الفصل 6
الفصل السادس
غرفة مترفة بفندق فخم، يتقلب على فراشها الوثير طري النمارق؛ ومع كل هذا.. يجافيه النوم!
أنفاسه تضيق بصدره كأنما يصعد إلى السماء، قلبه منقبض لا يعرف إلى الانشراح سبيلا!
لقد هاتف زوجته مرتين على مدار اليوم، وكانت بخير، منهمكة في أعمال المنزل، حتى أنه طلب منها أن تنتهي سريعا وتخلد للنوم باكرا، حتى تريح جسدها بالقدر الكافي؛ هذا بالإضافة لتواصله المستمر على مدار اليوم مع طاقم الأمن بالقصر، وأكد له الجميع أن الأمور مستتبة، والأوضاع هادئة؛ فيما القلق إذن!
نظر بالساعة، فوجد أنها تجاوزت الثانية عشرة بعد منصف الليل.. هل يهاتفها، فيقلقها من نومها؟ أم ينفض عن رأسه هذه الوساوس، ويحاول أن ينعم هو الآخر بنوم هادئ.
ترك هاتفه من يده، ثم اضطجع على شقه الأيمن مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم ثم أغلق عينيه مستجديا النوم.
........................................
على طرف الفراش تجلس حسناء، وإلى جوارها يقف عامر منتصبا، يتطلعان للتي تتملل في نومتها على وشك الاستفاقة من خدرها، لتواجه بلا حول ولا قوة.. أسوء كوابيسها!
فتحت عيناها رغم ثقل جفونها، تشعر بجسدها مرتخ، ورأسها يطن طنينا لا يحتمل!
صوت حسناء الحاد لم يمهلها حتى تستعيد وعيها بشكل كامل، فأجفلها حين قالت..
-هيا استفيقي أيتها الأميرة النائمة، أنا لن أنتظرك طوال الليل!
انتترت من موضعها على هذا المشهد العجيب الذي تراه أمامها؛ فهوى قلبها فزِعا وهي تطالع هيئة حسناء وعامر أمامها كزبانية جهنم!
كادت تغادر الفراش، لتكتشف فجأة أنها عارية تماما أسفل هذا الشرشف الحريري الذي يستر جسدها؛ فأصابتها هيستيريا وهي تسأل بفزع صارخة
-ماذا يحدث؟ أين أنا؟ ماذا فعلتما بي؟
اقتربت منها حسناء بغتة وهي تقبض على خصلات شعرها بقوة قائلة بلهجة آمرة
-أخفضي صوتك، وإلا جررتك على حالك هذا كما ولدتك أمك، لأرميك أمام باب القصر، مخبرة الجميع بالخارج أنني وجدتك هكذا بفراش أخي.
ألجم تهديدها الصراخ بفم ندى، واحتقنت عيناها بدمع القهر، وهي لا تعي بعد.. ماذا يحدث!
فكت حسناء قبضتها عن شعر ندى بعد عن خنعت الأخيرة لتهديدها، ثم عادت لتجلس بموضعها مرة أخرى وهي تقول لعامر
-أرها المفاجأة يا عامر، ماذا تنتظر!
قام عامر بعرض التسجيل أمامها وهو يقف إلى جوارها ممسكا بالكاميرا، ومع كل ثانية تمر أمام عينيها، تتسع عيناها هلعا، وينهمر منهما دمع لا سلطان لها عليه. جسدها ينتفض، وكتمت بيدها صرخة خانتها، وقلبها أخذت نبضاته تتباطأ منذرة بالنهاية ربما!
بعد دقائق أوقف عامر التسجيل، وقد شعرها تجمدت كتمثال شمعي، لا تهمس ولا ترمش، وعلى وجهها ترتسم الفاجعة.
قالت حسناء بعد برهة صمت سادت..
-هل تعلمين يا ندى ماذا يمكنني أن أفعل بهذا التسجيل!
