الفصل 8
(٨)
ما بيننا كان معلقًا للزمن ..وقد آن أوانه
هل تشاورها نفسها على الرحيل؟
مجددًا الرحيل.. الهروب، دار السؤال في جنبات عقلها، فازدردت لعابها وقلبها يختلج فهمست مصدومة:
-أ أهرب معه!
أتُراها عافت هوى الحرائر وتاقت للعبودية في محراب خالد فتهفو الفكرة في رأسها؟
صابتها لوثة جنون وعيناها تتابعان بلا توقف زخات الرسائل التي يمطرها بها خالد، مستسلمة لهذا الفيض بتقصد وكأن داخلها رغماً عنها يود التشبع إلى حدٍ هي لا تفهمه!
(وسن أتوسل إليك ألا تُتممي الزواج)
تأوهت فيما يشتد التفافها حول نفسها وداخلها يتمرد ويخرج عن سيطرتها، فتدور بلا توقف بحلقة مفرغة تعجز فيها عن إيقاف نفسها!
(وسن أنتِ حب عمري، لا تتزوجي به.. بحق كل ما بيننا لا تمض في هذا الزواج)
تدور وتدور حروفه بها فتترنح بلا مقاومة وهي أسيرة لهذا الطقس الذي يجذب منها أسوأها ويحررها منه بشهقات متتالية تطهر دنس تعلقها المريض به دون توقف عن الدوران المستمر..
(بحق الذي عشناه وما يعز عليكِ اتركيه)
تطوف.. والعذاب لا ينتهي.. تسعى فيه بشقاء ساقت نفسها إليه طواعية.. تشكلت قطرات عن جبينها، فحاولت مسحها بلا جدوى
(أنا أحبك.. أحبك.. عودي إلي ودعك منه)
ترفع كفيها لعينيها تحاول جذب نفسها من نفسها بقوة فتعجز وكأنها مكبلة بأصفاد لا فكاك لها منها، رباه إن أخضعت نفسها لنفسها ستكسرها، وإن سلمت للهوى سيذلها، وكم أذلها الهوى!
(لن أسمح لك باختيارك والابتعاد عني.. بل لن أسامح كلانا)
الحرارة تشتد رغم برودة الشتاء وخفة ما ترتديه تلهث كأنما تركض بلا وصول وأناملها تقبض على الرسالة المتراقصة أمامها:
(وسن.. سأفعل كل ما تريدينه لك لو شئتِ لطلقت صبا.. أنا لم أحبها يوماً.. أنا أحبك أنت وكم أندم لما اقترفته في حقنا)
تتلاحق أخرى بشكل أسرع وأقوى
(أرجوك وسن.. أرجوك أنا أحبك بشدة لا تتركيني)
لم يسمح لها بأخذ نفسها الأخير فأرسل لها مقطعًا مرئياً يحوي هيئته التي تبكي بهستيريا وكلمات غير مفهومة مكررة تحوي الاستجداء..
رصت على عينيها بقوة وهي تهوي على السرير بشهقة كممتها بكفها المرتجف، لا تدري أيهما أسرع عبراتها أم أنفاسها فكلاهما يشقان جسدها شقاً.. شدت على عينيها وهي تسلك أميالاً إجبارية في الذكريات تكدست على هيئة لحظات كافية لجلب المشاهد بدقة!
الابتزاز العاطفي الذي يسخى به خالد حتى هذه اللحظة لإخضاعها، لإلقاء سحر الشفقة خاصته فتعطف عليه عطف المعطي لمتسول كعادتها!
رؤية دموعه أثارت فيها نفسها، لتسألها متهكمة:
(كم مرة بات نائماً على صدرك باكيًا عوضاً عن نومك أنت على صدره!؟)
ثوانٍ .. لتسطع الإجابة وتضعها في حيز الإدراك والتخبط، فتواصل جلد ذاتها وهي تفتش من بين حطام الماضي المعتل وتقبض عليها للشفاء.. فلا شفاء دون مرارة
(كم استدعى ابتزازك العاطفي هذا.. ليجبرك على شيء وتخضعين له بدافع الحب مأخوذة بعطفك الذي لا حد له؟)
مسحت على عينيها بمددهما الباكي وسألت مُعنِّفة:
(كم مرة يا وسن!)
(بدءًا بماذا يا وسن؟ برفضك عرض الوظيفة التي دبرها لك عمك علي فور تخرجك في دائرة الأراضي كمسؤولة للشؤون القضائية تحت يدي كاتب العدل!)
اهتزت قدماها متوترة وهي تتابع وقفتها الأولى مع نفسها فيضطرب نبضها بشكل أقوى
(أم بيعه لمصاغك الذهبي لافتتاح مكتبه في عمان الغربية، ووعده إياك بسداده لك كاملاً.. ولم تنلي من السداد سوى خاتمًا اضطر للإتيان به فقط لأنه اضطر و أهدى لوالدتك مثله)
التمع ذهنها بإدراكٍ فضمت الشرشف أسفلها وهي تتحقق الآن من تغاضيها عن فكرة تقديمه الهدايا لوالدتها على الدوام بل ويقتني لها الكثير وهي لا..
عرق جبهتها النابض بدأ بالضرب تزامنًا مع الصداع الذي فتك منتصف رأسها فتتذكر بخزيٍ..
الفجوة العاطفية فيما بينهما.. بل على وجه الدقة المسافة الحميمية فيما بينهما.. الشبه معدومة.. والمفلسة!
(حد شيخوخة عاطفتك.. عاطفتك)
عيناها حمراوان والألم يعصف بكل موضع في رأسها، فتتحرك أناملها بعشوائية لفك ضفيرتها الناعمة مثيرة تشعثها وهي تتذكر شجاراً قديماً دب فيما بينهما فاضطر فيه إن يشكو لعلي ويخبره بوقاحة فجة كاذبة:
(بسبب ابنة أخيك.. نعيش أنا وإياها كأخوين!)
لم تنس كم طالها الخزي والوجع ولم تشأ أبداً أن تشهر في وجه عمها ألا ذنب لها مطلقاً فيما قاله.. بل إن خالد زوجها هو من يزهد فيها حد أن زهدت أنوثتها وألقت بها على رف الاعتياد واللا مهم، واتبعت هواه ورضت بتصنيفه وعزله العاطفة بمنأى عن الحميمية.. والعيب فيها كلها لأنها صمتت ورضت رغم عدم تقبلها لركود حياتهما.. بل لرتابتها.. إلا أن كفة حبه المأسوف عليها كانت ترجح فتتغاضى وتتقبل.
نكست رأسها بقوة تقبض على طرفي رأسها لعل الألم يخف ويرحمها فتتذكر بقسوة، تهميشها وعزلها في مدار يسبح حول نجمه، قدرتها الاجتماعية تخطت حدود الصفر لقلة التواصل والمشاركة، لقد نأى بها واعتزلت لأجله حتى ما عادت تغنيه بل كان يتفنن بإشعارها دوماً بفقر أنوثتها مهما فعلت وقدمّت بل أوصلها إلى حد أنها باتت تتشارك هي وإياه في ذات النظرة فكلاهما ينظر ان بعين النقص لها!
ارتجفت شفتاها وهي تشعر بمواطن النبض تكاد تنفجر من مكانها فتهمس بتراخٍ:
-يا رب لا تخزني في يومي هذا!
يسح العرق أكثر فأكثر منها، فتحاول الاعتدال للاستقامة وساقاها تخذلانها فتجلس مجدداً مع دخول غيث المفاجئ راكضًا نحوها كمداهم بلا طرق على الباب أو حتى استئذان كعادته الفوضوية هاتفاً بفرح:
-أمي.. انظري لي كيف أبدو!
ضحكت مرتجفة وهي تستقبله بذراعين مفتوحتين:
-الله! عريس.. بل أجمل من العريس نفسه.
اقترب منها فجذبته لها ولم تهتم بتلويثه، كان سعيداً تفوح منه روائح العطور وتصفيفة الشعر، اختنقت أكثر وهي تشعر بالغصة لا ترحمها، لو كان مدركاً صغيرها بما يكفي لما كان مبتهجًا وفرحاً كأنه العريس.. رباه ألا حد لوجعها هذه الليلة؟ طفلها مبتهج بلا وعي بل يكاد يكون الوحيد الراضي عن هذه الزيجة مع عمها علي.
-أمي لقد تصورت مع "خالو " عون!
عادت تبتسم له بارتجاف وهي ترى تعلقه غير المرغوب به أبدًا في عون، لكنه فاجأها حين مد بجهازه اللوحي المخصص للأطفال (تابلت) أهداه له عون في أمسية يوم ميلاده قبل أيام، ولم تتفاجأ حينها كون الهدية هي طلب ابنها شخصيًا، الحقيقة لم ترضها العلاقة الوطيدة بين الطفلين وعون في ظل غياب والدهما..
ليس وفاءً له.. فلم يعد ذلك موجودًا أساساً..
ولم يكن حبًا بالطبع فالمشاعر في طور الاحتضار..
وليس تقديرًا فهو لا يستحق.. لكنها لا تود طمس دور أبوهما وتركز على أهمية وجوده؛ لكنه وبكل أسف لم يكن قد تواجد في عمان يومها بل كان في محافظة جرش متغيباً ليومين على إثر قضية هامّة.. فرضخت لاحتفال عون.. وهدية عون.. وحضور عون كله!
جذبها الصغير متذمرًا من طرف كمها فالتفتت لوضعية التصوير التي يتجهز لها
-هيا انظري للكاميرا..
تعاونت معه ببسمة صعبة تشكلت على شفتيها وتقبلت الجلسة الفوتجرافية التي لم تنل منها سوى طرف ثوبها ويدها بشكل مشوه إثر اللقطة الخاطفة وفم غيث بسنيه الأماميين المفقودين يستوليان على الصورة.
-انظري كيف نبدو.. سأتصور مع خالو عون وعمو علي مثلها.
تزامن قول غيث مع رنة تنبيهية لرسائلها، فقبضت كفها على الهاتف حد اشتداد مفاصل أصابعها.
