الفصل 3
أيام مضت وكل منهم يصارع أفكاره وتخبطه بين كيف؛ وإلى متى؟
ندى، تشعر بشكل أو بآخر بكل ما يعتلي زوجها، تستطيع أن تراه جليا في عينيه.. ذاك الاحتياج الذي لا تستطيع هي إشباعه.. وهذا يقتلها!
ولكنها تفعل كل ما بوسعها لترضي زوجها وترضى معه، كل ليلة تكون له ومعه؛ ولكنه هو من يكبح زمام رغبته حتى لا يضيع منها في عالمه الخاص جدا ويؤذيها دون أن يعي.
أما بكر؛ فيشعر أنه يتلظى في نيران جحيمه الخاص بين قسوة الرغبة، ووحشة الخوف!
إلى متى سيستطيع أن يمنع نفسه من الانغماس كليا معها، وهي بين يديه كل ليلة تتلوى رغبة، وتنصهر تجاوبا للمساته وقبلاته؛ فكيف يطالب بما هو أكثر ويحملها ما لا طاقة لها به حتى يستمتع هو كما يحب ويتمنى! حتى وإن تحملت هي إرضاء له.. كيف يتقبل هو أن يقسو عليها ويؤذيها بهذا الشكل ليستمتع.
أما حسناء، وآه من حسناء! رغبتها به تتوحش يوما بعد يوم، وعقلها أصبح حادا لا يفكر إلا في كيف تجعل بكر يخضع لإرادتها.. بإرادته! أن يرغبها كما ترغبه، وتلك الأفكار تعمي عينيها عما سواها؛ فأصبح الجميع بيادق في لعبتها التي لن تخسرها مهما كلف وتطلب الأمر.
و أخيرا عامر، الذي بات شغله الشاغل، كيف يوقع ندى في مصيدته، وينالها؛ ليثبت لحسناء أنه ما من امرأة تستطيع أن ترفض رجلا كعامر النعماني؛ حتى وإن كانت امرأة لرجل كبكر، الرجل الذي تحول بين يوم وليلة من صديق كان يدعي صداقته، إلى غريم يجب أن يقهره بأي وسيلة متاحة.
...............................
ككل ليلة بعد أن يطمئن على وصول السيد منذر إلى داخل بيته يعود ليسلك طريقه إلى الملحق الخاص به، ولكنه في طريق عودته سمع صوتا قرب المسبح فذهب ليرى من هناك في ساعة متأخرة كتلك، وإذا به يجدها تسبح في المسبح، وكان يحسبها لاهية عنه، فحاول أن ينسحب دون أن تشعر به؛ ولكنها تشعر به دائما؛ فوجوده الطاغي صعب أن تغفله امراة كحسناء!
نادته بصوتها المثير وهي تقترب من حافة المسبح؛ فتوقف ليستدير لها وهو يلعن نفسه أن جاء من الأساس.
-بكر هلا ناولتني مبذلي!
التقط المبذل من على الكرسي ليعطيها إياه، دون أن ينظر إليها تماما..
كانت تظهر تدريجيا وهي ترتقي درجات سلم المسبح واحدة تلو أخرى ببطء متعمد لتقف أخيرا أمامه بثوب السباحة المكون من قطعتين بلون أسود فيظهر مدى بياض بشرتها حتى مع هذه الإضاءة الخافتة، تناولت المبذل منه وهي تضحك ضحكة ساخرة وهي تقول
-ألّا تنظر إليّ؛ يعني أنك تتأثر بي يا بكر وليس العكس.. وأنا يكفيني هذا.
استفزته جملتها فأدار وجهه إليها ينظر في عينيها بتحد قائلا
-حتى وأنا أنظر إليكِ هكذا.. لا أراكِ سيدة حسناء!
اقتربت منه قليلا، وهو ثابت لا يتحرك وكأنه جبل لا يهتز، أسقطت المبذل من يدها لترفعها إلى صدره قائلة بهمس مغوي
-إذن لماذا قلبك تتسارع دقاته بهذا الشكل! أستطيع أن أسمعها حتى عن بعد!
كانت مغرية كجنية من نار، جسدها المبتل يتساقط منه قطرات الماء، والضوء الخافت ينعكس على بياض بشرتها المبتلة فتبدو وكأنها تتلألأ، وحمرة شفتيها القانية لم تنمح من أثر الماء فتجعل فمها شهي إلى حد لا يحتمل، خصلات شعرها الصهباء كأنها خيوط من نار، وعيناها تحملان إثارة ورغبة صعب جدا على رجل وخاصة إن كان في مثل حالته أن يقاومهما؛ ولكنه يقاوم..
