الفصل 2
الفصل الثاني
مشكلات من كل حدب وصوب تواجهني ، إستُنزفت كثيرا اليوم ، عدتُ لمنزلي متأخرا ، والدتي نائمة ، هدوء يعم المكان ، وهذا ما أحتاجه .
نلتُ حماما دافئا ، تمددت فوق سريري مسترخيا ، أريد المفاضلة بين أفكاري .. اليوم أصبحت عاطلا ..
يبدو أن وجه المدعوة فريدة ( وجه الخير ) .. كان نذيرا لكل خير رأيته في يومي .
مكالمة قلبت الطاولة فوق رأسي ، أوراق هامة سُربت من مكتبي فدفعت الثمن منصبي ، رئيسي لم يتقبل أعذار ، أو وعد بإيجاد الفاعل ، فخسارته آلآف الجنيهات لن يكررها ولو كان بالخطأ .
تنهيدة شقت صدري .. أي عمل سيقبل بي ، بل وأي منصب سأشغل ، عليّ البدء من جديد .
أمي لن تحتمل عناء البحث عن عمل فجُل ما جمعته من عملي على مدار سنوات جمدته في تلك الشقة وسيارتي .
الأرق والأفكار تلاحقني ، وتعددت السيناريوهات ، والطرد واحد.
*********
وصلتُ مطعمي المفضل بإنتظار قدوم صفية ، إنتبهت علي صوت أحدهم يجذب كرسي ويجلس فوقه .
" مرحبا يا فريدة "
هكذا بدون ألقاب يدعوني فريدة بلا إحترام
" من رفع التكليف بيننا سيد يونس "
" أنا ، الأحترام ليس بالألقاب "
" ربما بالاستئذان قبل الجلوس ، هل أنا في مواعدة معك ، هل بيننا لقاء عمل ، لا هذا ولا ذاك ، لماذا تمنح نفسك الحق في إقتحام طاولتي مجردا إياي من لقبي ، أنا لا أقبل التباسط مع الغرباء "
عيناه .. ربي .. مسحة الحزن العميقة المحتلة مقلتية جعلتني أبتلع باقي كلماتي و أستمع إليه
" أنا أعتذر ، لكن أنا بحاجة لمساعدتكِ ، لقد طُردت من عملي "
شعرتُ بالأسى لأجله ، لابد من أنه متزوج رغم خلو يده من أية خواتم ، و لديه أطفال يعولهم
" لقد علمت بطبيعة الحال ، فصلك عن عملك أصبح علكة الأقسام القانونية جميعها "
شعرتُ بضيقه
" سأطلب عصير ، ماذا تريد "
" قهوة "
أتى الناذل فقلت له
" إثنان قهوة "
إلتفت إليه لأردف
" مديري يثق بي تمام الثقة ، سأطلب منه ضمك اليّ ضمن فريقي القانوني ، أنت قامة لا يُستهان بها ، قد نستفيد منك في معرفة ثغرات شركتك السابقة "
" هل عملي مقابل وشايتي وفضح أسرار عملي السابق "
إستشرفني بطوله بعد أن وقف بحدة
" شكرا لمساعدتكِ .. فريدة "
ألقى أسمي مجردا على مسامعي متسببا في رفع ضغطي ، فأنا لا أتنازل عن الحدود التي تضعها الألقاب ضمنيا .
صادف خروجه دخول صفية التي إشتمت الدخان المنبعث من أذنيه فور مروره جوارها ، ووجدتني أنتظرها ففطنت أنني سبب إشتعاله
" ماذا فعلتِ له ! "
قصصتُ عليها ما جرى ، فاجئتني بردة فعلها ، شفاهها المنفرجة ، حاجباها المرفوعان ، أشعرتني أنني قمت بفعل فاضح.