رفعت كف يدها تعد على أصابعه مردفة
-يمكنني أن أرفعه على شبكة الإنترنت، أو يمكنني أن أبيعه لأعلى سعر، وأيضا يمكنني أن أرسله لوالدك.. وهناك فكرة أفضل من كل ذلك؛ أن أرسله لزوجك العزيز، لتلاقي منه ما تستحقين على فعلتك الشائنة تلك!
وقفت أمامها تواجه انكسارها بتجبر وهي تسترسل
-وبالطبع قبل أن أفعل أي من ذلك، سأقوم ببعض التعديلات على التسجيل لأخفي وجه أخي المسكين الذي غررت به، فضعف أمام إغوائك عندما كان بغير وعيه!
ثم نظرت لأخيها ببراءة قائلة
-أليس كذلك يا عامر!
اقترب عامر من ندى المتخشبة بالفراش ثم مسح على رأسها قائلا
-لا داعي لأي من كل ذلك يا حسناء، فندى تدرك خطورة الموقف جيدا.. وستفعل كل ما تطلبين منها.. في مقابل ألا يرى أي مخلوق هذا التسجيل؛ عداي أنا بالطبع كلما اشتقت إليها، فأصبر به قلبي ريثما ألقاها مجددا ثم مجددا ثم مجددا.
نفضت حسناء يده عن شعر ندى المستسلمة تماما لهما وكأنها أصبحت في عالم آخر لا تراهم فيه ولا تسمعهم، ثم هدرت فيه وهي تقبض على ذراعها
-اسمعي جيدا ما سأقول يا حلوة لتنفذيه بالحرف الواحد.
عندما يعود بكر من سفرته، بدون مقدمات ستطلبين الطلاق منه، ثم تغربين عن هذا القصر للأبد، ويفضل أن تنتقي حجة تجعله يكرهك ولا يتردد في تطليقك.. وإلا...
تدخل عامر سريعا
-من دون وإلا يا حسناء، هي وعت المطلوب وستنفذه جيدا، أليس كذلك صغيرتي!
أخيرا رفعت ندى عينيها بنظرات منكسرة، وبقهر يتقطر من نبرات صوتها همست بوهن
-هل تسمحين لي أن أرتدي ملابسي، أريد أن أستر جسدي!
بنبرة آمرة قالت حسناء
-عامر، ناولها ملابسها ثم غادر الغرفة
متذمرا عقب وهو يطالع ندى بوقاحة
-ولماذا! فأنا لم أعد غريبا، أليس كذلك يا ندى!
حدجته حسناء بنظرة غاضبة، ففعل ما أرادت متأففا، وقد كان كل ما يرغب به حقا؛ أن ينتهي هذا اليوم!
.................................
من الباب الخلفي المقارب للملحق، خرجت بخطوات ثقيلة وكأنها تجرر خزي الدنيا كله خلفها!
طريقها مختلط المعالم لا تكاد تتبين خطواتها عليه، جسدها يرتجف لا بردا؛ بل خوفا! صدى صوت حسناء يتردد بكلماته في عقلها؛ فيضيق صدرها بأنفاسه، ويفور رأسها بجحيم أفكاره.
لمحها أحد الحراس المناوبين، وقد رابته هيئتها؛ فتقدم منها قليلا يسألها
-هل أنت بخير سيدتي؟
رفعت إليه عينين مذعورتين وهي تحاوط جسدها بذراعيها ثم أومأت برأسها إيجابا. أفسح لها الرجل الطريق لتمد هي خطواتها نحو الملحق، مغالبة وهنها، فتحت الباب، وما أن أغلقته خلفها حتى تهاولت خلفه أرضا، وراحت تنتحب بصوت مكتوم وهي تقبض على خصلات شعرها، تكاد تقتلعها من منابتها!
بكت حتى أنهكت، وما عاد بمآقيها دمع تذرفه. افترشت الأرض بجسدها متكومة على نفسها بوضع القرفصاء مغمضة العينين، وفي خيالها راحت تتراءى لها صورة بكر، كل لحظة جمعتها به منذ أول يوم التقطه فيه، وحتى آخر عهدها به، يوم أمس وهي بين ذراعيه.