بكل ما أُتي من قوة يقاوم، بكل الحب الذي يحمله في قلبه لندى يقاوم، بكل الولاء الذي يكنه للسيد منذر يقاوم.. وكل هذا مرهق جدا.. جدا.
رفع يده إلى يدها محكما قبضته عليها بشكل آلمها بشدة؛ ولكنه أثارها بنفس القدر، ويده أخيرا تلمس يدها حتى لو عنفا؛ ليهدر بغضب جعله في عينيها مثير إلى حد مؤلم
-ماذا تريدين مني يا حسناء؟ لماذا لا تبتعدين عن طريقي! ألم تدركي إلى الآن أنني لن أفعل ما تتوقين إليه مهما فعلتِ!!
تنظر إليه ولم تعد ترى إلا نفسها بين يديه تنال منه كل ما تتمنى، وينال منها ما تتلهف لمنحه إياه، وبلحظة خاطفة كانت تقف على قدميه لترتفع بنفسها حتى تصل لمستوى شفتيه تقبلهما بشغف محموم ويدها ما زالت بقبضة يده، أما اليد الأخرى فالتفت حول رقبته تلصقه بها قدر ما تستطيع؛ ولكنه أبعدها عنه بدفعة بسيطة من يده لم يبذل بها أي مجهود لتترنح هي حتى كادت تسقط مرة أخرى في المسبح..
انحنى بجذعه إليها يهدر فيها بنبرة محذرة وصوت مخيف
-ابتعدي عن طريقي يا حسناء، هذا أفضل لكِ، وحذاري أن تفعلي مثل هذه السخافات مرة أخري وإلا لن يحدث خيرا لأي مننا؛ فأنت لا تعرفين غضبي وجنوني بعد!
غادرها وهو يهز الأرض من حولها تحت وطأة خطوته الغاضبة؛ ولكنها ابتسمت في خبث بنشوة وهي تدرك أنها حققت مرادها كاملا الليلة، لترفع رأسها تجاه شرفة أخيها الذي كان يرقبهما ليشير لها هو بإبهامه علامة على "تمام".
...........................
دخل الملحق وهو يشعر أنه يرتجف ووحوشه بداخله تزأر رغبة فيما رفضه لتوه، راح يبحث عنها بعينيه في أرجاء الملحق ويدعو الله ألا تكون قد غفت.
دخل غرفته مداهمة كمن فر من معركة لتوه، ليجدها أمام المنضدة تمشط شعرها؛ ولكن بمجرد أن رأت حاله تركت ما تفعل لتقترب منه في لهفة تسأل
-بكر! ماذا بك؟ لماذا تنهت هكذا.. هل كنت تتعارك مع أحد؟
شدها إليه بحركة عنيفة ثم هوى على شفتيها بقبلة أعنف حتى شعر بمذاق دمائها تجري بفمه، تألمت؛ ولكنه دفعها بجسده نحو الفراش وهو يقول
-آسف مسبقا ندي؛ ولكن أرجوكي تحمليني الليلة؛ فأنا.. لم أعد أحتمل!
أنهى جملته وهو يمزق ملابسها مرة أخرى حتى قبل أن تدرك هي ماذا يحدث؛ ولكنها كانت راضية أن يفعل كل ما يريد، وأن يترك العنان لنفسه ينالها كما يرغب.
وكان كقطار يدهس كل ما يأتي عليه ولا يبالي؛ وكأنه كان يعوض كل الليالي التي بات فيها يهادن رغبته حتى تهدأ وتغفو بداخله حتى حين؛ فكانت قسوته هذه الليلة غير مسبوقة حتى بالنسبة إليه.
وهي تكتم كل توجعاتها، وبكاءها تخفيه بالوسادة رغم أنها تعلم جيدا أنه لن يسمعها أو يلحظ بكاءها بأي حال، ولكنها فعلت، وظلت تفعل، ولا تدري كم طال بها الوقت وهي تتمزق تحت وطأة جسده حتى شعرت به ينسحب عنها بحركة عنيفة، ليسقط إلى جوارها ويذهب في نوم عميق كما لو أن له دهرا لم ينم.
..................................