(أ يرضيكِ أن ندمر حياة صغيرينا؟ أ يرضيك أن أعاود تجاربي فيهما)
(لا تيتمي طفلينا.. لا يا وسن أرجوكِ لا تفعلي.. ليس لأجلي وإنما لأجلهما)
قرأت النص الفارغ بالنسبة لها بلا اكتراث.. ولم تلبث حتى فارت دماؤها اللحظة وعاودها الغليان على أشده وهي ترى بأم عينها السبب الحي لمصابها، يستجدي بالصغيرين وهو لم يزرهما.. تنازل عنهما ببساطة لود أبيها فأبوة خليل له أهم من أبوته هو لأطفال من صُلبه، لقد كسرها أكثر مما فعل بردة فعله تجاههما فبيعه لهما أكد لها كم هو بائع لضميره.. اندلعت نارها أكثر واندفعت منفعلة تأمر غيث بالخروج:
-اخرج غيث أود أن أبدل ثيابي
ارتاب الصغير مع احتدام تنفسها فسألها مشككاً ببراءة:
-أنت ترتدين ثياب عروس لماذا تبدلينها؟
تأوهت وكادت تنهار أسفله ليرحمها فشرحت مرتجفة:
-أنظم ثيابي ليس إلا.. هذا الطقم قد تلوث!
ثم وكأنها تذكرت شيئاً هاماً:
-اذهب الآن وأكمل فقرة التصوير.. سأنضم إليك بعد قليل.
تحمس غيث وركض من فوره بعد قبلة هوائية أرسلها لها فأرسلت له مثلها.. راقبت خروجه وانكفأت على الباب للحظة تستند بجبينها عليه، شعرت ببلل طال عنقها وصدرها، عاود الأزيز لهاتفها مجددًا فأغمضت عينيها بقوة ورفعت كفها الآخر تمسح جبينها بقطرات العرق التي تصفدت فوقه، تأكدت من جاهزيتها للحديث وحينها اندفعت صوب الحمام الداخلي، نقرت على الشاشة للإجابة واستلمت صوته الملهوف:
-وسن حبيبتي.. كنت أعلم ستفعلينها لأجلي..
قاطعته بصوت خرج من أعماقها :
-اصمت.. اصمت أيها الجبان الحقير، أنا أكرهك أكرهك.. يا إلهي ألا تمتلك كرامة تحاول لملمة نفسك بها عني؟
لهثت كما هو بعنف وصدمة، بحجم دناءتها في عينيه ليستبيح مراودتها عن نفسها لتهرب معه وهي امرأة على ذمة آخر..
-أكرهك بحجم الغش الذي اكتشفته فيك وبحجم دناءتك وحقارتك، كيف.. كيف تسمح لنفسك بأن تطلب مني ما طلبته؟ ألا تهتم بصورتك كأب لأولادي!
ضاع الحديث منها لفرط انفعالها فارتكزت على حوض المغسلة تواجه نفسها في المرآة وترى ملامحها بوضوح وهي تتعرى معه أمامها:
-كيف تسول لك نفسك أن تطلب مني الهروب؟ هل تظنني امرأة ساقطة لكي أهرب من رجل اشتراني ..إلى رجل باعني؟! إلى أي حد تلوثت بالدناءة حتى تشابهت عليك الناس لتراهم مثلك؟
يتلقى ثورتها بتمتمات وردود غير مجدية، فيؤجج سخطها وهي تلخص فيه أسباب شتات بيتها وعالمها الذي انهار فجأة بلا مقدمات، تنحني وهي تتمسك بطرفي الحوض:
-أنت رجل بلا ضمير ولا أخلاق.. معدوم المشاعر والإنسانية، أنا أشمئز منك ومن نفسي في كل مرة تبعث إليّ فيها بلا تقدير أبداً لوضعي..
رفعت رأسها تفتح الصنبور أمامها :
-كم أكرهك يا رجل أكرهك وإن صح القول أني الآن أعفيك من كرهي فأنا لا أشعر بشيء نحوك سوى بالاشمئزاز .
هفهفت بالمياه الرطبة نحو وجهها :
-إياك أن تحدثني ثانية أو تحاول التواصل معي.. لست رخيصة ولا أخون رجلاً أنا على ذمته، واعلم يا خالد لعمرك كله.. طالما أنا معه نجوم السماء أقرب إليك مني..
ثم هددته بقوة:
-وتذكر يا خالد تذكر كما صنعتك أنا.. أستطيع أن أهدمك.. فإياك والتلاعب معي!
لا تعلم من أقفل الهاتف في وجه من ولا تعلم كيف وجدت رأسها يستقر أسفل صنبور المياه وهي تغسله! رفعت شعرها إلى جنبٍ وحدقت مجددًا في نفسها، في آلية كانت تجففه بالمنشفة وتشعل المجفف لدقائق محدودة لإزالة البلل عنه تأوهت وهي تشعر بتقلب جسدها للنقيض من الحرارة العالية حتى البرودة، وفي لحظات كانت تقف أمام الحقيبة خاصتها، تُخرج منها ثوبًا من القطيفة الأنيق، مُطعّماً بنقوش تقليدية تراثية على خلفية داكنة، ارتدته وأعادت صنع ضفيرة ناعمة بخلاف التي أفسدتها. أنهتها وتحركت نحو المرآة مجددًا تضبط أحمر شفاه خوخي، ضربت بعشوائية بالفرشاة نحو وجنتيها فطال جفنيها المورد، مشطت حاجبيها بإتقان وأخيرًا مرّت على أهدابها التي لا تعلم سحرهما الذي ألقيا به على قلب أحدهم وألقت عليها مكثفًا لا تحتاجانه!
تطلعت بعين رضاً لا يمكن إنكارها، ومست الضفيرة شبه المبللة تتنهد من قلب مثخن بأساه، وحين استعدت فاجأها عُدي الذي طرق بتهذيب فأذنت له، وما إن دخل حتى وقف بشموخه المعتاد يناظرها بنصف وعي.
فهو حبيب قلبها يدرك رغم صغره.. ويتألم رغم جهله..
ويغرس في قلبها أشواكًا برجولته الصغيرة التي تشعر بها.. حين يغار عليها وإن لم يملك تفسير مشاعره!
نادته إليها تفتح ذراعيها وهي تستنشق أكبر قدرٍ من الهواء الذي ينخر في جمجمتها، فلبّى سريعًا واحتضنها طويلًا فيما يستريح بوجنته على كفها، وتمتم:
-أنا أُحبك أمي.. أحبك كثيرًا.. عمي عون أخبرني أنني سأزورك كل يوم.
ثم أفضى لها بما يشبه السر:
-وسنبقى عندك طويلاً.
أضاءت عيناه بلا دموع وهي تغير وضعيته ليواجهها فتضم وجهه بكفيها الساخنتين وهو يعترف لها:
-أنا لا أستطيع أن أكون وحيدًا بدونك، لا يمكنني تخيل أن تمضي الأيام وأنت لست معي؟ من سينظف ثيابي ومن يغطيني إذا رميت الغطاء كعادتي!
يصعب على صغير مثله شرح ما يتخيله وهو يضيف:
-من سيوقظني صباحًا؟ ويبدل ثيابي وينام قربي قبل النوم!
شهقت تأخذه إليها أكثر وكل شيء يتشابك متعقدًا فوقها بشكل يسحبها نحو الهاوية فطمأنته:
-وأنا لن أتركك.. أنا وحيدة بدونك فلا تتخيل أنني سأستغني عنك!
هزت رأسها له وأناملها تمسح وجهيهما:
-أنا من أهم شروطي لهذا الزواج أنت وأخوك، أنتما أهم شيء في حياتي.. بل أنتما كل حياتي وأنا من دونكما عدم!
مسحت أنفها وهبطت لمستواه تميل برأسها تهادنه وتسحبه ناحيتها باعتراف مهم:
-عمو عون يحبكما
قاطعها سريعاً:
-أجل.. أعرف لكن أخشى أن يتغير..
أصابها وعيه في عجزٍ فازدردت لعابها تقول بثقة:
-لن يفعل!..
وكانت ثقتها متوهجة به كأن قبس الأمان الذي ظلل به حياتها لا يغيب، لقد اختبرت أشياء كثيرة معه في خطبتهما المحسوبة على الخطبات "بالاسم" واجتاز الصعوبات بجدارة فهي كانت مقصرة معه ورغم ذلك كان يجالسها مع عائلتها، وكلما همّت بشرح بنود حياتهما، وما يتعلق بحياتها السابقة يخرسها؛
(كل ما يهم حياتي القادمة.. أنتِ وطفليكِ)
عادت لعُدي تبتسم له بإجهاد وتشرح له:
-إن تغير عليكما لن أقبل أن أمضي في حياتي معه.. وهذا وعدٌ لك.
تنفس الصغير براحة لوعدها وأخبرها:
-سنبيت في بيت عمي علي اليوم.. خالتي موج حضرت لنا أشياء لذيذة للسهرة!
تنهدت ودار رأسها للجهة الثانية على ذكر موج.. فهذه معضلة خاصة وعدم تقبلها لوسن يقتلها، استقامت ترتب هيئتها ودعمت حديثه:
-أتمنى لكم سهرة طيبة، والآن هيّا لتقدمني لعون.
استجاب لها الصغير وحاول سحب حقيبتها الضخمة نسبيًا يسير معها نحو الباب، جذب كفها بين يديه يتمسك بها، وقبل أن يهم بفتح الباب دارت عيناها على أرجاء الغرفة، تربت على أشيائها التي استردت بها كرامتها التي سُلبت بين يدي خالد، أدار الصغير دفة الباب فهاجت نبضاتها وهي بصدد ميلاد جديد كتبته توّاً، تحلقت نظراتها حول المتواجدين، فشحذت همتها لتقابلهم بقوة، خذلتها عيناها حين مرت بسلام آمن افتقدته حين تلاقت بعيني عون المتقدتين على نحو ما لم يشعر به سواها
المتوعدتين وهي تلمح فيهما حديثًا كان معلقًا
المنتصرتين وكأنه نال أغلى حروبه وأخذ راية نصره مسترخيًا!
اختلج قلبها مجدداً والنبض في رأسها لا يرحمها، قادها عدي سريعًا حيث والدها، انحنت نحو جبينه تقبله، ثم هبطت أسفل كرسيه تقبل كفيه وتطلبه بتوسل:
-أنت راضٍ عني؟ ارضَ عني يا أبي أتوسل إليك!
غدرته عبرته وهي تسيل عليها ولأجلها، فما أبكاه سواها، وضم رأسها له:
-أنت مرضية يا وسن.. رضي الله عنكِ وأرضاكِ.. فواللهِ قلبي يفعل!
لم تبكِ في حجره أبدًا فهمس لها وهو يدنو حيث أذنها:
-ارفعي رأسك سألبسك هديتك!
تمرغ رأسها في كفه التي تأسره بدلال، فرفعته إليه، وتحركت نظراتها إلى والدتها التي ناولت والدها صندوقًا أنيقًا يحوي مصاغاً ذهبيًا هو هديته لها، أخذته منه بأنامل مرتعشة، وهبت على ساقيها تتجه لوالدتها غير الراضية تمامًا والتي استقبلت احتضانها بجفاف وباركت لها:
-أتمنى ألا تعودي لي قريبًا.
