم عملك في نفس اليوم بإذن الله.
................................................
تصعد درج البناية سريعا كعادتها عند عودتها من المدرسة وهي تحلم بوجبة الغداء الشهية التي وعدتها بها أختها اليوم؛ بالإضافة للكعكة التي ستعدها أمها خصيصا بمناسبة عيد ميلادها.
استوقفتها الجلبة الصادرة من الشقة بالدور السابق الثاني، وقفت بالقرب من الباب المفتوح على مصراعيه تتابع ما يحدث بالداخل من فرش لقطع الأثاث.
وفجأة ظهر أمامه بكر يسد الباب بجسده الضخم، فتراجعت وقد بدا الفزع على ملامحها عندما نظر إليها مستغربا تلصصها.
ركضت صعودا للدور الثالث حيث شقتهم، وراحت تدق الباب بقوة. فتحت لها أختها وهي تقول ناهرة...
-ألن تكفي عن طرق الباب بتلك الطريقة يا لمى؟
قبل حتى أن تلتقط لمى أنفاسها اللاهثة، قالت وهي تشد على ذراع أختها..
-هل علمتي يا ندى أن الشقة التي كانت معروضة للإجار بالدور الثاني، قد تم تأجيرها؟
-نعم علمنا، فصوت الجلبة التي نسمعها من الصباح تولى مهمة إخبارنا.
-وهل رأيت من استأجرها؟
سبقتها ندى إلى الغرفة وهي تجيبها..
-بالطبع لا، وكيف سيتسنى ذلك؟
عادت ندى بعينيها إلى أختها تسأل..
-هل رأيتهم أنت؟
جلست لمى على الفراش وهي تجيب ندى بنبرة هائمة..
-بل رأيته هو! رجل يسد الأفق بجسده مفتول العضلات وكأنه بطل أسطوري ضل طريقه إلى حينا.
ضربتها ندى على مؤخرة رأسها وهي تنهرها..
-لمى، تأدبي! ما قلة الحياء تلك!
وقفت لمى متذمرة وهي تقول..
-أنا لست قليلة الحياء يا ندى وأنت تعلمين، ولكنه هو.. هو من يخرج المرء عن شعوره!
تناولت منشفتها وهي تتجه إلى الحمام قائلة..
-فلنرى عندما سترينه ماذا ستقولين عنه!
دخلت لمى إلى الحمام بعد أن تركت الأفكار تتراقص بعقل ندى حول هذا البطل الأسطوري الذي -على حد قول أختها- ضل طريقه إلى حيهم.
..........................................
خلف مكتبه الأبنوسي الفخم، وعلى كرسييه الوثيرالذي يشي بالعظمة، يجلس اللواء الأسبق "جلال عبد الدايم" يتحدث إلى ضيفه رجل الأعمال ذي الصيت والنفوذ "منذر بك النعماني"
قال جلال بنبرة لا تخلو من الزهو..
-أنا أؤكد لك يا منذر بك أن لا شركة أمن أخرى تستطيع أن تقدم لك ما سوف تحظى به لدي، المسألة لا تقتصر على رجال ذي بأس وصلابة بدنية فقط.
مج جلال باشا من سيجاره الكوبي فتوهجت مقدمته احتراقا، ثم نفث سحابة كثيفة من الدخان، تابع بعدها حديثه..
-أنا أؤمن أن أصل القوة والصلابة، ينبع من القلب والعقل، وأنا لدي من الفراسة ما يؤهلني لاكتشاف مثل تلك النوادر، فأنا خبرتي الطويلة برجال الشرطة على اختلاف صنوفهم، مكنتني من سبر أغوار أي رجل بنظرة واحدة.
تماهى منذر بك مع هذا الطاووس الجالس أمامه، فعقب مؤكدا على حديث الرجل..
-بالتأكيد يا جلال باشا، أنا دائما أقول أن وزارة الداخلية هي من خسرت رجل محنك داهية مثلك، وأنت ربحت راحة البال من كثرة الضغوط، وهذه الشركة الأمنية التي تعد الآن من أكبر وأهم الشركات في المجال على الإطلاق.
دقات قوية على باب المكتب، قطعت الحديث، أجاب جلال طارقه بالدخول، ففُتح الباب ليظهر من خلفه بكر في حلة سوداء أضفت عليه مهابة تخطف الأبصار، وعلى وجهه جدية تقارب الصرامة.
