الفصل والأخيير 9
(٩)
ليس للعشق وصف أدق من اندماج الحورية مع البحر..
وذلك الذيل الذي يهبط خلفها ويشق الموج ثم ينساب داخله فلا تعرف كيف تفرقه، فالعشق!
العشق انصهار..
"سمر حمدان"
*****
في عوالم الفيزياء حيث التفسيرات و المسببات، تُعَرف طاقة «الوضع» بأنها طاقة يكتسبها جسم ما بسبب وقوعه تحت تأثير جاذبية.. والقوانين هذه اللحظة تُسَخر لها لتفسير أي حالة انشداه تلك التي تعيشها، كالعاطفة التي وجدتها داخلها رغم إنكارها لها فتدفقت في مجال جاذبيته المفرطة حد الهلاك!
جسدها بين ذراعيه، مُحكَم الطاعة والإجابة المتلهفة كانت خير دليل لأي تلميذة هي متخمة الخبرة بالهوى.
الهوى الذي جعلها تبدو كحجر نردٍ طَوعَه راميه ليفوز برهانه.
لقد نوى خطواته نحوها، بدءًا من هذه الليلة فخطى بخطوة لم يكن ليتجرأ أن يقطع مسافةً بعدها.. لذا ما إن وصلها كما أراد وخطط، توقف. فكان هو أول من قطع تواصلهما المحموم بسيطرة، مباعدًا بينهما مرغمًا يفصم التلاحم بما يسمح له بالنظر قاصدًا عينيها فسقط بصره عليهما وهو يجاهد رئتيه، وجدهما مشتعلتين بجذوة لا غرام فيها، متقدتين كحال كل ما فيها وكأنها توازن خساراتها ومكاسبها وما الذي أنفقته في لقاءٍ فوري غير متوقع كشف نفسها لها.. اختضاضها العنيف وفقدان توازنها سهل الانكشاف، العبرات تحتشد وتلتمع في عينيها على استحياء فلم تتنازل وتخفيهما أو تحرك نظراتها لغير وجهة.. كأنها تسأله..
تتعرف إليه..
تتحقق.. فيه ومنه..
تنفسها يتضخم وحاستها تستقبل تبدل الروائح عليها، والبصمات..
وأخيرًا تتشكل التجربة التي مرت وأعطتها موقعًا.. فتركز بوعيها وتضع الأشياء في أماكنها الصحيحة فلا تُقارن وتكتفي بهذا العناق لعنوان قادم لها وهنا احمرت عيناها بشكل أشد عن سابقها، وتعثرت أنفاسها فشهقت كمن أوشك الغرق بتخبط فأنقذها صوته:
-وسن..
لم تجبه فبدت لعينيه مرهقة وكأن ما حدث استنزفها فحثها على التجاوب مكرراً:
-وسن..
اكتفت بالصمت وجالت نظراتها حوله برعشة طفيفة، وجهه المنفعل، أنفاسه غير المستقرة في ظل واجهة مُسيطَر عليها بالقوة لا تشبه تناثرها لأشلاء في حضرة " قبلة".. فيعاود ملحاً:
-وسن..
نداؤه غاضب على نحوٍ يستحق، كان يائساً حين (أقبل) عليها و(قبّل) مستخدماً معها حوار (لا) تعرفه ويؤسفه إن (لم) تتعرف عليه.. فقد حدثها بلغة رجل يائس.. يتمسك بمرارة برهانه.
ازدادت رعشة البرد داخلها فهزت رأسها كأنها تسأله بلا صوت
(ما الذي حدث؟) ..
تُعْلمه بخلو وفاضها، تَعجز معه.. وتُعجزه، فكيف تغرق معه.. ولا تنقذها نفسها. أرسل إليها ضوءًا أخضر بدد شحوبها حين هتف بها بعد صمت ودراسة:
-كانت خطوة متأخرة جدًا أعرف ذلك.. ولو أنني علمت عنها لسرّعت في حضورها..
على حواف اللمسات بلا قرب جسدي حقيقي، لكن ما تفعله نظراته يقتحم أكثر..
أصابها عطب الاستجابة اللفظية، رغم أن كل ما فيها صالح وكأن عقلها يستنكر، فجرب أخيرًا معها بجرأة شلتها:
-لا تقاومي لهفتك المحمومة أبدًا بل حرريها واسمحي لها بالتجربة معي.. اخترقي حدود نفسك واخرجي بها.
تعبير وقح ليس أوقح بالطبع مما فعلته قبل لحظات، جعلها تبدي ردة فعل متوقعة فغطت على توقها المكشوف وأشارت لنفسها متسائلة:
-تقصد أنني محمومة؟
زمت شفتيها وأغمضت عينيها لجزء من ثانية تتمنى لو كانت على قدر عال من القوة الخارقة لتغلق أذنيها أيضاً، ضحك يبلل شفتيه المختومتين بمذاقها الأول له ككل الأشياء، يرمق عينيها الساهمتين ووجهها المستباح بنظرها فصحح لها:
-إمم.. أنت بين وبين..
حاولت الانتفاض ودعامة قربه ثبتتها، فشهقت مرتاعة وسألت ببوادر هلع تستفهم منه ومن بلادته تجاه ما حدث:
-كيف؟
وكأنه الوقت المناسب جدًا للدفاع عن عواطفها الطبيعية، قلص المسافة للا شيء وصحح لها فهمها الخاطئ:
- كونك امرأة ناضجة بما يكفي، تعلمين جيدًا أن لهفتنا الطبيعية كزوجين ليست بشيء مريع حد الاستنكار!
تفرس التسليم الذي تنضح به عيناها بانهزام فتابع بقوة وأنفاسه تلطمها فتنحصر بذاكرة ما حدث.. ولا تهتم بتفسير ما جرى:
- ما حدث كان متوقعاً من اللحظة التي بتنا فيها وحدنا.. أشياء من قبيل الانجذاب الملحوظ.. كأسس أولية لحياة قادمة ولها من القدسية والروعة ما يجعلك أن تَكُفّي على حرصك بعدم ظهورها.
رمشت أهدابها نحوه بتتابع. لم يكن يلمسها الآن، لكن عيناه تفعل، بشكل أقوى من الضمة التي حطمت بها حدودها.. فهمست بمشقة تقر بالحقيقة:
-أعلم ذلك..
تحت سطوة عينيه لا فكاك.. أخذ عون نفسًا بطيئاً أطلقه ببطء جداً حين قال:
-والأساس الأول لعلاقتنا قد تأخر كما أظن.. ككل الأشياء التي حدثت لنا بلا إرادة.
لم تتجاوز ما تفوه به ولم تفهمه بالطبع فأجّلته حتى تكشفه أكثر فقد كان متلاعباً بقدر توجسها وخوفها من نفسها. مالت برأسها تزدرد لعابها وتسأل:
-مثل ماذا؟
مترقبة.. تنتظر وتخشى فسهل عليها وعيناه تومضان بشقاوة..
-أعتقد أنني لم أقم باحتضانك كما يجب حتى هذه اللحظة! ألا تدركين ذلك؟
كان على حدود القرب فرمت بجزعها، ضحكت له بخجل لم تعرفه عيناها وقالت بجرأة:
-نحن متعانقين الآن فعلاً!
تحرك قلبه بثقل خفقاته التي انسابت مع صوتها وطريقة ما نطقت به، فبرر سريعاً:
-تجربة العناق لا تشبه أيًا مما سبق.. حتى وأنتِ هنا.
أشار بكفه نحو صدره بما يثبت سياق الحدث.. ولم تفكر ولو لحظة.. قصد المعنى بأبعاده.. حركتها مقيدة بالفعل
فترددت في ضحكتها بشكل غير مقصود ذكّره بترددها كامرأة بكل ما تحمل من عقد ومخاوف.. فتشجعت لأجلهما تكسر حواجز نفسها وأخبرته بمزاح:
-يبدو أنني بصدد مغامرة لا مثيل لها..
كل ما يخصها ويتعلق بها يندرج تحت الاشتهاء المُلوّع، حتى وهي زوجته.. وله.. حقه.. ومعه.. لم تتجاوز خانة الأمنيات والأحلام بالنسبة إليه.. فأكد لها بثقة:
-ولن ترتقي أي مغامرة مهما كانت أن تصل حتى أدنى حدودها.
ومعه لا خطوات محسوبة، يرتجل بشكل يشتتها عن أي مستقيم تخطو به، بلا مقدمات وجدت نفسها مضمومة إليه، مشدودة نحوه، مسحوبة أنفاسها بالكلية يختلج قلبها وينبض رأسها بألف فكرة، وذراعاه تشكلان سياجاً حولها يحميها من نفسه ومخاوفها، والدنيا كلها فتنزلق عبراتها وهي معه بضعف.. وتعب طويل.. طويل مس مواطئ الروح تقاسماه في احتضان.. فيهمس لها بعد طول انتظار يخبرها:
-واللهِ لن تضرك دنيا وفي قلبي نفس يا وسن.
**
تلك الليلة أعقبت عن أشياء كثيرة في نفسها، المزاعم تثبتها التجربة، فكل ما كانت تشنه وتخطط له في نفسها، مع كثير من الحوارات التي جهزتها بددتها تجربة قرب أثبتت لها أن التعاطي مع الواقع مختلف تماماً عما يدور في الخيال.. فتطبيق المخاوف المبددة لا علاقة له بالمشاعر التي تغني بها على الدوام، بل عليها الفصل جيدًا وترك نفسها لما تريده وتحتاجه! فالأمور مُناطة بالحاجات أكثر.. التي عليها أن تعترف بها.
**
كل ليلة هناك تماس عاطفي باتت معتادة عليه، وكم مكثف من العناقات الدافئة التي لم يعرفها قلبها البارد.. وكأن العناق طريقة للتواصل.. للإحساس بالآخر..
لذا لا يحرمها منه فيعرف كم تحتاج رفقاً.. تقبلاً.. ودعمًا.. لا يخلو من مناورات عبثية تنتهي بها على وشك الاستسلام بالكلية، لكنه لا يكمل ما بدأ ولا يعرف اللعب بنزاهة.. وهي لن تبادر مطلقاً.. لن تفعل.. فقد بادرت حتى أكل الحماس قلبها قبلاً مع خالد، وتنتهي لياليهما بيأس واضح منه ينتهي بـ
(ليلة طيبة)
***
(إن أشهى ما في الحب، تفاصيله)..
تمهلت وسن في تمشيط خصلاتها وهي تدقق في بقعة وهمية تنعكس على المرآة، فتجتذبها حقيقة أقوى تخصها فتعاين هيئتها بكل ثقة فتكتشف أي نظرة معززة بالمكانة هي التي تقابلها.
توقف المشط تحت ذقنها وهي تستشعر الفجوات النفسية داخلها كيف تلتئم بوحدة زمنية تنتمي للخوارق.. بل الترتيب الوقتي هنا يثير العجب.
حركت رأسها واستأنفت التمشيط فأوقفها أزيز هاتفها الذي يعلن رنيناً خاصاً يقلق الأنثى داخلها، لكنه ذلك القلق المُسْتَحب الآتي على نحو من اللذة (يرضيها) وتنتظره.
عاجلته سريعاً متذمرة:
- يا إلهي! كنت سأهاتفك لولا أنك سبقتني.
-ما الذي كان يمنعك لتبادري وتفاجئينني؟
تتعطل كل وظائفها التنفسية والعقلية معه.. لذا التهمت طرف شفتها وهي تبرر:
- في الواقع كنت أمشط شعري فتأخرت عنك.
ندى عن صوته نبرة باتت تألفها معه، جعلتها تتخيل نظراته كيف تكون اللحظة حين سأل:
-ألا تملكين تبريراً محبطاً أكثر من ذلك؟
مالت شفتاها ببؤس:
-نفسي تؤنبني أساساً، فلا تفعل أنت وتزيدها عليّ.
أجابها سريعاً:
-أنا ونفسك نتفق عليك؟! أنتِ تجرمين بحقنا!
المشكلة أنها ناضجة.. ناضجة كي تعرف وتفهم كل مغازيه الملتوية، فهي ليست ببتول القلب.. بل لها باع طويل جعلها أكثر خبرة لتدرك كل الأشياء..
-عليك أن تحتمل.. لم يكن ذنبي أنني بدأت أستعيد نسختي القديمة معك!..
قهقه برضاً هذه المرة وأخبرها:
-أتمنى.. إصدارك القديم أحب التعامل معه.. نعم بخلاف الحالي فبكل أسف.. لا أفضله.
توسع فمها وغامت عيناها بحنينها واختارت الصمت معه، تنهد مستغلًا حالتها وفتح موضوعاً آخر:
-ما هي نشاطاتك لهذا الصباح؟
عاودت سحب المشط في شعرها وأضافت بغير اكتراث:
-لا شيء مهم حتى الآن.
أخبرها من بين الزحام وضجيج الطلبة فعرفت أنه في طريقه للكلية ومحاضرته على وشك البدء..
-جيد جداً جدولك متاح اليوم..
ثم أضاف سريعاً بجدية:
-متى ستهبطين لوالدتي؟
حدقت بغير تركيز ورفعت فمها كأنه يناظرها تجيب:
-لا أعلم.. ربما بعد قليل.
فتح بابًا سمعت صوته وهو يخبرها:
-حسنًا.. لا تتأخري عليها.
همست له متعاونة:
-لن أفعل..
-هل تريدين شيئاً ما؟
ردت عليه بصدق:
-أن تكون سالماً فقط.
شعرت بنفسه المكتوم الذي ختم به حديثهما
-انتبهي لنفسك..
تبسمت تقول:
-سأفعل..
-سلام.
-سلام.
عادت للمرآة بملامح مسترخية، وشعور الراحة يتبسط بين خلجاتها فتشعر بنوع من السلام الذي يسود علاقتهما، والمقارنة رغماً عن أنفها تفرض نفسها، حتى فترة ليست ببعيدة حين كانت تنهي أي محادثة تجمعها بخالد تكون مضطرة بداعي الحب.. مدفوعة بعاطفته أن تذكر له ألف جملة حب وعشق.. وإن نفذ مخزونها تبتكر والآن تشعر أنها غير ملزمة بأي ضغط يجثم فوق مشاعرها.. بل تشعر أنها صادقة.. خفيفة.. خفيفة بشكل لا يصدق.
تذكرت اللئيم خالد وما كان يفعله، فزفرت باختناق تنكس رأسها وكفاها يحاوطانه فتتنمى لو تنجو من نفسها ومن كل ما سبق.
من قال أنها تعافت من خالد بالكلية؟
خالد ليس مرحلة ولا حتى فترة ستتجاوزها بطرفة عين ما أن تخبر نفسها بذلك.
