بعض الحب إثم - الفصل 4 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بعض الحب إثم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

الفصل الرابع أنفاسه تختنق بصدره كأنه يحتضر، ويحاول جاهدا شهيقها، ولكن محاولاته تبوء بالفشل فتتشنج أطرافه التي يحركها بعنف وكأنه يصد بها موتا يقترب؛ الموت الذي جاء قاصدا بابه متعمدا ولكن القدر كان له كلمة أخرى؛ فنجي هو بينما حصد الموت حياة أخرى... هتافها المتكرر باسمه لم يجعله يستفيق من كابوسه، فراحت تهزه بقوة وقد تملكها خوف وهي تراه على هذا الحال. ومع صوتها الذي أخذ يعلو هاتفا باسمه ووخز أصابعها بأقصى قوتها، انتفض من نومه كتمساح خرج بغتة من نهر قابضا بكفه على عنقها حتى كاد يكسره! صرختها الفزعة جعلته يعود لوعيه ويدرك أين هو وماذا يحدث؛ فسحب عنها يده وهو ينهت مثلها وأكثر بينما كانت هي تنتفض خوفا وتنكمش بعيدا عنه بالفراش. نطق أخيرا بصوت مضطرب النبرات يحاول طمأنتها -أنا لم أقصد يا ندى صدقيني، أنا فقط كنت أرى كابوسا مزعجا ولم أنتبه أنك أنت من إلى جواري! نظرة الرعب بعينيها لم تتناسب مع رقة قولها وهي تسأله -هل عدت ترى ذات الكابوس مجددا؛ ألم يتوقف عن مراودتك منذ مدة؟ أولاها ظهره وهو يجلس على طرف الفراش قائلا -بالفعل لم يأتني منذ مدة طويلة، ولكن لا أعلم لماذا راودني اليلية! اقتربت منه على حذر وبلمسة رقيقة وضعت أناملها على كتفه وهي تقول -بكر، لماذا لا تفكر في الذهاب إلى طبيب، ربما كانت كل الأغراض التي تنتابك تلك بسبب مشكلة ما ومن الممكن علاجها! شعر بذاك الجرح الغائر في نفسه وكأنه عاد ينزف من جديد -على اعتبار أنه توقف يوما- وراحت تتراءى له ومضات من ذاك اليوم الذي تغيرت بعده حياته تماما، لهيب مستعر بقلبه لم ينطفأ يزما رغن كل السنوات التي مرت. انتفض من مكانه لينفض عنه كل هذا الألم والعجز ثم قال بحدة -بالطبع تقصدين طبيبا نفسيا، هل تعتقدين أنني مجنون! أظلمت نظراته وبدا صوته مخيفا وهو يقترب منها مردفا -أم أنك تبحثين عن عذر لتتركيني يا ندى.. لو حقا تريردن ذلك؛ كل ما عليك أن تطلبيها صريحة، وأنا لن أجبرك على العيش معي رغما عنك! تعبير الصدمة على وجهها جعله يلعن نفسه على كل ما تفوه به؛ ولكن أبت نفسه الاعتذار أو التراجع، وربما كان شيء في نفسه يريد أن يفتح أمامها منفذا للهرب من هذا الجحيم الذي تعيش فيه معه؛ ولكنه معها أضعف من يقدم هو على خطوة كتلك طالما هي لم تطلبها صريحة. طال صمتها وهي تطالع وجهه بأسف، حتى أنها لم تجد طاقة لترد اتهامه ولا رغبة في أن تدافع عن نفسها، هي تشعر أنها منهكة روحا وجسدا وعقلا وكأنها تغرق على مرآى من الجميع، ولا أحد يفكر في أن يمد لها يدا للعون! لملمت خبيتها وعضت الأصبع على ألمها ونهضت من الفراش مغاردة الغرفة بينما ينظر هو إليها بترفع؛ ولكن نيران الندم تصليه كالعادة. ................................ أيام تضافرت لتغزل شهرا من الجفاء، في البدء حاولت مرارا أن تتقرب إليه، تحتوي غضبه الذي لا تجد له مبررا متغاضية عن مشكلتها هي ومعاناتها؛ ولكن عندما قابل هو كل هذا بموقف جامد لا يتغير، وجفاءا بدا لها أنه لا يود التراجع عنه؛ انسحبت إلى ركن قصي وتركت الأمور على حالها رغم الشوق والاحتياج إليه الذي اكتشفت أنه أقسى عليها من قسوة وصاله! وهو، يرى ويشعر ويتألم بما يفوق ألمها -لو تدري- ولكنه يفعل ما يفعل لأجلها لا لأجله، يريد أن يكفيها شره، يريد أن يمنحها وقتا لتتعافى، وربما تعافى هو أيضا ولكن المؤكد؛ أنه يعاقب نفسه بحرمانها منها، هو يستحق العقاب، يستحق أن يتعذب شوقا إليها كما يعذبها بوصاله، يستحق أن يتألم كما يجعلها تتألم، ويعلم الله كم مرة منع نفسه من أن يلقى برأسه بين ذراعيه ويعتذر كثيرا وكثيرا حتى ترضى وتصفح؛ ولكن ما يمنعه هو خوفه عليها من نفسه، من شوقه واحتياجه! والحية لا تكف عن بخ سمها في أذن الثعلب الذي بات مترقبا للحظة الغفلة، يمهد طريقه ببساط ظاهره حريرا بينما في طياته يضمر الشوك. وعلى مدار ذاك الشهر راح يلقي بابتساماته التي ألبسها البراءة، كلما لمحها خارج الملحق لأي سبب، يلقى بتحيته الصباحية كانت أو المسائية عبر إيماءة رقيقة تغلفها نظرة حنونة لم تخل من رسالة مشفرة كانت هي بحدث الأنثى تلتقطها، لكنها تعجز عن فك شيفرتها أو ربما كانت تتغافل لعدم رغبتها في التصديق! أما الحسناء فكانت أجرأ من أن تتوارى خلف حركات مراوغة، بل كانت تلعب لعبتها على المكشوف، وتلقي بنردها بعين جريئة تصوبها في عمق عيني خصمها، وتنتظر حركته القادمة في اللعبة بكل استمتاع وترقب! ..................................... "صباح الخير ندى" جاءها صوته الخافت من خلفها فأجفلها رغم حنو نبراته، التفتت إليه مرتبكة ترد صباحه بحروف متلعثمة -صباح الخير يا سيد عامر نظر لهيئتها وتلك الحقيبة النسائية التي تحملها بيدها، فسألها -يبدو أنك ذاهبة لمكان ما، هل أخبر السائق لكي يقلك إلى حيث تودين الذهاب؟ قالت وهي تغلق باب الملحق وتخطو بضع خطوات مبتعدة -لا.. ليس هناك داع لذلك، سأستقل سيارة أجرة. استوقفها معارضا.. -ولكن أنا أعلم أن بكرا لا يحبذ خروجك بمفردك، غير أن المكان هنا منعزل ولن تجدي سيارة بسهولة. بدى عليها التوتر وهي تفرك كفيها ببعض بشكل مبالغ فيه، فدنا منها قليلا يسألها بنبرة مهتمة.. -هل أنت بخير ندى؟ لماذا تبدين قلقة بهذا الشكل! هل حدث مكروه لأحد من عائلتك؟ ألقت بنظراتها أرضا وهي تشعر بالحرج، وسكتت ولم تعرف بماذا تجيبه، فبدت له كطفلة اقترفت خطأ وتخجل من البوح به! وكم رآها شهية في حالتها تلك؛ فازدرد ريقه والرغبة تتلاعب بعقله، وتصور له خيالات حلوة، فدنا منها أكثر وقد انتقلت حرارة جسده لنبرات صوته وهو يحثها قائلا -أخبريني ندى ماذا هناك ربما أستطيع مساعتك! أخيرا صدر لها صوتها وهي تقول بتردد -أرجوك يا سيد عامر اتركني أذهب، ولا تخبر بكرا أنك رأيتني أغادر من الأساس، فهو.. فهو لا يعلم أنني.. أقصد أنني لم أخبره أنني سأخرج. ما كانت تنظر لوجهه وإلا كانت قد رأت تلك الابتسامة الماكرة التي زينت ثغره وهو يقول -حسنا ندى، أنا لن أخبر بكر ولكن لي شرطا؛ أن أقوم أنا بإصالك للمكان الذي تودين الذهاب إليه حتى أكون مطمئنا عليكي، فأنت لا تعرفين الطرق هنا ولا أعتقد أنك تعرفينها في أي مكان. خف صوته وهو يردف -وليكن هذا سرنا الصغير.. أنا وأنتِ! شعرت أن كل ما يحدث خطأ لن تحمد عواقبه، وأن فكرة خروجها دون علم بكر في حد ذاتها كارثة، هذا بالإضافة للطبيب النفسي الذي حجزت لديه لتستشيره في حالة بكر، وكوابيسه التي تزايدت في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، أما أن يقوم عامر بإصالها فهذا يعد كارثة أخرى في حد ذاتها. عادت أدراجها إلى أن وصلت باب الملحق فقالت وهي تحاول فتحه -أنا غيرت رأيي ولن أذهب إلى أي مكان، أصلا لم يكن من الصواب أن أخرج دون علم بكر. فتحت باب الملحق وسط دهشته وقبل أن تهم بالدخول وضع قبضته فوق كفها المتشبثة بالمقبض وهو يقول بانكسار مصطنع -ألهذه الدرجة لا تثقين بي يا ندى.. هل تعتقدين أنني أفعل ما يؤذيكِ أبدا!" إبهامه الذي يتحرك ببطء فوق ظاهر كفها في لمسة حانية لم تعهدها من قبل، همسه الدافئ بكلماته قرب وجهها، تلك النظرة بعينيه التي جمدتها بأرضها؛ فجعلتها غير مدركة لما يحدث ولا ما يجب عليها فعله، فتعالت أنفاسها وهي تقاوم تلك الرجفة التي اجتاحت جسدها، والتي بالطبع لم يغفلها هو، فشعر أنه أمام فرصة ذهبية لن يكون عامر النعماني لو أفلتها من يده، وفي حركة خاطفة تقدم ليتخطى باب الملحق ليصبح داخله وهي معه، ثم رفع يده الأخرى يداعب بها طرف خصلة من شعرها وهو يسألها برقة -لماذا ترتجفين ندى؟ وكأن صوته تسبب في فواقها وخروجها من حالة التجمد التي أصابتها؛ فشهقت هلعا وهي تدرك متأخرا ما يحدث! نزعت يدها من يده وابتعدت خطوات عنه بحركات عشوائية جعلت جسدها يصطدم بالباب فيغلقه خلفها، ولكنها لم تكن مدركة وهي تهدر فيه -ماذا تفعل، كيف تجرؤ على لمسي بهذا الشكل؟ هل جننت! اقترب الخطوات التي ابتعدتها محتجزا جسدها بينه وبين باب الملحق وهو يقول هامسا دون أن يلمسها تماما -اهدئي يا ندى، أنا لم أفعل شيئا.. أنا فقط أردت أن اطمئن عليكِ. تلك الدمعات التي تترقرق بعينيها، وجسدها الذي لا يكف عن ارتجافه، وصوتها الذي يتوسله قائلا -أرجوك يا سيد عامر غادر حالا، فوجودك هنا لا يصح! لو علم بكر بما حدث اليوم لن يهدأ حتى تراق الدماء. لو كان بوعيه لكانت أصابت كلماتها منه ذعرا؛ ولكنه الآن لا يرى أمامه إلا شفتيها المرتجفتين، وهذا العرق النابض بجيدها المرمري يحثه على تذوق نبضاته.. فقال -لماذا تخافين منه بهذا الشكل! هل يؤذيكِ بكر.. هل يعنفك.. هل تلك الكدمات التي رأيتها بجسدك كانت بسببه؟ أخبريني الحقيقة ندى ولا تخشي شيئا، فأنا أستطيع أن أحميكي منه. وصل اضطرابها للحد الذي يؤهلها الآن للسقوط مغشية عليها، فتسببت رعشة ساقيها في اختلال توازنها وهي تقول برفض هيستيري -لا.. لا يفعل، أنت بالتأكيد أسأت الفهم، أرجوك أرحل يا سيد عامر. مع اختلال توازنها حاوط خصرها بيديه يمنعها السقوط، فجاءت ضمته أولا قوية، ثم لانت على خصرها الذي استجاب لرقة لمسته بشكل لا إرادي وهو يختبر شيئا لم يتذوقه من قبل! مع شعوره بتجاوبها تجرأ مقتربا بشفتيه من جيدها يطبع عليه قبلا دافئة رقيقة يهمس من بينها بصوت مغوي -أنت جميلة ورقيقة جدا يا ندى، لدرجة أنني لا أكف عن التفكير بك. رغم رفض عقلها لكل ما يحدث؛ جسدها يتجاوب معه، لا عن رغبة به هو، بل رغبة بخوض التجربة؛ التجربة التي ستجيب لها عن السؤال اللعين الذي لطالما أرقها! أين يكمن الخلل؟؟ وبينما كانت هي تتخبط بين أفكارها، كانت شفتاه تعانق شفتيها في قبلة ناعمة لكأنها قطرات الندى تعانق في رفق بتلات زهرة مخملية، يداه تجوب منحنيات جسدها بلمسات شغوفة حانية تداوي معها كل ألم عاناه هذا الجسد يوما! ومع قبلته التي طالت بهما بإيقاعها الهادئ رغم الشغف، اكتشفت هي لأول مرة أن المتعة من الممكن أن تأتي غير مُصاحَبة بالألم! ولكن يده التي وصلت إلى جسدها أسفل ملابسها كانت كلدغة حية أيقظتها من غفلة الوهم التي علقت بغيمتها لدقائق؛ فنزعت شفتيها من بين شفتيه وهي تقبض على يده تبعدها عن جسدها ثم بكل قوتها تدفعه في صدره لتفلت من أمامه مبتعدة وهي تنتفض هادرة -لا.. لا أنا أستطيع أن أفعل ذلك، يجب أن تغادر ولا تحاول أن تقترب مني ثانية! بدء يخطو خطوات تجاهها مع قوله -اهدئي يا ندى، صدقيني أنا لم أفعل ذلك إلا بسبب شوقي إليك وهوسي بك، صدقيني لقد حاولت منع نفسي مرارا عن التفكير بك ولكن لم أفلح أبدا، لقد ملكتي علي عقلي ولم أعد أعرف ماذا أفعل! كان على وشك بلوغها عندما تناولت هي مزهرية من فوق الطاولة إلى جوارها ورفعتها بوجهه مهددة -أنا لا يعنيني كل ما تقول، ولا أريد أن أسمع المزيد، غادر الآن وإلا.... كانت بالفعل على وشك أن تهوي بالمزهرية فوق رأسه حين ابتعد هو قائلا -حسنا يا ندى سأغادر ثم رفع عينيه لما بيدها مردفا -سأغادر.. ليس خوفا منك؛ بل خوفا عليكِ! غادر والغضب يقدح شراراته بداخل رأسه.. لقد كانت بين يديه وقد كان قاب قوسين أو أدنى أن ينالها ويثبت لحسناء ومن قبلها نفسه أن ما من امرأة تستعصي على عامر النعماني، ولكنه خشي أن تثير تلك المجنونة جلبة وتلفت الأنظار إليهما، وحينها لن يخسر رهانه فقط بل سيخسر حياته كلها؛ لذا حسبها في عقله جيدا مقدرا العواقب ولكنه لن ييأس، فما حدث اليوم جعله على يقين أن ندى تفتقد بشدة لشيء ما في علاقتها مع بكر، وهذا سبب ضعفها أمامه اليوم؛ لذا كل ما عليه هو المحاولة مرة بعد مرة حتى يسقط العصفور طواعية بين يديه. ....................................... لتوها استيقظت من النوم، وبعد حمام دافئ أخذته، تجلس أمام منضدة زينتها تمشط شعرها وتجففه لذا لم تنتبه له عندما دخل عليها الغرفة بسبب ضوضاء مجفف الشعر. جفلت حينما رأته يقف أمامها فجأة ولكن الأغرب كان تلك الابتسامة الفخورة على شفتيه، فأطفأت الجهاز وتركته من يدها وهي تقول بنبرة متهكمة -من يرى هذه الابتسامة على وجهك يقول أنك فتحت عكا! لم تستفزه سخريتها كالعادة فقال وهو يعقد ذراعيه على صدره -ومن قال أنني لم أفعل! لقد أسقطت بعض الحصون بالفعل وكنت على وشك النصر، ولكنني أصبحت متيقنا أنني سأفتحها، إن لم يكن اليوم فقريبا جدا! برقت عيناها وهي تقف أمامه تسأله -ماذا تعني يا عامر.. ماذا فعلت بالضبط؟ اتسعت ابتسامته معبرا عن زهوه وهو يقول -هل تعلمين أين كنت.. ومع من يا حسنائي! قلبها على وشك أن يدق بخفقاته أضلعها ترقبا وهي تسأل بنزق -تحدث عامر بلا مراوغة.. ماذا فعلت؟ -كنت بالملحق، وياليتك رأيتي كيف ذابت ندى بين ذراعي ومن دون أي جهد يذكر! كتمت شهقتها بيدها وعلامات الدهشة تحتل قسمات وجهها ثم سألته -هل فعلتها؟ حقا! أجابها مغيّرا للحقيقة -بالطبع لم نصل إلى هذا الحد ومن أول مرة! ثم أنني لا أستطيع أن أفعلها مع وجود احتمال عودة بكر في أي وقت، أنا فقط مهدت الطريق لنفسي وجسست نبضها وكما أخبرتك.. كانت بين يدي راغبة ربما أكثر مني! زوت ما بين حاجبيها تشككا في رواية أخيها ثم سألت بريبة -ولماذا تفعل ندى شيئا كهذا.. لماذا ترغبك بهذا الشكل وهي مع رجل كبكر؟! ثم همست وكأنها تخاطب نفسها -ماذا يحدث بينهما! تأفف عامر وهو يقول -بكر.. بكر.. بكر، لا أعلم ما سر هوسك ببكر، فترينه رجلا لم يخلق الله مثله! آخبرك شيئا يا حسناء كنت أشك به منذ فترة والآن بت على يقين منه؛ بكر الذي تهيمين به يضرب زوجته أو على أقل تقدير يعنفها بشكل ما، لقد رأيت بعيني آثار كدمات على ذراعي ندى ورقبتها. نظرت إليه بغير تصديق وهي تقول -مستحيل! بكر لا يفعل شيئا كهذا وخاصة مع ندى، هو ربما يبدو في بعض الأحيان مخيفا وبالأخص عند غضبه؛ ولكن أن يصل الأمر للضرب والتعنيف وتجاه ندى، فهذا أمر غير محتمل! أصر عامر مؤكدا.. -أقول لك رأيت كدماتها بعيني، وعندما سألتها بشكل مباشر ارتبكت وزاغت نظراتها، ولكنها نفت بالطبع لخوفها من بكر! قالت وقد تشتت أفكارها -عامر، استمر بالضغط عليها ولا تترك لها مجالا لتراجع نفسها أو لتأنيب ضميرها، يجب أن تطرق الحديد وهو ساخن. ابتسم بخبث وهو يقول -اطمئني أيتها الساحرة الشريرة، ولكني أريد منك أن ترسلي إليَّ الفيديو الذي قمنا بتصويره لك أنت وبكر، ربما احتاجه. -حسنا سأرسله لك الآن؛ ولكن كن حذرا بخطواتك، فتلك الساذجة ربما يؤنبها ضميرها وتخبر بكرا أو تلمح له بأي شيء. -اطمئني حسناء، خوفها منه سيمنعها من ذلك بالتأكيد، ولكن أنا أريد أن أعرف.. ماذا ستستفيدين أنت من شيء كهذا؟ نظرة متشككة ألقاها عليها وهو يردف -بالطبع أنت لن تضحي بي لإزاحة ندى من طريقك والوصول إلى بكر؛ أليس كذلك يا حسناء!؟ عقدت ساعديها فوق صدرها وهي تقول ساخرة -ربما أكون ساحرة شريرة كما وصفتني منذ قليل؛ ولكن اطمئن، لست شريرة لتلك الدرجة. بالطبع لن أقدمك قربانا لبكر حتى أصل إليه! -ماذا ستفعلين إذن؟ أنا يجب أن أعرف ما يدور برأسك قبل أن أفعل أي شيء، أنا لن أضحي بحياتي لترضي رغباتك يا حسناء! بحدة هدرت -قلت لك لا تخف، بكر لن يعرف شيئا، كل ما هنالك أنني أعتمد على ضمير تلك البلهاء، لو سلمت نفسها لك، أعتقد أنها لن تستطيع أن تستمر بزواجها من بكر وستطلب الانفصال عنه، وإن لم تفعل هي من نفسها... قاطعها مكملا بابتسامة ماكرة -ستقومين بتهديدها لتجبريها على أن تفعل مستغلة خوفها من بكر، وربما خوفها عليه! اقتربت منه تربت برفق على وجنته قائلة -أحسنت يا تلميذي النجيب.. فقط لو استطعنا أن نصور ما سيحدث بينكما سيصبح لدينا ما سيثير رعبها إلى الأبد. أمسك بيدها يقبلها بفجاجة وهو يقول -سأفعل يا حسناء، أعدك بأن أفعل كل ما يلزم لتحصلي على بكر كما تشتهين، ولكن في المقابل ستنفذين ما وعدتني به. ابتسمت له وهي تومئ براسها قائلة -سأفعل يا عامر، في يوم عقد قراني على بكر ستكون لك خمس بالمائة من أسهمي بالشركة. ........................................ وهناك بالملحق كانت تلك الساذجة التي تُحاك ضدها المؤامرة تجلس بركن قصي متكومة بزاوية الحائط تبكي وهي ترتجف ولا تدرك كيف فعلت ما فعلت! كيف سمحت لرجل أن ينال منها ما نال! كيف فعلت هذا ببكر! وكيف ستضع عينيها بعينه مرة أخرى! دموع تنهمر منها دون توقف حتى كادت روحها تفيض من شدة الندم؛ ولكن بماذا يفيد ندمها! هل ندمها سيمحو جرمها في حق زوجها الذي يأمنها على عرضه وبيته! هل ندمها سيعيد صورتها أمام نفسها كما كانت كأن شيئا لم يكن! فجأة لاحظت تلك الرائحة التي لا تزال عالقة بها؛ رائحة عامر التي تغمر المكان وكأنه يعيش هنا منذ سنوات، هبت فزعة تخلع عنها ملابسها لتضعها داخل الغسالة، ثم اتجهت للحمام لتغتسل علّ الماء تزيل ولو قليلا من دنسها. بعد أن انتهت ارتدت ملابس نظيفة وقامت بفتح كل النوافذ حتى تطرد رائحة خيانتها من قلب البيت، وأخيرا قامت بإشعال البخور حتى تتأكد من زوال أي أثر للرائحة تماما، وياليتها تجد وسيلة تمحو من عقلها أثر ما حدث وترفع عن روحها دنسه. وفي المساء وعلى وقته كالعادة عاد من عمله، يخطو أولى خطواته داخل الملحق بوجه أصبح عادته التجهم. كان المكان هادئا وأنواره شبه مطفأة إلا من إضاءة خافتة، ورائحة زكية تملأ المكان جعلت ملامح وجهه رغما عنه تسترخي. بلهفة لم يقو على التحكم بها، أسرعت خطاه نحو غرفتهما فقط يريد أن يضمها ولو بعينيه ويستشعر دفء جسدها بفراشه. دخل الغرفة ليجدها متكومة على نفسها بأقصى طرف الفراش ومتدثرة بالغطاء حتى اختفت أسفله بشكل كامل! بمجرد خطوه داخل الغرفة تسربت رائحته إليها فتسارعت خفقات قلبها؛ شوقا.. وخزيا! لقد تعمدت التظاهر بالنوم حتى لا تضطر لرؤيته والتطلع بوجهه، وكأنها إن فعلت سوف يقرأ هو بوجهها الحقيقة كاملة حتى دون أن تتفوه بحرف! أبدل ملابسه بعد أن أخذ حماما سريعا، متجها بعدها للفراش يتمدد إلى جوارها، تتوسله ذراعاه لضمها، وصدره يحترق بشوقه إليها؛ ولكنه لم يفعل.. فقط ظل يتطلع إليها في نومتها يجاهد شوقه مؤثرا سلامتها. .............................................. في عتمة الليل تحوم حول الملحق منذ أن رأته يدخله بعد عودته رفقة والدها، ترهف السمع علها تلتقط صوت شجار أو أي شيء يخبرها عما يحدث بينهما، ولكن لا شيء! هدوء تام حتى أنه لا يوجد ضوء ينبعث من أي غرفة مما يؤكد أنهما نائمان، مما يعني أنه لم يدر بشيء مما حدث اليوم، وأن زوجته المصون أجادت إخفاء أمرها. ابتسمت في مكر وهي تشعر أن خطتها تسير تماما وفق مرادها، وأن الوقت المتبقي لنيل مرادها لم يعد بقدر ما مضى. تسللت عائدة إلى غرفتها، وهناك قامت بإرسال رسالة لأخيها الذي فر من المنزل خشية أن تضعف ندى وتخبر بكر بما حدث. أخبرته أن الوضع آمن وأن بإمكانه العودة دون أن يخشى شيئا. وعلى فراشها تمددت براحة وسرحت بخيالها تتعجل ليال سوف تأتي يشاركها بكر فراشها هذا الذي سيتحول لحلبة مصارعة ستستمتع وهي تسمح له بدحرها على أرضها مرارا وتكرارا. ..................................... لو قالت أنه لم يغمض لها جفن.. لن تكون كاذبة! مع أولى أشعة الشمس التي تسللت إلى الغرفة، شعرت به وهو ينسل من الفراش برفق خشية أن يوقظها، سالت دمعة من عينيها التي لم تتوقفا عن البكاء منذ ليلة أمس، تشربتها وسادتها سريعا فلم يبق لها أثر. دلف إلى الحمام، ففكرت هي في النهوض لتعد له الفطور، يكفي أنه لم يأكل شيئا منذ أمس، هل تتركه يذهب إلى عمله دون فطور؛ ولكنها لن تستطيع أن تضع عينيها بعينيه! وبين شعروين أحدهما خزي من نفسها والآخر شفقة عليه، خلبت شفقتها خزيها لتنهض من فراشها تتجه نحو المطبخ تعد له الطعام. خرج من الحمام فوجد السرير خاليا وسمع أصوتا تأتي من المطبخ فعلم أنها تعد له الفطور، اتجه بلهفة يولدها شوقه إليها تجاه المطبخ، دخله وكانت هي تقف أمام المقود ظهرها إليه، فقال بصوت هادئ -صباح الخير يا ندى. كان