ضمت وسن شفتيها وردت عليها بهدوء:
-سأحرص جيداً على عدم حدوث ذلك.
تناولها علي سريعاً وأمر موج بالتقاط صورة تضمه مع العروسين إغاظة لها، فكل ما فعله اليوم هو استفزاز ها بدءاً بمجيئها إلى هنا مكرهة ومزاجه الرائق حد الروعة، والآن تصويره مع العروسين.. المشكلة ألا أحد راضٍ عن هذا الزواج سواه هو والمهرج غيث الذي استلقى أمامهم ليظهر في الصورة، التقطتها بغل فأمر بثانية:
-تعالي تصوري معنا.. خذ الهاتف يا عدي وصورنا.
انصاعت مجبرة، فوقفت جانب وسن والذبذبات مشحونة فيما بينهما، فيما جاورها على الطرف الأيمن وعون أخذ الجانب الأيسر، بضم ذراعه حول كتف زوجته التي تشجنت كأنها وترًا ضُرب على حين غفلة فنشز هدوءها ونشز قلبها بلا وعيٍ!
وأخيرًا صورة مع والدها الذي أخذهما بين ذراعيه ومال عليها يهمس لها:
-الوقت يداوي أعطِ نفسك فرصة..
ثم استأنف حديثه في أذن عون قائلاً بمغزى:
-الوقت يداوي.. لكنه يحتاج الصبر!
ثم ربت على كتفه بلمسة أمانة وعهد صكهما له.. فأخذها عون وغادر بها يختم على ميثاق عمه.. بأمانة!
***
ودعت أبويها ومضت معه للخارج، تلاقيا في الردهة وحدهما، انكمشت فيها غريزتها التي شرعت في تقليب الأفكار المؤجلة التي ركنتها طويلاً، وكانت مرغمة اللحظة حين صافحت نظرته التي أجبرتها على الالتفات له، فتلاقيا على أرض للعشق قسمتها غير عادلة، كان نصيبه فيها الخراب وإحياء حرثها الميت، وكان نصيبها سهلاً خصبًا لم تبُر تربته لكنه الهوى الذي سباه فيما مضى أعاده وأرضاه لينثر بذرته فيها. سابقًا أحبها حين كانت ابنة العشرين حباً وشقاوة.. ثم نسيها في سنين طويلة، وحاضرًا لقيها في انتظاره لتجديد حبه وقد فعل حين سبته وهي ابنة الثلاثين خيبة، تجاسر على رجفة الوقت واللحظة ومد بكفه :
-تفضلي ..
أومأت في طاعة كأنها تنتظر الخلاص منه، فتعامل مع حقيبتها كما أجاد إدارة المشهد، تبعته بآلية وهي تتهادى خلفه حد الترنح، مما أقلق قلبه المضطرب فالتفت إليها فيما يشدد على سؤاله بحاجبين معقودين:
-أنت بخير؟
تبسمت في تكلف وردت بهدوء:
-غالباً أجل!..
ضمت شفتيها والتلاحم في عقلها حول الأحقية وما يستحق الليلة يتراءى أمام عينيها بل يقف فيما بينهما فتضيف :
-لا تقلق.. أنا معك سأتبع خطواتك وأكون بخير!
تغضن جبينه فهز رأسه باستحسان وطمأنها مؤكداً:
-حتمًا ستكونين بخير!
واصلا السير حتى وصلا الحديقة هنالك وجدا عائلة عمها وصغيريها أمام السيارة بعراك متوقع، تنهد عون يقترب منهم فضحك له علي من قلبه وتجاهل موج التي تبرطم عقبما أجلست الطفلين في السيارة وهما يشوحان للمتواجدين بكفيهما..
-مبارك لك يا عريس!
تراقص حاجبا علي بتلاعب ففهم عون عليه سريعاً وعلق بتذمر كي يكبح جنون علي:
-اكبر يا رجل!
ضحك علي بثعلبية و وهو يتقدم منه حتى وازاه في القرب والوقوف:
-متعة اللعب الآن.. عيب علي إن لم آخذ حقها كاملاً..
لم يرض عون ما سيقدم عليه علي الذي اقترب منه أكثر وضم كتفه إليه، رفع هاتفه وأتقن وضعية الصورة الشخصية فالتقطها بضحكة واسعة شاركه فيها عون بتقصد، وأعقب التقاطها التقييم باستحسان، توسعت ضحكة علي بشكل أكبر حتى أن اتضحت خطوط جفنيه السفليين.. وحدود فمه العريضة، والتحديث الأخير على الفيس بوك يصل للنجاح وهو ينشر للملأ بصورته التي التقطها توّاً وتعليق مميز.. بتاريخ مميز . أجاد عناية اختياره
(مبارك أيها النسيب.. منك المال ومنها العيال)
لم تحاول وسن الاقتراب والسؤال فمالت نظراتها باستفهام وسألت عون الذي عاود القرب منها:
-ما الذي يفعله عمي؟
أجاب عون وهو يشرد في ثعلبية علي:
-يكيد كيداً يستحقه أهله.. لا تقلقي!
***
راقبت عمها الذي أغلق هاتفه عن ترديد الإشعارات وضمه بجيب سترته، ثم رفع كلا ذراعيه للأعلى مهادناً عون الذي يقف قرابتها:
-انظر لي يا عون.. لقد زوجتك ابنة اخي الأغلى على قلبي..
غمغم له عون:
-باعتبار أن لك غيرها أساسًا..
زوى علي ما بين حاجبيه وسأل:
-هل قلت شيئاً؟
نفى عون سريعاً والملل يجتاحه:
-لا كنت أحوقل!
مط علي شفتيه بغير تصديق وطوى طرفي سترته للخلف يكمل:
-لقد زوجتك وسن.. ولن تجد مثلها طوال حياتك.. لكن أقسم لك...
تهكمت موج المشتعلة:
-دعها بدون قسم لطفاً..
التفت لموج التي برطمت وأشاحت بوجهها بعيداً:
-سأعود لك أنت الأخرى.. حسابك فيما بعد!
تعجب عون مستنكراً:
-حقاً؟ هكذا مرة واحدة وفي وجهي تهددها؟
-لا شأن لك.. هذه أمور زوجية!
استغفر عون بصوت مسموع وعلي تقاطع وصيته للمرة الثالثة فأطلق تهديده سريعاً:
-انظر.. إن جاءت لي وسن تشتكي منك أقسم لك سأفلق رأسك لفلقتين رغماً عن معزتك عندي.. هذه وسن يا عون.. إياك أن تؤذيها.
اقترب منه عون وشمر عن كم معطفه، همس في أذنه شيئاً جلب الضحكة له رغماً، حين تمم له:
-أنت تعلم أن وسن لن تشتكي.. وفر نصائحك الزوجية لنفسك.. أنت بحاجتها أكثر!
ضربه علي في صدره وسأل بغيظ:
-حقاً؟
شاكسه عون الذي أرسل تحية لشقيقته المتخصرة التي لم تبارك له أو تسلم عليه بل أشاحت عنه ما إن أصبح في محيطهما:
-أجل يا خبرة .
أخذ وسن هذه المرة وطلب المغادرة وهو يراها تستعجلها بنظرة استجداء يدركها جيدًا كانت تطلقها في وجهه حين كانت تطلب رحمته من علي، فسارع لأخذها من محيط طفليها تاركاً شقيقته التي تمارس الضغط عليهما بتفعيل الحظر له ولزوجته في كافة المواقع الاجتماعية وحتى الواقع مؤخرًا وحقيقة لم يتفاجأ فهذه هي موج ستندم بعد أيامٍ وتتوقف عن إرفاق منشورات الخيانة والغدر والوحدة واتحاد الناس عليها وفوضى دراميتها المعتادة وأعدائها الكثر الذين خذلوها.. وجميعهم لا يعرفون ما أصابها.. ولن يعرفوا مطلقًا!
***
-ألن تخففي من احتراقك الذاتي.. الدخان وصلني ولن نملك ماء لإطفائك؟
تلفتت موج حول نفسها وسألته بصدمة:
-هل تحدثني أنا؟
-هل هناك امرأة مشتعلة غيرك هنا!
شدت على معطفها ولفظت اسمه بلا إضافات:
-علي
-عيونه!
تأففت وأدارت وجهها للجهة الأخرى، لا يعجبها مزاجه الرائق ولا حتى تجاهله لمشاعرها توقفت عند باب السيارة ولم تحاول الصعود فنادى:
-هل سأنتظر كثيراً؟
زمت شفتيها بقوة وشحنت نفسها بعنادها فهي ستسيطر عليه بالكلية فقال بهدوء:
-اصعدي موج واستهدي بالله!
سحب بساط السيطرة من أسفلها فأبقاها عارية، والبرد يخلخل عظامها فصعدت وقالت:
-لأجل الصغيرين فقط والله! وإلا أنت فقلبي غضبان عليك.
توسل إليها بسخرية:
-لا من فضلك ارضي عني فقط الليلة.. فأنا أحتاج رضاك وبشدة.
غاظها فالتفتت إليه في أقصى حالات اشتعالها ونددت به:
-هل تسخر مني!
-هلّا فردت ملامحك لطفاً؟
تفتحت عيناها على وسعهما وهي تسأل بغير تصديق:
-هل من مشكلة سيد علي؟
هل ستفسد عليه ليلته.. لا والله لن تفعل .
-أجل.. فمك المزموم والمقلوب في وجهي! إلى متى ستصدرينه لي وكم سأستحمله؟
جابهته بغير اهتمام لحالة الطفلين المستغربين:
-حينما تمتلك إحساساً بي.. يا زوجي العزيز!
**
سلمته قيادة أمرها وتبعته بخطوات بطيئة، فمر بالباب الذي يخصها وفتحه لها أولاً فشكرته بخفوت:
-شكراً لك.
التحمت أنفاسه بعنقها دون تماس حقيقي وهو ينتظرها حتى تدخل دون تخطٍ فهبّت عليها حرارته لتزيد حرارتها المشتعلة، تحرك شيء ما بالتواء عنيف في أحشائها فدعمت بكفها الباب وهي تتسمر للا شيء.. وإنما خضوعًا لسطوة الذبذبة المشحونة التي خلّفها جسده، اندفعت تلج إلى الداخل تطبق الباب بعنف غير مبرر وكفاها يتعرقان بصورة غير محبذة فجاورها وهو يسألها:
-هل نمشي؟
فركت كفيها بتوتر وهزت رأسها مؤيدة وكلها يستدعي الخلاص:
-أجل.. أجل..