بل سيكون موجودًا كختم وجع علّم عليها بأبشع الوسائل وأحلك ظروفها.. وإن تم استئصاله، فأثره سيبقى خالداً ولن يمر.. لكنها ستحرص جيدًا ألا تعبر من فوقه أو تلمسه تحت أي موجة حنين.
رفعت رأسها وحاولت تنظيم نفسها السريع، عادت لما تفعله وعقصت خصلاتها ثم تذكرت أمراً هاماً.. صالون حماتها سيعج الآن بالصديقات والجارات
-عليّ أن أبدل شكل شعري.
همهمت لنفسها بتأكيد، ثم ضبطت هيئته بشكل أنيق، دلكت بأنامل سريعة وجهها ورطبته، وأعدت نفسها جيدًا وقبل أن تهبط هاتفتها "ميسم" تخبرها
(اهبطي إلينا.. هناك جلسة ممتعة)
هبطت بالفعل وهناك وجدت جلسة مكتظة بالجارات كالمعتاد، حيتهن بهدوء فطلبت حماتها منها..
(تعالي جانبي)
أفسحت لها مكاناً فترددت للحظة ثم استقامت عن كرسيها الذي تختاره بعناية بمواصفات (الانزواء والبعد)
ثم اقتربت من آمنة وجلست قربها مستمتعة بصخب الأحاديث وإن لم تشترك، الأهم أنها تشارك.
**
دقائق وقد جاءت موج بصخبها المعتاد بطفلي وسن اللذين يثيران الجلبة أكثر منها شخصيًا.
-أين والدتي؟
يهتفان بها فور دخولهما، لكنهما لاحظا وجود أناس فخففا حجم تهورهما وموج تنبههما:
-هشش هناك نسوة في الصالون.. وسن في المطبخ هيا اذهبا إليها..
لبيا سريعاً وركض كلاً منهما لوسن التي كانت في المطبخ تشارك ميسم التجهيزات، فطوقتهما وقبلتهما..
-نحن أتينا..
التمعت عيناها برؤيتهما اليومية:
-سأضع لكما بسبوسة وعصير.. اجلسا قرب الطاولة ريثما آتي..
رد غيث بعينين تلتهمان الأطباق المرصوصة في الصينية الفارغة من حلواه المفضلة
-ألا توجد كيكة تركية؟
أجابته موج التي دخلت وهي ترمي بحجابها على الطاولة:
-لا.. لن نأكل الكيكة حتى تقوم بالتحليل والتركيب الصحيح.
أمر موج صارم وقاطع لا جدل فيه إضافة إلى أن عدي وغيث يخشيانها بقدر حبهما لها.. عدا أنهما يحسبان لها حساباً أكثر من والدتهما..
تذمر غيث يرفع ذراعيه شاكيا:
-لقد حصلت على علامة كاملة في الرياضيات..
هزت كتفها تعانده:
-وإن كان.. ستقوم بالتحليل أمامي وأرى النتيجة.
نفخ الصغير بقلة حيلة وبرطم بخفوت فتدخلت ميسم متسائلة باستهجان:
-هل ستقومين بتدريسهما والنساء هنا!
أومأت موج بثقة فصفقت ميسم كفيها:
-أول مرة أسمع بهذا النهج..
مطت موج شفتيها وضحكت ضحكة سرعان ما انحسرت حين التقت بوجه وسن:
-لا يهمني رأيك.. المهم تأتي معي بنتيجة.. والطفلان متقدمان.. أنا أستطيع تكييفهما وفق أي ظرف.
تهكمت ميسم وهي تؤشر لوسن أن تخرج وتترك هذه المخبولة:
-ممكن الطريقة من فضلك؟
جلست موج على الكرسي وطلبت من الصغير فتح كراسته وردت بغير اكتراث..
-حصرية بي.
-عشنا والله لنرى موج هكذا..
تجاهلتها موج التي التفتت للصغير تزجره وهي تراقب عينيه في أي اتجاه ذهبتا:
-أخرج البسبوسة من عقلك وحلل المقاطع هذه.. لا حلوى قبل أن تحل هذه.. هيّا افعل.
ثم أشارت لعدي الذي تململ وهو يفتح كتاب اللغة الإنجليزية فأجفلته وهو يتصفح بلا اهتمام.
-وأنت الثاني هيا قم بحفظ المعاني ريثما أنهي مع أخيك.
كانت غافلة عن وسن التي وقفت تراقبها من خلف الباب الموارب، وداخلها يفيض بالامتنان والحب لموج.. موج التي تأتي لوالدتها كل يوم برفقة عدي وغيث بدءًا من ثاني أيام زواجها، متابعة روتينها السابق دون أن يؤثر وضع وسن عليها رغم مخاصمتها لها، وبذلك توفر لها تواجد طفليها في محيطها فلا تحرمها من رؤيتهما حتى أن عدي وغيث لم يحسا ببعدها.. باستثناء لحظات انتهاء زيارتهم، يغادرانها وهم يستفهمان.
بكلمات غير منطوقة:
(ألن تأتِ معنا؟!)
(ألا يمكن أن نبقى أكثر؟!)
ولا إجابة منها سوى أنها تحيا على الانتظار.. وعلى قيد الأمل ببقائهما في أحضانها.. فتهمس لهما
(غدًا نلتقي)
فيغادرانها ويخصانها بنظرة عن ألف وجع وافتقاد، فيسعى علي بكل مراعاته واهتمامه أن يلهيهما.. وبالفعل ينجح.
-ادخلي ست وسن بدلاً من التلصص عليّ.
دخلت وسن كمذنبة وتحركت صوب الطاولة تشاهد دراسة طفليها عن كثب، عدي متفوق بارع في دراسته ولا يحتاج للكثير بعكس غيث الذي ورث جيناتها المتعلقة بالذكاء كلها.. توقفت عند موج المنهمكة مع غيث وأوقفتها
-شكراً موج.. ألف شكر يعجز عن إيفائك حقك.
التفتت لها موج بغير رضا:
-أنا أفعل خيرًا أقصده في سبيل الله.
ازدردت وسن لعابها وظلت على هيئتها فعاودت الهمس بصوت بدا ثابتاً بشكل جبّار:
-أنت تستحقين شكري بجميع الأحوال.
ومن ثم انسحبت تعاود الجلوس في الصالة محاولة استعادة توازنها.. ودأب بها الحال حتى نهض الجميع وأبلغت ميسم أطفالها أن يأتوا فانضم غيث وعدي للهرج السائد، مطمئنة وفَرِحة فطفليها قربها وهذا ما يهم نهارهما هنا برفقتها.. ولياليها معهما إن زارت أهلها.
-هل نبدأ في تحضير الغداء؟
سألت وسن حماتها وهي تحاول طرد الشحنات المفروضة على إثر جلوس موج معهن.
-متى قال عون أنه سيأتي؟
تحمست وسن على ذكره وقالت:
-اليوم امتحان مادته.. سيكون موعده بغضون الساعة الثانية بعد الظهر قد انتهى..
صمتت حين لاحظت انتباههن فتلعثمت وهي تضيف:
-لقد أخبرني أنه سيستلم الأوراق ويخرج من فوره.
ثم أشارت لميسم:
-كي يجالس ميسم قبل رحيلها.
تبسمت ميسم:
-حبيبي الحنون..
هزت آمنة رأسها ولم تعقب.. التفتت لميسم وغمغمت لها:
-ابدئي يا ميسم من الآن .
نهضت ميسم وتبعتها وسن، عاينتا الأغراض المجهزة التي تفردها والدتها في زاوية المطبخ استعدادًا للطهو..
-منسف!
وافقتها ميسم:
-كما نرى أجل .. هيا بنا.
تولت ميسم أمر اللحمة المسلوقة مسبقًا في قدر جاهزة للطهو، وأشعلت قابس الغاز أسفلها.
-سأطهو الأرز..
أومأت لها وسن التي بدأت بسكب محتويات اللبن إلى وعاء لتحريكه وتجهيزه.. وجهت كف وسن المعلقة بحلقات مستمرة، ركز ذهنها مع حركة أناملها الدؤوب في دوران مفرغ فشردت قليلاً وتباطأ عملها وهي تنسحب بعيدًا منسلخة عن المحيطين كعادتها وتفكر في وضعها.
نبهتها ميسم التي لاحظت شرودها
-إحم.. من الذي يشغل بالك؟
أجفلتها ميسم بالفعل فكادت يدها تسقط في قدر اللبن :
-ها!
ضحكت ميسم تغيظ موج المشتعلة التي انخرطت في تنظيف حلل البقدونس والجرجير:
-لا مانع لدي أبداً أن تشردي في عون.. لكن الآن أنت تحركين اللبن وسن.. إياكِ أن تفرط حبيباته..
شدت وسن حركتها في التقليب وهي تؤكد لها بتركيز مشوش:
-لا تقلقي.. ذهني معه كاملاً..
ناوشتها ميسم وهي تضربها بكتفها:
-أخبرتك أنني لا أمانع في غياب ذهنك مع عون.. أحب ما على قلبي.. لكن إلا الطعام.. إياكِ..
مطت ميسم آخر حديثها، فتكلفت وسن
في التجاوب مع مزاحها ومحاولتها تلطيف الأجواء..
فموج تعاملها كضرة!
تُتمتم وتزفر كل حين.. وتلقي النظرات الزاجرة في وجهها كأنها سرقت زوجها!
بل حتى اللحظة لم ترفع حظر المواقع الاجتماعية عنها!
ولم تكف عن ترديد منشورات الخذلان والخيبة.. الناس عليها ضدها..
وإن جاء عمها لمشاهدة المباريات مع عون في شقتهما، لا تأتي معه.
فالخصام مفروض على طرفي الخيانة
(وسن وعون)
رمقتها بنظرة حذرة فوجدتها تتحدث على الهاتف.. ألقت ميسم عليها نظرة حنون وأخبرتها بدعم:
-اتركيها لفترة.. ستأتي وتطلب سماحك كأن شيئاً لم يحدث.
خفت صوتها أكثر وهي تضيف:
-أعتقد أن هناك ما يزعجها غير زواج عون.. فحتى علي وضعه متكدر ومزاجه نزق.
ضحكت وسن لها:
-عمي هكذا مزاجه دائمًا..
زمت ميسم شفتيها وحركتهما تؤكد لها:
-في الواقع أجل.. لكن حالته متفاقمة هذه الفترة.
أخفت ضحكتها في كتف وسن حين مالت عليها:
-والفضل لأختي.
أفضت لميسم الكثير فجلسات المطبخ تسحب اعترافات الكون بأكمله.. استندت وسن على حافة الرخام ومالت برأسها للخلف متنهدة ومعترفة بصدق:
-أتعرفين.. كلي شوق لعودة عون!
-الله! وماذا بعد؟
فتحت عينيها على وسعهما ورفعت رأسها متنحنحة بعد أن عدلت جسدها:
- دعي خيالك في حدود الأدب لطفًا..
تهكمت ميسم:
-أنا لم أفعل شيئاً.. أقوالك التي تفعل.
الفضول التهم موج سريعًا فانشدت لحديث وسن التي صححت لميسم كمن يفشي سرّا خطيرًا:
-أنا أصحح الاختبارات مع عون.
وضحكت أكثر حين لم تلق التجاوب من ميسم:
-عون يجعلني أساعده في تصحيح اختباراته للطلبة يعطيني أنموذج الإجابة الصحيحة لأسئلة الاختيار من متعدد وأقوم بمساعدته.
أطرقت في خجل لذكر لحظات التصحيح ومزاحهما غير المنتهي حيث تعود لتلميذة مشاغبة معه فأُلفته بين عينيه.. في مبسمه قبل همسه .
طردت أفكارها وأكملت.
-ومنذ أسبوع تقريبًا وأنا أساعده.. نقضي الوقت في التصحيح واللعب.
تيبست بسمة الخيبة على وجه ميسم ولم تكن موج أفضل حال منها.. تداركت ميسم نفسها ونطقت:
-حقًا؟ هكذا تقضون لياليكما؟
فهمت وسن سريعًا ما تقصده ميسم فحاولت رتق خراقتها الواضحة وقالت بتقطع:
-بالطبع لا.. بل نخرج في مشاوير ليلية لمطاعم ومقاهٍ وهكذا يعني.. أنت لا تعلمين كم أن عون شريك ممتع لا تشعرين بالملل معه أبدًا.
زفرت موج ولوت شفتيها بغير رضا.. لمَ تعشمت لا تدري.. وما الذي كانت تتوقعه حياة يحفها الغرام من كل صوب يحفل بها أخيها!!
وسن ستكون مثل عمها..
هذه العائلة تصيب المرء بجلطة القلب المغرم بها.. والشيخوخة المبكرة في عز الشباب.. والانطفاء ..
ولبؤس حظ شقيقها أن تورط معهم.
أخيرًا وجدت ميسم صوتها بعد صمت..
-التصحيح وسيلة ممتعة للترفيه عنك.. أنا أستمتع به بشدة مع تلاميذي.
وافقتها وسن وأخبرتها:
-هل تعلمين أنني أنفث فيه كل طاقتي السلبية؟ هذه الأشياء البسيطة تفرغ غضبي كله والله.
شاركتها ميسم الرأي وأثنت على طريقتها حتى نضج طعامهما.. وبات جاهزًا مع صوت عون الذي دخل، خرجت له سريعًا فأوقفتها ميسم ونبهتها لحالتها.
-إياكِ أن تخرجي لزوجك بهكذا منظر.
تقبلت الملاحظة بهدوء وعدلت من وضع شعرها فقط وخرجت له.. يستقبلها ببسمة دافئة ووجه مرتاح كأنه حط بثقل عمره وهمّه في وجهها.. تحييه بضحكة متعاونة تلخص فيها حالها معه:
-سلام..
والسلام لقلبها.. كم تصنع فيه سلامًا..
-سلام..
جالت نظراته بحثاً عن والدته فتبرعت تجيبه:
-أعتقد أنها ما زالت تتوضأ..
استسلمت ذراعه لكفها الرقيقة التي تأخذ حقيبته فتخبره:
-لم تتأخر اليوم..
أجاب وهو يمسد بين حاجبيه:
-كان الطريق سالكاً.
-جيد جدًا.. يوماً ما سأزور الجامعة معك وأرى كل شبر فيها.
-احلمي
تخصرت له:
-بالطبع لا تريد مني التعرف على محيطك ودراسته..
ضيق عينيه وأخبرها:
-في الواقع أجل.. أشياء من قبيل هذا..
توعدت له عيناها وفمها:
-وأنا سأكتشف كل شيء بطريقتي.