انتفضت من مكانها فجأة وهي تتذكر جسدها المدنس بأثر رجل آخر غير بكر، انتصبت واقفة تتخلص من ملابسها قطعة قطعة باشمئزاز حتى بلغت الحمام، فألقت بنفسها تحت رشاش المياه، وراحت تفرك جسدها بيدها مرارا، تناولت لوفة الاستحمام وأخذت تدعك جسدها بقوة مرة بعد مرة حتى أوشكت أن تمزق لحمها، ولكن كل ذلك لا يجدي، كل ذلك لن يزيل عن جسدها دنسه، ولن يعيدها إلى سيرتها الأولى!
جلست بحوض الاستحمام، ذاهلة وقد شعرت بخواء عجيب يجتاحها، تنظر أمامها ولا ترى شيئا، حتى الماء المنهمر فوق رأسها ما عادت تسمع خريره، اليأس يزحف كحية إلى قلبها، ما أن تمكن منه حتى اعتصره ساحبا الحياة من بين دقاته ببطء قاتل!
ستنفذ كل ما أمرت به السيدة، لا مرغمة؛ بل بإرادتها، فهي ذاتها لن ترتضي لبكر امرأة مثلها!
حتى لو لم تهددها حسناء بذاك التسجيل، ما كانت لتقبل هي أن تخدع زوجها، ولا أن تستمر بحياتها معه، كأن شيئا لم يكن!
وحتى لو صَدَقَ ادعاء حسناء فيما قالته عنها وعن بكر، فهو ربما يكون له عذره، لأنها لم تستطع يوما أن تكون له امرأة تشبع رجولته.
خرجت من حوض الاستحمام تلف جسدها بمنشفة عريضة، وبرأسها خواء من كل الأفكار؛ إلا فكرة واحدة..
ما عاد شيء يجدي!
...................................
وبعيدا عن كل هؤلاء، كان هناك جسدا آخر يرتعد في فراشه، لا بردا، ولا خوفا؛ بل على إثر بشاعة ما رأت صاحبته، وما سمعت!
كانت تعلم مسبقا أن سيدتها قاسية متعجرفة لا تهتم إلا بنفسها، وتعلم أن سيدها فاسق، زير نساء، يعاقر الخمر كل ليلة ويعود آخرها يترنح، ولكن لم تكن تتصور أبدا أنهما من الممكن أن يكونا بهذا الشر والسوء!
كانت في طريقها لسيدتها، لتقف على مقربة منها، ربما احتاجت أن تطلب شيئا لها أو لضيفتها، ولكن عند اقترابها، تناهى إلى سمعها كلمات سيدتها عنها وعن السيد بكر، كتمت شهقتها بيدها وتوارت خلف أحد الجدران، ولم يلبث أن رأت ندى وهي تتهاوى، فيحملها عامر ويصعد بها مع حسناء للأعلى.
كانت تظن أنهما سيحاولان إفاقتها من إغمائها، فهرعت بعد صعودهم نحو المطبخ، تحاول استيعاب ما سمعت ورأت، وعندما طال بهما الوقت دون أن ينزل أحدهم، ولا حتى يطلبون شيئا من أحد من الخدم، شعرت بالريبة؛ فصعدت على أطراف أصابعها، تحاول معرفة ماذا يحدث بالأعلى.
كانت الأوضاع ساكنة بالطابق العلوي، مما آثار ريبتها أكثر؛ فتقدمت قريبا من الغرف تسترق السمع، اقتربت من غرفة حسناء، فما سمعت شيئا، اتجهت نحو الجهة الأخرى من الطابق حيث غرفة السيد عامر، وعندما قربت أذنها من الباب، تناهى إلى سمعها أصوات تأوهات كما لو أن رجلا يعاشر امرأة!