شقت سيارته السكون مخلفة وراءها بقعة موحلة أصابت سروال خالد الذي انتظرهم خلف السور يتلثم بالكوفية مستنداً على رصيف الشارع الأمامي لمنزلهم، ينفخ ويكور قبضته ضارباً الجدار من خلفه متوعداً:
-لن تهنأ بها.. وعلى جثتي!
تترقرق عبراته بلا تحكم منه أو سيطرة، لكم بكاها وتوسلها بلا فائدة تذكر فيدب الأرض من أسفله بكل ما يحمل من سخط"
-تفضل العامل الأجير عليّ.. أنا تستبدليني به؟
سار حيث سيارته المصطفة ليتبع تحركهما لولا رنين زين شقيقة زوجته، رد عليها سريعاً:
-أجل زين ما الأمر؟
ردت عليه في استحياء:
-خالد صبا أعادوا نقلها للمشفى مجدداً
خلخلت أنامله في شعره بعصبية وزفر بغضب:
-يا إلهي لم لا تستجيب لكلامنا.. لقد عاودت للمشفى مجدداً لماذا تعاندنا..
اضطربت زين ولم تعرف بما تجيب:
-أنا سأغلق الآن.. كما أنني معها وحدي.
أغلقت معه، فسب حظه وحياته وهو يغير طريقه حيث المشفى المعتاد، فطفله غير مستقر الوجود أبدًا وامرأته متعبة.. وهو ظلم الأولى بما يكفي.. فلن يحتمل ظلم أخرى
**
لم يكن الطريق طويلاً ولم يتباطأ عون في القيادة كما لم يكن مسرعًا بقدر تأنيه، إلا أن الوساوس تنزلق من وعيها إلى قلبها فتقضي على آخر ما تمتلك من توازن، المرأة بئر عميقة لا حدود لأبعادها، وهي امرأة ناضجة بما يكفي وتمتلك تجربة تجعل من جزعها القادم مادة تستحق، وما بين وجعها على حياة تم الدهس عليها تواً، وحياة لم تحضر لها إلا الجزع، انشقت لنصفين.
زادت من فرك أصابعها وهي تفتش عنه من أسفل أهدابها التي لم يتسنَّ له التغزل بها، أنامله تطرق بهدوء على المقود فتتنفس مرعوبة ووعيها يستجيب لخيالاتها التي تفرض نفسها الآن، رباه هذا الرجل ستشرع له أبواب خصوصيتها، طوقت ذراعها بالأخرى تحمي نفسها من رعبها والفكرة نفسها تتشعب بصورة تجلب الحرارة لا البرد.. ومع ذلك كانت بحاجة لاحتواء
فجسدها طوال حياته لم يكن متاحاً إلا لرجل واحدٍ..
بل إن خصوصيتها كامرأة جملة وتفصيلاً قفلها مع رجل واحد..
ومحيطها بأكمله محدود فيه تواجد الصنف الذكوري.. إلا من أبيها وعمها.. وخالد!
وهذا.. هذا سيكون له ما كان لقبله.. وهذا ما لم تتقبله.. ولن تتقبله لفترات طويلة مستقبلا!
وإن كان هناك أي منفذ للخلاص من ورطتها.. عليها التسليم لتحل السلام فوق الخراب الذي أعثته.. وأعثاه غيره!
عند هذا الحد لم تحتمل فكبحت شهقة وهي تهتز للأمام والخلف، فاضطر عون للالتفات وقطع وقفتها مع النفس التي تركها مجبراً.
-هل يبدو الزواج مريعًا إلى هذا الحد!؟
لم تحتمل هشاشتها سؤاله غير المتوقع فناظرته ببلاهة تسأل:
-ماذا؟
دنا نحوها فارتدت لولا إن ثبّت جسدها حين مسّ ذقنها وقال بتراخٍ:
-الزواج كفكرة أبسط بكثير من تشنجاتك هذه التي بلا جدوى.
تضخم تنفسها وعيناها تشير للا -ارتعادة- :
-لست متشنجة!
يتفحصها ويهيج أفكارها حد الانفجار والتنفس لا يساعد فقرر رحمتها حين ضيق عينيه فيما يترك ذقنها وعبثه يُقيم ملاحظة أحيت سنينها الميتة:
-بل مذعورة كعصفور مبلل..
تذكرت هذا القول الذي يستفزها به حين كان أستاذها الخصوصي في مرحلة الدراسة، ولم تستطع أبدًا الرد بوقاحة كما كانت تفعل، مال رأسها و حنّت نظراتها حتى استحوذت الرقة على محياها تمحي الخوف وأسبلت أهدابها صمتًا، تلقى هذا الفيض من الحنين بتوقٍ لا مداد له متشبعاً بالذكرى فهمس بشوق:
-أين التلميذة عديمة الحياء التي كنت أعرفها؟
أجابته الوجنتين الساخنتين خجلاً لا خوفًا، وهذه الاستجابة الأولى لليلتهما الطويلة، فهزت كتفها بلا حيلة:
-ذهبت بلا عودة!
أسنانها بانت في الظلام وهي تترقب رده في فضول فلم يتأخر:
-سأتأكد بنفسي من هذا.. بدءًا من هذه الليلة.
لا تعلم من أين جاءتها الشقاوة لتجيب:
-هل تشكك بي!
أجاب بسرعة وهو يفك عنها حزام الأمان تهيئة للهبوط:
-لا.. أنا أثق بك جدًا.. لكن لي معاييري الخاصة سأتفقدها!
قاطعت كفيه تبتر مساعدته في فك الحزام عنها، وترجلت من السيارة، وصلها بعد استدارة سريعة؛ وابن شقيقته المراهق يتولى مهمة سحب حقيبتها.
-أهلاً بك في بيتنا.
بسمة صفراء تشكلت فوق شفتيها، فتح البوابة الحديدية وتبعته، بدت السلالم طويلة أو أن الصعود لمنزله شاق، سُيرت أم خُيرت باتباعه لا تعلم هي بالفعل حطت بحملها فوقه، انشغلت فيه عن أفكارها وملاقاة والدته التي لم تأت معه بسبب تعبها، وهو سبب واضح لعدم التقبل، تنهدت ترمق سترته السوداء التي رماها فوق كتفه بإهمال، كان أنيقاً مع ربطة عنق ملائمة لها وأخيراً توقف واستدار لها يقطع تفصحها، حدق بها بشيء من تأمل حذر لوجهها..
-ماذا هناك!
فجأة وبلا مقدمات انحنى نحوها ومد بإبهامه يمسح فوق جفنيها أحمر الخدود الذي وصل لأطراف الحاجبين.. أخذ نفسها كله وحين انتهى قال ببساطة:
-تنفسي.. لقد انتهينا!
تحت الإضاءة القوية كان رائقاً أكثر مما يحب.. غامضًا أكثر مما يتضح عنه من وضوح..
-هيّا لن نتأخر عن والدتي.
وجذب كفها بتلقائية من دون تردد بقوة ودعم كبيرين، زلزلا أرضها التي أسفلها وصدعا جبال الرعب التي تشكلت فوقهما..
دخلا منزل والدته بزغرودة يتيمة أطلقتها يمنى، قبلها وباركت له فيما استقبلت وسن بحياد ببخور وأجواء تحفها البسملة والصلاة على النبي
-مبارك لك يا وسن.. عسى أن يقدرك ربي أن تسعديه.. ويكتب لكما السعادة معاً
باشّة هتفت بها يمنى وهي تحتضنها بلا ضغائن وتعبر بحيادية فتمتمت لها وسن:
-آمين.. آمين.
كررت لها مسرورة وهي تمر بالبخور فوق شعرها المكشوف:
-مثل القمر.. ماشاءالله!
جذبها عون منها بضمة تملكية لخصرها وشد حد الربط:
-عروسي قمر لا جدال في ذلك..
ضاعت في خجلٍ وتعثر، فاستأذن عون من يمنى:
-دور والدتي من بعد إذنك..
وقاد زوجته حيث أمه، التي كانت باستقبالهما، انحنى نحوها ولثم كفيها ووجنتيها وختم حبه بقبلة جبين فباركت له بدموع ودعاء خالص من قلبها
-الله يهديك لنفسك..
جاء دور وسن التي انحنت لها هي الأخرى وقبلت رأسها.
-مباركة علينا يا ابنتي.
جافة ولم تستغرب وسن.. جامدة ولن تُفسّر لها بل فهمت، في الواقع وسن تفهمها وتقدرها ولن تتحامل عليها أو تدعي ظلماً لم يصبها، لذا ما إن حاولت الاستدارة حيث عون أوقفتها آمنة:
-انتظري.. لدي شيء ما لك.
تحركت يمنى حيث الكومود وجلبت علبة صغيرة، تحوي إسورة جاءت على مقاس وسن بالضبط، ألبستها إياها آمنة وختمت قفلها بهمسة:
-الله يصلح حالكما..
وودعا أمه حيث صعدا إلى شقته ..شقتهما..
**
حين وصلا وجد عون الحقيبة التي وضعها حذيفة أمام باب شقته، فتلافاها وهو يحاول فتح الباب والعودة لها، حاولت وسن التنحي والبقاء خلفه في ظلها المعتاد إلا أن كفه التي بقيت تدعم كفها ولم تحررها إلا حينما فتح باب الشقة كان لها رأياً آخر، فهي جانبه وقربه تستشعر الخطر، عاد إلى الحقيبة ودخل بها، فوقفت تتلفت بلا وعي مجرد نظرات تحلق حول الأشياء.
-تعرفي على شقتك ريثما أدخل الحقيبة وأعود لك..
كان دورها لتلتفت إليه، بدت ضائعة لا تناظره أبدًا بل يتعلق بصرها بأزرار قميصه.. يرتجف كل ما فيها حتى أن وقفتها طالها الاهتزاز ولم يكن صوتها استثناءً
-ذوقك عصري جدًا وفريد.
تنحنحت تضيف وهي تؤشر تدعي الاهتمام:
-أحب كثيراً نمط الصالات هذا.. صالتك مثيرة للإعجاب.
المسافة خطوات ليس إلا وهذا يبقيها في حيز الأمان كله ستشغله بكلمتين وتهرب للداخل، أقل من خطوتين وقد خرق وعد الأمان خاصتها فبات قريباً منها، ازدردت لعابها ورفرفت بأهدابها المميزة فبهت وجهه وهي ترفع عينيها له بتوجس فأضاف متقصدًا وحربهما غير المتكافئة قد تغدر في تماسكه:
-هذا بيتك وسن.. أي بيتنا كما هو ملاحظ!
هزت رأسها بذكاء وناورته محاولة الهروب بأغبى ما لديها:
-شقتك مطلة على بيت عمّي!