اقترب يرفع معطفه للحامل فأصبح قريباً منها:
-بدافع ماذا هذا الاستكشاف!
الإجابة دبلوماسية متزنة:
-يُقال أنك زوجي!
خفقة تنشز عن المستقيم وهو يراقصها بموجة غرق ولا يأبه بالخطر الذي يشنه ضدها
-إمم.. أقوال سأتحقق من صحتها لاحقًا.. وأنت الكفيلة بها
تحدته بعنجهية وهي ترفع رأسها وتشمخ به، فتغدو التلميذة التي اُبتلي بها تتحداه وتخبره بفشله كمدرس بل حين يستفزها لصالحها تتحداه بأنها ستنجح وتحاول قلب الدنيا فوق رأسه..
-مضمونة أنا لا تحاول معي.
أخبرها قبل أن يبتعد عنها:
-لا هذا القدر من الانطلاق يكفيني لليوم.. بل لا أتوقع المزيد منه.
استفهامها وإدراكها وأهدابها المسدلة.. كلها أشياء لا تساعد، واحمرارها المتأخر جعل منها أنثى أكثر لذة.. معززة للشهية أكثر من رائحة القهوة التي تغلي على الغاز وهيلها فواح.
-هل جددت أمي القهوة؟
أومأت له
-أجل قبل أن تأت بقليل.
طالت وقفتهما.. يهيأ له؟ فنون ميسم تطغى على الجو وعلى ذكرها سأل:
-هل هبطتِ اليوم باكرًا؟
أخبرته وهي تشكره لفض الانفصال الحميمي الذي انعزلا به.
-نعم.. كان هناك نسوة لدى خالتي.
تبسطت ملامحه وهي تقص عليه موقف بسيط عن إحداهن
-إحدى صديقات والدتك عرفتني على الفور.. كما أنها باركت لي الزواج وأخبرتني أنها سعيدة لنا..
ضاعت في خجل مستحب وهي تكمل:
-حتى أنها قالت..
توقفت وخفت صوتها فحثها بشغب:
-ماذا قالت..
لم يبدو أنها ستترفق في لهفته الواضحة وترقبه لمعرفة ما أخبرتها به جارتها.. فرفعت رأسها له بملامح مستبشرة:
-أقوال نساء هذه لا تخصك لذا لن أقول لك.. هيا اصعد للشقة وبدل ملابسك لنجهز الطعام..
-ستقولين
-لن أفعل
-وسن
هربت منه للمطبخ فاستسلم منصاعاً لها بعدما سلم على شقيقته وأمه.. ارتقى سلالم شقته وهو يعيد على نفسه مقاطع حديثهما..
(التواصل البصري بات بشكل أقوى)
(لا صمت قبل الحديث.. ولا أثناء الحديث ثم استئناف)
(لا توتر.. لا لعثمة.. لا تلاعب بالأنامل)
(هناك أحاديث.. لا حديث)
(وانفتاح مُبشر عقب انغلاق ميؤوس منه)
(وسعي لإنجاح ما بينهما)
وعند الأخيرة تنهد، فتح باب شقته وهو يريح نفسه، من البداية لم يكن من الصعب عليه ملاحظة انغلاقها الاجتماعي.. تهربها من أية لقاءات.. حجزها مكاناً منزوياً لا يفكر فيه أحد، لعثمتها كما اللجوء إليه في أبسط المواقف.. حتى زجها للمواجهة شيئاً فشيئاً.. مثل أن يصر على اجتماعها بوالدته التي ستعتبر مدرسة بالنسبة لها..
خلع حذاءه من فوره وتحرك للحمام بعدما خلع ملابسه واستقر أسفل الماء.. متذكراً سياساته معها بتكوين صحبة ممتدة بدءاً بنسوة الحي حتى بناتهن، ومشاركتهن الزيارات.. لم ينس أبداً حين أخبرته بضحكة غير مصدقة
(حالتي على هذا البرنامج بات يشاهدها أكثر من ثلاثون شخص)
ومرة حين تحججت له بكرهها الاجتماعات
(لم أصنع علاقة مع جارة ولو لمرة)
ومع أنه لا يحب الاجتماعات الصباحية وكثرة المشاركة فيها، إلا أنه لحظ فيها التقدم المطلوب.. وبكل أسف (الاستجابة الملهوفة) ككل ما يصدر عنها ويوضح أي نقصٍ داخلها.. فيتعجب كيف لامرأة مثلها أن تكون بكل العز، مرفهة ومعتزة بنفسها من عائلة قوية، أن تبدو بكل هذا الذل والخشوع.
تمتم لنفسه عقبما أنهى استحمامه وتوجه للوضوء..
-أذل الله الهوى الذي رماكِ به يا وسن.. ما كان حباً يا حبيبتي بل كان مرضاً.
**
ما لا يأتي به الحب.. يكفله الاحترام، وهذا ما يبرع فيه أهل هذا المنزل.. في الواقع لم يحبوها بل مؤكد هم لا يفعلون لكنهم يوفرون لها التقدير الكافي الذي يعززها.. منذ اللحظة التي دخلت بها المنزل، حظيت لأول مرة بقيمة حقيقية لها بعد زوال.. فهذه العائلة تجيد احترام الأنثى بكل الوسائل، وهذا ما تشعره حيال عون.. لا حب، لكن التقدير يكفي.
انتهت سهرتهما وغادرت ميسم فصعدا للشقة هو يسبقها وتتبعه كالعادة بتلكؤ لم يكن حاضرًا الليلة، ما إن دخلت حتى ركضت لغرفتهما والتقطت حقيبته المرمية على الأريكة الكبيرة، وصلتها تتربع فوقها وأناملها تعمل على فتحها فتسأل بإلحاح:
-هل جلبت أوراق الاختبارات معك؟
تحركت حنجرته ببطء وأنامله تمس قصبة حلقه فيجيبها بتشنج:
-أجل.
مدفوعة بتغيير حال صوته رفعت له عيناها وتتبعت حركته، ازدردت لعابها تحدق بطول تمعن كأن ما رأته أفتنهابطريقة لا تفهمها، فسألته بقلق :
-هل أنت بخير؟ هل أصابك برد؟
نفى وفي عينيه ما ينفي (نفيه) ويعطي جملة مثبتة غير منطوقة:
(أصبتني أنت.. ولم يفعل سواكِ)
تنفس بثقل وهو يرمقها أمامه تسطو عليه.. على ممتلكاته وأصوله!
تتعرف.. تستكشف.. وأريحيتها معه تثير الاستفهام قبل العجب بشكل هي لا تتدركه.. فرد بتحشرج:
-لا.. صوتي متعب من التدريس!
ضحكت بنصر وأناملها تقبض على حزم الاختبارات:
-ها هم!
قفزت برشاقة لا تمت لعمرها بصلة وتوقفت أمامه تخبره
- سأبدل ثيابي وأصنع لنا مشروباً دافئاً وسنبدأ التصحيح.. لن أتأخر عليك..
اختفت في الحمام دقائق وخرجت بمنامة لا تقرب للأنوثة بصلة.. أو بالأصح هي أقل من مستوى العشم المطلوب لمحروم مثله.. توقفت عن الباب ترتعش أطرافها، فحركت شعرها خلف أذنيها..
-ماذا ستشرب؟
تأفف بنزق ونحى الحقيبة التي ثبتها فوق ركبتيه لإخراج متعلقاته..
-لا تصحيح اليوم .
قطبت جبينها وتقدمت منه مستفهمة حتى جاورته:
-لماذا؟
أجاب بزفرة وهيئته تستلف (وجه) علي.. و(عقل) علي.. و(نزق) علي فلا ضير أن يستخدمهم اليوم.
-لا شيء.. كل ما في الأمر أنني لا أود أن أصحح..
تمسكنت وأقرت بملاحظتها السابقة:
-قلت لك أنك غير طبيعي.. هل أنت مريض أو متعب؟
كادت ترفع كفها لجبينه تقيس حرارته فاستدرك اللمسة وأفشل مسعاها..
-أنا بخير.. اصنعي لي ما كنت تنوينه.
-أشعر أنك لست بخير.. وهذا لا يساعد.
كاد أن ينفجر في وجهها فأخبرها بتحامل ومشقة:
-جيد أنك تشعرين.. أنا بخير فاشعري بذلك أيضًا وهيا لنتساعد في الأوراق.
ضحكت له ونهضت من جلستها قربه تخبره:
-أنا أتسلى بالتصحيح معك.. لنكسر حواجز الملل فلا شيء سنفعله وليل الشتاء طويل كما تعلم.
كز على أسنانه وهو يؤكد:
-أجل.. أجل لا شيء سنفعله بالطبع فلنشغل أنفسنا كل ليلة بالأوراق والبلايستيشن.
هزت رأسها تدعي الغباء والبراءة وانسحبت تقي نفسها من أي هجوم خسارتها فيه كاسحة، دخلت المطبخ تهدئ روع نبضات قلبها وترطب حرارة وجهها
-ما كل هذا الترقب المخزي منك وسن.. أنت مقززة أقسم بالله.
نفخت تضم شفتيها وتطلق نفسا لاهبا:
-هل أبدو له كامرأة جائعة للعواطف والقرب.
رفعت خصلاتها وبررت لنفسها بصوت مسموع
-هو السبب يشعرني أنني ما انقطعت عنه يوما.. حتى أنا أشعر بذات الشيء..
دارت حدقتاها بحركة مفرغة سريعة. فصرت على كفها بقوة:
-أنا أحيا جنوني معه بكل راحة.. وليتني أغضب أو أشعر بالسخط سوى من نفسي.
تلاهت عن حديث نفسها وحربها وشرعت بصنع القهوة حاولت ضبطها بأفضل ما لديها من خبرة، ودخلت عليه بعد وقت تحمل كؤوساً زجاجية ضخمة نسبياً لشراهة كليهما لها.. وضعتها على الطاولة وجاورته سريعاً، ثبت بصره الذي تابع دخولها، وتقبل اندفاعها في الجلوس، تحسس وجودها قربه ساكنة ونفاذ صبره لا يختلف عليه اثنان فاقترحت بهدوء وهي تميل برأسها وتمده أسفل مستوى بصره:
-ما رأيك أن نتمشى ككل ليلة.. الجو مستقر لا أمطار..
تحركت سبابتها حيث النوافذ الخالية من المطر.. فعلق مسرعاً:
-احتمالية القحيط لصباح الغد مرتفعة!
تراجعت محبطة وهي تهمل الاقتراح وتتراجع للخلف تؤيده بلا رضا:
- لا مشكلة أساساً لا داع للمشي.. ها نحن معززون ببيتنا قرب المدفأة.. أليس كذلك؟
دارت للمدفأة وكورت أناملها نحوها ببرد مضاعف.. واعترفت بغير تفكير:
-أنت السبب.. بت أحب المشي بسببك.
كان قد عودها كل ليلة على المشي.. وإفساح المجال للثرثرة والتنفس وكسر عزلة المنزل فأحبت منواله.
تمتم لها:
-سنعوض غداً
هددته وهي تختفي خلف ياقة بلوزتها
-الويل لك إن لم تفعل.
غمغم لها بحقد دفين:
-الويل لي في كل أحوالي..
ثم التفت سريعاً لها وناولها رزمة أوراق بغلظة وخشونة.
-سنصحح على السرير لننثر الأوراق براحة.
نهض بغتة فتبعته في حذر وجاورته تصحح حسبما الأنموذج، تجاهلها كي لا يصاب بأرق إضافي فدفن رأسه في شاشة حاسبه وترك الصمت بينهما، كانت تصحح بتركيز حين أعاده قلبه لها فوجدها مقطبة الحاجبين فسأل:
-ما الأمر؟
ردت عليه بعبوس طفيف وهي تحدق بين الأوراق:
-العلامات جداً متدنية، لماذا؟ هل هم طلبة كسالى أم..؟
رد عنها ببسمة صفراء:
-أم أنني مدرس فاشل لا أستطيع إفهامهم المادة.
بررت سريعاً بلا تركيز:
-لا.. ليس هذا ما أقصد..
وسرعان ما تنبهت بمقصده فهو يكرر عبارتها أثناء تدريسه لها فسألت بعتب وشرر:
-أنت لم تنس كذلك ..؟
تهدلت كتفاها ونفخت بيأس لما قال:
-مطلقًا لم أنس شيئاً يخصك..
كانت عبارة عادية بلا أبعاد كثيرة فمررتها له وهي تسأل:
-أنت حاقد إذن!
(بل عاشق)
-ليس من طبيعتي النسيان أبدًا..
ضيقت عينيها وهي تخبره:
-أنت تدرك جيدًا أنني حينها كنت طالبة مكتئبة على أبواب الرسوب الموشك.. فكنت أمر بمرحلة سيئة.. ولا أتصرف بصحة.
ثم رفعت سبابتها تذكره وتفتح كل الماضي:
-وأنت لم تقصر أبداً كنت أكثر أستاذ شديد ومنظم وتتعامل معي كأنك لا تعرفني.. أسئلتك صعبة وتدريسك معقد غير لين.. وتتعمد التعامل معي بغرابة كأنك لم...
قاطع حديثها حين رد بنبرة غريبة:
-بلا كنت أعرف أنك ابنة الرجل الذي أعمل عنده في المعرض منذ نعومة أظفاري.. ومع ذلك لن يبرر لك هذا بالتمادي.
بهتت حد الشحوب وكانت تود الشرح بأنها لم تقصد المفاضلات والمقارنات.. إلا أن تتمة حديثه جعلتها تمتعض منه وتغمغم له.
-حسنًا.. هيا نقلب الصفحة لأخرى.
-ستباشرين العودة لعملك منذ غد.
انتفضت كمن لدغت وسمت بالله مرتين
-لماذا إن شاء الله.. أنا في إجازة زفاف.
-لقد داومت منذ أسابيع. هل ستكون إجازتك أبدية؟
-هذا شأنك أنت داومت مبكراً.. أما أنا أود التمتع بعطلتي.
أخبرها بهدوء.
-إجازتك انتهت منذ وقت.. وأنا أعطيتك عطلة إضافية.
لم يهتم بمساعيها وظلت تحاول معه حتى اغرورقت عيناها بدموعها وهي تخبره بشبه توسل:
-بالله عليك لا أريد الدوام غداً دعني فقط أياماً قليلة.. أنا أحتاج وقتاً أكثر بالكاد أنظم أموري..
-صعب
-أفعل لك أي شيء..
طل الخبث من عينيه فطلب سريعاً:
-عطلة.. بشرط أن تخبريني ماذا قالت لك الجارة صباحاً
رمقته في استسلام
-أنت مصر!
-كما ترين.