أما هناك في غرفة تلك الحسناء، كانت تجلس وهي تستمتع أيما استمتاع وهي تشاهد مرارا وتكرار ذاك المقطع الذي صوره أخاها لهما في قبلتهما الساخنة، ولذة الانتصار تعادل في تأثيرها زجاجة خمر من أفخر الأنواع؛ ولكن تلك اللذة لا تعادل شيئا مقارنة بمذاق شفتي هذا الثائر المغري حد الجنون.
..................................
استيقظ باكرا كعادته؛ ولكنه لا يشعر أنه نال ما يكفيه من الراحة، وأول ما وقعت عيناه عليه كان هي..
متكورة على نفسها إلى جانبه، وجهها ذو ملامح متألمة حتى وهو في غفوته، وبقايا كحلها الأسود تخط مسارات على وجنتيها مما يدل على بكائها، ما زلت كما تركها ليلة أمس بلا ملابس مما يعني أنها حتى لم تستطع النهوض من الفراش لتستحم كعادتها، ملابسها التي مزقها فوقها ما زالت ملقاة على الأرضية إلى جوار الفراش؛ كل شيء حوله بالغرفة يشعره أنه اغتصبها ليلة أمس...
نهض من جوارها سريعا إذ أنه لم يعد يتحمل أن يراها على حالها ذاك، أخذ حمامه وارتدى ملابسه وهو يشعر بالاشمئزاز من نفسه ولا يدري ماذا عليه أن يفعل ليجنبها ويجنب نفسه كل هذا الألم؟!
بينما هي لم تدرك كم طالت بها نومتها؛ فقط كل ما تشعره أنها غير قادرة على النهوض من مكانها، وعجزها عن الحركة جعلها تشعر بالأسى حيال نفسها؛ بل بما هو أكبر وأجل من الأسى.. تشعر بالخوف!
الأفكار تتناحر داخل رأسها الصغير؛ هل هذا الوضع الغريب والخطر الذي يحدث بينهما، بسبب ضعف بالغ تعاني هي منه أم بسبب فحولته هو التي ربما تفوق ما هو طبيعي؟!
ولكن من أين لها أن تعرف!
فهو أول رجل بحياتها، ولم تمر قبله حتى بأي مشاعر ولو عابرة. ومهما كانت الأسباب، وإن كان هناك شيء تدركه على وجه اليقين؛ فهو أن ما يحدث بينهما ليس طبيعيا أبدا.
بالكاد استطاعت النهوض من الفراش لتغتسل وتتناول أي طعام تسد بها رمقها، واضطرت للعودة إلى الفراش مرة أخرى لتريح جسدها المنهك الذي يأن بآلامه.
أخذتها غفوة لا تدري لأي وقت طالت، استفاقت منها على صوت قرع لباب الملحق؛ فتعجبت وهي تفكر من يدق بابها ولم يسبق لأحد أن أتاها الملحق من قبل، هل نسي بكر مفاتيحه! ولكن ماذا أتى به مبكرا؟
بجهد قامت من الفراش تبحث عن شالها لتضعه حول جسدها، وبخطوات حاولت أن تسرع بها على قدر ما استطاعت وصلت للباب تفتحه لتتفاجأ بهيئة عامر أمامها مما جعلها ترتبك ولم تستطع التفوه بأي كلمة حتى بادر عامر قائلا
-صباح الخير سيدة ندى.. آسف لو أزعجتك، ولكني جئت أسأل عن بكر!
تعجبت وانتابها قلق وهي تجيبه بنبرة مهتزة واهنة
-ألم يأت بكر لاصطحاب السيد منذر صباحا؟ فهو غادر مبكرا.
قال عامر وعينيه تتفرس بملامحها الهادئة رغم ما يبدو عليها من إرهاق
-ربما فعل، فأنا لم استيقظ إلا منذ قليل وحسبت أنني يمكنني اللحاق به قبل خروجه.
حجته واهية بالطبع ولكن سذاجتها كانت أقوى من أن تلحظ المكر بكلماته وحتى نظراته، وبعد أن سكت برهة نطق مجددا
-آسف مرة أخرى لو كنت أزعجتك.
ثم رسم ابتسامة عذبة على شفتيه وهو يتمم
-ولكنها فرصة سعيدة أن أتحدث إليك.. فأنت زوجة بكر، وأنا أعتبر بكر كأخي.. رجاء إذا احتجتِ لأي شيء اثناء غياب بكر.. لا تترددي أبدا في اللجوء إلي أو إلى أختي حسناء.