نجحت في الابتعاد خطوة وهي تتلاشى النظر لبيت عمها ففكرة تواجد عدي وغيث فيها مؤلمة.. فظرف والدها الصحي يفقد أمها الاهتمام بهما، جذب نظرها بلورة كريستالية تماوجت ألوانها بين البنفسج والأزرق السماوي، تحتضن داخلها حجارة نرد ناعمة، فأشارت لها بصدمة:
-يا إلهي هل ما زلت تحتفظ بها!
ضربتهما الذكرى وهي تتمسك مشدوهة بالهدية اليتيمة التي أهدته لها عقب نجاحها في الثانوية العامة.
-هذه انتقيتها لك بصبر طويل.
كان أستاذها الخصوصي للتاريخ والجغرافيا والثقافة العامة حينها كان كل همها أن تلتحق بخالد الذي لا يحتاج هذه الدروس، على ذكره عاودتها الحرارة أو أنها أعطتها فرصة للتماسك ليس إلا، تزامن ذلك مع أزيز الهاتف الذي لم تتخلص من شريحته، تخبط قلبها بعنف خشية أن يكون خالد من يتصل لذا حاولت الفرار من عون ولم تنتظر منه التعقيب على شيء بل ما إن لفحتها أنفاسه حتى استدارت تخبره متعثرة:
-أنا.. أنا أود أن أبدل ثيابي وأعود لك.. حسناً!
كان تنفسها محتدماً فلم يعترض وقد استمع لرنة الهاتف..
-أنا أنتظرك.
تحركت وتركته يتنهد في إثرها، فماذا جرى لو ثبتها ليأخذ أهدابها مليًا في تأملٍ مباح لم يكن ليناله لولا أن سنحت له فرصة مستحيل!
أو أن تتشبع عينيه بملئهما غزلاً لها وهي بثوب لا يذكر أن سبق ورآها ترتديه، زفر بثقل وهو يفك ربطة سترته ويستند على الكابينة خلفه بإرهاق:
-العون يا رب!
..
دخلت الغرفة التي وجدته دخل إليها قبل قليل، شهقت بارتياح وهي تلقى اسم عدي من يهاتفها، خلخلت أناملها شعرها وهي تفتح الهاتف بلا مقدمات تحت ظلمة الغرفة البهيمة التي أنارت فجأة ولم تهتم بمن فتحه.. سمعت صراخهما ؛
-لقد أجابت.. غيث لقد أجابت.
كانا يائسين من استجابتها لهما، فسألت بلا وعي وهي تتفحص ملاحهما بجزع:
-عدي حبيبي ماذا حصل!
تفتحت عيناها على وسعهما وهي تراهما في الحمام وغيث يؤشر لها وعدي يشرح لها ببساطة:
-لقد بلل غيث سرواله.. ولم نخبر خالتي موج ماذا نفعل؟
ورطة.. تنضح عن قسماتهما، واشتعال ينضح عنها فمدت كفها تمسح جبينها عما تشكل فوقه ارتجفت شفتاها، رباه ألا حدود لهذا الألم
-ما الذي حصل بالضبط؟
ركض غيث يخبرها بلا أية مشاعر بالذنب بل اللهو يغمره:
-أمي لقد بللت سروالي وعدي لم يقم بتحميمي وأنا لا أعرف كيف.. إننا في ورطة ماذا نفعل؟!
وبرغم فكاهية الموقف إلا أنها لم تكبح دمعتها، فمسحتها وهي تهبط بجسدها للأرض فهوت ثانية وثالثة
-أمي أنت تبكين.. لن نكررها أرجوك لا تبكِ أنا آسف لن أفعل مجدداً ولن أشرب العصير كثيرًا.
استولى عدي على الشاشة وقال:
-عاقبيه أمي.. لقد شرب الكثير من العصير الليلة، لقد نبهته ولم يفعل أو يستجب لي..
قوس غيث فمه بخجل وحدّق فيها صامتاً ولم يقل شيئاً فأشفقت عليه:
-لا بأس يا غيث.. لا تحزن يا حبيبي أنا لم أبكِ غضباً منك.
لانت ملامحه وهو يسأل بمناشدة أوهنت قلبها:
-هل ستأتين كي تنظفيني؟
نفى عدي بقوة وهو يصحح له:
-لا يا غيث ماذا قلت لك.. أمي في بيتها الجديد الآن ولن تأتي.
وكأن ما تم حشوه على مدار الأيام الفائتة في عقل غيث تم ثقبه وتسرب كل ما فيه:
-إذن نذهب نحن إليها!
-بسروالك المبلل هذا لن نذهب!
حدق غيث بسرواله بقلة حيلة، فقالت تتغلب على نفسها :
-عدي حبيبي قم بغسل جسد غيث كما تعلمت أن تفعل لنفسك حسنًا.. أنا سأرقبكما من هنا.. هيّا!
ارتبك عدي لوهلة لشقاوة غيث ومكره، فانصاع مع تشجيع والدته فقام بتنظيفه تحت إشرافها ولهو غيث بالفقاعات وأغانيه ورقصه صبر عدي وكم شكرته لذلك.. ومن ثم أخرجه بعنف أقرب للضرب وقام بتجفيفه وتبديل ثيابه تحت تصفيق غيث:
-انتهينا..
أمرت عدي سريعاً:
-اخرج غيث بسرعة للتدفئة وأبعد عنه المشروبات.
تذمر عدي من غيث:
-خالتي موج وضعت لنا أشياء كثيرة لنتسلى بها وهو يريد أن يأكلها كلها.
لم يكمل عدي جملته إلا وقد استمعوا ثلاثتهم لطرق الباب فقال عدي:
-هذه خالتي موج جاءت تتفقدنا.. وداعاً أمي.
أغلق معها وتركها لوحدتها وبكائها الذي لم يطل، إذ دخل عون عليها فنهضت بفزع وواجهته تشرح:
-كنت أكلم الصغيرين..
تقدمت خطوة وقبل أن تتم الثانية توقفت أمام القطرات الحمراء المنسكبة ومصدرها أنفها الذي شكّل خيطاً حتى الأرض، تقدم سريعًا منها واحتوى جسدها حين أحناها للأمام قليلاً، ضغط بكلا إصبعيه على جانبي أنفها لتوقف مجرى الدماء، طالت وقفته وحين تأكد من توقفه جرها سريعاً حيث المغسلة وهو يعمل على غسل وجهها ومسحها بلا أي تدخل منها..
-ما الأمر؟
هتف بها قلقاً وهو يلتقط الحرارة التي تنضح عن جبينها فأجابته:
-حالما أشعر بالضغط.. أصاب بالرعاف.
أوقف الصنبور وكفه تتحقق من جبينها ونظافة وجهها، فأخرجها سريعًا، تخطته وحاولت البحث عن شيء تمسح به الأرضية فنهرها:
-اتركي الأرض واجلسي ريثما آتيكِ..
وصلها يحمل كمادة باردة لكي يضعها على جبينها، فأوقفته بإشارة من كفها:
-لا داع لها.. هذه حالة أنا معتادة عليها.
توقفت كفه في منتصف الطريق وهو يود مسّها فاختصرت له ببساطة:
-ربما تأثرت بمهاتفة الصغيرين لي..
احتشدت عبراتها وهي تنفض شعرها الذي تكوم أمام وجهها، ولم تخجل منه فما حدث من عرض مخزٍ قبل قليل كان حاضراً فيه.. طالعها ذابلة.. مستهلكة.. مفلسة عواطفها، بقايا امرأة!..
من يصدق أن هذه المرأة الرقيقة كالندى، الحزينة كالمطر الذي يتساقط خارج أسوار المنزل، هي امرأة أحلامه الموعودة لماضيه وسنينه القادمة، يرتجف فمها كطائر في حضرة صقر حائم، فتبكي ولا تخجل وتهتف بانهيار:
-أنا لستُ بخير أبدًا!
وكأنها تنتظر اعترافها ليحررها من صورته عنها، فتشهق بقوة وهي تضيف:
-لماذا تبدو الحياة بغير إنصاف هكذا.. ما يحدث ليس عدلاً..
تهتز فتتساقط عبراتها بعشوائية وتصطدم واحدة بذراعه الذي لم يتردد للحظة فسارع يطوقها والآخر يسانده يضمانها إليه.. يأخذانها ويؤازرانها عليه، يستردانها ويصبا نبضها الحزين فيه!
-أنا.. أنا آسفة لإفساد كل شيء!
يستجيب قلبه استجابة متأخرة بعد صدمة لقاء مباغت، فيربت بصوته عليها:
-لا بأس.. فداكِ.. الأهم أنتِ بخير!
بغير وعي كانت تضم نفسها
فيهمس داخله:
(فداكِ حبيبتي.. فداكِ)
يربت على ظهرها فيشتد كوتر أخطأ عازفه اللحن ثم ينسجم مع أنامله فيكرر يطمئن كليهما.. وهي تستقبل قبلاته الخفيفة لرأسها ومفترق جبينها:
-لن تبكي مجددًا مهما حصل.. لن تبكي!
مستسلمة وجسدها شبه متراخٍ، لو استمر بخطوة إضافية لن تعترض بل ستتقبل ساكنة بلا رعشة أو رفرفة، لو امتلكها توّاً بدموعها وحزنها الطويل ما قالت لا، وهي تناشد الاحتواء الذي تخبطت بدونه كثيرًا، فانسحب عنها بلا حركة إضافية سوى بربتات ناعمة، تشبه البلل الناعم الذي أصاب الجدران خارجًا.
-وسن!
يتذوقها.. يتذوق اسمها وهي تمر بحالته في أحضانه، فيكرره بحلاوة يفتح ويسكن الأخير فهمهمت بنعم، أبعدها لحظة، فألقت عليه نظرة ناعسة بعينيها وأهدابها المستكينة، تنهد يثقل صوته
-تصبحين على خير يا وسن .
مددها وأتقن بحرص النعومة، دثرها جيدًا وبقي لحظات يراقب نومها الناعم، استدار للحمّام كي يبدل ملابسه وينظف الأرض، أنهى ما أنهاه وعاد للسرير ينضم إليها باندفاع أخرق، تحرك وزن السرير بثقله ولم يتحرك فيها سوى تنهيدة، أسكنها قلبه وهو يتمتم بصفاء:
-نم يا عون.. نم لقد زارك الوسن أخيرًا.
***
أصوات تهليلات جعلتها تتململ في نومها ففرقت جفنيها على صوت:
-الله أكبر.. الله أكبر!
يعاود الصوت الصدوح بنبرة رخيمة متمهلة أكثر:
-الصلاة خير من النوم..
تسكن لحظة وتنفسها ينتظم بسكون فتسترخي أكثر من استرخائها وهي تسمع:
-حي على الصلاة..حي إلى خير العمل ..