لطمت خديها وهي تستوعب ماذا يحدث بالداخل؛ إنه يغتصبها وهي غير واعية!
ركضت بهلع تعود من حيث أتت، وما كانت تدري ماذا عليها أن تفعل!
هل تعود، فتقتحم عليهما الغرفة في محاولة لإنقاذ تلك المسكينة! ولكن ربما لو فعلت، يكون مصيرها أسوء من مصير ندى.. ربما قتلوها حتى يضمنوا صمتها!
فكرت أن تستدعي أحدا من الحرس بالخارج تخبره عما يحدث وتطلب منه التدخل، ولكنها تراجعت عن فكرتها لما ستحدثه من فضيحة للسيدة ندى قبل أي أحد!
وجال بخاطرها بكر، بضخامته وشكله المخيف.. ماذا سيفعل لو علم بما يحدث الآن! بالتأكيد سيقتل السيد عامر، ومن قبله ندى، وربما قتل السيدة حسناء أيضا وتحول الأمر لمجزرة!
ركضت نحو غرفتها تغلقها عليها، تجلس فوق فراشها وهي تضم ساقيها نحو صدرها، ومن وقتها.. إلى الآن وهي ترتعد، ولا تدري ماذا سيحل بالجميع!
.....................................
ما بال الألم لا يهدأ، رغم كل ما تناولت من مسكنات.. حبة تلو الأخرى، فما عادت تدري كم حبة تناولت على مدار ساعات الليل المنقضية! كل ما تعرفه.. أنها لا تزال تتألم، ربما لا تعرف أين يقبع بها الألم على وجه التحديد! هل جسدها المنتهك، هو ما يؤلمها؛ أم روحها التي تحترق قهرا بداخل هذا الجسد؟
تشعر أن الحد الفاصل بينها وبين الواقع يتلاشى، تقتحم خيالها الهلاوس، ومقتطفات لأحداث تثير غثيانها، فيتفاقم الألم بمعدتها، تمد يدها بوهن لتتناول حبة أخرى، تحاول ابتلاعها دون قطرة ماء واحدة. بدأ جسدها يزداد ارتجافا، وعرق غزير يتفصد عن جبينها!
وأشرقت الشمس لتكشف عن الليل ستره، وتنير الدروب المظلمة، ولكن القلوب المظلمة.. ما من شمس تستطيع أن تنير ظلمتها؛ فيبقى الظلام ديدنها، ودينها!
واستيقظ هو باكرا كعادته، بعد ساعات نوم قليلة متقطعة، تجهز لعمله، وعبثا حاول أن يهاتفها، وما من مجيب! هاتف أحد رجال الطاقم الأمني، يسأله عن أحوال القصر وأهله، فأخبره الرجل أن كل شيء على ما يرام، فطلب منه أن يؤكد على السائق موعد السيدة ندى.. حتى يقلها لبيت والدها.
أغلق الاتصال استعدادا للخروج، ولكن قبل ذهابه أرسل رسالة لزوجته، يخبرها بضرورة مهاتفته فور استيقاظها ليطمئن عليها، وألا تطيل مكوثها بالقصر كما اتفقا مسبقا.
...................................
بهدوء انسلت من بين الخدم بالمطبخ، وقد قررت الذهاب لتطمئن على تلك المسكينة، التي ما انفكت تفكر بها طوال الليل، هذا بلإضافة إلى وخز ضميرها الذي أنهكها، وهي تفكر؛ أن كان بإمكانها نجدتها، لولا خوفها الذي شل تفكيرها.
وقفت أمام باب الملحق مترددة، فتلك المرة الأولى التي تطرق هذا الباب، حتى أن السيدة ندى ربما لن تعرفها. ماذا ستقول لها؟ هل تخبرها أنها تعلم بما وقع؟ لا..لا، لن تضعها بهذا الموقف الصعب، فكفاها خزي ما عاشت!
حسمت أمرها، دقت الباب بيد مرتعشة، انتظرت مدة، ولكن الصمت كان جوابها!