" هل تعلمين قدر إسائتكِ له ، أنتِ لا تتوقفين عن إهانته ، هو رجل ، جاء يطلب مساعدتك وهذا كفيل بشعوره بالدونية ، ثم أتممتي الأمر بكلماتكِ .. ، لا أعلم سببا لإستمرار صداقتي بكِ للآن يا فريدة "
هل كنت مؤذية لهذه الدرجة ، حسنا ، لا أبالي
" لقد أقتحم عليّ المكان وكأنني السبب في طرده وليس إهماله ، أتعلمين ما فعله في مهنتنا أمرا لا يغتفر ، سوف أعينه علي مسؤليتي أمام رئيسي ، وهو يبخل عليّ بمعلومات عن شركته ، قد تفيد عملي في مناقصات وصفقات .. أنا ربة عمله الجديدة وعليه الاذعان لي "
" أنا حقا لا افهمكِ ، منذ متي وتبدل بكِ الحال لتلك الشخصية العملية التي لا تراعي مشاعر ولا تحسب للانسانية حساب ! "
" صفية لا تبدأي "
" بل ستبدأي أنتِ من الغد في إجراءات تعيين ذلك المسكين ، أنا لا أفهم في عملك ، أنا ربة منزل علي كل حال لن أضاهي قانونية محنكة مثلك ، لكن إنتبهي لقلبكِ يا فريدة ، لقد اغلقته بما يكفي بطريقة حدت من طباعكِ و أصبحتِ لا تطاقي "
" هو ليس مسكينا ، هو .. هو .."
تلعثمتُ في نطقها ، من هذا الذي قلب حال صديقتها لتدافع عنه ضدها ، من هو ليقتحم خلوتها !
يطلب عمل !
وهي -صفية - تطلب إنسانية !
أين كانت الإنسانية يوم أخرجوني من منزلي بلا رحمة ، ونُهبت حقوقي ، و لم يقف جواري أحد ...
عضضتُ شفتي ، قالت لي
" الناس أنواع يا فريدة ، ليسوا صورا متشابهة ، هناك من يأخذ وهناك من يعطي ، أبسطي يداكِ صديقتي كما بسط لكِ أحدهم يده بالمساعدة ، ربما تكوني أنتِ طوق نجاته "
***
أحمل عقدا يحتاج توقيعها ، جمعتُ أوراقا تحتاج مراجعتها ، طرقتُ بابها ، دلفتُ بعد أن أذنت لي .
تهز جسدها الذي يحتضنه كرسي دوار ، تغمض عيناها بتعب
" توقيعك "
فتحت عينيها ، وكعادة حيرتها ، أمسكت قلم و أفلتته لتمسك الآخر ، فسألتُ ببساطة
" لم التردد في كل مرة ؟ "
رفعت عيناها الواسعة لتتعلق بنظيرتها الضيقة خاصتي لتقول
" تأني "
" تردد سيدتي "
شعرتُ بإنتشائها من عودتي للألقاب من جديد ، راقبتُ إبتسامتها ، هل تملك أسنان تظهر عند إنفراجة الشفاة ومطها بما يسمى إبتسامة ، لقد نلت اليوم أقصى ما كنت أحلم به يوما ، مديرتي تبتسم .. وما أحلاها إبتسامتها ..
تركت القلم وناولتني الأوراق
" بل تأني يا يونس ، أنا كقانونية يتوجب علي التأني في كل شئ ، لا تحسب مفاضلتي بين الاقلام تردد ففي النهاية اتلذذ بالحسم ، ولا طلبي للعصير أو القهوة تردد ، بل مفاضلة وتأني لما يرجحه مزاجي .. ، لستُ مترددة بقدر ما أنا مزاجية متأنية "
قاطعتها وقد لاحظتُ نرجسيتها في الحديث عن نفسها
" متناقضة .. "
نلتُ إبتسامة أخرى في أقل من دقيقتين ، ربما لو هاجمتها أكتر نلت عناق ..
يا إلهي عناق من تلك المتعجرفة .. لا .. لا أريده و إن توقفت حياتي عليه .
" تقصد ذاك اليوم في المطعم .. لم أُناقض أفعالي في شئ "
" لقد طلبتي مني مدك بأسرار الشركة المفصول عنها "
هل أتباهى بفصلي أمامها ، يتوجب علي الشعور بالخزي .. جائني ردها
" لقد كنت أختبرك "
جاء وقتي لأضحك .. وفقط .. لم أعلق وأنا أغادر بهدوء الى أن وصلت مكتبي ، لأتذكر إتصالها بي بعد مقابلتها في المطعم بيومين ، تخبرني بموعد إستلامي العمل ، لأكون أحد القانونيين ضمن قسمها وتحت إدارتها ..