التكبيرات تصدح في قلبها، والصوت يخترق مشاعرها فتشعر بنبض حيوي يضخ فيها الحياة.. بعد ليال ميتة.. فحاولت تتبعه،
حين رفعت رأسها مع الاستيقاظ والصحو التام كان الفجر يرسل خيوطاً واهنة للعتمة، النوافذ رطبة وجوارها فارغ، تحركت تفتش عن شريكها في الغرفة فلم تجده، فاستقامت بثوبها جهة الصوت والتصقت بالشرفة في أثره، وجدته صوت آمنة التي تمسك سبحة بحبات لؤلؤية كبيرة هي التي تكبر، فانشرحت لها وسكنت.. حتى قامت من مكانها وذهبت للصلاة، مشت خطوتين وكانت في مواجهة المرآة فشهقت:
-كيف نمت هكذا؟
-هل كان شكلي ليلة أمس هكذا!؟
بدا وجهها مكدوماً ومنتفخا فسارعت تغتسل وتبدل ثيابها، رقدت في السرير تنتظر عون ولم يأت، تفكر في حديث دبلوماسي بعد انهيارها أمس فلم تجد، من أين ستأتي بحديث وكيف تبدأ لقد أفسدت على نفسها كل ما فكرت به، وما كانت تخطط له، تذمرت وحاولت تغطية نفسها تنتظره فأدركها النعاس قبل مجيئه.
**
الساعة الحادية عشرة!
شهقت تنتفض من نومها مولولة:
-ماذا سيقول عني الرجل الذي تزوجني أمس!..
لم تجده مجددًا فنهضت تمسك هاتفها لتحادثه، دقة كاملة حتى جاء صوته يعبث بخلاياها:
-لحظة من فضلك أنا بين الطلاب
أدركت سريعًا أنه في دوامه وقد غادرها وهي غارقة في نوم الهناء، استطاع الابتعاد عن الضجيج .
-أجل وسن أنا معك!
-لم أكن أعلم أنك ستغادر للعمل اليوم..
قالتها بشبه إحباط فضحك وهو يبرر لها:
-لا بأس.. سيتم تعويضك عن كل هذا..
صمتت لحظة وهي تضيف:
-أنا آسفة لم أستيقظ فعلاً أبداً..
سألها في اهتمام:
-هل نمتِ جيدًا؟
-بما يكفي كي لا أتنبه لحركتك جانبي..
-إمم.. بلى تحركتِ واستيقظتِ..
شكّت في نفسها وفي وعيها:
-هل فعلت! متى؟ قل لي لم أكن بوعيي!
ضحك هذه المرة وهو يخبرها:
-لا تقلقي.. لقد نبتُ عنكِ ومارست دور الزوج الصالح وأعطيتك قبلة قبل الخروج عوضاً عن خاصتي.
تصنمت لوهلة وسألت بلا وعي:
-هل قبلتني؟
-غالباً قبلة بريئة لم تتخط حدود وجنتك اليمنى..
رفعت كفها نحو وجنتها وهي تستشعر سخونة حقيقية كأن أثرها لم يزل وقالت بمجاراة..
-أنا لم أحس بك..
توقفت الكلمة طويلاً في حلقه فقال بمرارة:
-ولن تحسي أبدًا.. الخير في نعومتي!..
تنبهت لمجرى الحديث غير البريء فقال لها آمراً:
-ارحمي وجنتك الآن وأزيلي كفك عنها.
-كيف عرفت؟
-أنا أستاذ لا تنسي..
صمتت بلا حديث فحثها سريعاً:
-صوتك متعب.. اشربي قهوتك وقومي بتنشيط نفسك واذهبي لأمي.
-كنت سأهبط إليها الآن فعلاً ..
-امرأتي الحلوة.. قبلاتي لك ولها.
**
هبطت حيث شقة حماتها، فاستقبلتها روائح البن والهيل، وصلت المطبخ فوجدت آمنة تهم بسكب القهوة من طباخها حيث الدلة الكبيرة، اعترضتها وسن قائلة:
-هاتي عنك.. أنا سأسكبها.
أصرت كثيراً ولم تعترض حماتها التي توقفت تتأملها طويلاً، كأنها تنتظر شيئاً ما حتى سألت:
-أين موج.. ألم تأتِ؟
نفت حماتها وقالت:
-لا لم تأت حتى الآن..
هزت رأسها وهي تتحين الفرصة لرؤيتها، وكلها حماس أكبر لرؤية الطفلين، فسألت حماتها؛
-أين تجلسين لأضع الدلة.
أغلقت آمنة المبرد وأخرجت الخضار :
-في الزاوية الزجاجية.. نرشفها ونحن نراقب المطر خارجًا.
استحسنت وسن الفكرة وطارت سريعًا تبحث عن الزواية الزجاجية، وضعت القهوة والتمر ورتبت الشكولاتة في علبها، ومن ثم عادت بسرعة لحماتها تسألها:
-ما الذي تفعلينه.. تعالي نشرب القهوة.
وجدت في يدها سلة للقرنبيط والباذنجان والبطاطا ففهمت وسن أنها تحضيرات وجبة الغداء:
-هل ستقومين بإعداد الغداء منذ الآن؟!
-موج من ستطهوه.. لكني أحضّر الحاجيات لها..
توقفت لحظة بلا وعي، ثم جاءت لحماتها تأخذ منها سلة الخضار:-ولماذا تطهوه موج وأنا هنا؟
سؤال كان يستحق الإجابة فأجابت آمنة بصدق:
-موج تطهو لنا كل يوم ولزوجها..
تمركزت السلة بين كفي وسن وهي تعطي قراراً لا رجعة فيه:
-وعون باتت له زوجة هي مسؤولة عنه.. لن تطهو موج شيئاً وأنا هنا خالتي.
حاولت آمنة منعها:
-أنت زوجة جديدة.. لا يصح يا ابنتي.
تهكمت وسن:
-وزوجي في عمله ..
ثم ربتت على كتفها برقة:
-أنا من أهل البيت.. ثم أنني لست غريبة.
ورغما عن كل ما قيل، لم تلتقط والدته سوى كلمة "زوجي" ورغماً عن غضبها وعدم رضاها فقد كان فيها من اللذة ما يفرحها.
**
لقد طال الوقت ولم تأتِ موج اللئيمة التي تعاقبها بعدم الإتيان وحرمانها من الطفلين، بل هي بطريقة ما أثبتت لها أنها هنا لأجلهما وليس لأجل شيء آخر، صلت والدته العصر وشعرت وسن بخدرها فقالت:
-اذهبي لسريرك وارتاحي في قيلولة..
ثم أتبعت بغير أريحية:
-عون أخبرني أنه سيتأخر لما بعد المغرب..
طاوعتها آمنة فهي لن تأكل وهو غير موجود خاصة وإن كان الغداء اليوم مقلوبة، استحسنت اقتراح وسن وقد استشعرت عدم ارتياحها فأضافت وسن بتلكؤ:
-سأذهب لموج قليلاً وآتي لأضع قدر المقلوبة على النار.. حسنًا!
ما إن أولتها الخالة ظهرها حتى تهللت أساريرها، لكنها التفتت إليها وهي تضم الشال الصوفي حولها، وتسير ناحية المطبخ تشير:
-هنا التوابل في الطابق العلوي هذا.. وهنا ستجدين الزيت.
أومأت وسن، وانتظرت انصراف حماتها ثم ما لبثت أن تبعتها وأحسنت وضع غطائها، وركضت سريعاً نحو منزل موج الغبية، رنت الجرس مرتين ودخلت حيث الحديقة، طرقت الباب وجاءتها سحنة موج التي ناظرتها بصدمة وقالت بنبرة ممطوطة غير مرحبة:
-أهلاً..
دخلت وسن وهي تتمتم في وجهها:
-أهلاً بالقاطعة.. إن لم تأتني أنتِ، أنا من سيفعل
تخصرت موج في هيئتها البائسة وقالت لها:
-علي غير موجود
-لم آتِ من أجله..
-طفليك ليسا هنا..
أحبطت وأسرتها في نفسها، فقالت في قوة :
-جئت لأجلك موج.. كم عليّ أن أكررها!
أولتها ظهرها ودخلت المطبخ فقالت وسن مشاكسة وهي تلحق بها:
-لقد طبخت مقلوبة بنكهة عالمية.
أضافت متعمدة:
-صحيح لا تصنعي لي قهوة.. لقد شربتها مع خالتي آمنة قبل قليل.
-حسنًا بالهنا والشفا.
تنهدت وسن تسألها وهي تعترضها لتواجهها وجهاً لوجه:
-إلى متى ستخاصمينني؟ أنا لا أستحق منك ذلك.
نفخت موج بضيق وقالت:
-وأنا لا أستحق منك أن تحرقي قلبي على أخي..
نفت وسن بشهقة وهي تتمسك بجانبها:
-لم أفعل أقسم لكِ..
طفرت دمعة من موج وهي ترمي الملعقة جانباً:
-بلا فعلتِ.. كلانا يعرف لماذا تزوجت عون.. كي تحرقي قلب طليقك.. وتثيري غيرته وبالتالي سيعود لك خالد باكياً متوسلاً خوفاً من خسارتك وتتركي أخي.. حين يرمي بصبا ويطلقها.
توقفت تلهث في وجه وسن المصدومة:
هذا زواج وحياة أبدية.. بل ميثاق غليظ لا نناله بالانتقام والحقد والتسلية.. لا ليس هكذا أبدًا أنت تظلمين أخي قبل نفسك في حين لا زلت تحبين آخر وكل حياتك وعقلك معه.
همست وسن بضياع وهي على مشارف الانزلاق في هوتها:
- أنا لم أظلمه هو من تقدم لي
صرخت موج في وجهها بكل قهر:
-أياً من كان قد تقدم لك ووافقت عليه أنت تظلمينه؟ فما بالك بشقيقي الوحيد كل حياتنا أنا وأخوتي.. بل بشكل خاص لأمي.. كيف أراه يزج نفسه بزيجة غير متكافئة وغير منصفة..
تراجعت وسن للخلف برجفة، عيناها محمرتان وداخلها ينتفض فهمست بتخاذل
-أنت تظلمينني موج..
هزت رأسها غير مصدقة وهي تضيف:
-بل صورتي المتدنية في عينيكِ إلى هذا الحد الوضيع كسرتني..
تمتمت بها تكررها لمرات وهي تخرج باكية لا تتصور إلى أي حد كانت مكشوفة وطريقتها ظالمة لكل الأطراف؛ تاركة موج ترمي الملعقة بعنف وتهوي بجسدها داعية:
-حسبي الله ونعم الوكيل بك يا خالد أنت وصبا والمها..