أعادت طرقها على استحياء، وراحت تقرب أذنها من الباب علّها تلتقط أي صوت، ولكن لا شيء!
فكرت أنها ربما تكون نائمة بعد ما عانته في ليلتها، فقررت المغادرة، وربما أتت بعد ساعة أو ساعتين تتفقدها مجددا.
..............................
في نومه الذي يبدو عميقا، تلاحقه الكوابيس، واحد تلو الآخر؛ كلها بطلها الأوحد بكر، يراه تارة وهو يقتله شر قتلة ثم يمثل بجسده، وتارة يمثل بجسده أولا ثم يقتله.
انتفض من نومه غارقا بعرقه، وقلبه يكاد يتوقف من تسارع دقاته، مسح بيده على عنقه، وكـأنه يتأكد أنه لا يزال هناك قطعة واحدة، لعن حسناء ألف مرة على ما أوقعته فيه من كصيبة، ولعن نفسه ألفين على مطاوعتها.
قام من فراشه بضيق متجها إلى الحمام ليتحمم، وتحت رشاش المياه، راح يفكر في أسلم طريقة ينقذ نفسه بها من انتقام بكر؛ سيسافر.. نعم، هذا أفضل حل، سيحرص على السفر قبل موعد عودة والده وبكر، وبهذا يكون ضمن سلامته.. حتى لو ضعفت ندى وأخبرت بكر بكل شيء، أو حتى علم هو بأي طريقة أخرى. تسلل بعض الارتياح إلى قلبه على إثر ما فكر فيه.
أما ربيبة الشيطان تلك، كانت في فراشها أيضا، ولكنها تنعم بنوم مليء بأحلام حارة، بطلها الأوحد أيضا بكر!
كان في أحلامها كما تتمناه وأكثر، يمنحها بسخاء كل ما تصبو إليه، وتبادله هي العطاء من فيض أنوثتها ودلالها؛ فتتفنن في إشباع رغباته المحمومة بها كما لم تفعل أنثى من قبل!
..................................
ساعة مرت عليها نظرت خلالها للساعة ما يقارب العشر مرات، قلبها يخفق باضطراب، وكأنه ينذرها بشؤم..
تركت ما بيدها وقررت ألا تنتظر أكثر من ذلك؛ ستذهب إليها لتطمئن عليها، ولن تبرح مكانها إلا وقد فعلت!
كانت تلك المرة دقاتها فوق الباب أقوى وبلا توقف، ورغم ذلك، لم تلق أي رد.. صمت عجيب وكأن لا أحد بالداخل.. فكرت؛ هل من الممكن أنها غادرت في الليل دون أن يشعر بها أحد!
هرعت إلى أفراد الأمن المنتصبين عند بوابة القصر تسأل؛ هل رأى أي منهم السيدة ندى وهي تغادر ليلا، أو حتى في الصباح الباكر؟
كان النفي جوابها، تفاقم توترها مما أصاب من حولها من الرجال ببعض التوتر، نطق أحدهم قائلا
-ربما كانت بالداخل ولا تزال نائمة.. فالوقت باكرا على أي حال.
ردت بشرود وكأنها تخاطب نفسها
-ولكن ليس من عادتها التأخر بالنوم، غير أنني أشعر أن مكروها أصابها!
رفعت رأسها فجأة تخاطب أحد الرجال
-هاتف السيد بكر وأخبره بالأمر، وليشير علينا هو بما نفعل!
.................................
رنين هاتفه زلزل وقفته الثابتة بالقرب من منذر بك، أخرجه من جيب سرواله سريعا معتقدا أنها ندى، ولكن رأي اسم أحد رجال القصر، فمال على أذن السيد منذر يخبره عن الاتصال، فأخبره أن يجيب على الفور..
بمجرد أن فتح الاتصال وتناهى إلى سمع الخادمة صوت بكرالقوي، خطفت الهاتف من يد صاحبة متحدثة بتوتر وهي تخبر بكر عن قلقها بخصوص السيدة ندى، وأنها طرقت عليها كثيرا ، ولكنها لم تجب.