ابتسمت بوهن وصوتها الرقيق ككل شيء بها يداعب أذنيه مجددا في قولها "شكرا لك سيد عامر"
لم يكد يكمل استدارته منصرفا حتى التفت إليها مرة أخرى يسألها
-سيدة ندى، هل أنت بخير؟ أشعر أنك لست على ما يرام!
ارتبكت وتخضبت وجنتاها خجلا وبحركة لا إرادية رفعت ذراعها لتحكم غلق شالها حول جسدها وهي تتلعثم بكلماتها
-لا.. لا أنا.. أنا بخير، ولا أشكو من شيء.
ولما فعلت لا حظ هو كدمات على عنقها وذراعها؛ فجحظت عيناه دهشة وهو يقترب منها بحذر مشيرا لموضع كدماتها يسأل بتشكك
-هل وقعتي فآذيتي نفسك.. أترغبين أن أهاتف بكر أخبره أنك لست بخير؟
تقدمت هي خطوة لتقف على حافة مدخل الملحق وهي تقول بفزع بدى له مريبا
-لا..لا.. أرجوك لا تفعل، لقد أخبرتك أنني بخير فلا داعي لأن تثير قلق أحد.. من فضلك سيد عامر أذهب الآن وأرجوك ألا تخبر بكر أنك أتيت إلى هنا لتسأل عنه؛ فهو لا يحب أن أتحدث إلى الغرباء.
أتمت كلماتها التي قالتها كما لو أنها تساقطت منها بعشوائية ثم دخلت مسرعة إلى الملحق مغلقة الباب خلفها.
وقف هو مذهولا من حالها لرهة ثم ضيق عينيه بريبة وهو يفكر في هذا الخاطر الملح الذي صعق عقله وهو يرى ارتباكها الذي يكاد يصل إلى الهلع!
عاد إلى غرفته ووقف بالشرفة يتطلع إلى الملحق البعيد والسؤال بعقله يرتقي رويدا من كونه سؤالا استفهاميا إلى سؤال تقريري "هل بكر يعنف زوجته!"
نفض رأسه رافضا أو مستغربا؛ فكيف لرجل كبكر أن يعامل امرأة مثل ندى بأي نوع من أواع العنف، وهل أصلا تتحمل تلك المرأة أن يرفع بكر مجرد إصبع في وجهها!
هو بالأساس لطالما فكر بشكل ساخر؛ كيف تتحمل ندى الرقيقة كبتلات زهرة.. معاشرة رجل كبكر!
لكن أن يصل الأمر لاحتمال أن يكون بكر يضربها؛ فهذا من الممكن أن يؤدي إلى كارثة!
.................................................. ..
في تمام العاشرة ليلا وعلى موعده المعتاد عاد السيد منذر من عمله إلى القصر برفقة بكر الذي لم يعد يُعرف هل تجهمه المبالغ فيه بسبب طبيعة عمله أم بسبب ما يثقل تفكيره من هموم.
اطمأن بكر لوصول سيده إلى داخل منزله وأثناء ذهابه إلى الملحق الذي لا يعرف كيف سيواجه ما ينتظره بداخله، استوقفه رنين هاتفه باسم عامر، في البدء قرر تجاهل الاتصال ولكن إلحاح الأخير جعله يرتاب فأجابه يسأل بقلق
-مساء الخير سيد عامر.. هل وقع مكروه؟
ضحك عامر وهو يجيبه
-لماذا تفترض دائما السوء أولا يا رجل! ثم أنني كم مرة أخبرتك ألا تناديني بالسيد عامر، أنا في الثلاثين من عمري، أنت تكبرني بحوالي ثمان سنوات يا بكر، ولكن عندما تناديني بالسيد أشعر أنني في عمر والدك!
تنهد بكر بارتياح لعدم وقوع عامر بمشكلة تستدعي تدخله كالعادة ثم قال بنبرة أقل رسمية
-حسنا يا عامر، ولكنّي كنت فقط أطمئن أنك لم توقع نفسك في أي مأزق كعادتك (ثم استرسل ممازحا) ولكن إن لم تكن في مأزق، لماذا تهاتفني في مثل هذا الوقت.. أليس من المفترض أن تكون في غمرة ملذاتك؟ وبالطبع أنا لا أخطر ببالك في مثل تلك المواقف!