المها التي تكاد تنام وتستيقظ في تتبع أخبارها والبقاء في صفحتها أكثر مما تفعل هي.. لم تستطع كسب شيء عنها.
جنينها توفي إثر إصابتها بالكورونا وزوجها توفي أيضًا، صفحتها مليئة بالأدعية ذكر زوجها الراحل ليلاً نهارًا.. على هاتفه سجل بحثه لا يحوي إلا معارضهم، تفتش هاتفه بجنون وهذه ميزة له فهو يترك هاتفه لها تفتش فيه كما شاءت، المها حزينة وتشكو الفقد.. وعلي أبداً لا يستخدم تطبيق الواتساب بل قام بتحميله تحت إلحاح موج و حتى أنها أحياناً هي من تهاتفه كي يقوم بفتحه لقراءة شيء ما بعثته إليه.. وهذا كله يثير نارها.. ومع ذلك حربها مع علي لم تبدأ بعد..
لقد تجاهلته ليلة أمس عن عمد وأفسدت عليه فرحته وستبقى كذلك حتى تناله
**
فاجأها اليوم بأن عاد باكرًا لأجل عينيها، كان قد ابتاع صفائح اللحمة التي تحبها مع مشروبها الغازي الذي يُحبه، وصل الباب واستقبلته بزيها الجديد الذي لا ينكر أنه أعجبه لكن لم يستسغه، منامة طويلة بأكمام تتعدى كفها الدقيق عوضًا عن ثيابها الخليعة والفاضحة التي نبهها لأجلها ألف مرة، استقبلته في هدوءٍ مدروس وتناولت الأطباق بسعادة تخبره:
-الله.. صفائح لحمة!! كم أحبها.
تجاوزته للداخل وتركته يراقب شعرها المجموع في عقدة على عكس ما عودته من انطلاق له.
عادت له بعد دقائق تحضر الأطباق ليتناولا وجبتهما فطفلي وسن لدى جدتهما، أجهزت على حصتها ونصف حصته بلا كلمة شكر واحدة.
-الصفائح أتخمتني!
تحركت نحو المطبخ تخبره:
-سأعد لك الشاي .
ذهبت تعد الشاي وعادت له بعد دقائق، رشفت كأسها بصمت تراقب هاتفها بلا أية كلمة تشاركه إياها، تفتحت عيناه على وسعهما من تجاهلها إياه وقلة اكتراثها بحضوره، تثاءبت فأغضبته أكثر وزادت شحناته المتوترة منها بـ:
-أشعر بالنعاس.
تقطعت الكلمة بتثاؤبها، فتجاهلها بالمثل وقال:
-نامي.
هكذا دون أن ينظر إليها أو يبعد عينيه عن شاشة عرض المباراة، زمت شفتيها بتوعد ونهضت تتباطأ خطواتها:
-تصبح على خير.
رد عليها بلا نفس:
-وأنت من أهل الخير.
دقائق مرت وهو يعيد دراسة كل تصرفاتها معه.. منذ أن أعادها من بيت أهلها وهي تتبع سياسة التجاهل معه، حدّق في هاتفه قليلاً ثم قام بفتح تطبيق المراسلة وشاهد تذكار المعايدة الخاص به.. الذي أكد له ميلاده الذي نسيه شخصياً ، زفر بقوة وقام بالرد على وسن التي شاركت معه صورة بيوم ميلاده لعل موج تنتبه..
أو هي تتعمد اللا انتباه..
كيف تنسى وتغفل عن شيءٍ يخصه.
أم تراها تقصدت.
حسم حيرته واستقام فربما ستعايده بطريقتها، تجاهل الإشارات الواضحة من إضاءة مغلقة وباب موارب.. خطى للداخل وهناك تجلت صدمته بفروغ الغرفة من أي شيء.
دخل بفوضى تقصدها فلم يهتز أي جزء منها، نفث غضبه وركل الطاولة أمامه فلم تبدِ ردة فعل، بدّل ثيابه سريعًا وخرج إليها ينفض الغطاء ليحشر جسده فيه فوجدها بمنامة قطنية أشد احتشاماً من الأولى، شعر بالغيظ حتى منابت شعره ومع ذلك أفزعها بـ:
-موج!
تباطأت أجفانها في التحرك فكرر بشكل أقوى:
-موج..
فرقت ما بين جفنيها بانزعاج تسأله:
-ماذا هناك يا علي..
-هناك أنني لم أجد دبابيس قميصي الجديد أين ذهبتِ بها.
رفعت حاجبها ببلاهة تسأله:
-ألهذا أيقظتني؟
رفع كفاً منتفضاً بعصبية:
-أجل.. أين دبابيس القمصان الآن أريدها.
تعجبت وسألته:
-هل هناك مشوار ليلي الآن وفي هذه اللحظة؟!
أجابها بذات العصبية غير المبررة:
-أريدها هيا اجلبيها بلا ثرثرة فارغة.
جعدت شفتيها للأعلى تغمض عينيها تخبره بشبه بكاء:
-سأجهزها لك صباحًا.. دعني الآن أنام.
تفتحت عيناه على وسعهما يسألها غير مصدق:
-حقًا ست موج؟
أومأت له فحثها بنظرة قاتلة، تمطت متعمدة وماطلت في حركاتها، تثاءبت أمامه مما أشعل فتيله المُزيت بتجاهلها، راقبها كيف تفقد السيطرة على نعسها، وبالكاد حركت جسدها بحركات كسولة تخبره بتذمر:
-هل تحتاج دبابيسك لدرجة أن توقظني من نومي لأجلها؟
استشاط قهرًا :
-نعم ست موج؟ هل تملين عليّ ما يصح ولا يصح؟
ضمت فمها تحاول إخماد بركانه الثائر بغير سبب وجيه:
-حسنًا حسنًا.. سأجلبها.
هبطت وتعثرت بالغطاء بعصبيتها فأسندها بجذبها له، تفاعلت مع الشُحنات التي يصدرها جسده بشكل مثير للشفقة لها، سحبت نفسها منه وتقدمت حيث الصوان وهو يرمق منامتها.. بحنق.. والكثير الكثير من الغيظ!
-خذ ها هي.
ناولته ما أقام الدنيا وأقعدها لأجلها و بغير نفسٍ أخبرته:
-في مكانها المعتاد.. لم يستحق الأمر أن توقظني.
جذبها بغضب له يشدد عليها:
-بل يستحق.. وإياك أن تحدثيني هكذا.
أطبقت شفتيها تبتلع تثاؤباً لو أخرجته، سينفث عليهما حربًا هو بادئها.
-كما تشاء.. هلّا تركت يدي أريد أن أنام.
تذكر يدها القابعة في كفه، وسأل بإلحاح طفل مشاغب:
-نوم.. مجدداً نوم.. ألم تشبعي من النوم؟
مدت أناملها تسد عن فمها التثاؤب وتجيبه ببراءة:
-لا لم أشبع.
حرّك رأسه ينفض جنونه، ويعيد اتزانه:
-لا هذا الكلام لا يجدي نفعاً..
استفهمت بنظراتها تخبطه:
-ماذا تقصد؟
عاتبها بهجوميته المعتادة:
-منذ متى تنامين وأنا مستيقظ؟
تخصرت تسأل اهتمامه العجيب الغريب المريب بنبرة شبه يائسة:
-ومنذ متى تهتم أنت؟
حاججها وحاجباه يرتفعان ويشتبكان حيث منابت شعره:
-هل هذا اتهام بأني لا أفعل؟
تثاءبت هذه المرة وعضدها شبه يحتضر في قبضته المجنونة. تهكمت مُرغمة وداخلها يتعايش مع قلب الحقائق خاصته:
-حاشاك علي القلب.. أنت لا تفعل.
اغتاظ وسأل بنبرة تتماوج على شاطئ الخطر:
-هل تسخرين مني؟
سايرته :
-هل أجرؤ؟!!
-مووووج.
-عيناها!
-أمامي هيّا.
تبعها محرضاً فيها شحن كل مقاومتها للنعاس.. بل باثًا فيها الغضب وفقدانه كله، سبقته تتمدد وتلقي بوجهها جانباً:
-لا تشيحي بوجهك عني..
أدارها إليه عنوة وتجاهلها بعبثه بالهاتف بلا هدف يذكر سوى التلاعب بأعصابها، حرك حاجباه.. تفقد بؤبؤيه ألف مرة، نادها فهمهمت له فسأل بنبرة مذنب:
-التاريخ اليوم يصادف ماذا؟
تثاءبت... فكز على أسنانه يكبح تهوره، أجابته بعد تفكير:
-لا أعلم.. أظن السادس عشر من ديسمبر!..
رمى الهاتف على طول يده وصحح لها بفورة مشاعر محتدمة، خليط عجيب لا يفهمه بل يحرقه:
-نحن في يناير موج.
تصنعت الدهشة:
-حقًا!
استقام عن السرير والتف حوله قائلاً بأعصاب منفجرة:
-أنت غير طبيعية موج.
تلفتت حول نفسها تتفقدها نافية تهمته عنها:
-بسم الله عليَّ.. ما بي أنا بخير.
وكأنه كان ينتظرها فأطلق عجبه:
-منذ متى وأنتِ تنسين التواريخ.
تثاءبت أمامه ورفعت كفها لفمها فزجرها:
-لا تتثاءبي.. افعلي حين أنهي حديثي.
صدحت المفرقعات ورقصت داخلها فرحاً فنصائح عون جلبت النتائج..
-لمَ أنتِ صامتة؟؟
تنهدت تشرح له، تغيم عيناها بنشوة لا يدركها:
-كنت سأجيبك لكنني تثاءبت مرغمة وأنت أوقفتني عنها.
مال بوجهه مكشّراً:
-عذر أقبح من ذنب!!!
قلبت عينيها بضجر وقالت له:
-الآن ماذا تريد.. أفهمني.
سأل سريعاً:
-أريد تاريخ اليوم.. لدّي مذكرة هامة.
سارت بدهاء حيث الروزنامة وأجابته:
-الرابع عشر من يناير.. هل هناك شيء آخر.
رد بحنق:
-أجل.
تصنعت الصبر:
-ما هو..
-منذ متى تنسين التذكارات والتواريخ؟
كاد أن ينهار حبل تماسكها الذي التف حول إرادتها بتصميم أمام حيرته إلا أنها شدت اللجام وقالت بلا انفعال:
-منذ أيامٍ..
-لكن اليوم يوم ميلادي.. كيف تنسين؟
والدهشة مصطنعة.. وأدركها.. وبلغ منه الغضب أكثر ومع ذلك:
-حقًا.. اليوم ذكرى ميلادك.. لم أتنبه.