برقة خاطفة لمعت بعين منذر بك، وتهلل وجه جلال وهو يستقبل بكر الذي قدم التحية العسكرية للرجل بحكم العادة قائلا بصوت قوي النبرات له رنة مميزة..
-صباح الخير يا سيادة اللواء، تم تبليغي باستدعاء سياتك لي.
أشار جلال صوب بكر محدثا منذر قائلا بفخر..
-هذا هو "بكر الحسيني" الذي حدثتك عنه يا منذر بك.
ابتسم كل من بكر ومنذر لعضهما مع إيماءة بالرأس، ثم قال منذر لجلال..
-الآن فقط يمكنني الجزم بأنك أوفيته حقه بوصفك يا سيادة اللواء.
ضحك جلال وهو يوجه حديثه لبكر قائلا..
-منذ شهرين عندما بدأت العمل لدي يا بكر، وأنا كنت أدخرك لمثل هذا اليوم. أشار لمنذر النعماني مكملا حديثه..
-أعرفك على منذر بك النعماني، لا شك أنك بالفعل قد سمعت عنه سابقا فهو من أهم رجال الأعمال بالبلد، وقد جاءني اليوم لأرشح له رجلا من أفضل رجالي يعمل لديه كحارس شخصي، وأنا اخترتك أنت يا بكر لتلك المهمة.
نطق بكر بنفس نبرته التي لم تتغير وكأن لا شيء مما يدور يعنيه..
-أنا تحت أمرك يا جلال باشا، وأعدك أنني سأكون دائما عند ظنك الحسن بي.
قال جلال بصوت اتسم بالجدية..
-لا شك لدي بذلك يا بكر، استعد لبدء العمل من الغد.
قام الرجل بشموخ من مجلسه مردفا...
-والآن سأترككما معا على انفراد للتعارفا بشكل أفضل، وليخبرك منذر بك بكل ما عليك القيام به.
انصرف جلال عبد الدايم تاركا منذر النعماني يرمق بكر الواقف أمامه كجبل أسود يتوسط الغرفة، نظرته تلتمع ببريق إعجاب وكأنه وجد أخيرا ضالة بحث عنها مطولا.
أشار منذر لبكر أن يجلس أمامه قائلا..
-أجلس يا بكر، فأنا عنقي لن يحتمل أن أعلقه عاليا هكذا طوال حديثنا.
امتثل بكر لطلب منذر دون أن يرف له جفن أو يتغير هذا التعبير الصارم بوجهه. بدء منذر الحديث دون مقدمات قائلا..
-لقد أخبرني جلال بك كل شيء عنك، وأنا أعني بكل شيء؛ كل شيء! - شدد على جملته الأخيرة- ثم تابع بعد أن لمح اختلاجة بسيطة بوجه بكر، لا يستطيع القول بأنها وصلت حد الارتباك
-وللحق، أنا لا يعنيني كونك كنت ضابط شرطة سابق، ولا حتى مسجونا بجريمة قتل! لأنني ربما لوكنت مكانك، لما كنت اكتفيت بأخذ روح واحدة عوضا عما فقدت، لذا إن كان القانون رأى في فعلتك ما يستوجب العقاب؛ فأنا أرى فيها ما يستوجب الفخر.
حملت نظرة بكر التي صوبها بثبات في عين منذر غضبا مكظوما، وربما الألم وهو يسمع الرجل يخوض في جرح لا يزال نابضا بالألم داخله، ولكنه يحاول أن يعتاد ذاك الألم، حتى يتوقف عن الشعور بفداحة خسارته!
عاود منذر الحديث بعد لحظة صمت..
-لقد توسمت فيك بغيتي يا بكر، فأنا أريد رجلا أستطيع أن أثق به ثقة عمياء، لا يخونني ولو كانت حياته على المحك. صدقني، عندما يصل الرجل يوما لما وصلت أنا إليه، ويخوض كل ما خضته من تجارب؛ يدرك وبشكل قاطع أن لا صفة أهم من الوفاء في البشر؛ صفة لا أدعي أنني أحوذ منها على نصيب كبير؛ ولكن.. أحب أن أتأكد أن المقربين مني يتمتعون بها بقدر كبير، وربما أطمع في أن يكون بشكل كامل.
مد بكر يده للرجل في حزم وثقة مصافحا وهو يقول..
-أنا لها سيد منذر، لن أدعي المثالية ولكنني لا أخون من يأتمنني، وأدعو الله أن تجدني أهل لثقتك دائما.
.......................................