ينتظر أن تدير وجهها إليه حتى ينعم برؤيته ولكنها لم تفعل حيث ردت صباحه وهي على حالها.. -صباح الخير يا بكر، دقائق ويصبح الفطور جاهزا. قلبها يخفق بشدة وتكاد من قوة خفقانه تسقط اضطرابا، يدها ترتعش فكادت المقلاة تسقط من يدها وهي ترفعها عن النار؛ فتقدم هو سريعا يمسكها عنها، فكانت إحدى يديه تقبض على يديها الممسكة بالمقلاة، والأخرى تحاوط خصرها. لحظة تجمدت هي فيها وهي تستشعر قربه على هذا النحو؛ قرب تتمناه، وتخشاه، وبين التمني والخشية تتوه وتتخبط وتتفتت كشظايا بلورة مكسورة! ولكن هو لم ينتبه لكل هذا حيث أن منظر عينيها الحمراوين المتغرغرة بدمعها هاله وشتته فراح يسألها بقلق -لماذا تبكين يا ندى، ولماذا ترتجفين بهذا الشكل!؟ حاولت أن تبتعد بجسدها عنه وهي تدير وجهها في الاتجاه الآخر ولكنه أحكم ذراعه على جسدها وأدار وجهها إليه مرة أخرى وهو يعاود سؤالها بإصرار -أخبريني لماذا عيناك بهذا الشكل، لماذا كل هذا البكاء؟ تجمدت الكلمات على لسانها، ومزيد من الدمع يغزو عينيها؛ فرق قلبه لدمعها وهذا الوهن الذي يزحف على جسدها، فقال وهو يقودها إلى أحد كراسي الطاولة المستديرة بالمطبخ يجلسها عليه -هل أنا سبب كل هذا الألم الباد على وجهك؟ هل أنا سبب كل هذا الدمع المتراكم بعينيك؟ حاوط وجهها بين كفيه الغليظتين فكاد أن يختفي بينهما ثم عاد يردف -صدقيني ندى، أنا لا أستحق أي منهما، فقلبي لم يعتد يحتمل خزيا آخر أشعر به أمامك، فلا تحمليني ما لا طاقة لي به! يذبحها بكلماته ولا حق لها حتى في النزيف! عن أي خزي يتحدث هذا الرجل، والخزي كله استحوذت عليه هي بفعلتها الشائنة! تريده أن يصمت، أن يكف عنها نظراته المتوسلة تلك التي تفطر قلبها! آه لو تستطيع أن تخبره حتى يعلم من منهما يستحق ومن لا يستحق، حتى يتسنى لها أن تتطهر من ذنبها لو كان هناك سبيلا للتطهر من ذنب كذاك! ولكنها لن تستطيع، لا خوفا منه؛ بل خوف عليه، هي راضية أن يفعل بها ما تستحق؛ ولكن ما ذنبه هو أن يضيع نفسه بسبب امرأة مثلها. بعد صمت موجع حل بينهما، أخيرا وجدت صوتا لتقول به -بكر، أنا أريد أن أذهب لبيت أهلي بضعة أيام.. هل تسمح لي؟ وقف أمامها يتطلع إليها، فكان مهيبا في وقفته رغم انكسار نظراته وهو يقول -بالطبع يا ندى.. لك ما تشائين. سكت برهة ثم أردف بنبرة مهزوزة -ولكن يجب أن تعلمي أنني أحبك، ولأني أحبك لن أفعل ما يؤذيكِ ثانية! ........................................ أعدت حقيبة صغيرة تكفيها لبضعة أيام من الغياب كما طلبت، ولكن هل غيابها سيصنع فارقا فيما آلت إليه الأمور! نظرة أخيرة دارت بها في أرجاء البيت وشعور بالكآبة والانقباض وجد محله في قلبها؛ أنها ربما لن تعود لهذا البيت مرة أخرى.. ابتسامة مذاقها أمر من الدمع لاحت على ثغرها وهي تفكر؛ وهل لها الحق بالعودة من الأساس! هي تهرب من عينيه اللتين تتوسلانها الغفران مع كل نظرة، ولا يدري هو أن خطيئتها هي أكبر وأجل، ومع ذلك هي عاجزة عن طلب غفرانه ولو بنظرة! أغلقت خلفها باب الملحق لتذهب حيث ينتظرها السائق الذي سيقلها لبيت أهلها، ولكنها قبل أن تصل إلى المرآب وجدت من يمسك بذراعها ويسحبها إلى ركن منزو يسألها بحدة -إلى أين تذهبين يا ندى.. هل تهربين مني أم من بكر؟ اشتعلت عينيها غضبا وهي تنتزع ذراعها من قبضته قائلة -اصمت، لا تأتي على ذكر بكر بلسانك، فحروف اسمه أعلى شأنا مني ومنك! حقد غلف نبراته وهو يقول -ألهذا الدرجة! هل تشعرين بكل هذا التقدير لرجل يهينك ويعنفك..! وتنبذين رجلا مثلي رغم كل من حوله من نساء يتمنين قربه، لا يفكر إلا بك ولا يتمنى سواكِ! ارتعدت أوصالها غضبا وهي تقول -قلت لك اصمت، أنت لاتعلم شيئا، وأنا لست ملزمة بتبرير أي شيء لك، ولتعلم أنك بكل مالك وسلطانك ونفوذ أبيك لا تسواي بنظري شعرة من رأس بكر! اقترب منها يهمس وهو يكز على أسنانه غضبا -لو كان ما تقولينه صحيحا؛ لماذا إذا ذبت بين ذراعي بلمسة واحدة ولولا شهامتي لكنت نلتك بشكل كامل! رغبة في التقيؤ انتابتها على إثر كلماته، ودموع الندم تكومت بعينيها وهي ترد قائلة بصوت مرتجف -عن أي شهامة تتحدث يا وقح! أنت استغللت لحظة ضعفي وانتهزت الفرصة لتصل إلى مبتغاك الدنيء، ولولا أنني أخشى على بكر من نفسه لكنت أخبرته عن فعلتك غير آبهة لما سيفعله بي! اسودت نظراته وهو ينظر إليها، وراح يتوعدها بينه وبين نفسه، ولكنها لم تسكت فاسترسلت وهي ترفع سبابتها في وجهه محذرة -لآخر مرة أقولها لك يا سيد عامر؛ لا تعترض طريقي مرة أخرى لأنني حينها لن أكتفي بالتهديد، سيطالك مني أذى وما أخشى على بكر من أن يفعله بك سأفعله أنا غير آبهة بشيء! أنهت جملتها وهرولت مبتعدة عنه وكل خلية بجسدها الضئيل تنتفض أما هو فظل يتابع رحيلها بعين متوعدة هامسا لنفسه "بل أنا من أعدك يا صغيرة أنني في المرة القادمة لن أتركك إلا وقد حصلت على كل ما أرغب والمزيد، لأكسر عينك وأجعلك تتوسلين إلى وتقبلين قدمي قبل أن أنالك ثانية وثالثة وحتى أمل أنا منك" .................................... كل ما يفكر فيه وهو يقف خلف هذا الباب المغلق لغرفة اجتمعات السيد منذر الذي يمكث بالداخل لما يقارب الساعة الآن، هو اللحظة التي سيعود فيها لبيته ليجده خاليا منها! هذا الثقل الذي يجثم على قلبه.. كيف يزيحه! ليس فقط غيابها ما يزرع الكدر بصدره، ولكن ذاك الشعور الغريب الذي استشعره منها صباحا والذي لا يدري ماهيته ولا فيما كان! تلك النظرة الغريبة التي لمحها بيعينها في المرة الوحيدة التي وضعت عينيها بعينيه.. ماذا كانت تعني؟ وبينما كانت أفكاره الحائرة تموج برأسه تناهى إلى سمعه صوت شجار يأتي من الغرفة مما جعله يداهمها سريعا ومن خلفه الحارس الآخر التابع للرجل الذي برفقة السيد منذر، ليجد بكر هذا الرجل يقف في مواجهة السيد منذر يصيح ويتوعد، مما جعل بكر يتخذ موضعه جوار سيده متأهبا لفض هذا الشجار في اللحظة المناسبة، ومثله فعل الحارس الآخر لسيده. يده التي قرابت موضع سلاحه، وملامحه التي استوحشت جعلت الرجل يخفض صوته بشكل لا إرادي ولكنه قال متهكما بعد نظرة الثقة التي تجلت بعيني السيد منذر وهو يتطلع تجاه بكر -هل تعتقد يا منذر أنني لو أردت بك سوءا سوف يمنعني عنك هذا الذي يقف متحفزا إلى جوارك! نظرة ازدراء لاحت منه صوب بكر وهو يقول جملته، تلقاها بكر بلا مبالاة وهو يضيق عينيه بنظرة متوعدة، ليردف الرجل وقد احتنقت الدماء بعروقه غضبا -لا تجرنا لحمام دم لن ينجو منه أحد يا منذر، فلن ينفعنا الكبر والعناد ونحن موتى.. اترك تلك الصفقة لي كما هو متفق عليه، ويكفيك ما جنيت من الصفقة السابقة. هذا عرف جماعتنا وأنت بما تفعل تخالف الأعراف وتظن أنك أصبحت أكبر من أن تخضع لقوانين اللعبة، وهذا سيجرنا جميعا للهلاك! وضع السيد منذر سيجاره الفخم في فمه ومج منه دخانا نفثه بوجه محدثه ثم ابتسم نصف ابتسامة قائلا -هل أعتبر حديثك هذا تهديدا يا نجيب أم أكون حسن النية وآخذه على محمل النصح! وقبل أن ينطق السيد نجيب العزازي، استرسل السيد منذر بعد أن وقف شامخا أمام الرجل -إن كان نصحا.. فاحتفظ به لنفسك؛ لأنني لدي عقل يزن عشرة من أمثالك، ولا أحتاج للنصيحة لا منك ولا من غيرك، وإن كان تهديدا.. فلتعلم أنني لا أخشاك لا أنت ولا من هو أكبر منك، ومن الآن فصاعدا تلك اللعبة التي تتحدث عنها ستسير وفق قوانيني أنا، والبقاء دائما للأقوى يا نجيب، وأنت تعلم ذلك جيدا. ضرب نجيب بكفيه فوق سطح المكتب مصدرا دويا مما جعل بكر يسحب سلاحه مشهرا إياه في وجه الرجل وبالتبعية سحب الحارس الآخر سلاحه موجها إياه نحو بكر ليصبح المشهد مخيفا والرجل يقول متوعدا -عاقبة الكبر يا منذر هي الخروج من الجنة، ثم جحيم مستعر نيرانه لن تطالك وحدك؛ بل أنت وكل من يهمك أمرهم.. وتذكر أنني حذرتك! أنهى جملته وغادر مخلفا وراءه شحنة من غضب، وشيعه منذر بنظرة متعالية ثم جلس على كرسيّه جلسة متغطرسة مما جعل بعض القلق يتسرب لبكر مما يمكن أن تؤول إليه الأمور.. فقال لسيده -معذرة يا سيد منذر، ولكن هل حقا تأمن مكر هؤلاء الناس وأنه لن يطالك منهم أذى؟ قال منذر وهو يتطلع إليه بخبث -هل تخشى عليّ أم على نفسك يا بكر!؟ تجمهت ملامح بكر وهو يجيب بصدق -أنت تعلم يا سيد منذر أنني أذود عنك بروحي، ولكن ماذا لو أن الأمر لا يتعلق بك وحدك كما أشار الرجل، هل تعتقد أن هناك خطرا على أهل البيت؟ سأل الرجل -هل تقصد أولادي أم زوجتك؟ هبط بعينيه أرضا وهو يجيب -الجميع يا سيد منذر، يجب أن نضمن سلامة الجميع حتى لا نكون مشتتين فيسهل الإيقاع بنا. سكت منذر قليلا يزن كلام بكر ثم قال بجدية -أنت محق يا بكر، يجب أن نضمن سلامة الجميع ونحتاط، فلا عاقل يأمن لدغ الأفاعي. وضع يده على كتف بكر يشد عليه مردفا -أريد منك أن تُزيد الحراسة بالقصر، وأن تجعل لكل من حسناء وعامر وزوجتك إن أردت حارسا شخصيا ملازم لهم أينما ذهبوا، ولكن بشرط أن تكون الرجال مثلك تماما بكر؛ لذا انتقيهم بنفسك فأنا أثق بك. أومأ بكر برأسه مجيبا "أوامرك سيد منذر" ................................................ لم تمض بضعة أيام إلا وكان كل ما أمر به السيد منذر قد نفذ وعلى أكمل وجه، فتضاعف أفراد الأمن بداخل القصر وحوله، بالإضافة لحارسيين شخصيين لعامر وحسناء اللذين بالطبع على قدر ما أزعجهما الأمر، أثار قلقهما أيضا.. دخلت حسناء على والدها غرفة مكتبه التي يلازمها كلما تواجد نهارا بالبيت، دخلت دون استأذان كعادتها، وبوجه مستاء وقفت أمام مالدها عاقدة ذراعيها أمام صدرها تقول -هل لي أن أفهم ما سبب كل ما يحدث، ولماذا أجد رجلا مخيفا ملازما لي طوال الوقت كظلي! رفع والدها عينيه عما كان ينظر إليه ليرمقها بنظرة حانقة وهو يقول -ألن تكفي عن عادتك السخيفة تلك في اقتحام الغرف دون استأذان كأنك تعيشين في زريبة! متى ستتعلمين التصرف كامرأة راقية محترمة وليس كفتاة ليل! تطلعت إليه بعين لا ينقصها جرأة لتقول وقد أخفضت صوتها وانحنت بجذعها فوق سطح المكتب -ظننت