قهقه عامر وهو يجيبه
-بالطبع أنا لن أفكر فيك وأنا في موضع كذاك، ولكنني لم أبدأ بعد! ولن أنكر أنني أشعر ببعض الضيق، وأحتاج للتحدث لمن أثق فيه.. هلا أتيت إلىّ بكر لنتسامر قليلا.. أنا في المكان المعتاد.
لا حت من بكر نظرة تجاه الملحق وسكت قليلا وهو يفكر؛ ربما كان من الأفضل أن يتأخر قليلا في عودته حتى تنام ندى فيتأجل اللقاء حتى الغد، لذا أجاب عامر بالموافقة واتجه مغادرا القصر مرة أخرى.
وعيناها هناك كانتا ترقبانه من عل، لماذا غادر ثانية.. وإلى أين ذاهب؟ وبدورها لاحت منها نظرة تجاه الملحق لتفكر؛ تري هل يعرف نساء أخرى غير زوجته ويذهب إليهن في بعض الليالي، ولكن إن كان من هذا النوع لماذا يرفضها ويرفض تقربها منه!
هي واثقة أنها تعجبه وترى ذلك جليا في عينيه؛ ولكنه يكابر أو يترفع أو يفعل ذلك ليجعلها تجن به ويزيدها رغبة فيه.
........................................
وهناك في ذاك النادي الليلي يجلس عامر على مائدة عامرة بكل المنكرات، ينتظر بكر الذي أتى به خصيصا ليحاول استدراجه بالحديث عن علاقته بزوجته، ربما تأكدت شكوكه أو ذهبت أدراج الرياح.
ولم يلبث أن وصل بكر بعد ما يقارب النصف ساعة ليجد عامر جالسا على طاولته يلوح له بيده، بلغه فجلس إليه قائلا بصوت عال ليطغى على صوت الموسيقى الصاخبة بالمكان
-لم أجعلك تنتظرني طويلا، أليس كذلك؟
ابتسم عامر وهو ينهض ممسكا بذراع بكر قائلا
-قم معي لنجلس بمكان بعيد عن هذه الضوضاء لنستطيع أن نسمع بعضنا دون صراخ.
رافقه بكر حتى وصلا إلى صالة بالطابق العلوي تتميز ببعض الخصوصية والهدوء، جلسا وطلب عامر من النادل زجاجة من مشروبه المفضل، وعندما عاد النادل بالزجاجة والقدحين، فتحها عامر ببهجة وما كاد يصب منها في قدح بكر حتى وضع الأخير يده فوق فوهته قائلا
-تعرف عامر أنني لا أحتسي المشروب؛ فاعفني رجاء!
عاد عامر حانقا إلى قدحه يصب فيه من الزجاجة وهو يقول بضجر -أحيانا أشعر أنك ممل جدا يا بكر.. فأنت لا تحتسي الخمر، ولا ترافق النساء، ولا تلعب القمار، ووالدي يمتدح نزاهتك وولائك طوال الوقت، حقا أخبرني؛ هل هناك أحد يمكن أن يكون جيدا إلى هذا الحد! أم أنه الزواج جعلك تزهد الدنيا وملذاتها؟
نظر إليه بكر نظرة حادة كأنها من عيني صقر، ثم قال بنبرة غامضة -لا أظن يا عامر أنك أتيت بي لنتحدث عني أنا، لقد أخبرتني أنك تشعر بالضيق وتريد أن تتحدث مع من تثق فيه، فلنتحدث عنك إذن.
ابتسم عامر نصف ابتاسمة وهو يطالع بكر ثم قال
-تعرف أنك في أحيان كثيرة تبدو مخيفا!
أجاب بكر وهو يتناول شيئا من المقبلات على الطاولة ليضعها بفمه -إنها طبيعة عملي.. ألزمتني أن أبدو بهذه الهيئة ومن الواضح أنني اعتدها، ولكن لنعد إليك أنت.. هيا أخبرني لماذا تشعر بالضيق، هل تشاجرت مع السيد منذر كعادتك؟
اصطنع عامر الانفعال وهو يقول
-كلما رآني يا بكر يطلب مني مداومة الذهاب إلى الشركة والاهتمام بالعمل، وأنا كما تعلم لا أطيق التواجد هناك ولا الجلوس خلف المكاتب في الغرف المغلقة، غير أنني لا أحب طبيعة عمله ولا أريد أن أصبح منذرا نعماني آخر، أنا مللت أن تتعامل معي الناس على أنني ابن منذر النعماني دون أن يكلفوا أنفسهم عناء رؤيتي أنا.. أنا مجردا عن كوني امتدادا لمنذر النعماني، أنا أريد أن أكون أنا، وليس نسخة مكررة منه!
