الفصل 8
الفصل الثامن
أترقب الساعات وأعد الدقائق .. أتوق لعودة سريعة من عملي لألقاها .. ذات الوجه البشوش .. بعد إزالة الجبيرة عن قدمها وتحسنها كثيرا ... بدأت شعلة النشاط تتقد بداخلها ..
أخبرها بألا تُثقل على نفسها وتأبى .
ستعود لمنصبها قريبا ، رغم عدم شغفها بالأمر إلا أننا إتفقنا على منحها الوقت لاسترداد سلامة قدمها .
عدتُ للمنزل أتهافت لرؤيتها ، فوجئت بوليمة وليس غداء عاديا..
" هل سنتقاسم الطعام مع أحد ! "
" لا ، هو لنا وفقط "
ثم غمزت بعينيها التي يزينها الكحل فزاد من إتساعها
" لم ترَ شيئا بعد "
همت بالمغادرة فأمسكتها لتسقط فوق صدري تلاطفني عينيها ، تتوغل بداخلي ، تداعب قلبي
" كيف إقتحمتني هكذا يا فريدة؟ "
ضحِكت لتُرجع رأسها للخلف
" لم تكن أسوارك عالية يا يونس ، كنت سهل الغزو "
تحشرج صوتي ليعكس عاطفتي
" لطالما شيدتها عالية أبية الإقتحام ، متينة اللبنات ، الى أن تخللتي بين أرجائها وتسللتي الي فجعلتني مغيبا ، لا أرى سواكِ ، ولا أتنفس إلا عيناكِ "
إلتهمت ملامح وجهي ، تتلمس خافقي ، وتدغدغ ذقني
" لم أقصد .. حقا لم أقصد غزوك ، كنت في طريقي ، أنت هدية الله لي ، لم أحلم يوما برجل قد يهبني أرضه وعمره وروحه كما كنت لي ، أخبرك سرا .. أنا أحبك منذ إرتشفت قهوتي ولم يكن يجرؤ أحدهم على فعل ذلك "
جاء دوري لأضحك
" كنتِ شديدة الملاحظة ، تصلحين للقسم الجنائي لا القانوني "
" كيف جرؤت على تناولها قبل تقديمها لي "
" أعتبريها أجرا لحملي لها الى أن وصلتكِ بأمان "
حاولت الافلات من قبضتي فحاصرتها ، تتنهد بحب بين يدي ، تزيد من ولهي بها
" فريدة ، أنا ، أحبك ، جدا "
" ما هذا الاعتراف المستهلك .. التقليدي "
" سأبقى أردده دوما وابدا ، وببساطة دون مرادفات وصرف ونحو ، هكذا مجردا "
قبلت وجنتي تتلاعب بي لتنفلت من بين يدي لتعد الطعام .
بعد لحظات سمعت رنين الباب .. لأستقبل امي وأميرة و .. عبد الرحمن ..
دفعتني أميرة بصدري لتزيحني من طريقها لأسمعها وهي تمر من جواري تقول
"هل أنهت فريدة الطعام .. لقد تأخرنا كثيرا عليها بسبب هذا المدلل "
ثم تبع كلماتها تذمر عبد الرحمن وهو يدلف بالتتابع خلف والدته
"لم تربطي لي حذائي .. "
خبطه على رأسه متهكما
"لا تعرف كيف تربط حذائك وأنت بهذا السن "
ثم وضعت يدي على فمه لأكمل حديثي هامسا بأذنيه
"أعلم بأني مثلك لذلك لا أرتدي احذية بأربطة .. تعلم مني "
قال بهدوء بعد ان أزلت يدي
"فريدة لا تعلم اذا ... حسنا .. هو سر بيننا "
"هل ستدخلني أم ستظل جاثيا هكذا فوق صدر الصغير "
إلتفتُ استقبلها ..