أن عادتي السخيفة تلك لم تعد تزعجك، حيث أنني ومنذ سنوات قد رأيت أسوء ما يمكن أن ترى فتاة أبيها عليه اعتدلت تتطلع إليه من عل ثم استرسلت همسا كان كفحيح أفعى -رأيته مع زوجة صديقه هنا حيث أقف تاما، بينما زوجته المريضة طريحة فراشها ينهشها المرض ببطء، ولكنه رغم ذلك يراني أنا فتاة ليل.. أرأيت المفارقة يا والدي العزيز! لم يرف له جفن على إثر حديثها الوقح الذي حتى لو لم تتفوه به فهو يراه جليا بنظراتها كلما تلاقت أعينهما؛ لذا قال ببرود -ابتلعي لسان الأفعى خاصتك هذا واغربي عن وجهي فأنا لدي ما يشغلني ولست متفرغا لتفاهاتك. وضعت يدها على خصرها وهي ترمقه بازدراء قائلة -ومتى كنت متفرغا لأي منا يا منذر بك، وعلى كل حال هذا ليس موضوعنا حاليا، أنا أتيت لأخبرك أنني لا أريد ذاك الرجل الذي لصقته بي، وإن كان لابد من حارس يتبعني فأنا أريد بكر أن يفعل لا ذاك السمج الذي يشبه الرجل الآلي. ابتسم منذر نصف ابتسامة وهو يرمقها بنظرة لها مغزىً ثم قال -هكذا إذا؛ فكل تلك المقدمة الوقحة كانت من أجل رغبتك ببكر! رغبتك التي لن تناليها أبدا! بدى عليها الاضطراب وقد فطنت لمقصد والدها، ولكنها راوغت متسائلة -ماذا تقصد؟ قام الرجل من موضعه ليخطو باتجاهها خطوات بطيئة حتى وقف قبالتها يرمقها من علو ثم أمسك بذقنها يرفع وجهها إليه قائلا -أتعلمين يا حسناء أكثر ما أحب بك؛ أنك تشبهينني كثيرا حتى أكثر من أخيكِ الذي لطالما تمنيت أن لو كان بنصف دهائك وقوتك. ترك ذقنها وهو يردف بخيبة كست ملامحه -لكن مع الأسف؛ هذا التشابه بيننا يجعلني لا آمن غدرك، هذا بالإضافة لكم الكراهية التي أعلم أنك تكنيها لي لظنك أنني كنت السبب في وفاة والدتك! مشاهد لوالدتها توالت على عقلها وهي تذبل فوق فراش مرضها يوما بعد يوم، ولكنها تعلم أن ما المرض هو ما أودى بحياة والدتها؛ ولكنه القهر الذي عانت منه مع هذا الرجل.. فقالت بنبرة تفيض غلا -لا تأتي على سيرتها، اتركها بسلام في قبر هو دون شك أرفأ بها منك ومن قصرك المهيب هذا! قال بنزق لينهي هذا الحوار العقيم -أذهبي حسناء، ومن الأفضل لكي أن تنسيَ موضوع بكر؛ فهو لن يكون لكِ مهما حاولتي! ابتسامتها الخبيثة صاحبت قولها وهي تهم بمغادرة المكتب -لا تكن واثقا إلى هذا الحد يا سيد منذر، ولا تنس أنني أعرف جيدا كيف أحصل على كل ما أرغب؛ فأنا في النهاية شبيهة منذر النعماني! ........................................... من شرفة غرفتها ترقبه وهو يقف وسط الحراس الجدد يلقي عليهم تعليماته ويعرفهم على كل مداخل القصر ومخارجه، حرارة دبت بجسدها وهي تراه يتحرك أمامها بجسده الذي يفوق حجما أجساد كل من حوله من الرجال على ضخامتهم! إلى متى ستنتظر حتى تظفر بغنيمتها! لقد نفد صبرها ولم يعد لها طاقة على التحمل أكثر من ذلك، إنها تذوب شوقا إليه وهو غير مبال وكأنه بالفعل لا يراها كما سبق وأخبرها! تواكبا مع أفكارها وجدته يرفع عينيه صوبها في وقفتها بتلك الملابس الكاشفة التي من شأنها أن تجذب عين أي رجل؛ ولكنه أخفض عينيه سريعا مغيرا زاوية بصره، ولكن تلك اللمحة كانت أكثر من كافية بالنسبة لها لتجعلها تبتسم بسعادة ممنية نفسها أن الطريق ليس طويلا كما هيأ لها قليل صبرها. ومن شرفة أخرى مجاورة كان يقف عامر يتطلع بدوره على حديقة بيته التي أصبحت تشبه ساحة الحرب، حُلات سوداء تبعثرت هنا وهناك وكأنهم نمل يرعى بحديقته! لماذا عليهم أن يتحملوا كل هذا! السيد منذر يعادي الكبار يمنة ويسرى، وهم يدفعون الثمن من أمانهم وحريتهم! حتما من ناطحه والده هذه المرة له القدرة على إيذائه ولولا ذلك لما أخذ كل تلك الاحتياطات! تأفف بضجر وهو يشعر أن كل ما يحدث حوله يعيق وصوله لمراده، وبالتأكيد من زيادة عدد الحرس بهذا الشكل سيصعب عليه الوصول لندى؛ هذا إن عادت من الأساس! أربعة أيام مرت على هروبها منه، أربعة أيام وطعم شفتيها لم يبرح شفتيه.. بل يزيده احتراقا، وكلما تذكر جسدها المغري رغم ضآلته وهو يذوب بين يديه كأنها صبية تتذوق الحب لأول مرة، تأججت رغبته بها وبإخضاع ذاك الجسد لسطوة جسده! ومع تلك الخاطرة تحديدا تلاقت عينا بكر بعينيه وكأنه قرأ أفكاره، مما جعله يضطرب فرفع له كفه ملقيا التحية التي ردها بكر ثم تابع عمله. ........................................ بعد تلك الأيام الشاقة التي ما كان يجد فيها وقتا ليتنفس حتى، دخل الملحق في ساعة شبه متأخرة ليجده كعادته منذ رحيلها مظلم، ساكن، يفتقر إلى الحياة! أربعة أيام مرت على غيابها، فلما يشعر أنهم أربع سنوات! لقد اشتاقها والشوق ذابحه، ولكنه لن يطلب منها العودة إلا إذا كانت تلك رغبتها دون أي ضغط منه، سيتحمل مهما طال غيابها وليعينه الله. دخل إلى غرفته لتقع عيناه على فراشه الخالي منها ومن دفء جسدها؛ فينقبض صدره تلك الانقباضة التي لم يستطع أن يفسرها! خلع ملابسه وألقاها بإهمال فوق الفراش ثم توجه إلى الحمام يمني نفسه بحمام دافئ يزيح عن جسده إرهاق الأيام المنصرمة. بينما في حمام آخر كانت هي قد أنهت استحمامها وراحت تدلك جسدها بزيوت عطرية أضفت عليه بريقا ورائحة تذهب العقل ثم توجهت لخزانتها تنتقي أكثر أثوابها إثارة، فوقع الاختيار على ثوب بلون النبيذ يرسم حدود جسدها المثير بدقة وتكشف فتحة صدره عن نهديها بسخاء، ارتدته ثم أطلقت العنان لخصلات شعرها المموجة نارية اللون، وأخيرا تلك الحمرة التي تشبه لون الثوب رسمت بها شفتيها المكتنزتين، لتتطلع إلى نفسها في هيئتها النهائية بإعجاب وهي ترى نفسها كشعلة نارية لابد وأن تحرق من تصيب! لفت وشاح حول كتفيها ثم غادرت غرفتها متسللة إلى الخارج متفادية أن يلمحها أي من هؤلاء الحراس المبعثرين في كل زاوية، وعند الملحق وقفت تدق بابه برفق حتى لا تثير انتباه أحد ثم أزاحت الوشاح عن كتفيها لينكشف جسدها منيرا عتمة الليل. كان لتوه خارجا من الحمام مرتديا سرواله البيتي وفانيلة داخلية تبرز عضلات صدره وذراعيه، قطرات المياه لا زالت تتساقط من شعره المبعثر عندما تناهى إلى سمعه ذاك النقر على باب الملحق مما أثار قلقله، فتوجه سريعا يجيب الطارق معتقدا أنه أحد الحراس الجدد، فتح الباب سريعا وإذا به يتجمد للحظة وهو يطالعها أمامه بتلك الهيئة التي انتفض لها جسده وكأنه يعود إلى الحياة من ثبات عميق؛ ولكنه قال بحدة معبرا عن دهشته -ماذا أتى بك إلى هنا بهذا الشكل.. هل جننتِ!؟ استغلت صدمته لتدفعه ثم تدخل مغلقة الباب خلفها وهي تقول بغنج -أدخلني أولا قبل أن يراني أحد من رجالك، ثم سأمنحك كل الوقت لتتسائل عن كل ما تريد. عيناها تنساب على جسده الذي تراه كما لم تره من قبل مما جعلها تفقد صبرها فتقترب منه تحيط كتفيه بكفيها قائلة في ولهٍ -اشتقت إليك بكر ولم أعد أطيق أكثر من ذلك صبرا! نفض كفيها عن ذراعيه مبتعدا وهو يحاول التماسك فجاءت نبرته مهزوزة وهو يزدرد ريقه -غادري حسناء وكفي عن روعنتك هذه.. ستتسببين لنا بفضيحة! ابتسمت بدلال وهي تعاود الاقتراب مرة أخرى تلصق جسدها بجسده -ما أجملها من فضيحة تلك التي أنت بطلها، أنا على استعداد أن أضحي بأي شيء فقط لأكون معك وبين ذراعيك. رائحة جسدها تكاد تسكره، وشفتيها بلونهما القاني وهما يتفوهان بما تقول تنخران في صلابته، جسدها الناري الملتصق بجسده الذي هو ذاتا بأضعف حالته؛ يجعلان مقاومتها ضربا من الجنون؛ ولكنه لا يزال يقاوم؛ فأغمض عينيه منحيا وجهه بعيدا عنها وهو يقول بحزم يتداعى -غادري حسناء ولا تجبريني أن أكون فظا معك أكثر من ذلك! تسللت أصابعها إلى وجنته تعيد وجهه صوبها مرة أخرى، وعيناها تفيضان رغبة ورجاء وهي تقول -كن معي كيفما تشاء يا بكر.. فظا، قاسيا، عنيفا.. أنا راضية بأي شيء، يكفيني فقط أن تكون معي! دقات قلبه التي تدق بسرعتها القصوى، عرق جبينه الذي يتفصد عنه بغزارة، حرارة أنفاسه.. كل ذلك يخبرها أنها قاب قوسين أو أدنى من أن تنال مرادها؛ فاقتربت أكثر مستمتعة بمقاومته التي تنهار أخيرا في حضرتها، حتى تعانقت أنفاسهما، والشفاه صارت على وشك الانسحاق تحت وطأة الرغبة، وإذا به في اللحظة الأخيرة ينسحب مبتعدا بعد أن دفعها لتسقط بقسوة أرضا، فيصدر عنها تأوه تعمدت هي أن يكون مثيرا جذب نظره إليها مرة أخرى، لتقع عيناه على ساقيها اللتين انحصر عنهما ثوبها تماما، وصدرها ينفر خارجا من ضيق فستانها، فكانت هيئتها على هذا الحال صاعقة قصمت ظهر البعير، جذبها من ذراعها بقسوة حتى كاد ينخلع في يده، ثم دفع جسدها ليرتطم بالحائط المجاور لباب الملحق لتصدر عن عظامها طقطقة سمعها بوضوح، ولكنها ما كانت تشعر بشيء سوى رغبتها التي تحرق كل خلية من جسدها، فعانقت بذراعيها رقبته، وهوى هو على شفتيها يقبلهما بوحشية كادت تمزقهما أو فعلت حقا؛ حيث وجد كلاهما مذاق صدأ دماء شفتيها يغزو فميهما، ولكنه لم يتوقف حتى بعد أن تحول تأوهها لأنين بيّن، حيث كان لأول مرة يفعل ما يريد دون أن يقتله شعور بالذنب! دفعاتها المتتالية له وهي تحاول تخليص شفتيها من بين شفتيه جعله يفض هذا التشابك، ولكنه لم يفلتها حيث قبض على شعرها الثائر هذا بغل قائلا -أليس هذا ما تريدين.. لماذا تتألمين إذن! ازدادت قبضته تشبثا بخصلات شعرها حتى كادت تخلعها عن منابتها وهو يفتح باب الملحق بيده الحرة ثم يرمي بها خارجا مع قوله -في المرة القادمة يا حسناء سأجعلك تندمين على مجرد التفكير بي.. فاحذري مما تتمنين يا حلوة! شعرها مبعثر وشفتاها تنزفان، وجسدها يرتعد، ولم تعد تعي هل عن رغبة أم خوف! صوت تحطم شيئا بالداخل جعلها تفر من أمام باب الملحق، بينما كان هو بالداخل يحاول إفراغ شحنة غضبه من نفسه ورغبته بها التي لن يقوى على إنكارها بعد الآن؛ فراح يحطم كل ما طالته يداه وهو يلعن نفسه، وقد كان على وشك أن يفعل كل ما يتوق الرجل بداخله إليه مع تلك المغوية؛ ولكن العاشق بداخله أبى أن يفعل هذا بحبيبته التي ما أن تجلت صورتها بخياله حتى استفاق من كبوته وأنقذ نفسه في اللحظة الأخيرة.. ولكن إلى متى!! *************************