فرد بكر جسده الضخم على كرسيه معقبا بهدوء
-وما الذي يمنعك أن تكون أنت وأن تعمل ما تريد بعيدا عن عمل السيد منذر، أعتقد أنه لو رآك مهتما بشيء بعينه وتريد العمل به لكان ساعدك ودعمك، لكن المشكلة عامر أنك لا تعلم ماذا تريد ولا تعلم حتى طبيعة العمل الذي تريد أن تبني لنفسك فيه كيانا بعيدا عن ظل السيد منذر.
نظرة شابها بعض الحقد لاحت من عامر تجاه بكر، لم يغفلها الأخير هدر بعدها ببعض الحدة
-وهل هذا يمنحه الحق أن يقارنني بك طوال الوقت، حتى أنه ذات غضبة قالها لي صراحة أنه يتمنى لو كنت أنت ابنه!
اتسعت عيني بكر بدهشة غلفها الترقب مستغرقا في صمته ليفسح المجال لعامر ليسكب كل ما في جوفه، فأرجف الأخير بنبرة مغايرة اتسمت بالمرح قليلا
-حتى أنه مؤخرا أصبح يلح على لأتزوج مثلك ربما أصلح الزواج من حالي كما هو حالك مع زوجتك!
ضيق بكر عينيه وهو يسأله
-حسنا، ولما لا تتزوج، أنت رجل لا ينقصك شيء وكثيرات يتمنين لو يصبحن حرم عامر النعماني.
تجرع عامر ما في كأسه دفعة واحدة وهو يجيب بابتسامة عابثة
-وتلك هي المشكلة يا بكر؛ أنهن كثيرات، كثيرات جدا، لماذا إذن أسجن مع واحدة بعينيها بينما أستطيع الحظي بهن جميعا!
شمله بكر بنظرة مشفقة وهو يقول بصدق
-صدقني يا عامر، الزواج يختلف كثيرا عن كل هذا العبث الذي تحيا به. عندما تجد امرأة يميل لها قلبك بصدق وترى فيها ما لا تراه بغيرها حتى وإن كانت أقلهن، ستكتفي بها وحدها لأنها ستملك عليك قلبك فلن يعود يرغب بغيرها.
كانت عيني عامر متعلقة بوجه بكر وكأنها يتفرس فيه عله يتبين صدقه من زيفه، بينما اقترب منه بكر أكثر وأردف
-لو حقا تريد نصيحتي.. قيم نفسك وحياتك بنظرة أكثر جدية، واترك العنان لقلبك فيهديك هو لتلك المرأة التي ستختصر عليك كل النساء في امرأة واحدة.
عاد عامر ليملأ قدحه من جديد وترتشف منه على مهل وهو يرمق بكر بنظرة غريبة.. ثم يسأله
-أحقا تحب زوجتك إلى هذا الحد؟
ثم أردف دون وعي وكأنه يحدث نفسه؛ إذن كيف تفع...
ولكن حدة بكر وهو يضرب بيده على الطاولة فكاد كل ما عليها يسقط، قطعت جملته بينما صاح بكر
-وما دخل زوجتى بما نتحدث عنه! أنا أتحث عنك أنت.. لماذا تدير دائما دفة الحديث إليّ؟!
انتفض عامر مذعورا ودوار رأسه بدء يهيء له بكر وكأنه تحول لوحش أخضر كذاك الذي يظهر بالأفلام الأجنبية، فازدرد ريقه بخوف وهو يقول
-أهدأ يا بكر، أنا فقط لا أعرف غيرك رجل متوزج وكنت أريد أن أطمئن منك بما أنك ذقت وعرفت.
لملم بكر أشياءه من فوق الطاولة وهو ينهض قائلا بصوت حاد كنصل سيف
-قم عامر لأوصلك معي إلى المنزل فلا يجب أن تقود وأنت مخمور، ويكفي ثرثرة إلى هذا الحد فأنا لدي عمل غدا باكرا.
.............................