"تفضلي امي"
أنهت فريدة الطعام وحدها .. ساعدتها أميرة في تحضير المائدة .. وظل الملمس الأخير لأمي .. لنلتف حول المائدة كعائلة .. كما أخبرتني فريدة .. فقد أعدت تلك المفاجأة لي لتخبرني بحب
"عائلتك .. هي عائلتي "
شرعنا في تناول الطعام .. وإذا بفريدة تغص به ووجها يبدأ في الاحمرار .. أمي تناولها الماء .. تربت على ظهرها .. في عرض مسرحى ملخصه "الحما الأم " .. تهمس لها بكلمات .. بينما فريدة تهز رأسها وتضحك بعيون دامعة من كثرة سعالها ..
***
" سامحيني "
" اغفري لي "
" الذنب يقضي مضجعي "
أغلقتُ هاتفي ، يساورني الشك ، رسائل وصلتني اليوم ، تشعرني بالقلق وبعض الارتباك ..
بحثت عن رقمه ألتمس الدفئ في صوته
" حبيبتي ، لم إشأ إزعاجك عند مغادرتي "
حنانه يصل لعمق قلبي ليحتلني ، ليس لي غيره في هذا الكون ، يفهمني من تحشرج صوتي .. او نعومته .. رنته ..
هل ما كنت أسمعه قبل زواجي عن الرجال أكاذيب .
أم هو استثناء !
" لقد تلقيت رسالات متعددة اليوم لأحد قد أساء لي ويريد عفوي "
كانت إجابته أسرع مما توقعت
" ربما علي "
تردد الأسم برأسي لأفكر قليلا ثم أجيبه
" في آخر حديث لنا ود خنقي ، ورسائله الكتابية كما رأيتها سابقا للتهديد ، هل بدل رأيه سريعا ويرغب عفوي "
سمعت أنفاسه وهمهماته المفكرة
" ربما هي خالتك .."
لم أفكر بها منذ زمن ، و أظنها هي أيضا
" وما الذي ذكرها بي الآن ، طالما تشعر بالندم وتود السماح لماذا الآن ، وهل تعتقد أن علي يُحملني ذنب وفاة أخته بينما خالتي لن تفعل المثل "
" الأمر بسيط يا فريدة ، أعطني الرقم الذي أُرسلت منه "
إنه الحل الأسهل ، لكني لم أفكر به ، إنزيمات الخوف إرتفعت عندي فلم أفكر بأن أعيد الإتصال بالرقم .
فعلت كما طلب ، فلا طاقة لي بمتابعة الأمر بعد أن سكن فكري قليلا وتشاغلت عن ذنبي بكلمات بحماتي .. وما وضعته بصحني .. نثرت حبات الشطة فوق صحني وهي تضعه أمامي .. وتجلس جواري .. لتؤكد على مفهوم الثأر بالنسبة لها .. بينما يداها تطيب ما فعلت فتناولني الماء ...
عنيدة هي تلك الحما .. ولكني حقا أحبها ..
لن انسَ كلماتها المحبة المدغدغة لأذني .. هي إمرأة قوية .. وأنا اعشق قوتها
"أنا لا أترك ثأري يا فريدة "
ثم تذكرت المدعو عبد الرحمن عند مغادرته وهو يجذبني من ذراعي يريد التحدث الي ...
"يونس لا يحب الاحذية التي لها رباط "
عقدتُ حاجبي ولم أفهم لماذا يخبرني بهذا الأمر الغير الهام .. وإذا به يتركني ركضا ليغادر .. بينما نظرته نحو خاله تخبرني أنه يحبه وأيضا يهوى أغاظته وربما متعته الوحيدة من اخباري بأمر الحذاء هو .. افشاء سر بينه وبين يونس وفقط
***
إمرأة تخطت الستون بقليل ، حجاب يحيط بوجهها ، ترتدي جلباب بسيط في إستقبالي .
أشارت لي بالدخول
" مرحبا بني "
كان رد فعلي سريع عندما نلت رقم الهاتف من فريدة ، هاتفت الرقم الذي كان خارج التغطية في البداية ، أصررت فكررت الاتصال في أوقات متغيرة من يومي ، وقبل عودتي لفريدة حالفني الحظ برد هذه المرأة في النهاية .
خالتها.. تلك المرأة هي خالة فريدة ، تشبهها قليلا ، تحمل ذات اتساع العين ولونهما ..
تجلس أمامي بأنف متسعة ، تعاني ارتباك لم يخف على عيني ، تحك جبهتها ، و أخيرا قالت..