شهران وهي ترقبه في غدوه ورواحه، يخرج إلى عمله مع شروق الشمس، ويعود منه وقد انتصف الليل، تتعجب في نفسها؛ ما طبيعة العمل الذي يستوجب كل هذا الوقت!
شهران لم تحاول قط لفت نظره إليها بأي طريقة، وتكتفي فقط بسماع دبيب خطوته القوي على الدرج صعودا وهبوطا، ولا ترتاح بنوم إلا بعد أن تسمع باب شقته يغلق ليلا بعد عودته.
ولكن، لماذا لا تحاول لفت نظره كما فعلت أختها أكثر من مرة؛ تقول لمى أن رغم هيئته الضخمة، وتلك الصرامة في وجهه؛ فإنه حيي، مهذب الحديث، له ابتسامة حلوة، بمجرد أن تأخذ موضعها على شفتيه، تتبدل صرامة وجهه، ويرق محياه.
ربما هي لم تفعل خوفا؛ لا تريد لخيالاتها أن تتبخر إذا ما أصبحت واقعا. تخشى إن رآها أن يعاملها كطفلة كما يفعل مع أختها؛ فهي رغم بلوغها الخامسة والعشرين، فإن ضآلة حجمها ونمنمة ملامحها توحي لمن أمامها أنها ربما لم تتجاوز العشرين من عمرها؛ حتى أنها بالمدرسة التي تعمل بها، لا يفرق بينها وبين الطالبات إلا زيهم الموحد.
ولكن مهلا، لماذا تشغل نفسها برأيه فيها؟ لماذا هي قلقلة حيال إذا ما كان سيعجب بها كأنثى أم لا؛ بل لماذا من الأساس تهتم هي به إلى هذا الحد لتقف حتى هذا الوقت المتأخر بالشرفة تنتظر عودته؛ فقط لتراه وتطمئن أنه سيبيت ليلته بالقرب منها.
هل يعقل أنها قد تكون أحبت رجلا لم تتحدث إليه ولو لمرة واحدة، بل أنها لم تره عن قرب مطلقا، ولا تعرف عنه شيئا؛ إلا من خلال حديث والدها عنه بأنه رجل مهذب، وعلى حد قوله تحديدا -ابن ناس-.
خطف بظهوره نظرة عينيها، وخفقة من قلبها، فتوارت قليلا حتى لا يلمحها في وقفتها؛ بالرغم من أنه لا يرفع عينيه عن الطريق. قلبها الذي يعدو بداخل صدرها حكصان جامح لمجرد رؤياه؛ ها هو يجيب عن تساؤلاتها، ولو كان يلفظ خفقاته كلمات؛ لنفضح أمرها جراء كلمة "أحبك".
..................................
في العادة لا يحتاج لرنين منبه ليفيق من نومه؛ فساعته البيلوجية جبلت منذ زمن بعيد على موعد استيقاظ لا يتجاوز السادسة صباحا.. مهما كان توقيت نومه.
ولكن اليوم، زارته الغالية الصغيرة في نومه، شغلت عليه غفوته بضحكاتها التي اشتاقها حد الجنون، صوتها ذو النبرة المشاغبة، العسل في لون عينيها الذي كان ترياقه بعد مشقة يوم عمل طويل.
وبالرغم من طول صحبتها له في نومته، فإنها تبخرت فجأة كسراب لم يرو عطشه ولن يفعل. علا رنين منبهه ليجبره على تدارك غفوته؛ فهب فزعا، تحسس جانب عينيه مستغربا شعوره، ليجد مجرى دمعة جفت مكانها بعد أن غافلته في نومه هربا من أسر عينيه.
الساعة تشير إلى السادسة والنصف، قام من سريره حانقا وهو يفكر؛ هل سيتأخر عن عمله الجديد في أول يوم له.
على عجلة قام بكل طقوسه اليومية، وفي تمام السابعة كان يغلق باب شقته متسلما درجات السلم هبوطا، غادر البناية بخطوات واسعة سريعة وبعد ابتعاده أمتار بسيطه، فوجئ بأن هاتفه ليس بحوذته؛ تأفف لاعنا ثم التف مهرولا باتجاه البناية. مع عبوره السريع لمدخل البناية ارتطم بقوة بمن كانت على وشك الخروج، ولولا محاوطة ذراعاه لجسدها كانت سقطت على ظهرها متبعثرة كأشيائها التي تهاوت عن قبضتها تماما.
بين ذراعيه وقفت متجمدة بحدقتين متسعتين.. لا تصدق أنها حقا أمامه، لا هي ليست أمامه.. بل هي بين ذراعيه!