يجلس إلى جواره بالسيارة بعد أن انصاع لأمره دون مماطلة؛ ولكن الحيرة التي جعلته يأتي به ليتحدث إليه عله يدحرها، يشعر بها تفاقمت بداخله وجعلته رغم توجسه من ثورة بكر، لا يقوى على السكوت فقال بصوت خافت على استحياء
-بكر، هل لي أن أسألك ماذا كنت تعمل قبل أن تصبح الحارس الشخصي لأبي؟
غص بكر بسؤال هذا الذي لا ينوي تمرير الليلة على خير، وإذا بصور راحت تتقافز برأسه مثيرة ذكريات لا يحب أن يتذكرها أبدا؛ بل أنه لا يقوى على تذكرها؛ فضاقت أنفاسه وهو يعتصر المقود بقبضته حتى كاد يكسره، وأخيرا لاحت منه نظرة جانبية تجاه عامر وهو يقول بنبرة ثابته هادئة لا تتماشي مع تعابير وجهه ولا عروقه النافرة
-لم أكن أعمل شيئا!
هم عامر بطرح مزيدا من الأسئلة ولكن نظرة بكر المخيفة ألجمت الكلمات بفمه فآثر الصمت حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه.
........................................
الساعة التي ما انفكت ترقبها قاربت على الثانية عشر وهو لم يعد بعد، وهذا ليس من عادته.
رأته عندما عاد برفقة السيد منذر من ساعتين تقريبا، ورأته وهو يغادر ثانية.. إلى أين ذهب وتركها دون حتى أن يأتي ليطمئن عليها وهو أعلم بالحال التي تركها عليها؛ حتى أنه لم يهاتفها طوال اليوم ليتفقدها كعادته!
ربما كان خجلا مما حدث أمسا؛ ولكن هل هذا يمنحه العذر في ألا يهاتفها ولو مرة واحدة ليطمئن عليها!
رغم أن جسدها المتألم من عنفه لا يزال متأثرا بجراحه، فإن قلبها يهفو إلى حنانه الذي يغدقه عليها بشكل عام إلا في علاقتهما الزوجية، تشتاق نظرة الحب في عينيه التي تخبرها بلا كلمات أنه لا يرى ولا يريد غيرها، تحن إلى نبرة صوته الدافئة عندما ينطق اسمها هامسا وكأنه يخشى على حروفه من قسوة شفتيه.
ضمت جسدها بذراعيها تقيه نوبة احتياج غاردة رغم وجعه، ولكن ماذا عساها أن تفعل وهو داؤها ودواؤها!
ومع كل هذه المشاعر المتضاربة التي تتناحرها تلحفت انتظارها إياه غافية على المقعد المجاور لباب الملحق، الذي فتحه هو برفق لتقع عيناه فور دخوله على جسدها الضئيل متكوم على المقعد أمامه يشي بانتظارها له حتى غافلها النوم.
رجفة أصابت قلبه وهو يجلس أمامها على عقبيه يتطلع إلى وجهها الملائكي الذي يشبه وجوه الأطفال ببشرتها الوردية الناعمة وشعرها الأسود القصير الذي تحاوط خصلاته وجهها كأنها تضمه، وشفتيها الصغيرتين المكتنزتين وذاك الجرح بهما يذكره بطعم دمائها التي ملأت فمه أمسا جراء وحشيته في تقبيلهما!
وقف فجأة كالملدوغ وهو يشعر بالاشمئزاز من نفسه، وعلى إثر حركته المفاجئة فتحت هي عينيها لتجده يقف أمامه كجبل شاهق لوهلة أفزعها؛ فانتفضت وهي تستقبل إدراكها تدريجيا لتتعرف عليه فيتحول خوفها لطمئنان، وجاءه صوتها رقيق هادئ وهي تنطق اسمه "بكر"
سألها برفق خالطه الكثير من الحرج
-لماذا تنامين هنا يا ندى.. أما كان أولى بك أن ترتاحي بالفراش!
قال جملته الأخيرة وهو يشيح بوجهه عنها؛ ولكنها تشعر به، وتشعر بهذا الندم الذي يحترق بصدره، وتؤلمها عيناه التي تهرب من عينيها؛ لذا نهضت من مكانها متحاملة على آلام جسدها لتقف أمامه تدير وجهه إليها وعلى شفتيها رسمت ابتسامة جميلة وهي تقول
-كنت أنتظرك، ولكنك تأخرت فغلبني النوم هنا.
يريد أن يضمها إلى صدره ولكنه يخشى إيلامها وهو يعلم جيدا أن جسدها يعاني كدمات وأوجاع تجعله بالكاد يقف منصبا هكذا أمامه.