على الفور ودون لحظة تردد أجابها قائلا بجزع
-فليكسر الباب أحد من الرجال، وادخلي أنتي للاطمئنان عليها، وأبقيني معك على الهاتف!
دقائق وكان الباب قد كسر، ودلفت الخادمة إلى الداخل تبحث عن ندى، وصوت بكر لا ينقطع عن أذنها.
خطت خطواتها داخل غرفة النوم لتجد ندى منكبة على وجهها فوق الفراش وأحد ذراعيها متدلية عن حافة السرير، سقط الهاتف من يدها وهي تركض صوبها، تحاول أن توقظها، وما كانت هيئتها توحي بأنها ستستيقظ؛ لونها الشاحب، جسدها البارد، شفتاها الزرقاوان، جسدها اللين الذي تستجيب دون أدنى مقاومة ليد الخادمة، وأخيرا شرائط الدواء الفارغة إلى جانبها فوق المنضدة، صرخت وهي تنادي باسمها، فدخل الرجلان المنتظران بالخارج سريعا، ساعد أحدهم الخادمة في محاولة إفاقة ندى، والتقط الآخر الهاتف من الأرض يجيب بكر الذي يهدر فزعا في الهاتف على إثر سماعه لصرخة المرأة، أخبره الرجل بما يرى، فسقط قلبه رعبا، وفي الحال أمره بأن يأخذوها لأقرب مشفى ريثما يعود هو على أول طائرة.
ما كان بإمكان السيد منذر أن يستبقيه مهما فعل؛ لذا تركه يذهب لزوجته، مكتفيا على مضض بباقي طاقم الحراسة!
بينما كانت زوجته تلك تلفظ عن جسدها الحياة دون أدنى مقاومة، وكأنها في غيبوبتها تعلم أن ما من شيء بقي لها حتى تعود من أجله.
تم نقلها للمشفى فورا، وهناك أخبرهم الطبيب أن حالتها خطرة.. وأنها كما يبدو حاولت الانتحار!
شهقت الخادمة وذنبها يتفاقم بداخلها.. لو كانت منعت عنها الأذى الذي لحق بها، ما كانت أقدمت على فعلة كتلك، فرد الأمن الذي صاحبهما يقف متحيرا لا يعرف.. هل ما حدث يعد تقصيرا منهم أم أنهم لا شأن لهم بما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
وفي غمرة الأفكار التي تتأرجح في رأس هذا وتلك، كانت ندى أسلمت روحها لصاحب الأمانة -جل في علاه- حتى قبل أن تدخل إلى غرفة العمليات.
خرج الطبيب يعلن النبأ المفجع لمرافقيها؛ فتجمدت الدماء بالعروق، تعالت صيحات الخادمة الرافضة للنبأ، وأخذ الدمع يسيل من عينيها وهي تنتحب حزنا على مصير من رحلت، وخوفا من بطش القادم بالجميع لو عرف بما حدث لزوجته.
................................
اقتحم عليها غرفتها بجسد يرتعد، وثب إلى فراشها يوقظها وهو يصيح
-استيقظي حسناء.. لقد حلت على رأسينا مصيبة!
فتحت عينيها مزمجرة وهي تدفعه من فوق رأسها بيدها متأففة، وما كانت قد انتهت من أحلامها الوردية بعد، ليعيد هو قوله بفزع أكبر، التقطت أذنيها كلمة مصيبة لتنهض فزعة تسأل "ماذ حدث؟"
تهاوى إلى جوارها فوق الفراش وهو ينقل إليها الخبر الذي علمه من الخدم بالأسفل بكلمات ملعثمة، وجملا متقطعة..
-ندى ماتت يا حسناء.. انتحرت ليلة أمس.. وجدوها بالملحق صباحا.. نقلوها إلى المشفى، ولكنها...