" سامحني بني "
أرخيت عيني وشفتي ، ثم أجبتها
" المهم ، أن تسامحكِ فريدة "
تجاوزت المرأة إرتباكها ، وتخلت عن قلقها ، لتبكِ ..
" لن أبرر فعلتي فأنا للآن أطلب العفو من الله .. ربما موت ابنتي كان جزاء ما فعلته بفريدة ، ظننت أن استيلائي على منزلها وبيعه أسرع طريقة للحصول على المال ، لم أفكر حينها في يتمها أو وحدتها ، كل همي كان ابنتي وانقاذها من موت محتوم ، كنت أصارع الوقت "
ثم إرتفع كتفاها نحو أذنيها بخزي
" لم أعبأ بأي أحد آخر ، لقد تبت ، وعلمت ان من شروط التوبة رد الحقوق لاهلها "
تململت قليلا في مقعدي لاقول
" لقد أخذت فريدة حقها ، أليس كذلك ، تقصدين عفوها سيدتي "
ضغطت علي شفتيها بعد أن هدأ بكائها ..
"علمت بتسلل ابراهيم الى شقتي و سرقتة .. أقصد إستعادة عقد فريدة .. أنا أقصد شيئا آخر "
إبتلعت ريقها لتخرج من جيب جلبابها عقدا ذهبيا ثمينا ، ناولته لي لتردف
" هذا لها ، كانت هدية أحدهم لأمها فور ولادتها ، لم تفرط فيه فريدة يوما ، أعطته لابنتي لترتديه يوم وفاة أمي ، وبعدها توالت الاحداث ولم أنزعه عن ابنتي إلا يوم موتها "
"ولماذا لم تبيعيه لتستفيدي بثمنه "
"لم تكن ابنتي لتتخلى عنه .. انت لا تعرف مقدار حبها لفريدة "
كنت أستمع اليها بصبر ، أنتظر المقطع الذي يجيب علي تساؤل فريدة ، لكنها لم تجبه في قصتها فسألتها مباشرة
" لماذا الآن "
***
أقطع الكوسا الى شرائح دائرية برتابة ، وعقلي منشغل في تلك الرسائل ، لم أُبدِ قلقي ليونس ، ولم أسأله مجددا عن الأمر بعد أن أخبرني بأن ذاك الهاتف مغلق ..
لم أحاول التجربة بنفسي موقنة بصدق زوجي ..
جاء دور البصل لأقطعه الى حلقات ثم أفكك حلقاته لتندمج مع الكوسا ..
خالتي .. لقد غفلت عن التفكير بها لأعوام .
طاردتني نظرات الشر وقت طردها لي من منزلي ...
راودتني الكوابيس والشعور بالألم مما حدث وقتا طويلا حتى تخلصت منه ..
ثم نما الى قلبي كرها لم أستطع منع تعاظمه مع مرور الوقت ..
حتى بعد هروبي من حيز تواجدهم ..
إنتبهت لانعقاد حاجبي و إنضمام شفتي ..
وضعت عصير الطماطم والتوابل للحلقات السابقة لاتشاغل قليلا وتنبسط ملامحي ، ثم دفعت بها الى الفرن .
تناولت علكة من إحدى أدراج المطبخ العلوية لافرغ بها توتري ..
إبنة خالتي .. لقد كانت الأفضل ..
حنونة ، ربما هاجمها المرض لرقتها ، وكأن الضعفاء لا مكان لهم في هذا العالم ..
هكذا صقلت ذاتي ، وأنا أتخلص من ضعفي لأصبح صلبة ..
لحظات ، فقط لحظات أشعر بالتردد بين هشاشتي وصلابتي ، الى أن ترجح كفة الأخيرة ..
لحظة ..
أنا لم أتردد في شئ منذ فترة طويلة .. منذ ..
زواجي.
بزواجي من يونس تبخر التردد ليتبقَ اليقين ..
الصواب الذي لا يحمل معنيين .
القرار الحاسم الذي لا يقبل الجدال ..
والهدوء مع قوة الافكار ..
يونس .. حقا هو ماكان ينقصني ..