-العطلة أهم.. لذا سأخبرك.
طابقت كفيها وعامدتهما أسفل ذقنها وهي تخفي نصف انفعالاتها
-أمري لله.. سأخبرك.. تلك الجارة.. أقصد اسمها "عفاف" ..
هز رأسه لها يراقب وميض عينيها المنبعث من حماس دفين تجاهد فيه.. فيطفو رغماً عنها.
-لقد حفتني حين عرفت أنني زوجتك وخصتني بعناق دافئ وحنون.
أسبلت أهدابها التي أخذت نصيب جمالها كله.. فتمتلك بها ثروتها الجمالية كاملة حين أتبعت على استحياء:
-ثم همست لي في أذني.. كم نحن متناسبان وأيضًا.. قالت...
زفرت تصارع نفسها ونطقت بأسرع ما لديها:
-أنها لم تستغرب كثيرًا حين علمت من هي زوجة عون.. بعكس الضجة التي حصلت.. بل كانت تتوقع ذلك من زمن.
الآن كانت الحيرة من نصيبها حين رفعت رأسها له مع تدفق التساؤلات الملحة التي هبطت فجأة عليها فتسأل بما هو سليم الآن:
-لماذا قالت ذلك؟ ما الذي قصدته؟
توترت أحداقه لحظة سرعان ما ثبتهما حين أخبرها بجدية واهية
-لا فكرة لدي..
عادت وجنتاها للاشتعال فأسبلت أهدابها.. وإن جاهد أمامهما مرة.. فلا يملك الآن رفاهية الثبات.. فنطق سريعاً وهو يغلق شاشة الحاسب.
-أطفئي النور وسن.. سننام.
سألته مندهشة:
-والاختبارات؟!
رد بنفاذ صبر:
-فيما بعد.. الآن سننام.
***
صباحًا
شرعت الستائر على طولها، وفتحت ذراعيها تستنشق الضوء بمتعة، على مداد بصرها كانت معارض عائلتها مقابلة لها، تبسمت من قلبها وأغمضت عينيها بنشوة، هذا المكان يحييها بطريقة ما، فتحتهما سريعاً وحدقت بشجرة الفلفل التي تلامس أطرافها النوافذ وتنهدت حين عادت للنظر مجددًا لأسواق لوالدها.
-الله لا يخفي حسّك عنا يا حبيبي.
قررت استغلال الوقت لكي تنهي إجراءات التأمين الصحي ورخصة القيادة التي اندهش عون حين عرف أنها تحملها بلا استخدام..
-رخصة السواقة معك ولا تستعملينها؟
بدلت ثيابها، عقصت خصلاتها في حركة بسيطة، وهبطت لخالتها آمنة تمر عليها قبل الخروج.. طرقت الباب بهدوء ودخلت عليها فوجدتها في محراب الصلاة، تؤدي صلاة الضحى، انتظرتها بصبر وحالما أنهت صلاتها اقتربت منها وسألتها:
-هل شربتِ قهوة؟
أومأت لها وسن في عدم راحة وهي تشير للفنجان على الطاولة:
-أجل شربت.. القهوة طيبة سلمت يداكِ.
-بالعافية عليكِ.
قالتها وهي تمد يدها لحبة حلوى تناولها وسن.. فتلقفتها بشكر وآمنة تسأل:
-هل ستخرجين للعمل؟
أجابتها وهي تفض غلافها:
-لا.. سأباشر بعد أسبوع.. عون كلفني بإجراء وثائق مهمة سأقوم بعملها عنه.
هزت رأسها آمنة بذكاء وغمغمت لها:
-جيد جداً هيا يا ابنتي اخرجي حالاً، لا أود أن أعطلك أو أؤخرك يا ابنتي.. كل شيء عندي حاضر وموج ستأتي بعد قليل كما تعرفين.
أطبقت شفتيها وتركت عنها حبة الشوكولاتة وهي تعتدل في جلستها:
-لن أتأخر أنا ذاهبة أساسًا لكن هناك ما أريد أخبارك به منذ وقت..
زفرت وسن بتقطع و آمنة ترمقها متفحصة بارتياب لكنها أحجمت مشاعرها حين قالت لها:
-ماذا هناك أنا أسمعك!
ترددت وسن في بادئ الأمر إلا أنها قد حسمت قرارها وستفتح حديثاً مؤجلاً وقد طال تأجيله بما يكفي.
قابلتها وأصبحت في مجال نظرها حين نطقت:
-خالتي أنت تعرفين ظروفي كاملة، من بدايتها حتى آخر رمق من حكايتي، وأنني لم أذنب معه بل يشهد الله أنني كنت له نِعم الزوجة ولم أقصر معه، لكنه هو من تعدى وباع لم أكن أنا.. والله لم أكن أنا.
يضعف صوتها.. لكنه قاطع فعقبت لها آمنة:
-أصلك طيب يا وسن.. لا أحد يشكك بك.
أخذت نفساً مرتجفاً ورفعت عينيها للأعلى تتابع:
-ولذلك أنا حين تزوجت لم أبع حياتي معه أبداً.. ولم تهن علي عشرتي معه.. فلست ناكرة للعشرة والأهل والمعروف..
ترددت كثيراً.. كثيراً حتى أضافت بمعجزة:
-ومنذ لحظة انفصالي وأنا أتلقى العروض وأرفضها.. لكن.. لكن..
انغمرت في حمرة طاغية وتعثر ومع ذلك هتفت بها في حياء:
-من التي سيتقدم لها عون وترفضه؟ ابنك يا خالتي لا يُرْفَض.
المنطقة خطرة الولوج والأطراف متأهبة، وقلب آمنة يخفق، ليس لأنها أرضت غرورها بابنها بل لأنها تحس به بشكل صدمها..
-لذا أقسم لك أنني سأكون له خير الزوجة ولن أقصر معه أبداً.. أبداً
ضيقت آمنة عينيها تسأل:
-ألا تقصرين معه فعلاً؟
وهل بدت أحوالهما مكشوفة لهذا الحد!
أم لماذا التغابي.. حالة علاقتهما شائكة لذا لم تتردد حين اعترفت بتساؤل ضمني تناورها في منطقة مفهومة لكليهما:
-هل ترينني مقصرة معه برأيك؟
والإجابة على حد الذكاء:
-ما تقوله أمومتي أنك ترضينه لكن بشكل غير كافٍ.
واستغلت وسن اللعب على وتر عاطفتها واستنجادها:
-ألم تخبرك أمومتك أيضاً أن عدم رضاه يكمن في جفائك معه.. وأن تجاهلك إياه يتعبه جدًا.
خشن صوت آمنة وانتفض تنفسها لمستوى سريع.. فالحوار بات يمس عاطفتها:
- وبصفتك أم يا وسن هل يرضيك ما فعله بي.. لو كنتِ مكاني ماذا ستفعلين؟
شهقت وسن تبحث عن أنفاسها الضائعة وردت:
-سأجيبك لكن قبلاً لو اعتبرتني ابنتك وحدث -لا سمح الله- أو تعرضت إحداهن لما تعرضت له وجاءك مثل عون هل ترفضين؟
أجابت آمنة بصرامة:
-أنا لم أرفض الفكرة.. أنا أرفض طريقته ولو كنت ابنتي لأجلتُ قليلاً.. فأنت لم تتعافي حتى اللحظة وتكوني معه كاملة.. أنا أم ولي خبرة طويلة.. وأنت يا ابنتي جئتِ وما زال جزءًا كبيرًا منك هناك ولم يأتِ بعد.
ذرفت وسن عبراتها بلا قوة وهي تجيب بخفوت:
-لو أخبرتك أنني أتعافى على يد ابنك لصدقتني؟
مسحت وجهها وأنفها وهي ترى التماع عيني حماتها بوجع فقالت لها:
-وإجابة عن سؤالك.. أجل ربما لأغضب في بادئ الأمر لكنني سرعان ما أتذكر تجربتي وأعرف جيدًا معنى أن تكسر امرأة وأن تُظلم بغير ذنب فسيرضى قلبي عليه لو أنصفها.
ثم هبت من مكانها وجاورتها تتشبث بها:
-أجل يا خالتي أنا مطلقة أعرف والله أعرف لكنه ليس ذنبي ولم أتوقع يوماً.. ولي طفلين والأمر صعب لكنه ليس ذنبي.. لا يد لي فيما حصل وأعرف.. أعرف.
توقفت تجاهد رئتيها:
-وأنك أم وتريدين له الأفضل وهذا حقك بالطبع.. وليس لي أي ذنب أيضًا..
تنفست بضعف وهي تتابع بأكثر الوسائل ذلاً:
-أجل.. قد يبدو كثيراً عليّ ولا أرقى له وتتمنين له فرصة أفض..
-اصمتي.. اصمتي!
قاطعتها والدته عن إكمال حديثها ونهرتها بقوة وحزم تنفضها:
-ليس كثيراً عليك وكفّي عن ترهاتك وأحاديثك هذه.. أنا لم أنظر لك بنظرة دونية ولم أحسب حساب طلاقك للحظة.
تجمدت وسن قليلاً تعطي نفسها مهلة الاستيعاب ثم ما لبثت أن تقول.
-إذن سامحيه لأجل خاطري.. وخاطر محبتك له.. هو يائس لأجلك من فضلك سامحيه.
جذبتها آمنة تبكي معها ولكل منها مُصابها وغصتها وما إن اطمأنت لسكون وسن حتى قالت:
-لا تقلقي أبداً على عون من ناحيتي.. وعليك أن لا تقلقيني أنا من ناحيتك.
تعهدت لها وسن بأمل أضاء عينيها:
-اطمئني لعمرك كله..
ربتت على كتفها وهي تخبرها:
-إذن لا تضغطي علي.. أنا بحاجة للوقت كي أسامحه.. تماماً كحاجتك أنتِ له.
سكتت وسن ولم تشأ أن تضف أكثر فحديثها ألجمها..
-انهضي يا ابنتي ولا تتأخري.. لقد تأخرت بما يكفي.
ابتعدت وسن عن حضنها وقبّلت جبينها قبلتين، ونهضت ترطب وجهها وحين عادت كي تأخذ حقيبتها وتغادر أوقفتها آمنة التي عبأت كفيها بكمشة حلوى وتمور
-خذيها لك..
تبسمت وسن وهبطت تتناولها من كفيها مودعة:
-ادع لنا يا خالتي ..
بفيض حنون وقلب لا يقسو أجابتها:
-أنا أفعل كل يوم..
وغادرتها بدعوات أن يصلح الله لهما الأحوال، حين خرجت وسن للهواء الذي لفح وجنتيها المتقدتين أدركت كم كانت المواجهة صعبة عليها وكم أخذت من مشاعرها لكنها تستحق.. وتستحق! استقلت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يعرج بها حيث المستشفى أولاً، أوصلها ونقدته أجرته، ترجلت من السيارة التي صفت قرب استراحة الزوار، سارت بعملية وشدت خطواتها كي تلحق إنجاز المعاملة، سلكت أول ممر يربطها بشؤون الموظفين و اضطرت لتقاطع ممراً جديداً وبمجرد أن استدارت له اصطدمت عيناها بمشهد غير متوقع، توقفت لحظة وعادت تختبئ خلف الجدار كمتسللة تخشى ضبطها، لم يكن عليها أن تبكي، ليس عليها أبداً أن تشعر بالاحتراق ..
هي تحترق هذه اللحظة، أنفاسها ساخنة وما يحدث داخل جسدها لا يفسر.
خالد بصحبة صبا يتمشى بها في ساحة الزوار، وضع بطنها ينبأ بأنهم ينتظرون لحظة الولادة.
اختنقت تفكر:
ليس عدلاً أن يحيا سلامه ويعيش بهذا الاطمئنان.. وهي بين شقي همّ وحسرة!
لم تتنفس طوال مراقبتها، بدت صبا شاحبة متعبة، وهو مراع وحنون بشكل لا يمت للرجل الذي كان يتوسلها باكياً أن تعود إليه وتترك عون قبل أسابيع.
حربها مع دموعها خاسرة!
فلم تعد عدد ما سقط منها وما بقي، تراجعت بخطوات حيث بوابة الخروج كي تغادر، ولن تجري أية معاملة، قصبتها الهوائية بدت ضيقة، لا تسع الفضاء الموحش الذي تتزاحم فيه، بوق إحدى السيارات أعلمها أي امرأة فاقدة للأهلية تسير بلا هدي في الشوارع منتحبة على حياة كانت تستحق الطي منذ زمن.
توقفت بذات الخراقة ونالت سباباً من رجل ضيق الأفق مثلها لا يدرك ولا يستوعب.
تقهقرت للرصيف غريزياً حين جاءت سيارة مندفعة، حدقت في شجيرات الزينة حولها ورائحتها أعطبت مجراها التنفسي، سحبت جرعة هواء مكثفة تبرد جوفها؛ وفجأة تساءلت مع نفسها:
-لمَ عدتُ للطريق؟
مسحت بظهر كفيها دموعها وهي مدركة أن خالد قد أفُل نجمه وبات في طور الاحتضار...
-فلمَ تبكِ عليه؟
(أم على حالها)
-حال امرأة تزوجت بعد طلاقها سريعاً برجل جيد حتى الآن.. لم يخنها أو تظهر طالبة في مداره تغويه.. ويتزوجها!
زفيرها مسموع، وحشرجة حلقها واضحة حين هتفت مناجية:
-يا ربي!
هي امرأة سهلة للافتراس، وضحية وسواسها وقلة ثقتها التي تقلصت على يد الرجل الذي تبكي عليه الآن كمسخ لا كرامة لها..
فتسأل نفسها بتيه:
-أنا كنت مغرورة.. مغرورة ولست واثقة، أي كنت أحمل من الثقة حد الغطرسة فلم الدور الهزلي الذي أرتديه!
حكت جبينها وهي تعود حيث بوابة المستشفى التي غادرتها تؤكد لنفسها:
-سبق وخدعني خالد.. لكن العيب فيّ إن فعلها عون.. فهو لن يفكر في ذلك ما دام هناك نفس يتردد في صدري.
شدت هامتها سريعاً واخترقت صفوف الممرات المكتظة، رفعت رأسها وشمخت بذقنها ولوت الحقيبة في يدها كسيدة مجتمع أنيقة، اختارت الممر ذاته وانساقت خطواتها بهيبة فرضت الصمت على الأرضية فخشعت إلا من رنين كعب حذائها، تجاوزت خالد الذي يحث صبا على المشي ولم يفته حضورها فتوقفا يتابعانها وهي تتجاهلهما برشاقة وسرعة محترفة باليه .