أما هو، فقد خطفه لون عينيها العسليتين -تماما كلون عيني أخته-. صمت حل بوقعه عليهما لبرهة، أزاح هو بعدها يديه سريعا عن جسدها بعد أن تأكد من استعادتها لتوازنها، ثم قال والحرج يغلفه..
-أنا آسف حقا، كنت على عجلة من أمري فلم أنتبه لكِ!
قال جملته وهو ينحنى أمامها يجمع ما سقط عنها، ثم استقام واقفا يمدها بما بما جمع. عيناها تابعته نزولا وصعودا، ثم فجأة وعت لما حدث؛ فتخضبت وجنتاها خجلا، وبدأت تتلعثم بكلماتها وهي تقول بصوت يكاد يسمع..
-أنا.. أنا.. لا عليك، فأنا أيضا ككـ كنت منشغلة بما أحمل ولم أنتبه لقدومك.
لا يدري لماذا يبتسم أمام خجلها وتلعثمها، عاود مد يده بأشيائها قائلا..
-أعتقد أنك الآنسة ندى أخت لمى، أليس كذلك؟
نظراتها لا تطال عينيه، فأبقتهما أرضا وهي تجيب بينما تتناول ما بيده..
-بلى، ولكن كيف عرفتني؟
-أنا بكر الحسيني، جاركم الجديد، ولمى هي صديقتي الوحيدة هنا، وقد أخبرتني أن لها أختا، فخمنت أن تكوني هي.
الموقف أصبح أكثر مما يمكنها تحمله، ولو طالت وقفتها في حضرته أكثر من ذلك، ربما أغشيَ عليها من فرط الاضطراب، فآثرت السلامة قائلة لتنهي الموقف..
-تشرفت بمعرفتك يا أستاذ بكر.. بعد إذنك فقد تأخرت عن موعد عملي!
مع ذكر العمل، تذكر هو الآخر عمله، فأفسح لها المجال سريعا قائلا بلباقة..
-الشرف لي يا آنسة ندى، تفضلي في رعاية الله.
انصرفت، وعاد هو يركض على درجات السلم، ولا يدري ما أصابه عند رؤية هذا الملاك الذي يذكره كثيرا بأخته؛ لون عينيها، براءة وجهها، ضآلة جسدها.. ربما هي لا تشببها شكلا، ولكن هي بشكل أو بآخر تذكره بها.
...........................................
مرت الأيام الأُول لعمله كأفضل ما يكون، فبخلاف أن طبيعة عمله لم تتغير عما كان يقوم به سابقا، كان السيد منذر شخصا غير متكلف في تعامله بالرغم من هيبته ومكانته وثروته الطائلة.
وربما ما جعل أيامه تصبح أقل ثقلا في مضيها؛ طيف الندى الذي حط على أوراق حياته المتيبسة، فبدء يعيد إليها نضارتها على مهل. منذ ذاك الصباح الذي ارتطم بها فيه، وعيناها العسليتان بنظرتهما الخجلى لم تفارقاه، وتلك الخفقة التي أحيتها بعد موات في قلبه، باتت تترقب بلهفة لقاء جديدا.. عل الأيام تجود به سريعا.
عيناه التي كان يحرص على خفض نظراتها في غدوه ورواحه من عمله، حتى لا يجرح بها حرمة جيرانه؛ باتت دون إرادة منه كلما اقترب من بنايته.. تهرب نظرة منها صوب نافذة ذاك الطيف الذي بات يؤرق لياليه، ولا يعلم يقينا؛ هل رغبته هي ما تصور له خيالها الذي يلمحه مرات متوار خلف ستائر النافذة في موعد عودته من عمله، أم أنها حقا تترقب عودته لتراه؛ ولكن كل ما يعلمه حقا.. أن تلك اللحظات من يومه أصبحت قادرة على منحه سعادة، ظن أنه لن يستطيع أن يشعر بها مرة أخرى.
ويكأن القدر أراد له مزيدا السعادة، ربما تعويضا عن سنوات قهر تحملها بجلد؛ فمنحه صدفة أخرى للّقاء بعد شهر من الانتظار، وهو أجاد استغلال فرصته حين لخص كل حواره لها في كلمة واحدة قالها بعزم لم يخل من تردد العشاق؛ فقال بنبرة قوية تليق بهيئته، ولكنها تحمل الكثير من الرجاء..
-هل تتزوجينني؟
****************************