لقد غذى روحي وصقلها بالثقة والثبات .. فتقهقر ترددي للخلف حتى خفُت ..
وجدت أفكاري تهدأ ، وروحي تسكن .
دوما ما تتوقف كل السلبيات .. جميعها ، إذا ذُكر يونس
***
" لماذا الآن "
هكذا واجهتها ، فردت
" لم يبقَ في العمر الكثير ..وددتُ التكفير عن ذنبي ، لقد بحثت عنها كثيرا أنا وعليّ ابني ، ولم نجد لها أثر ، حتى وقت قريب عندما غادرنا بلدتنا .."
عقدت ذراعيها في محاولة لدعم نفسها لتردف
" بعد أن توفت ابنتي لم أقوَ على العيش في المكان ذاته ، فغادرنا .. الى أن علم ولدي بمكان عملها و منزلها "
هكذا اذا وصلت فريدة رسائل ابن خالتها الكتابية ..
" تعلمين مكانها ، لماذا لم تذهبي اليها مباشرة ؟ "
وهنا أنّت بخفوت ، والدموع غزت وجهها ..
" لم أستطع ، جبُنت ، خفت من مواجهتي لفعلتي وذنبي ، حقا لم أستطع رؤية قهرها وغضبها علي ، يكفيني جرحا واحدا "
مسحت مؤخرة رقبتي بتعب من تلك المواجهة ، رغم مراقبتي وحسي القانوني الأمني التشككي ، إلا أني تعاطفت مع تلك المرأة ..
" ماذا الآن ؟ ما الذي ترغبين فعله ؟ "
شاهدت دخول عاصف وارتطام باب المنزل بعنف وهذا العليّ يقتحم جلستنا بقوة .. وغضب يتنافى مع وهن و إعترافات أمه ..
وقفت بسرعة ، وعلامات الشر أحتلت وجهه فلم يبق من حقيقته الا نذر يسير ..
دفعني في صدري فسقطت على الكرسي بقوة ، كدت أسقط به علي ظهري ..
حاولت والدته جذبه وتهدأته ، لكنه لم يمتثل الى كلماتها فقلت
" لم آت للعراك يا علي "
تهكم علي كلماتي قائلا
" هل جئت للسلم ، وطرح اتفاقيات "
إبتلعت ريقي و استعددت للمعركة ، فوجهه لا ينذر بخير .. رفعت كفي أمامه في إشارة مني لمهادنة ، هممت بالوقوف وإذا به يمسكني من أعلي قميصي لأصطدم بالجدار خلفي .. و ...
***
هاتفه يرن ولا يجيب ، كررت إتصالي للمرة الرابعة .. بلا جواب ، إلتفت نحو الباب فور سماعي فتحه ، دلف الى الداخل ، وهو يحث أحدهم على الدخول بدون تنبيهي ، و إذا بسيدة أحفظ ملامحها جيدا تدخل الى منزلي ..
تنظر أرضا ، تجر قدميها و كأنها مجبرة على الدخول.
أقتربتُ منه ، وقفت خلفه ، أحاول التقاط انفاسي ..
تلصصت من خلف كتفيه لأرى وجهها ..
أمسكت بذراعه لأستمد قوتي منه ..
الألم يعتلي وجهها ، وكأنها فقدت ابنتها للتو ..
أمسكَ رسغي ليخرجني من خلفه و أنا أتمسك بظهره كطفلة تحتمي بالجدار من القطة ..
يجذبني و أجذبه ..
الى أن خرجت ليلفني بيده ، و أحتمي بصدره .. أتشبث به.
أنظر اليها بتردد ..
وتنظر الي على استحياء ..
أخرجت من جيبها شيئا ، ما إن وقع عيني عليه حتى إرتخت عضلات يدي ، مشيت نحوها ببطئ ، لامست سلسلتي الفضية التي تحيط بعنقي ، تلاعبت بحليتها ، فقد إستبدلتها بهذا العقد بين يديها .
إنه هو ، هديتي لابنة خالتي .. هذا ما بقي من جيدها ، ورائحتها ..
لامست العقد فتركته لي ، دموعا نفرت من عروق عيني ، أضع يدي بين شعري أبعثره ..