حين خرجت كانت تشهق بأنفاس ذاتها المستردة، فقد استردت نفسها واقتنصت حقها، لقد كانت هي المكسب منذ البداية ولا تقارن بمن هزوا كيانها منذ دقائق، طفرت عبراتها وهي توقف سيارة أجرة وتطلب السائق بفرح:
- سلام.. إلى المحكمة من فضلك.
حدق بها السائق بعجب فما دموعها تلك المشوبة بضحكات لا تصدق، ولم يكن يعلم أنها ممتنة لدموعها، أجل تبكي و يتساقط دمعها ومعه سقط خالد وماضيهما.. وما كان للأبد.
***
"في المستشفى"..
ظلا في وقفتهما يتابعان ظل التي اختفت، حدقت صبا في إثرها بغيرة وتألم، أشاحت بوجهها كي تصطدم بخالد الذي يحارب نفسه للحاق بها، ضحكت هازئة تنزع عنهما حضورها متهكمة:
-يزعج غرورك أن تجاهلتك ولم تنظر في وجهك بحسرة أليس كذلك؟
شد على أصابعها في كفه حتى هُيئ لها أنها تهشمت، فازداد شحوبها حين قال من بين أسنانه:
-لا تستفزيني صبا.. أنا بالكاد أحتملك.
-أنت لا تحتمل نفسك بالأساس لتحتمل آخر معك.
صرخت بتعب حين أذى أصابعها فدعت عليه سرّاً وتمادت في إغاظته:
-لا تحزن، قد تكون ممنوعة من السلام عليك والتوجد على أيامك سببه خوفها من زوجها.. ربما يغار عليها.. ومنك تحديداً
-سأكسر رأسك إن قلتِ كلمة إضافية.
-لا أستغرب في الواقع يا حبيبي.. أنا وطفلي معرضان للموت بفضلك كما تتذكر جيدًا.
انقبض قلبه وشعر بخوف فتشبثت أنامله بكفها تحتويه بضغط.. غايته العجز في (الاحتواء) وليس إفراطاً في (العنف) تحرك بها حيث القسم فسألته:
-إلى أين؟
-إلى القسم.. يكفي مشياً!
نهرته وهي تنفض كفها منه:
-دعني.. ستكمل معي المشي ولن تلحق بها.. يكفي خالد يكفي أنت تظلمنا.
ثارت في وجهه ولم تتوقف عند حدها هذا:
-لن أكون نسخة عنها.. تأكد لست بضعفها أو إن صح القول مستغنية مثلها، لن أسمح لك بتجاهلي أبداً مهما كان.
شدها بقوة أكبر أضاعت هيئته وأناقته تكاملت مع رثة المنظر الذي تبدو عليه.
-اخرسي.. أنت معدومة الإحساس والضمير.
شخرت حين أدخلها الغرفة عنوة وأشهرت في وجهه الحقيقة:
-قالوا عن ضميرك الحي وأنت تتركني مرمية لأربعة أشهر كاملة متنقلة بين منزل عائلتي والمستشفى وأنت تبكي عليّ تارة.. وعلى وسن تارة أخرى.. وتمارس أمجادك في الهاتف مع نساء أخريات.
هوى بكفه نحو وجهها إلا أنها وبرغم ضعفها وأي حالة سيئة تمر بها أوقفته
-إن جربت ورفعتها عليّ.. سأردها لك بعشر
-هل تتحديني يا معدومة التربية والأخلاق؟
تصنمت وتيبست، زاد شحوبها أضعافاً فرفعت كفها التي منعت بها لطمته لتلطمه هو.. وكفه منعها
-أيها الحقير.. لم يكن ذلك رأيك بي وأنت تلاحقني وتشاركني ظلي وأنفاسي.. وظللت تسعى خلفي كي أحبك وتبكي لدي بأن أوافق عليك وأنت متزوج.
اقترب منها ببسمة ذئبية، تناول ذراعها التي تشوح له بها قابضاً عليها بقسوة ولواها خلف ظهرها
-هل نفتح الصفحات القديمة؟ وأذكرك بحاجز زوجك الذي لم يطلقك بعد وقد كنت ميتة في غرامي؟
وضع سبابته على فمها وهو يمنع حديثها:
-انتظري.. انتظري.. أم عن المتزوجة المعنفة المسكينة التي تنتظرني كل صباح أمام المكتب وتقضي وقتها معي أكثر مما تقضيه مع أهلها؟
تشرب حمرة وجهها الغاضبة وأنفاسها الثائرة:
-أم عن تجاوزاتنا اللطيفة أثناء انهيارك بين ذراعيّ في خلواتنا اللطيفة بمكتبي وأنت تعلمين أن زوجتي تمطرني بمكالماتها ورسائلها.
ضحك بشر وهمس بفحيح:
-أم عن عرض التدليك "المساج" الذي تطوعت به مرة؟
لم تحتمل زين التي كانت محجوزة في الحمام أن تستمع لكم اشمئزاز إضافي، فخرجت بوجه شاحب وعينين محمرتين وهتفت بهما بمرارة
-إلى هنا يكفي.. توقفا.
انحبس نفس صبا وشاركها خالد الدهشة، تحررت صبا من خالد وأمرته:
-أريد أختي لوحدنا من فضلك.
انسحب خالد سريعاً يزفر أنفاسه المختنقة، وينفث تبغه الممنوع في المكان
-بئساً لك يا صبا القذرة.
لقد فضحتهما أمام شقيقتها التي يحترمها ويكن لها عاطفة خاصة ومميزة، وقد أحرقت كل سفن علاقته المحتضرة على موج غير راكد، لكنه لن يطلقها رغم أنف ما فعلت.. ستبقى معه فقد ربطت مصيرها به منذ أحبّها!
(في الداخل)
ارتجفت زين في وقفتها، يختض قلبها الصغير ومبادئها عن كل العالم الوردي الذي عاشته بفضل صبا المخادعة، تراجعت تمد كفها لما خلفها وتسند جسمها عليه.. توازنها معدوم وثقتها تضمحل حد التلاشي.. سألت بصدمة بعد نظرات طالت متوسلة:
-اكذبي علي وقولي أن ما سمعته ليس صحيحاً!.
مشت صبا حيث سريرها استلقت عليه تجيبها وهي تشعر بغليان فائر في أوردتها:
-كان ذلك صحيحاً مئة بالمئة.
شهقت زين تكمم فمها، تنظر لصبا بغير تصديق، انتحبت تضيع ولا تهتدي بوعيها فأشارت للباب بغصة:
-أ أحببتِ رجلاً متزوجاً؟ ترصدتيه حتى وقع في حبك؟
رفعت كفيها لرأسها تحاوطه وهي تتهاوى والجدار يدعمها فتنطق مشمئزة.. ونظرتها تكللت بالعار:
-كنت ِمتزوجة وأنت تطاردينه؟
قاومت رغبة ملحة بالغثيان وإفراغ معدتها.. فتكمل سرد الحقائق بفجيعة:
-متزوجان وخربت بيته وشتتِ عائلته وحرقت قلب امرأته وطفليه.. وتكذبين علينا بأنه مطلق أساساً.
توجعت صبا لنظرة أختها وحالة جسدها الذي بدأ بالتنميل بشكل مفاجئ لا تساعدها إلا أنها تغلبت على قسمات وجهها بها وقالت بضجر:
-أنا متعبة.. أعصابي على المحك لا تحتمل مثاليتك الزائدة ولا حتى أخلاقك المفتعلة في هذه للحظة.. كوني مراعية وقدري حالتي.
استقامت زين بذهولها وبدموعها غير المتوقفة، جريان يتلو جرياناً ولا نهاية.. اقتربت من صبا التي تأخذ أنفاسها ببطء وجبينها يتعرق.. باتت في قرب غير محبذ حتى أن ركبتيها اصطدمتا بالسرير، من غير مقدمات.. أو حتى إيعاز اندفع كفها وسدد لوجنة صبا صفعة فاقمت حالتها:
-أنت معدومة التربية بالفعل كما قال خالد.
ازدردت صبا لعابها، وحاولت دفع زين التي انحنت فوقها أكثر وسرقت الهواء الذي تحتاجه:
-بودي لو أبصق في وجهك صبا .. لكنك لا تستحقين. أنت أكبر عار علينا.
ارتجفت كفها وهبطت عاجزة عن صفعها ثانية ونطقت بقهر:
-أكثر.. أكثر من والدي نفسه.
انتحبت زين وأخيرًا صبا تحرر دموعها معها.. دموعاً امتزجت بألم مخاض على وشك الحدوث ووجهت لها سخريتها بكل قسوة:
-لم تجلب لي أخلاقكم طعاماً آكله.. وستراً لي أيها المدّعين.
صرخت فيها زين وهي تكاد تجن لتحول شقيقتها، رباه ما الذي تحاربه هي ووالدتها.. والدها السكير أم شقيقتها المنحلة.. فقاومت ضربها وركلها وواجهتها بقسوة أكبر:
-لكنها أطعمتنا كرامة.. كرامة ستبقى عارية منها إلى أن تموتي.
نهضت عنها مع تقطع أنفاس صبا.. وتعثرها في بث السباب والأذية فالتفتت لها وأخبرتها بلا رحمة:
-ليتك تموتين.. فأنا لن أبكيك ولن أحزن عليكِ.. مثلك لا تستحق حتى الذكرى.
دارت زين في أنحاء الغرفة تشكو وتركيزها يتنحى عن تلك التي تشد الملاءة من أسفلها تزيغ عيناها ويسيل لعابها وهي تستمع للقاضية التي تفوهت بها زين:
-يا إلهي!! أي قذارة أوصلت نفسك بها كنت معه في غرفة لوحدكما قبل الزواج.
اندفعت معدتها بتأثير حديثها فركضت بلا وعي للحمام ولم تصله، فأخرجت ما بجوفها على الأرضية حين شدتها صبا صارخة:
-أنا ألد يا زين.. نادي خالد.
استدارت زين لها تمسح بكمها فمها، والدوار يحيط بها كأنما يحميها من الوعي، تحاملت بخطواتها لمنتصف الغرفة، وخلال لحظة كان وعيها قد عاد إليها فخرجت لخالد تخبره:
-الحق صبا.. صبا تلد..!
لم تحتمل مشاركتها أو التواجد معها.. كان شيئاً أكبر منها فقسوتها أكبر من رحمتها بصبا التي فقدت جنينها -المتوقع موته- في عملية طارئة نسبة لضغطها المرتفع الذي أذى جنينها وأفقدها نفسه فخرج مختنقا.. من خلف أبواب كثيرة، حاولت زين القرب الذي جعلها لا تغادر بل تبقى للاطمئنان.. فسيقت به واقتربت من خالد الذي أخبرها..
-لقد مات الجنين!
-وهي؟
-ستكون بخير.
رمقت زين الباب الذي يقف عنده واستطاعت التبين من النافذة الصغيرة وجه شقيقتها.. تنفست بثقل حين أدركت نجاة شقيقتها بمعاناة.. وموت جنينها الذي تحملت لأجله مكوثها في الفراش لأشهر.. فهمست لخالد:
-لقد كان ذلك تخليصاً للحقوق.
استدارت عنه حالما أقرت بها وغادرت المستشفى.. وشقيقتها.. وبراءتها المسحوقة على يدي هذين المسخين.
***
أجرت معاملاتها بالكلية، وخرجت تشعر بخطواتها لا تلامس الأرض.. ودت لو رأت علي وأخبرته بما حدث أو أن ترتمي بين ذراعي عون هكذا.. ودت وودت ولم تفعل شيئاً، أوصلها السائق حيث باب منزلها فتسلقت السلالم برشاقة، طرقت الباب بهدوء ودخلت خطوة وقبل أن تخلع وشاح عنقها نادت حماتها من الداخل:
-أنا في المطبخ تعالي..
همت بخطوة إضافية وكادت تتحرك لولا أن جثم عليها جسداً يحتضنها من الخلف، كانت موج التي جاءت تلهث من منزلها
-أحبك وسن.. أحبك.
وازنت وسن نفسها والتفتت لها فقبلتها موج وأخذتها في عناق رج ضلوعها وهي تتمايل بها
-آه قلبي لا يقوى على خصامك رغم أنك تستحقين!
خلصت وسن نفسها منها، فوجدت طفليها يتراكضان خلفها بلهاث فحدقت بهما في ذهول فقال عدي في استسلام:
-أنت فزتِ علينا.. الحلوى على حسابنا..
سألت وسن بحاجب مرتفع:
-هل جئتِ راكضة تتسابقين معهما؟
هزت موج رأسها في حماس وقالت لها:
-أنت جاهزة جيد جيدًا.. هيا بنا سنذهب لمحل الحلوى.. هيّا.
زمت موج شفتيها وتبرمت حين رأت سكون وسن فسألت بلا صبر:
-هل أنت غاضبة مني؟ لقد ظننت أنني الوحيدة.
ثم اقتربت منها وضمت ياقة معطفها:
-لا تكوني حقودة.. كوني مسالمة مثلي.
همست وسن لها وهي تضم يدها لخصرها وتشيح بوجهها جانباً:
-أنا لست غاضبة منك.
ضحكت موج وهبطت برأسها أسفل وجه وسن:
-أنا موج حبيبتك كنت أعرف أنك لن تغضبي مني صحيح؟! أساسًا كيف تغضبين؟ مثلي أنا لا يثير غضب أحد.
مطت وسن شفتيها وهزت رأسها ممتعضة:
-أجل.. أجل لا أحد يغضب منك.
ثم تمتمت لها وهي تتوجه نحو حماتها:
-له الجنة علي.. الجنة بلا حساب!
-والله ما ناله لم يحلم به ست وسن! سأغضب منك لو أعدتِ ما قلته.
تنهدت وسن حين خرجت لها حماتها وسألت:
-ما الأمر؟
قفزت موج وأصبحت أمامها تمطرها بألفية مزدوجة من القبل:
-سأذهب بوسن وطفليها لمحل الحلوى احتفالاً بصلحنا واختبارات غيث وعدي.
عيناها تومضان بفرحة غير عادية جعلت والدتها ترمقها بشفقة، والراحة تتخللها لصفاء ابنتها تجاه وسن، فقد حملت لها بغضة مبررة بعض الشيء لولا أن قلب موج لا يسعه غضب ولا حقد.
-جيد استمتعا بوقتكما.. أنا اليوم سأغادر ليمنى أود البقاء معها أسبوعين.
فهمت موج على الفور مغزى زيارة والدتها فعاتبتها كغيور:
-ولماذا تذهبين ليمنى.. لماذا لا تأتين إليّ.. لم تبيتِ في بيتي ولو لمرة ودائماً تزورين أخواتي كلهم.