هز رأسه وقبضته تكاد تلتصق بجانبيه تحسباً.. مشت للأمام فأعادها صوته:
-فقط.. اليوم ذكرى ميلادك؟
التفتت له تلمع أنيابها:
-ماذا تريد.. سألتك وأجبتني.
أشاح بوجهه يدرأ عنه تسول اهتمامها:
-أي شيء آخر غير التساؤل.
ربعت يديها أمام صدرها:
-آه.. قل لي أنك تنتظر معايدتي.. حسناً.. كل عام وأنت بخير.
واستدارت لسريرها فانفجر سدّ صبره وانهمر بزعيق:
-هل هكذا تعبرين عن ذكرى ميلادي ومعايدتي..
اقترب منها يشير إلى منامتها:
-حتى أنك لم ترتدي لي شيئاً يستحق أو تتذكريني في شيء.
جحظت عيناها وتنفست بغل تتخصر له:
-ألم تزعجك مناسباتي واحتفالاتي؟
حك ذقنه يجيبها بلا حجة تدحض قوله:
-المناسبات غير الهامة موج هانم.
عيناه تلاحقان المنامة بغضب فقالت متهكمة:
-ولباسي المشين الفاضح لا يعجبك.
ازدرد لعابه مع انحنائها الغاضب له:
-ليس دائماً.
زعقت بمرارة:
-بلا دائمًا.. وتطلب مني ثياباً محتشمة ها أنا أفعل كما ترى
أصر على موقفه بعنادٍ ونفى عنه ما قالته:
-أجل طلبت منك أن تخففي.. لا أن نعيش مع بعض كأخوين تماماً!
شهقت له وقالت:
-ومن الذي فرض الأخوة بيننا.. أنت من فعلت.
-أنا؟
ارتفعت على أصابع قدميها تصله وتقبل وجنته برقة حسّية:
-طابت ليلتك يا عمري.. عمر مديد لعقدة حاجبيك الأبدية.
تباعدت عنه في بطءٍ مثير وشاكسته:
-قبلة أخوية لك كما تريد.
زمت شفتيها في وجهه تمدهما للأمام وتصوبهما حيث وجنته الأخرى التي لم تمسها:
-ليلة طيبة.
***
راقبت الأفق من خلف نافذة المطبخ بانشراح، لقد كانت السماء فوق عمّان زرقاء داكنة اللون، لكنها تحولت إلى بنفسجية توائم توهج قلبها، لقد أضاءه علي حين جلب عدي وغيث ولوّن بهوت حياتها، أنهت غسل الأطباق في شقة حماتها، وخرجت لعون كي يصعدا كان في انتظارها في الردهة جففت كفيها جيدًا فيما ترمقه ينفث تبغه فقط، يلف الدخان وجهه ويحجبه عنها، على وجه الدقة لم تره مسبقًا يدخن السجائر، ازدردت لعابها حين حفتها نظراته المدققة حد التعرية على طول الممر حتى أن وصلته، دون أن يرفع عناء حرجها، وقفت أمامه كمسكينة تسأل:
-هل نصعد؟
انتصب جسده وبدّل وضعيه الاسترخاء، سعل وصدر عنه بصوت أجش ولم يوقف التدخين:
-هل تودين ذلك؟
كلا.. هي ليس لها أي خيار..
حيّرها فتمتمت بخفوت:
-كما تشاء أنت.. لا يفرق عندي كثيرًا المهم رأيك!
رفع حاجبه وهو ينفث الدخان ثم نفضه في سلة قرب الباب:
-هيّا بنا إذن.
انجرف ذهنها بعيدًا لكن هذا ليس مناسبًا فهي ستبدأ حياتها معه على نور.. لن تحقق نبوءة موج فيما تكهنت به، صعدت معه ووصلا الشقة، قضت وقتها بين طي ملابس ومسح غبار غير موجود وأفكار غير بريئة تشبه "لماذا لم يبدِ رغبته بي"
"كيف جردها من أسلحتها المفترضة لهجومه"
"لقد أفقدها بلا نزاهة التفوق برفضها له.. إذ أنه لم يبد ودًا أساساً"
أنهت كل الأعمال التي لا تحتاج أعمالاً فخرجت له منكسة الرأس، بدلت ثيابها لملابس شتوية بيتية، جاورته فأكّد عليها وهو يجذبها من عضدها:
-هنا المكان أدفأ ..
ردت عليه بغباء:
-لكنني لستُ بردانة..
ضحك ومسح بطرف سبابته أعلى فمه، فيما لم ترتح لضحكته، حدقت في ديكور الشاشة وأبدت إعجابها به:
-المنظر جداً جميل..
همهم وقد عاوده الاسترخاء:
-أجل لقد أبديتِ رأيك فيها مسبقًا!..
التفتت له في دهشة:
-حقا؟
-أنت لا حديث لك سوى إبداء إعجابك بأثاث منزلي.
ضحكت بوهن:
-ربما نسيت.. أنا بالفعل أنسى.. أ تتذكر كنت طالبة محدودة الذاكرة..
ادعى التفكير وهو يُبطل محاولاتها في الفرار:
-لا أتذكر نسيانك.. أتذكر بشدّة تمردك وكم كنت غير مهذبة.
بدت تحت الضوء الخافت هزيلة، حدود وجهها الرقيقة تدل عن هشاشة دسمة..
-أنت لن تحاسبني عن ذنوبي سابقاً.
-أنا أود محاسبة السنين التي غيرتك..
ظللت العاطفة عيناها فسألت بتردد:
-ألهذا الحد أبدو غريبة!؟
هز رأسه فأطبقت وجهي كفيها معاً لا تجد تعبيراً مناسبًا فقالت بضعف:
-أنا سأنهض لصنع شيء لنا..
أوقف استقامتها حين تمسك بكتفيها وثبتهما:
-لن تنهضي وتهربي.. لقد هربتِ بما فيه الكفاية أثناء خطبتنا.
التهمت طرف شفتها الجافة حين أشار لخطبتهما فتابع بقوة:
-وقد أرى أننا تزوجنا أي ما هربتِ خوفاً منه قد تحقق.. ولا يبدو الزواج لي بهذا القدر الذي يستحق الهروب.. انظري كم نبدو لطيفين.
لمسة ذراعيه حول كتفيها تشنجها وتضعها تحت رحمة الخطوة القادمة، تسارع تنفسها ورحمها، فقالت له:
-لدي ما أقوله لك..
استشعر تضاربها وحاجتها للبوح المتوقع مسبقًا فقال:
-أنا أستمع!
لقد تم فتح الباب الذي واربته بغباء طويلاً، فشحذت قوتها وتنفست عميقا لتخبره..
-أنا.. في الواقع..
نهرته في ضعف:
-لا تنظر إلي هكذا.. أنت لا تساعد.
ضحك وتأمل بشكل غير قابل للسيطرة فتشجعت أكثر:
-أنا.. لم تكن نواياي بريئة تجاهك تمامًا..
رفعت عينيها تنتظر أي ردة فعل فتابعت:
-لقد تزوجتك في أكثر ظروف حياتي تخبطاً وضياعًا.. دون تفكير أو حساب أية عواقب..
وجم لحظة وتحرك مقترباً يسألها:
-لماذا فعلت ذلك؟
تهاوت شفتاها على شفا حفرة من الخزي فاتزنت لحظة الحقيقة حين اعترفت له:
-لم أكن في وعيي.. كنت مجبرة كأن حقداً أسود يسوقني.
تهدل كتفاها مبررة حين رفعت عينيها له باستسلام:
-أنا آسفة أنت لا تستحق ذلك مني.. أتمنى أن تسامحني!
تنهدت وهي تسحب كفها فوق كأن تحاول دعمه فالقادم غير مراع:
-قد أحتاج ربما فترة لأعتاد.. لأن أتقبل لكن أعدك أنني سأكون متعاونة معك.. ولن تندم على زواجك بي.. لكن أقسم لك أشياء صعبة التي أعيشها والحقيقة أن التعايش ليس بهذه السهولة..
لم يبدو أنه يتعاون حين سأل:
-هل انتهيتِ؟
مالت شفتها السفلى وهي تختتم حديثها:
-أجل هذا كل شيء.
سحب من جانبه حقيبة ورقية أخرج منها هاتفًا وشريحة جديدة:
-هذان لك.. سيتم استبدال هاتفك القديم كليا.. أنا زوجتي كل ما يخصها هو شأني ومن نفقتي.
أزال طبقة الظل الأولى وهو يربع ذراعيه فوق ساقيه اللتين مدهما للأمام:
-ما يهمني أنك الآن على ذمتي.. وكل ما أنا مسؤول عنه ومخول فيه يتعلق باللحظة التي بتِ فيها امرأتي وما سبق سيتم شطبه حتى لا يشوه أي كلمة تهم صفحاتنا التي بدأناها بنظافة دون تلوث.
نظر لها ملياً كأنه يخضعها لمجهر ويتركها صفحة كاملة بكل ما تحوي أمامه..
-أنا رجل متفهم كما ينبغي ولك الوقت الذي أرى أنه يستحق.. رغم أنني لستُ صبوراً بما يكفي!
لم تفهم أية كلمة إلا أنها ادعت الفهم بالطبع وهي تترقب حديثه..
فتبسم بسمة ستضيفها وفق معجم المفردات خاصته فهذه البسمة تأتي قبل قول الكلمات الـ ..
-أما عن ندمي.. فأنا لو كنت أملك شكّا بأني سأفعل لما كنت أقدمت على خطبتك والزواج منك أيتها التلميذة السيئة..
ضحكت تطفر دموعها ووافقته في هزات متتابعة:
-لن تندم.. أعدك لن تفعل..
أكد لها في ثقة:
-لن يحدث أبدًا..
في غمرة نفسها وما تشنّه رفعت نظراتها له، كانت بشكل ما مستعدة عاطفيًا حد الانسياق لخلف الثقبين الداكنين خاصته، شيءٌ اشتعل فتيله فعبر خلالهما، ربما هو حماسها وارتياحها لحديثه ومصارحته، راقبته وهو يميل نحوها فتلقت الحرارة وتركتها تمر خلال جسدها وتتفرغ ثانية، والحد الفاصل لما حدث تاليًا لا يعدو عن الثانية، فقد تم احتواء سريع، أعقب عنه مصافحة كاملة من شفتيه لشفتيها بسلامٍ طالت مدته، لم تنفض فيه المبادرة أو توقفها هي ببساطة تلقتها بتسليم وتوق ..وفي رواية أخرى قد بادلت المصافحة وشددت عليها.
انتهى الفصل