وضع يديه فوق رأسه التي نكسها أرضا متمتما
-هلكنا يا حسناء.. هلكنا!
اتسعت عيناها صدمة، وجف حلقها خوفا.. فما وجدت ريقا تزدرده، عقلها للحظة شل عن دهاء تفكيره وهي تنظر لحال أخيها الذي رفع رأسه إليها فجأة وهو يقول بحقد ونبرة مُتهمِة..
-بكر سيقتلنا جميعا.. سيقتلنا وأنت السبب!
وقف بغتة وراح يدور حول نفسه كمجنون مردفا..
-أنا يجب أن أغارد قبل عودته.. سأسافر بعيدا لعلي أنجو بحياتي، ولو أردتي نصحيتي؛ أفعلي بالمثل قبل أن يفرغ بكر سلاحه برأسك الخبيث هذا!
علت أنفاسها غضبا وهي تفكر؛ لا.. هي لن تخسر الآن، وبعد كل ما حدث، لن تسمح بأن تضيع كل جهودها عبثا دون أن تحصل على مرادها، يجب أن تفكر وتجد لنفسها من تلك المصيبة مخرجا.
نهضت عن فراشها تلحق بمن كان على وشك المغاردة، أمسكت بذراعه تلفه إليها قائلة
-انتظر يا عامر.. لماذا نهرب؟ ما دخلنا نحن بانتحار زوجة بكر المجنونة! هل قتلناها نحن.. لا، بل هي من قتلت نفسها.. فما شأننا إذن!
ينظر إليها غير مصدق لتبجحها وجرأتها، ربما تكون جنت.. هذا هو التفسير الوحيد لهذيها هذا.. فقال
-هل جننتي يا حسناء، كيف ما شأننا! ألم تنتحر تلك المسكينة بسبب ما فعلناه بها، ما أدراكي أنها لم تخبر بكرا بكل شيء قبل موتها لتنتقم مننا، أو ربما تركت له بالملحق رسالة تشرح له فيها سبب انتحارها.
سكتت وهي لا تستبعد تخمين أخيها، ولكن يبقى احتمال أن أي من ذلك لم يحدث، وهي ستتمسك بهذا الاحتمال، فقالت
-اسمع يا عامر، ندى لو كانت تنوي إخبار بكر.. ما كانت انتحرت، هي تعلم جيدا أن بكرا لو عرف بما حدث، سيقتلك، وهي لن ترضى لبكر أن يسجن بسببها.. هي ماتت وانتهى الأمر، وبكر لم ولن يعرف شيئا، لا تجعلنا نخطئ بردة فعلنا فنثير الشبهات حولنا دون داع.
هز رأسه رفضا لخوض تلك المخاطرة قائلا..
-لا.. أنا لن أخاطر بحياتي، سواء علم بكر أو لم يعلم.. أنا سأسافر.
-حسنا يا عامر، سافر كما تشاء، ولكن سافر في عطلة لبضعة أيام ريثما نتبين حقيقة ما حدث.
نظرت لعينيه تتبين مدى تأثير اقتراحها عليه، فبدى لها على وشك الاقتناع.. فلاحقته بقولها..
-ثم دعنا لا نغفل عن حتمية تدخل الشرطة في الأمر، سيفتح تحقيق ونستجوب جميعا حتى يتم إثبات أنها حالة انتحار، هروبك سيثير الشبهات حولك، يجب أن تظل متواجدا لحين الأخذ بشهادتك.. وأهم شيء عامر أن تهدأ ولا تتوتر، يجب أن تصدق قبل الجميع أن أنا وأنت لا دخل لنا مطلقا بما حدث لندى.
أومأ برأسه موافقة كطفل صغير توصيه أمه بالتزام الأدب والهدوء ريثما يغادر الضيوف، في طريقه للخروج من غرفتها.. أوقفته بقولها..
-عامر، تخلص فورا من التسجيل الخاص بندى، وامح أي أثر له؛ فهذا دليل إدانة ضدك.
********************************