امتعضت آمنة وسددت لها عتبها:
-أنت تجلسين في بيتنا أكثر مما تفعلين في بيتك.
شهقت موج تتخصر:
-هل تعايرينني؟
-أفعلها دائماً ولا كرامة لك.
احمر وجهها وبان الانفعال في زمة شفتيها فأخذتها آمنة في حضن لهوف أمومي الرائحة والأمان:
-أنت حبة عيني.. من حبي لك جعلك الله جارتي حتى لا أشتكي بعدك.. سأبيت عندك عندما يرزقك الله الطفل بأمر الله.
تحمست ودعت:
-يا رب.. يا رب عجل في مبيت أمي لدي.
لكزتها والدتها:
-يا مجنونة.. أخرتٍ من معك.. هيّا.. هيّا!
تحركت معهم وهبطوا للشارع يستقبلون علي الذي يقف عند باب سيارته وموج تتجاهله.. ثم تأتي له بعد زجرة وصوت خشن:
-موج!
عادت له بوجهها الأبله الذي يراه سيد الرجال وآخر الفرسان وأوسم الوسيمين بخشونته الفطرية وملامحه الحادة حد الأسر.. تجاوزت غباءها واقتربت تهمس له:
-ساعة ونصف ونكون عندك.. اصعد لوالدتي وسلِّ نفسك ريثما آتي.. أحبك أحبك يا روحي.
**(قبل وقت)
تصرفاتها تثير جنونه ومع ذلك لا ينفجر بها، تعانده ولم تصالح وسن ولا يجيب تعنتها سوى بـ
(أنت الخاسرة..هل وسن ستتأثر برضاكِ)
أو يقصفها بالكلية حين يرد بملل:
(رضيتِ أو للجحيم العاشرة غضبك)
ويخرج لعون يشاهد معه المباريات ويلعب (fifa) ويتركها وحدها ومع ذلك هي لم تستسلم وظلت في عقابها له.. بل استمرت وتعتقد أنها نامت والملائكة تلعنها.. لكن فليسامحها الله.. هي تريده وسئمت منه!
**
استيقظت هذا الصباح ووجدته يجاورها على الفراش، حدقت فيه بغير تركيز واستفهمت:
-لم أنت مستيقظ للآن؟
ناظرها بحقد دفين وأجاب:
-لم توقظيني هذا الصباح.
ارتفع حاجباها وكادت تضحك لكن حفاظاً على السلم الدولي لم تفعل وقالت:
-وهل يتأثر روتين حياتك بعدم إيقاظي لك؟ منذ متى كنت نائماً وأنا من أوقظك.
تقلب وواجه السقف قائلاً:
-لا شأن لك.. وأنت مجبرة على أن توقظيني كل صباح.
تثاءبت فالتفت لها بشرٍّ فكممت فمها وهمست له بحشرجة:
-حسناً كما تشاء.. هيا اذهب والحق به.
تحرك نحو جهتها وأشرف عليها فازدردت لعابها ترقباً فقال لها وهو ينحني:
-أنا لا أنتظر أوامرك.. فهمتي ست موج!
أطبقت شفتيها وحركتهما بطاعة، فأزاحها جانباً وهي تراقبه بذهول فوجدته يشق طريقه فأخبرته متعجبة وهي تتكوم على طرف السرير كدمية:
-لماذا أزحتني ولم تهبط من جهتك هل هذا منطق؟
أخذ قميصاً من خزانته وهو يجيبها بنزق:
-ما الذي تعرفينه عن المنطق يا هانم.. أنا حر هذا سريري أهبط منه كيفما شاء.
كورت فمها تنفث غضبها وجلبت لنفسها الصبر، حين أخبرها:
-سنتناول الإفطار سوية.. سأجلب الفطور.
شيعته بغير وعي، ومن ثم هبطت لهاتفها تبحث عن اسم المها ولم تلمح شيئاً
فغمغمت بقهر:
- للجحيم السابعة.. إن شاء الله لا أرى لك منشوراً أيضاً يا وجه الغراب ..
ثم شوحت كفيها بغل:
-المها.. أي مها هذه والله تشبه الغراب.. أنا من تشبه المها وينادوني مياه وبحر وموج!
تنازعت مع الغطاء والمياه لغسل وجهها ثم هبطت لمطبخها تجهز الفطور الذي للآن لا تستوعبه، حتى مع دخول علي العكسري للمطبخ ووضعه الأغراض على الرخام
-شكراً!
تجاهلها فلوت شفتيها وهو يخرج من المطبخ كملك لزمانه همت بفتح الأكياس تسأل نفسها:
-أين الفطور؟
وأجفلها دخوله مجدداً فسألته باستغراب ماكر:
-علي! منذ متى تدخل الأغراض حتى المطبخ؟ وكيف تتغيب عن دوامك؟
وضع أطباق الحمص والفلافل على الحاجز الرخامي بغل حتى ظنت أنها ستتهشم :
-بدءًا من اليوم؟ هل عندك مشكلة؟
عضت طرف شفتها تكتم ضحكتها وقالت بهدوء:
-حسنًا سأخرج لك قهوتك للصالة.
جففت كفيها وهمّت بسحب كأس القهوة من أسفل الآلة حين أعلنت بصفيرها جاهزية القهوة فوجدته حرفياً عندها
-ماذا ما الأمر؟
-لن تخرجيه للصالة سأشربه هنا.
هزت كتفيها كما رأسها وأجابت:
-كما تشاء.. لا مشكلة..
سألها بشرر يتقادح من بين عينيه اللتين تترصدان الخطأ ليفتعل شجاراً ويصب جام قهره فيها.
-وهل كنتِ تنوين إن شاء الله؟
تمتمت داخلها..
(حمداً لله أنك بدوام مدى الحياة لا تقاعد منه)
-لا طبعًا.. الله لا يجلب المشاكل بيننا علي القلب.
ناولته الكأس تماماً وراقبته يلتصق بالأريكة، فتجاهلته وعادت تُقطّع الخيار والطماطم تجهيزاً لإفطارهما فأوقفها للمرة الألف ربما:
-أين كأسك موج هانم!
ردت بصبر ورفعت طبق اللبنة على الصينية:
-لا أشرب القهوة كما تعلم.
هزأ منها وهو يعقد ساقاً فوق الأخرى:
-منذ متى.. طوال عمرك تشربينها معي..
زفرت بملل والتفتت له:
-حسناً كنت أشربها لأجلك وتوقفت فأنا الآن أرتاح بمشروبي
اندفع في وقفته وأمرها:
-لن يحصل ولو على جثتي.. اصنعي كأساً لنفسك الآن وتعالي جاوريني.
توقفت في منتصف المطبخ وقد انفجر حلمها كما صبرها:
-هل تجبرني؟
رد ببلاهة:
-أجل!
سألته ورأسها المسكين يطن بمزاجه:
-منذ متى!
رد بعنجهية:
-من اليوم..
-لماذا؟
-مزاجي وأنا حر فيه.. هل ستتدخلين فيه أيضا؟
بحلم الصابرين صنعت قهوتها وجاورته عقبما انتهيا من فطورهما، راقبته يتفحصها بهدوء لا يعجبه فشعرت بدغدغة عميقة داخلها، حرمانه منها يرضي غرورها.. كونها أمامه ولا ينالها! تجاهلها يستفز كل ما فيه ويجعله على صفيح كاوٍ، نهضت كي تجلب هاتفها:
-إلى أين ؟
-سأجلب هاتفي!
-حسنًا!
عادت بعد لحظات، لا حديث أنفاس متوترة خشنة، وأفكار إجرامية طوال الوقت يخصها بها.
-موج هذا الوضع أنا لا أحتمله ..
شعرت بالتواء عنيف في معدتها فلم تنكر لقد أجفلها فسألت:
-أي وضع؟ ماذا هناك؟!
-وضعنا كاثنين هل يعجبك الحال موج؟
كادت تجيبه لولا رنين هاتفه الذي يحمل اسم وسن، فرد عليها واستغلت ضعفها لحظات.. لحظات فقط لتجد نفسها مزروعة في حساب "المها" مجدداً.. كان هناك منشوراً جديداً أوقف قلبها تتحدث فيه عن المسكن الجديد لها في محافظة الزرقاء.. تعطل نفسها للحظة، وهي تقرأ كلمات الاشتياق الذي عبرت عنها للحي الذي يقطنونه.. حتى إصلاحات الشارع وتحويلته الإجبارية، ازدردت لعابها ببطء وهي تربط الخيوط.. فعلي كان مضطراً للمرور أمام منزل تلك بسبب تحويل الشوارع إجبارياً.. بل هو ربما لا يعلم عن عودتها بل مؤكد أنه لا يعلم، وهي ظلمت علي الغالي والمسكينة.. حسناً المها ليست مسكينة كليا لكنها أشفقت عليها.
كل هذا الانفعال من غير العدل أن يبقى حبيساً داخلها ويذهب طي الكتمان، لذا انفجرت بابتهال جعل علي ينهي المكالمة وهو يراها تحدق في شاشة الهاتف وتقبلها
-مع ألف سلامة وقلبي يدعو لك.
استقامت تدور في رقصة ضاحكة:
-ذهاب بلا عودة يا حبيبتي.. درب أخذتك ليتها لا تأتي بك.
ثم رمت الهاتف من يديها وهي تركض نحو علي تتعلق بعنقه وترمي بوجهها في نحره
-روحي علي.. روحي أنت!
ابتعدت عنه لحظة كمجذوبة وأخبرته:
-راقصني..
ثم لم تلبث أن قالت بتسارع وغير اتزان:
-أنت أكثر رجل أحبه في هذا العالم.. رباه كل هذا الكون لا يتسع لحبي لك.
-هل أتفحص القهوة التي صنعتيها؟
نفت له وهي ترتفع كي تعطيه قبلة عشق صرف لا يحكمه عقل ولا منطق.. خاضع لجنونهما فقط وفيض حبه اللا المنتهي:
-تفحص قلبك أنت لا قهوتي.. كل ما في أمري أنني ممتلئة بك فقط.
فيض من قبل.. حتى جاءت به لمركزها ليغرقها، فأخبرته من ضمن جنونها:
-لقد علمتُ من أمي أنك منعت سائد من الزواج بي.. بل ودبرت له وظيفة في معان كي يلغي فكرة الارتباط بي.. لقد تأخرت أمي في إخباري ذلك ولن أغضب لو قلت أنك رغبت بالزواج بي!
ابتعدت عنه وفكت ذراعيه تتركه لصدمته تدور حول نفسها بجنون تضحك من بين لهاثها حين اقترب منها:
-لا تقترب.. فالصغيرين طفلي وسن على وشك الوصول من المدرسة.
فتحت لهما الباب تحت يأس وإحباط علي، فغمرتهما بين ذراعيها
-لقد أنهى شجعاني اختباراتهما.
دخلا بحماس متقد، فأمسكت بذراعي غيث ودارت معه بالبهو تخبرهما
-أنا سعيدة يا أولاد.. أنا سعيدة.
تمط الكلمة الأخيرة فيأتي علي نحوها، التفتت له تزامنا مع صوت السيارة عند بيت أهلها فأخبرته بنصر:
-ها قد عادت وسن!..
تسلقت السلالم نحو غرفتها وخلال دقائق عادت لهم بكامل ثيابها حتى المعاصم الساترة، هبطت تركض و تشير لمنزل عائلتها بتجاهل تام لعلي:
-من يصل وسن أولاً سيقوم بتحليتنا جميعًا.
ومن دون كلمة إضافية كانت تفتح باب المنزل وتركض أولاً.
تاركة علي يصفق كفيه بقلة حيلة:
-لقد جنت
**
على الأقدام كانت رحلتهم حيث محل الحلوى، تناولوها بسعادة وإن بدت سعادة موج مضاعفة، لم تخفها أبداً وهي تقول:
-أنا أسعد امرأة في العالم.. والفضل لسيد العالم حبيبي.
تنهدت بحالمية وهي تقترب من وسن:
-سأقوم بتفجير المبايض لدّي مرة ثانية.
قطبت وسن وسألت بصدمة:
-هل جننتِ! لا يا موج دعك منها.
ركنت موج طبق حلواها جانبًا وهي تنفي:
-لن أتركها.. أنا بحاجة لها.
ثم تلاعبت بحاجبيها بشقاوة:
-سوف أحمل قبلك..
ومدت بطرف لسانها تغيظها، تعفي وسن من الحرج وتدفعها للضحك.
أخبرتها بلا مبالاة وهي تمسح فمها بمنديل أنيق:
-بالمناسبة أخي يحب الأجواء الهادئة.. ويحب اللون الأسود هل أوضح لكِ أكثر؟
أخبرتها وسن بتلجلج:
-أنت بلا حياء.
ضيقت موج عينيها كمن تتذكر شيئاً وأضافت:
-كل دواوين نزار قباني يحفظها ومريد برغوثي، حتى أنها لديه كلها لا أعلم إن رأيتها أصلاً!
تلاعبت وسن بكأسها وأطبقت شفتيها تضيف بخفوت:
-ويقرأ فلسفة وأدب روسي أيضًا.
شوحت موج كفها وشدت على الإبهام:
-حسناً لقد بتِ تعرفين عنه الكثير.. هل تعرفين أن فنانه المفضل كاظم الساهر؟
ضمت وسن شفتيها وأجابت بنعم، فركزت موج فيها تتفرسها وتخضعها لاعتباراتها المهمة
في الواقع عون سعيد.. أجل سعيد.. ومرتاح معها فلمَ تتدخل؟ وسن ليست بسيئة أبداً بل هي طيعة لو سايسها عون بدهائه فهي.. فهي ماذا !!
حارت في نفسها لإعطاء معنى مناسب حتى صفقت بتباهٍ للشكل الأدق.. وسن ستتنفسه كأعمق الأوصاف للحب!
نطقت بأول ما جال لخاطرها لوسن المتململة:
-أ تعلمين.. لو كان بإمكاني سؤالك عن شيء ما.. وأتبرع بالإجابة عنك فماذا تتوقعين أن يكون سؤالي؟
غصت وسن في شربها للماء، فسعلت بقوة وموج تربت على ظهرها ممتعضة وهمست لها بغيظ:
-سؤال عادي يا وسن.. كفّي عن لعب دور البتول بالله عليك.
دقت على ظهرها بقوة في آخر حديثها وتستحق وسن، أخيراً تمكنت وسن من التنفس بطبيعية فسألت بصوت أبح:
-لن أغضب لو تأدبتِ قليلاً.. ما سؤالك؟ اسألي!
مالت شفة موج بتشكك:
-وتجيبين بصدق؟ عليك أن تفعلي أنا بسهولة أعرف..