***
جلستُ أنا وهي ، وإحدى زميلاتي في القسم في إنتظار المدير ومعه ضيوف في عشاء عمل ، طلب منها الحضور مع أكفأ رجالها ، فكنت منهم .
سعيد بنيلي ثقتها ، لكني غاضب بعد أن إعتذرت الزميلة لتأخر رئيسهم عن موعده ، الى أن أصبحتُ بمفردي بصحبتها.
بدت مختلفة كما رأيتها بصحبة صديقتها من قبل ، بياض بشرتها يسطع تحت أضواء المكان المتناغمة ، عيناها يتخللها بريق مرح لم أعهده فقلت
" لقد تأخر "
" سأنتظر إتصاله ، او رسالة منه تنفي أو تؤكد حضوره قبل إنصرافي "
" أقصد تأخر الوقت .. ربما قلق عليكِ والديكِ .."
" متوفيان "
" زوجكِ ! "
" لست متزوجة "
كل إجاباتها بالنفي ، مع من تعيش إذا ، لا يعقل أنها ...
" أعيش بمفردي ، أعلم أن الامر صعب تخيله في مجتمعنا وسط أطماع العديدين ، إلا أني كسر لكل قاعدة .. كما تعلم لقد تجاوزت الثلاثين بعامين ، لم أتزوج أي أني عانس ، أعيش بمفردي ولا أخش كلام الناس ، وزد علي ذلك كرهي لكل من هو ذو رحم "
صُدمت حقا من جوابها ، لم أتوقع الإستفاضة في حياتها علي هذا النحو ، لا تبدو لي متفاخرة متباهية ، وإنما شعرت بمرارة غزت حلقها كغصة وإستحكمت.
" إذا لك أقارب ، لماذا كل هذا الكره ، يتمنى الكثير قريبا يشكو له همه "
" بل قل .. هم الهم "
هززتُ رأسي لا أفهم
" بحيلة صغيرة إستولى أقاربي على عقد شقتي التي كنت أقطنها بصحبة جدتي قبل وفاتها لينفوا ملكيتي لها ، فور موتها ، لقد كنت صغيرة لا أعي شيء .. ، واذا بابن خالتي يندس خلسة لغرفة جدتي فور موتها و قبل أن نقوم بدفنها وسرق عقد ملكيتي للمنزل .."
" لا يضرك طالما موثق "
" للاسف لم يكن موثق ، لقد كتبها لي جدي ليضمن حقي بعد أن ضمن حق ابنته الاخرى ( خالتي ) ، جدتي كانت بسيطة .. لم تخوّن ابنتها يوما ، وحمدا لله أنها ماتت قبل أن ترى هذا اليوم "
" وان كانت علي قيد الحياة "
" كانت لتموت "
" الحصيلة واحدة "
***
لأول مرة أتحدث الى أحدهم بهذا الشغف ، عينيه المهتمة ، وأذنيه المنصته جعلتني أسترسل بل وأضحك بعد دعابته الحزينة لأردف
" وقتها وقف جواري زوج صديقة لي .. لم يكن كذلك وقتها ، ربما هو من وجهني لدراسة الحقوق دون أن أدري ، كان أستاذي على كل حال "
" وهذا هو سبب قطعك لرحمك "
" ليسوا كذلك ، الرحم تراحم يا يونس ، لقد ألقوا بي في الشارع في اليوم التالي ، لم يتركوا لي الوقت لأحزن على جدتي ، لولا منزل صفيه وعناية والداها لي لم أكن أنا .. الآن "
"هل لكِ أقارب من جهة الأب "
تنهدت بتعب وهو يضغط على جرحي وأجبت
" عمي متزوج .. لديه أولاد .. ولم يورط نفسه في الأمر لأجلي .. لم يكن يسأل عني بعد وفاة والدىّ على أية حال .. هو حتى لا يعلم ما عانيته .. علم بموت جدتي مصادفة ولم يحرك ساكنا "
تهدج صوتي بألم إلتقطته عينيه فبدا مواسيا دون كلمات .. تؤازرني ، وتهدهدني ..
تنحنحت حين وصلت أفكاري الى هنا
" سأراسل مديري .. لقد تأخر الوقت فعلا "
لم يجبني - المدير - ..، بينما سار جواري - يونس - لننصرف سويا ، أغلق باب سيارتي مودعا لي ، وعاد الى سيارته لنغادر.