إلتزمت السكون وتجمدت كالابوسوم عندما يهاجمه الخطر ..
إرتعشت ذقني في محاولتي لوقف دموعي ..
إبتلعت ريقي ورفعت بصري اليها ببطء..
تواجهت العيون ، تبكي ، و أبكي ..
حتى سمعت همهمته .. ربما همسته التي لم أسمعها ..
فالتفت ، ولم .. لم أجده .
"أنا آسفة "
صوتها الذي لم تغيره السنوات .. عينيها التي لطالما قست عليّ .. تقاسيم وجهها التي هرمت من الحزن .. أو الشر ...
"آسفة على ماكان مني يا فريدة .. سامحيني يا ابنتي "
إهتزت عيني بضجر وأنا أجيبها
" على سرقة شقتي .. ام كرهك لي .. ام وحدتي .."
دموع لا تتوقف تذرفها .. بينما حقدي الذي عاد لي وكأن السنون لم تمر
"بعد موت والديّ لم يتبقَ احد لي سوى جدتي .. لم تتركيني أحزن عليها .. لم تمهليني وقتا كي أعي او أرتب للغد ... لحظات ووجدت نفسي بلا جدران او أمان .. جردتني من كل شئ وتركتني في العراء .. هل حددتي رجاءً ، علي ماذا تأسفين ! "
ذكرياتي جذبت دموعي .. أوجاعي أردتني صريعة أمام أيام قاسية مضت ...
"أم هو إعتذار على وحدتي لسنوات .. كنت امرض ولا أجد من يمد لي يدا بالدواء .. تمر الايام والاعياد والمناسبات .. تجمع العائلات في رمضان وأنا بمفردي .. والسبب ...! "
انتظرتُ إجابتها ..
"ما السبب .. أخبريني سببا واحدا لما حدث .. كنتِ تعلمين جحود عمي ولطالما شكوته لكِ ولجدتي .. بدلا من إشباعي بحنانكِ .. أشبعتني كراهية وشر .. ألم تسألي نفسكِ بأني قد أهبُ حياتي فداءً لابنتك .. ألم تري بعينيك حبي لها .. لماذا لم تخبريني بضرورة بيع شقتي ولم أكن لأرفض .. فحياتها حياتي ... "
إشتدت سحابة الدموع بعيني وصوتي يعلو ..
"ما العائد الذي نلتهِ من كل ذلك .. موت ابنتك .. تدميري .. كره زرعته بين أضلع ابنكِ.. والآن .. تطلبين العفو ! .. وكيف السماح ؟ .. "
إستدرت كي أبتعد .. أمسكتني من ذراعي .. نفضت يداها عني ...
"لست أملك كلمات أدافع بها عن نفسي لأني لست على حق .. فصاحب الحق يملك الحجة وأنا لا حجة لي .. انا استسمح طيب قلبك ونقاؤكِ يا فريدة .. الذي لم يدنسه شئ رغم ما مررتِ به .. لقد زللت .. أخطأت .. ونلت جزاء فعلتي بحرق قلبي على ابنتي .. اقتص لكِ الجبار .. "
"إقتص لي الله يوم نسيتكِ ومحوت ما مضى من ذاكرتي .. بنجاحي وإعتمادي على نفسي .. .... "
ثم بدأت أردد كلمات يونس جميعها التي ألقاها على اذني يوما .. وبعد إنكساري شعرت بأشتداد عودي أمامها لأتركها وأغادر لغرفتي .
***
منذ زواجنا لم أرَ دمعا يزور عينيها .. إبتسامتها التي تضئ وجهها كضوء البدر الأبيض .. بدون شائبة .
اليوم كدت أذوب وهي تحتمي بي ..
تتوسلني إخفائها خلفي ..
أتمنى لو إختطفتها في بيت من الطين كالتي سكنها الأنكا قديما .. وأحيا معها حياة بدائية خالية من المنغصات .
قربتها مني لحاجتي أنا للدعم والقوة ..
كدت أخسر نفسي اليوم ..
تركت كيس الثلج من يدي ..
اتفرس تلك الكدمة أسفل رقبتي ..
لقد أجدت إخفائها عن عينيها فور دخولي ..