تأوهت بلوعة:
-خبرتي مع علي جعلتني أعرف كل شيء قبل أن أسأل.
-حسناً.. اسألي بسرعة .
أسندت موج كفها أسفل فمها وعادت للتفحص غير المرغوب وسألت:
-هل أحببتِ عون يا وسن.
تفتحت عينا وسن، فقد ظنت سؤالاً آخر أكثر جرأة ومع ذلك ردت بصدق:
-هناك أشياء أهم من الحب.. أنا أعيشها معه.
كشرت موج بتأفف:
-سبحان الله.. شعارات عمك علي الرنانة.. مرجعكم واحد أيتها العائلة.. ليتني ما سألت.
ضحكت وسن هذه المرة ولم تكمل ضحكتها حين صعقتها موج:
-ومع ذلك.. أقصى حد لك لأن تقعي في حبه شهر من الآن.. هذا إذا ما فعلتِ وانتهى أمرك.
برتم سريع تسارع نبض قلب وسن، وتجمعت قطرات باردة على جبينها فأكدت لموج:
-مستحيل موج.. لا يأتي الحب بهذه السرعة.
بخبرة قلوب.. ونضج عاطفي متشبع بالمشاعر أقنعتها موج:
-لا.. المستحيل ما تقولينه أنتِ.. لا شيء أسهل من الحب ذاته والوقوع فيه مجددًا، لأنه ليس حكرًا بمرحلة معينة ومشاعر معينة مع شخص معين.. بل هو أبسط وأعمق من ذلك بكثير فحال القلوب الانقلاب، ولا تعرفين كيف ينقلب حالها من نقيض لآخر!
رمشت وسن بتتابع كأنها تستنكر ولا تصدق.. بل تقنع نفسها بكل الوسائل ألا تفعل.. فما أفكار موج هذه التكفيرية بالعشق ودستوره.
كلام موج.. كموج أسوأ من إلحاحها حين شددت عليها بتأثير:
-أجل وسن.. القلوب ما إن ترتاح تألف، والإيلاف أعقد وأمتن من الحب، حتى اللهفة والتوق فيه أشد.. لن أبالغ لو قلت لك أن هناك انجذاب متبادل بينك وبين أخي.. وألفة عتيقة بينكما.. هل لاحظتها أنتِ؟ لم تتصرفي معه منذ جئت كزوجة.. بلا كنتِ معه كصاحبة ورفيقة.. لاحظي ذلك لتعرفي نفسك.
ثم مطت شفتيها تضيف لانشداه وسن بما تثرثر:
- أشياء من هكذا قبيل يعني.. تابعيها حيدًا اسمعي نصيحتي.
الاستجواب انتهى مع رنين علي، الذي جعل موج تقفز وتكف عن دور المحللة النفسية يستدعيها العودة حالاً قبل أن يقلب المدينة فوق رأسها، فعادوا جميعًا للمنزل الخالي من آمنة التي ذهبت ليمنى مع عون.
سلكتا طريق منزل خليل حين اقترحت موج:
-سنوصلهما لبيت أهلك.. والدتك شددت علي في ذلك.
تقبلت وسن ذلك والحزن ذاته غير الرحيم بها، جعلها تعبس ويتفتت قلبها لنثرات في لحظة، لكن عزاؤها أن عون وعدها في أن يكونا معها للأبد.. فتصبر.. ولا مُسكّن لها سوى الصبر.
-خالد.. إلهي أن يكسر خاطره.. كسر خاطرهما صباحاً حين طلبا أن يذهبا إليه فاعتذر بـ "الشمطاء " خاصته طريحة المشفى.. ولم يلب طلبهما.
مست وسن عنقها وهي تتذكر رؤيتهما فقالت لموج:
-دعيهما لله.. جيد أنهما لم يذهبا له.
تفاقم حزنها أكثر وحاولت تخطيه بصعوبة، لم يستغرق الطريق طويلاً فأوصلتا الصغيرين وأكملتا السير حتى منزل علي فدعت موج وسن:
-ادخلي معي.. عون سيتأخر.
حاولت وسن التملص فهناك ما يدور بين موج وعمها ولا تود أن تكون عازلاً فيما بينهما فبررت اعتذارها:
-لا.. مرة أخرى ليس اليوم!
وموج لا تعرف كلمة لا
أو حتى مشتقاتها
فشدتها بقوة بلا مقدمات وأدخلتها للداخل، وقبل أي اعتراض هاتفت عون:
-عون تعال لتتعشى معنا.. حسبنا حسابك أنت ووسن.
الإحباط الذي تغنت به نبرة شقيقها، هو ذاته الذي استقبلها به علي وهو يلمح وسن معها..
-ادخلي يا وسن.. هيّا!
فكت موج حجابها واستقرت على أريكة علي تخبره:
-احسب حسابهما معنا.. سنتعشى سويا، اتصل بالمطعم واطلب وجبة لنا .
أفحمتها نظرته عن مواصلة أي حديث واكتفى بأن سألها:
-حقاً؟ جيد جداً منك أن أشركتني في طلب الطبق.. لم أظن أنني سأنل شرف طلبه أيضًا.
رفعت حاجباً واحداً وهددته عيناها المتحديتان:
-وهل لنا غنى عن ذوقك الفتّاك يا روحي.. هيا وصّ العشاء على ذوقك والله لن أعترض.
رفع فمه باستخفاف:
-متفضلة عليّ ست موج.. لا أعلم كيف أرد جميلك
تلاعبت وهي تلتصق أكثر وتخبره بتلوي:
-ليلاً..ليلاً ستفعل!
زجرها فابتعدت عنه وعادت لوسن التي تلاحقت ألوان الطيف على وجهها فطلبت بهدوء:
-قولي لي عن أشياء لذيذة لسهرتنا!
قوست وسن فمها بلا أية مقترحات وردت:
-لا فكرة لدي.. حتى عون لا أظن أنه سيتناول العشاء معنا.. لا زال في طريق عودته وأخبرني بأنه متعب ويحتاج الراحة.
أصابت موج الخيبة فقالت:
-لا تقوليها.. خسارة كنا سنجتمع.
تعرض علي متدخلاً وقد رآها فرصة:
-الرجل متعب وقادم من دوامه دعيه وشأنه يا موج.
زمت موج شفتيها ونهرته كي يجامل وسن التي تود الهروب فلم يعاونها وهو يقول:
-دعك منها يا وسن.. أنت ابنة أخي والبيت بيتك تبدين مرهقة وهذه تفرض عليك العشاء والسهر، تظن الجميع متفرغ مثلها.
توتر فمها وحاولت أن تؤيد موج التي تندد بعقاب فتعذرت:
-أنا متعبة حقاً يا موج.. لقد حصلت أشياء كثيرة اليوم ولم أرتح أبداً.. أعدك غداؤنا غداً معاً..
وتنصلت منها بعد احتضان من عمها مراعٍ وداعم.. فهي شكت له كل ما حدث في يومها، فودعها وهو يقول لها:
-أعدك لن تندمي أبداً على خيارك معه.. والأيام ستثبت لك.
ثم أشار للشارع حيث سيارة عون وشجعها:
-هيا الحقي به ودعك من زوجتي أنا سأتدبر أمرها.
خرجت من عنده كمراهقة تلتحق بموعدها الأول، وتركته لموج التي عاجلته سريعا تتخصر وتحرك شعرها بزهو:
- لقد كشفتك.. لا هروب لك مني.. قل لي متى أحببتني ..هيا اعترف.
**
حين خرجت له بناء على رسالة عاجلة غير قابلة للتفاوض
(اخرجي سريعاً.. أنا في الشارع قبل أن أسحبكِ من هناك)
ترددت وخشيت.. فطلبت من عمها علي الذي وجدها نجدة سماوية ليختلي بموج، فرحب سريعاً بالفكرة. تسابقت مع الزمن وطلبت لهفتها ألا تسوقها إليه كمفضوحة وحين وصلت إليه قطفت من أنفاسها شهيق انبهار طويل الأمد، فانبهارها به دائم العجب، حيت هيئته التي تستند على طرف سيارته، يخلع سترته الخفيفة ويضعها على كتفيه بإهمال يحاكي هيئته المبعثرة، كقميصه المفتوح زريه الأخيرين ولا يتأثر ببرد مثلها وأخيراً معصميه المشمر عنهما، سألته ضاحكة حين أصبحت أمامه:
-هل نبدو كهاربين؟
صحح لها حينما باتت على بعد خطوة عشق منه:
-بل نبدو عاشقين في موعدنا الأول!
كادت لتخطو خطوة للخلف فتباعد بينهما عمراً.. فتدخل حياؤها وتعثرت خجلة تستفهم منه:
-نبذة عن مخططاتك أنا متشوقة لها.
سرق من عينيها الحماس ورد:
-أن نتمشى!
لم يبدو عليها أثر تعب، بل وافقته بحماس شجع في نفسه أن يفضي عنها، تنفست بطول الشارع وأخبرته بمشاعر متماوجة:
-أحب هذا الجو جدًا.. الأقرب لقلبي.
كانت الشمس غائبة عن المشهد، والسحب متناثرة على أطراف المغيب، تتهيأ لولادة الغسق فأيدها:
-الغروب أجمل ما في اليوم كله..
انجذبت معه للفواصل بينهما.. فواصل للتنفس.. والتنفيس.. والبحث
فتارة يتحدثان بتناغم وتارة يعم صمتهما الصاخب الحيي رغم توقه للانفجار.
التفتت إليه وقد تلهفت عيناها بتصفح وجهه كاملاً، سمرته.. فكه.. عيناه.. حتى رمشه، وراحت الأسئلة تتسابق في مخيلتها، لماذا تزوجها؟ وهو من زهد في الزواج طويلاً؟ بل كيف يكون بهذا الحلم معها والتعاون.. ولا يتكلف مجهوداً في فرض نفسه عليها.. بل تشعر أنه بطريقة ما كان متسيداً في مكان محصن داخلها ومهما مرت من ظروف غريبة، عاد لحصانته. فشيء في قلبها يألفه.. يألفه حد القبول جداً.. وعثي الفساد في مبادئها.
فاجأت كليهما بتهورها:
-عون لم لم تتزوج إلى هذا العمر؟
تصلب لوهلة، وارتج فكه من مبادرتها تفتيشه إلا أنه أجاب بصدق:
-لم يكن الزواج ضمن خططي.. وحين أقولها أنا صادق جدًا.
حدقت به طويلاً ثم سألت برعشة خارج حدود القوة المفترضة:
-لماذا؟ أو اشرح لي كيف!
توقف معها تحت أسفل شجرة وارفة وشرح ببساطة أثارت فيها التعب وتحري الاستكشاف:
-أنت تعرفين ظروفنا جيدًا.. كنت في خضم مسؤولية خمس أخوات.. بتدريس وتعليم ورعاية حتى الزواج وتجهيزهن كاملات..
قطب حاجبيه بحركة غريبة يفعلها حين يندمج في أمر ما ولا تعلم كيف يبدو بها ملفتاً للنظر.. فتابع وهو لا يقطع تواصلهما البصري:
-وحين وصلت الاستقرار المادي والنفسي وجدتني فاتر من أي رغبة.. أي أنني كبرت وما عاد لي شغف بالعلاقات أو أي دافع.. غالباً كل الرجال بعد مرور الثلاثين تفتر رغباتهم.
توقف يستفهم كي لا يوضح أكثر بشكل إيحائي:
-أنت تفهمين مقصدي.
خجلت وأطرقت رأسها وعلقت:
-أنت فعلت الكثير لشقيقاتك تستحق ولائهن.
تبسم لما غيرت الموضوع وأكمل لها:
-ثم عدت لإصلاحات شقتنا وترميمها، ووجدتُ نفسي مرتاحاً هكذا.
ضحكت بغير حماس كأن فيها ما يطلب شيئاً لا تدركه.. تحاول عبثاً فيه.. فتشد ولا تود أن تنشد.. تحاول المعرفة وتخشى عواقب الاستكشاف.
-ثم وجدتني فجأة ووقعت في غرام جمالي وفتنتي وقلت سأتزوجها.. لقد فككت نحس الزواج عنك.
سهم فيها حد أن زلزلها ودك ما أسفلها:
-حدث في الواقع.. كل شيء كان بمحض الصدفة.
قهقهت مرتجفة وشعرت بتوعك عاطفي بحت فتهكمت بغباء:
-لا تقل جمالي السبب أنا أبعد ما يكون عنه..
قابلها بالمكر وأضعف حلقتها.. فباتت محصورة:
-هل هذا حث لاعتراف كامل بجاذبيتك؟
شهقت وقد باغتها قوله:
-أنا لست جذابة.. لا إن صح القول لست جميلة بل ممكن جذابة..
تلعثمت حد الهذيان وهي تشرح بتقطع:
-أنت محق ربما أنا جذابة.. سابقاً لم يلفتني من يمتلكون ملامح الجمال البارزة بل..
جف ريقها فرطبت شفتيها وازدردت لعابها وهو يتابعها:
-لكن أؤسر بمن يمتلكون الجاذبية الطاغية، فقد كنت أفضلهم.. أنت جذاب أكثر منك وسيم هل تعرف؟ نبدو متشابهين حقاً.
ضحكت ضحكة صفراء، أشعلت يأسه فأخبرها بأسف:
-لا تدركين نفسك أبدًا يا وسن!
حاولت استئناف المشي فأوقفها بحزم وكفه تلتف حول معصمها:
-لا تتجاهلي أي شيء يخصك وتفري منه أبداً.
همست في تعب وودت لو أفلت يدها:
-شكراً لإطرائك..
حاولت تخطي الحديث كناقصة تستكثر على نفسها الغزل، فنطقت:
-الطريق طويل بماذا سنشغله؟
-بالحديث عنا.. هل يعجبك؟
شابكت ذراعه وهي تخبره:
-جيد جداً علينا أن نعرف بعضنا أكثر .
زفرت عميقًا وهو يتباطأ معها في خطواتها:
-والدتي تركت لنا المنزل عن قصد. هل أدركتِ ذلك؟
ردت بتشنج وضحكت:
-أجل..
بدهاء غير مراعٍ دعا:
-عسى مساعيها تكلل بالنجاح.
أطرقت تخفي ضحكتها متعجبة كيف تتجاوب معه بكل هذا الاتساق من العاطفة.. وهربت إليه من تطرفه.. ووقاحة أفكارها:
-عون!