وكأنها كانت تقرأ أفكاره فوجدها تحط برأسها فوق صدره وتضم جسدها الضئيل إلى جسده، فحاوطها بذراعيه دون أن يمسها تماما، فسألته
-هل تناولت عشاءك أم أنك جائع؟
أبعدها عن صدره قليلا حتى ينظر إلى عينيها وهو يسأل بإشفاق
-ندى، هل أنت بخير؟
عادت برأسها إلى صدره وهي تجيبه
-الآن أصبحت!
......................
فور دخوله إلى غرفته وجدها تقتحم عليه الغرفة تسأله وكأنها تستجوبه
-هل كان بكر برفقتك حيث كنت في ذاك النادي الليلي؟
نظر إليها بضيق وهو يخلع قميصه ثم قال
-متى ستتعلمين طرق الأبواب يا حسناء، لا عجب أن طلقكك زوجك بسبب قلة زوقك اللا متناهية هذه!
تطاير الشرر من عينيها وهي تقترب منه تنفس سمها في وجهه على هيئة كلمات قائلة
-لست أنا من تطرق الأبواب يا ابن السيد منذر، الأبواب هي من تفتح طواعية لوجودي؛ هذا أولا، وثانيا: لم يطلقني زوجي بمزاجه بل أنا من أجبرته على تطليقي عندما مللت منه.
ابتعدت قليلا ترمقه بازدراء من أعلى لأسفل وهي تتابع
-مللته لأنه كان مثلك، طاووس نرجسي لا ينفع بشيء ولا قيمة له سوى أنه كان ابن أبيه!
ضربت كلماتها وتره الحساس فاحتقنت الدماء بعروقه، ولكنه يعرف كيف يستفزها كما تفعل هي وأكثر، فنظر لها نظرة مماثلة وهو يقول
-مسكينة أنت يا حسناء، تقولين أنك لا تطرقين الأبواب.. إذا لماذا تقفين على باب بكر تتسولين اهتماهه لا تجرئين حتى على طرقه!
احمرت بشرتها البيضاء غضبا وهي تعاود سؤاله
-هل كان بكر معك في ذاك المكان أم لا؟ أجبني يا عامر!
قال يزيد من اشتعالها
-نعم حسناء كان معي طوال السهرة، أنا هاتفته وطلبت حضوره.. فأتى.
هدرت به
-ولماذا طلبت من الحضور إلى مكان كهذا، وماذا فعلتما هناك؟
ابتسم بسخرية وهو يتفرس بوجهها قائلا
-هل ما أراه على وجهك هذا غيرة يا حسناء؟.. هل تغارين على رجل متزوج بغيرك من تواجده في ناد ليلي!
حرك رأسه بأسف وهو يتابع ليزيد غلها اشتعالا
-هل تعلمين يا حسناء ماذا فعل بكر هناك وسط كل النساء التي كانت تأكله بأعينهن!
جلس يتحدث إلى عن مدى حبه لزوجته، وكم هو سعيد معها ولا ترى عيناه من النساء غيرها، حتى أنه كان يحاول أن يقنعني بأن أتزوج شرط أن أجد امرأة أحبها كما يحب هو زوجته.
صدرها يعلو ويهبط بحر أنفاسه، وعيناها متقدة غضبا وحقد، ولم تجد أمامها سوى مزهرية كان قدرها التحطم على يديها بحركة مفاجئة لتصدر دوي أفزع عامر وهو يبتعد عن مرمي رميتها قائلا بحدة
-هل جننت يا حسناء.. ماذا تفعلين!
توجهت ناحيته تدعس على قطع الزجاج المتناثرة حتى بلغته فقالت بنبرة قاتمة
-ستفعل ما اتفقنا عليه يا عامر، ستتقرب لتلك البغيضة حتى تجعلها تبتعد عن طريق بكر، وأنا أعلم أنك لن تعدم الحيلة لذلك.. بكر لي أنا وإن لم يكن لي فلن يكون لمرأة غيري، الموت أولى به، هل تفهمني عامر؟
قال بتأفف وهو ينظر للفوضى حوله
-غادري يا حسناء فأنا متعب وأريد النوم، ويكفيك جنونا إلى هذا الحد!
نظرتان تبادلانهما دون حديث كانتا كإمضاء خفي على اتفاقهما الشيطاني؛ فهو يفهم عليها وهي تفهم عليه، هو يعرف أنها لن تتراجع ولو كلفها الأمر أرواحا، وهي تعلم أن طلبها له في نفسه صدى وسينفذه ليرضي غروره أولا وقبل كل شيء!
***************************