ذلك المختل ، (علي ) إنه شقيّ ، غبيّ ، لا يليق به العلا أبدا ..
لا يتفاهم أول يتحاور يديه تسبق عقله ..
سمعت باب غرفتنا يُغلق ، حسنا ، لقد أتت ، حاولت إرتداء قميصي الا ان أصابعها سبقتي وهي تمرر يديها فوق كدمة أخرى خلّفها لقائي بهذا المختل ..
تسائلت عيناها فأجبتها
" عليّ "
شهقت ، إبتعدت عن جسدي بفزع ..
" هل ضربك ؟ "
حاولت تصحيح قولها للحفاظ على رجولتي قليلا
" بل ضربته "
همهمت وهي تومئ برأسها مشيرة لكدمة وجهي ..ثم تبتسم وكأنها تخبرني بأن علي من قام بضربي
وضعت يدي أمام عيني أحاول الهرب من تلك المواجهة ..
لقد قيدت حنجرته ومنعته من التنفس فور أن بدأني بالضرب ..
حاولت أن أضبط إنفعالاتي .. لكنه هو من أغضبي ..
ستنسى فريدة كل شئ الا أنني أوشكت على قتل ابن خالتها فتركتها تفهم ما تشاء ..
" كيف وصلت إليها ؟ ألم تخبرني بأن الهاتف مغلق"
جلست على السرير أرتدي قميصا يمنع عينيها الممتلئة بالشفقة نحوي ..
" لقد كان ، لكنه فُتح "
" و "
تمددت على السرير بتعب
" أشعر بالجوع يا فريدة "
لم تملهني الوقت لآكل ، تقمصت دور المحقق كونان ، جلست جواري لتحاوطني بأسئلتها .. التي أجبتها عليها جميعها ، وبصدق ، إلا .. ضربي لعليّ
" جائع "
هكذا ختمت قصتي بعد أن جف حلقي ..
استدارت لتغادر فقلت
"كيف كان الأمر ؟ "
تبدلت ملامحها .. هل يعقل بأنها طردتها .. لم تمهلني وقتا وهي تغادر الغرفة مسرعة.
وضعت الطعام على الطاولة ، فدعوت خالتها لتشاركنا ، نظرت الى الطعام أمامي فصحتُ بها
" خلطبيطة ..."
" لا أسمح بتلك الأهانة ، هذه خضروات وليست خلطبيطة "
" بل هي ، لقد أنهيت لتوي فيلم الفأر الطباخ يا فريدة ، وها هو نفس الصحن "
" هل تشاهد الكارتون و أنت في هذا السن "
هززت قدمي بعصبية لأجيبها ..
" لقد أرسله لي عبد الرحمن عبر تطبيق الواتس "
زمت شفتيها .. أعلم أنها لا تطيق عبد الرحمن ، خاصة بعد إرتداءه لملابس نومها ..
جلست خالتها على إستحياء ..
تحك ساعدها .. واضح أن المواجهة لم تمر على خير.. لكن يعجبني إصرارها .. لقد توقعت مغادرتها .. لكنها تتسم بالصلابة على ما يبدو ..
" لا داعي لتعبك يا فريدة ، لقد أخبرني يونس بما حدث لساقك "
تجاهلت-فريدة- قولها ... تنظر لي بأهتمام ..
تناولت ال " خلطبيطة " بهدوء .. ليس درءا للشر ، و إنما لمذاقها الطيب ، أغمضت عيني كما فعل انطوان إيجو ... علها ترتبط معي بذكرى في صغري مثله .. لكنها لم تتسق مع ماضيّ اطلاقا ..
فتحت عيني على تهكمها
" صنعتها وحدي ، لم يكن لينجويني معي بالمطبخ "
ربما ضحكت علي دعابتها في وقت آخر ، لكن الآن رغبت في الحديث مع خالتها ..
***
تخللت عقلي ،و قلبي ملكت
و باناملك الحانية انا تشبثت ،
فكن عند ظني بك يا كلي ،
فعلى أعلى ثغرك، و على نبض قلبك ،عقدت امالا ، و قدمت قلبي و جسدي و روحي لك قربانا
خاطرة هدية من بيبو بدر البدور ..