همهم لها بنعم فصدمته:
-هل حققتَ من أحلامك شيئاً؟
سألته وهي تبغي الإجابة بحق، لقد كان يعلق فيها آمال الدراسة وإصرار النجاح بالحديث عن الأحلام، الآن هي تسأله و لم تنسَ أحلامه أبدًا، ظل مستمراً في مشيته، وصمت طويلاً يستحضرها من بين أحلامه فتتجسد كمُلهِمة وكلمة أشعلت النص.
يجيب بصوت ثقيل:
-لحدٍ ما حققتها.. وأنت؟
-سألتحق بالعمل منذ الغد..
نفى قاطعاً:
-غداً لا ..
كان مصراً.. لحوحاً ولم تفهم فسألت:
-لم؟!
-أريد سرقتك غداً..
ضحكت بغباء مستفز، وحاولت جمع كل ألعابها السخيفة التي تلاعبها الجميع فسألت مجدداً:
-لو قلت لك أخبرني عن مغامرات قمت بها لا يدري عنها أحد.. وسأبوح لك بالكثير وهذا سيكون سرنا الصغير.. هل ستخبرني؟
ظلت معه كفكرة يطاردها ولا يضع لها عنواناً مناسباً فزفر بإحباط:
-ابدئي أنتِ..
بدأت بالعد على كفها بحماس:
-حرقت طبقاً للكعك ورميته في القمامة قبل عودة والديّ ..
ضحكا فعدت بالثاني:
-وهربت من المدرسة مرات .
عددت الثالثة:
-وزورت شهادتي المدرسية مرتين.. والآن دورك؟
شد معصمها الرقيق لتتنبه أنهما قد وصلا أسفل ساحة المنزل حين أجاب:
-ذات مرة.. أحببتُ بلا أمل!
شعرت بالبرودة فجأة، كمن تم حشرها في قطبٍ من جليد بعد انصهار مكثف فشحبت تستفسر:
-هل أحببتَ مرة؟
عيناه جامدتين تحدقان فيها ككون كامل، كامرأة لا تحوي غيرها على تاء تأنيث، وكحلم بعيد المنال.. فرد بثقة:
-أجل أحببت.
لا تدري أي حسّ شاع فيها لتحدق به يائسة، متطلبة ومسكينة، عيناها تبيحان له النظر للاستيلاء.. باستيطان. .في تسيّد فأخبرها وهو يشد كفها للداخل:
-هل يحدث شيء لو قبلتك الآن.
نهرته كامرأة واعظة:
-كلام وقح لا يصدر عن أستاذ قدير ناضج.
-فكرتك عن الأساتذة تستوجب تصحيحاً مباشراً..
دخل قبلها فتبعته، كان مصراً الليلة بشكل يحبط كل ألاعيبها في السهر عند علي فيقطع عليها الطريق
(أنت الليلة لي)
هل نجلب عدي وغيث الليلة ليناما لدي
(ونجلب علي وموج وعمي خليل وخالتي والجيران وطلاب جامعتي ما رأيك)
هل نلعب البلايستيشن؟
(كم تحتاجين لوقت كي تعلمي أني أريدك كشيء حصري لي الليلة)
مرت الدقائق الأولى في ارتداء ثياب راهبة تنفر لا تبشر.. وقد تجاهلها.. تحمست وبدأت في تنظيفها الشاشة، كما رأت ضرورة تلميع أوانٍ نظيفة ككريستالات الصالة ومسح الموقدة الضخمة المتصلة بالشاشة العريضة، فحيرها حين سبقها للغرفة فجالت في الشقة وحاولت قدر المستطاع أن تلتهي في التنظيف وكبح رجفتها والخوف، حين حاولت أن تدخل الغرفة ترددت وهلة تفكر ويهديها ذهنها البراق:
(أهرب للمطبخ.. أصنع عشاء لنا.. وأخرج أواني الخزائن لتنظيفها)
وقبل الحسم والالتفات وجدت نفسها مسحوبة للداخل مع همسة متوعدة:
-لقد أمسكتُ بك.
ردت عليه تنفي تهمته:
-لم أهرب.
أخذها ملياً في نظرات تائقة سافرت بها إليه، فعلى سبيل التمني تسأل (هل أحَبّها) وعلى سبيل الرجاء (ألا ليت)
أخبرها في ضجر:
-لا شيء أسوأ من امرأة تدعي الغباء.
دافعت بشراسة عن نفسها
-أنا لست غبية.
هتف لها بمعضلتها:
-لا.. بل الأسوأ مدعية..
-لا أدّعي..
اقترب منها كثيراً يستنشق رائحة الهيل التي عبقت ملابسها على إثر طحنه فيسألها وهو يلامس أطراف أهدابها:
-أتساءل اللحظة الآن بشيء غريب.. إجابته أكثر غرابة.
لا ترى.. لا تحس سوى أنامله التي تغازل رموشها
-ما سؤالك؟
أطبق شفتيه وعاد يتنشق رائحتها وأخبرها:
-رائحتك بن وهيل.. ماذا عن مذاقك؟
دفعتها عنه باضطراب ترفع رأسها له:
-ها.. ماذا تقصد؟
حد مشاركة النفس.. حد عناق الجسدين.. ومضمار النبض مشتعل.. أخذها وشعر بنفسه يحتلها بلا رأفة.. فاختضت نواصي قلبه الجبارة وحدثها وهو يهمّ بتشريع أبواب قلبه..
-كم يلزمك كمدعية أن تدركي معنى ما سأقوله لك..
لم تكن واعية إلا له كيف يسحبها يجذبها يسرقها.. هو.. هو لا سواه وهو يبسط لها..
-حين غادرتني قبل عشر سنين.. لم أشك للحظة بأن تلك نهاية الحكاية.. بل تأجيل زمني لخدمة ما.. مثل أن تأتيني وأنا أستحقك.
دمعت عيناها تنسلخ عنها قوتها كهلام طيع بين حروفه، فتأوهت بلوعة وهي تدرك القادم.. ستكون له.
وكانت له الليلة، يداويها فطريق العشق موصول بالشفاء.. وعلى يدي حبه.. تداوت.
***
بخلاف الليلة التي عصف بها الغرام، اشتعلت ليلة طويلة بالشجارات، والكثير من الضحك.. الكثير منه حين انتهجت موج الهجوم عن الاستسلام في لحظة إحباطه لها بسؤالها الدائم عن
(حبه لها)
وتجاهله إياها بجهل رجل بماهية الاعتراف، فقصفته بقرارها:
-لقد قررت أن أقوم بتفجير المبايض مجدداً وإن لم تنجح سنخضع للحقن المجهري.
توشح وجهه بالصدمة وناظرها بغبن بحت فصرخ:
-هل عدنا للجنون مجدداً.
نهرته تبكي:
-لا تزاود على أمومتي وقدر أحلامي ولو لمرة.
فك زر قميصه ورماه بانفعال:
-ألا تملين.. ألم تتعلمي التسليم والرضا؟ أنا راض أخبرتك ألف مرة أنا راض.
استقامت تواجهه تضرب صدره وتنوح:
-وأنا بعكسك لا.. أنت مجرد رجل كاذب، ستمل من الوحدة وتتمنى الأطفال وترغبهم وسرعان ما ستبحث لك عن امرأة أخرى.
دلك ما بين حاجبيه وابتعد عنها بمسافة تخول له سحبها له:
-لو توفري علينا خطاباتك الرنانة كل مرة بالزواج.. من قال لك أنني سأتزوج.
انبثق عن عينيها خطين لا ينضب ماؤهما فرصت عليهما وهي تشكو حالها:
-ستتزوج.. ستفعلها وتتركني وحدي.. ستنجب للأطفال وأبقى وحدي أخي سبته ابنة اخيك ولن يأبه بي.. وشقيقاتي كلاً ستحمل همها بما يكفي لأن لا يلتفتن لي.. وأنت لا تملك من الرأفة ما جعلك زوجاً يريح قلبي وأنا معه وحدي.. فكيف ستهتم بي وقد شاركتني فيك أخرى.
ازداد بكاؤها بشكل هستيري تختنق تشهق ترثي حالها:
-وسأموت وحدي ويتحقق حلمي ليلة أمس.
أجفلها وأوقف انتحابها حين حرك ذراعه ليرفعها بها عن الأرض، فتعلقت قدماها بالهواء وهو يصيح بها:
-كفي عن تخريفك.. لقد أتعبتني معك.
سالت دمعتها على وجهه فمسحها بعنف وهي ترجوه
-أريد طفلاً
-إن شاء ربك سيرزقنا!
-ومنك أنت.
نبض صدغه وهي تذري على ما تبقى منه من عقل
-وكيف ستنجبين إن لم أكون والده.
حديثها على محمل الجد حين همست بإنهاك
-إن تزوجت علي لن أبقى على ذمتك وسأفعل كما فعلت وســ..
وفجأة وجدت رأسها يتدلى فوقه وعلي يزمجر بها
-إياك نطقها يا مجنونة.. والله أقتلك.
هزت رأسها في طاعة فقرر أن يأخذها على محمل الحب وسأل:
-من زرع في رأسك فكرة الزواج؟ من الذي يعاشرك ويفكر في ذلك!
لا تصدق حديثه ولم يفرق معها أي شيء مما يقوله.. فيأس أكثر واضطر أن يقول:
-لن أبدلك موج.. لن أبدلك بأي امرأة مهما كانت.. هل يرضيكِ؟
شهقت تنهال عليه بردة فعل ترضيها، وحين انتهت من عقابه همست:
-حتى وأنا عاقر؟
تأفف حين بدت مزاجه وصحح لها؛
-لست عاقراً.. الله لم يأذن بعد.
دنت منه أكثر تستعطف نفحته الإيمانية لهذه الليلة وتوسلت:
-قل متى أحببتني.
تناول وجهها الرقيق ككلها، مقرراً تحرير قلبها من قبضته واعترف:
-أنا لا أحبك.. لكني أعدك من الضروريات.. هل تستطيعين الاستغناء عنها؟
نفت محبطة فتابع لوجنتيها المكتنزتين يشرح بذكائه العاطفي المحدود:
-كالنفس؟ هل تعيشين دونه؟ أنت كذلك لي.. كالنفس أو النبض.. مثل البصر.. هل فهمتني؟
عاودت الإيماء والنفي بشكل متلاحق وصدرها يتضخم، وحاجتها الماسة لعناقه تلغي كل تفكيرها فتقترب أكثر إليه مدفوعة بغريزتها وتهمس لليل عينيه:
-ما فهمته أنك أغبى رجل أحب يوماً.. دع نفسك لي كي أعلمك الحب.
كادت تهوى على قفاها حين نفضها بفظاظته:
-موج انتبهي لنفسك.
تنهدت بيأس وقررت جره إليها فسايرته بحنكة العشاق وسألت:
-قل لي.. متى بتُّ من ضرورياتك؟
تمعن وحك ذقنه حتى فاجأها بما جعلها تسقط مغشية عليها:
-حين توقفت عن المجيء لتنظيف منزلي مع خالتي.
وكان في الإغماءة خير، فقد بُشِّر أخيرا بــ:
-ضغط الدم منخفض تبعًا لفترة الحمل الأولى.
***
شهور طويلة مرت بين الحب وتوالي اعترافات حبيسة جدران القلب، كان أولها.. حين أخبرها بنقاش ما:
(لقائي بك كان قدرياً.. فأنا وجدتك على سبيل الصدفة)
وثانيها غير منطوق.. ولم يتعد الشعور الذي تملكها حتى آخر قطرة يقين.
حين مس حجر النرد خاصته المعلم عليه بخطوط الأحلام خاصته.. وقتها قلبها جيداً ووضع علامة صح عند النقطة الأولى.. بما أوحى لها أنها أول الأحلام وبوابة أمنياته.
وثالثها حين كان معها في أول جلسة قانونية.. شجعها فيها
(لا مستحيلات.. عن تجربة أخبرك.. فلا تترددي، واكسبي رهانك).
وعلمت أنها مستحيله الذي تبدد..
ورابعها الأجمل والأصدق، كانوا يحتفلون.
المكان : أكواخ عجلون.
الزمان: آخر أيام الشتوية..
روح تنبض في أحشائها جاءت رغم كل الموانع والمعوقات التي فرضها خالد في زواجهما، وتشعب وضعها الصحي.. طفليها في حضانتها عقب سفر خالد وزوجته إلى قطر بعد محاولات كثيفة للإنجاب تبوء بالفشل، وأخيراً مكتبها الصغير الذي باشرت العمل فيه بعد المزاولة.
ارتدت الفروة التي جلبتها في رحلتهما نظراً لطقس عجلون، وضعتها على نفسها عقبما ملت الخلود قرب المدفأة، خرجت له حين وجدته يتأمل الجبال المغطاة بالأشجار من علو، وجاورته بتلقائية تناولها بين ذراعيه ورأسها يستقر عند نحره يسألها في اهتمام:
-هل أصبحت أفضل؟
أومأت له في اطمئنان يغشاها منذ أن حل بأرجائها ينشر سلامه.. أغمضت عينيها ترتاح له بطريقتها وأهدابها تتفنن في إغوائه فيمسهما بعينيه وهو يتجرأ لبحث سلامه.
-لهذا المكان ..سنترك ذكرى..بدون مساعدتك لن نفعلها.
استمعت له في تركيز حتى أضاف في رقة:
-هل يمكنني مقاسمتك قلبك؟!
رفعت وجهها عنه، تتأمله بإجابة فما تشعر به يصنف تحت غبش ما قبل الاعتراف.. فلا تدرك نظراتها وما تفعل!
كانت متعبة، تعاني ثقل الشهور الأولى فلم تسعها طاقتها وتهاوت
فدعمها حين تمايلت بين يديه فما يصيبها الآن هو دوار ما بعد الاعتراف الضمني..
شدد من احتضانها بقوة كأنها الأبد.. فترمقه مترنحة على أعتاب إغماء الدقة الأولى..
والطلب يعيد صداه، فتتلاحق الذكرى مع أنفاسها المتصاعدة وهي تكرر لنفسها:
"هل يمكنني مقاسمة قلبك".
وطلبه الأول في أول لقاء جمعهما:
"هل يمكنني مقاسمتك المقعد"
وما بين الطلبين، وقسمة شعورها الحالي على معطياته؛ أدركت أن الباقي كان خفقة، لا تقبل القسمة على أحدٍ معه.
أجابته وهي مستسلمة:
-لو سألتني قبلاً.. لأخبرتك أن الحب يبدو كشيء ثقيل أمام ما أشعر به معك من ارتياح مطلق بلا حدود لشكل علاقة أو ضوابط.
راعت مشاعره ولم يهن عليها أن يحبط فأضافت:
- لكن الآن ..ألا تظن أنك فعلت منذ وقت.
انتهت.
بدأت 1\10\2022
انتهت 12\1\2023