حكم الهوى غلاب - الفصل 7 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حكم الهوى غلاب
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 7

الفصل 7

(٧) قبل أيام"" تصلبت أطرافها، وشعرت بالفضاء حولها يتسع ويضيق، فما الذي رأته اللحظة! عينا علي تابعتا جسد.. (المها) المتوقف على ناصية الشارع! بقيت بهدوئها، رافعة عينيها صوب أعمدة الإنارة مغلقة المصابيح لاتقاء البرد الشتوي، وذاكرتها تسحبها رويدًا رويدًا لما عايشته وعرفته منذ طفولتها حول " المها" ..الاسم يبعث بومضات أعلى رأس معدتها، فتشعر بألم حارق يشبه " حموضة المعدة" أهذه هي الغيرة؟ احتراق! عيناها تتجهان لأعلى إطار النافذة، تذكرها بحبيبة علي التي تعرفها وتعرف قصتهما بل وشهدتها، تبعاً لعلاقة والدتها الوثيقة بوالدة علي "حَسنا" جارة عمرها وخليلتها من أول الحياة حتى سلمت حسنا روحها لباريها، كانت موج ظل والدتها تتبعها في زيارات والدتها لحسنا بل وتقضي الأوقات معها.. كانت تسمع بحب علي "هيفاء القامة.. صاحبة عيون الريم" كانت أصغر من أن تستوعب قصة حبهما الجارفة بل وكانت تستغرب كيف تقع فتاة في حب علي رغم نزقه وعصبته ومزاجه العكر منذ شبابه.. حتى وقعت هي وعرفت كيف. استمرت في تطفلها على والدتها وذات مرة سمعت بصوت متألم من الخالة "حَسنا" أن المها تزوجت شاباً تقدم لها دون انتظار علي.. وهذا ما أبكى والدته.. ووالدتها.. حتى هي بكت من باب الدعم والتضامن. بقيت المها في ذاكرتها ولم تنسها، حتى حين شبّت وماتت والدة علي تستقصي أخبارها وتتبعها، دأبت ترافق والدتها في الوفاء لعلي وأمه فكانت تنظف بيته، وترعى شؤونه بل وتطعمه مما تطهوه، وفاءً لعشرتها، وكانت هي المرافق الشخصي لوالدتها، لم يقف تتبع المها حين تزوجت علي.. بل زادت وتيرة مراقبتها، حتى عرفت منذ حين أنها باتت أرملة إذ أن زوجها توفي على إثر إصابته بكورونا، وتأثر جهازه التنفسي لفترة ثم وافته المنية، منذ أن عرفت بأمر موته لم ترها وودت لو تراها، علمت أيضا أنها عادت للأردن بل ولمنزل أهلها وهذا ما قتلها بالحرفية. والآن يحق لها أن تشعر بالموت الحقيقي حين رأت نظرات علي للمرآة الخلفية. تنهدت بصوت مسموع حين توقفت سيارة علي فاستيقظت موج على صوته: -ألن تهبطي؟ لقد وصلنا.. تنبهت أنها شردت في قعر محيط صعبة ظلماته وأجابت بهزة رأس: -أجل.. سأهبط . ثم وكأنها تذكرت حالهما فأخبرته بنبرة ساهمة: -أنا في منزل عائلتي لن أعود معك. كادت تتحرك برأس شدته للأعلى لولا ذراعه الذي جذب مرفقها: -حقّاً!! التفتت إليه بعناد وشدت على حقيبتها ترد بقوة: -أجل أنا في منزل عائلتي. تحركت عضلات وجهه كالمعتاد حين ينفعل وقال مستشيطاً: -ألن تعقلي أنتِ؟ قولي لي ماذا يوجد هنا! اغرورقت عيناها بدموعها حين مست أصابعه صدغها فانسحبت للخلف وهي تعيد أنامله ببطء وتجيب بصوت مرير ومشهد مروره بحي أهل مها يفتت قلبها ويهشمه: -لا شيء ..أنا لن أعود لك حتى تتعلم كيف تتعامل معي. وانسحبت من السيارة بلا أدنى محاولة منه لاستردادها أو حتى الزمجرة فيها على تهورها معه، ساقت الخطى حيث بيت عائلتها دون أن تلتفت وارتقت السلالم بتراخٍ.. الأفكار كثيرة وصعبة لا ترحمها والأسوأ لو استسلمت النفس لمكنونها السلبي ومهدت له السيطرة فستجنح مشاعرها لأسئلة شتى *هل علم بموت زوج المها إثر إصابته بفيروس الكورونا وتأثر جهازه التنفسي بها! *هل يمكن أن يعود ما بينهما! *هل عاد حبها.. هذا إن ذهب أساساً!.. *من هي كموج في حياته.. وما هو موقعها من الإعراب *أ يكونان على تواصل دون علمها وشهقت.. لم تحتمل وقد ضاع تنفسها وهي تتخبط بين جنبات بحر علي الذي لا حد له، مالت تستند على الدرابزين وتجهش بالبكاء الذي أتقنت لغته مذ أن أحبت هذا الغبي عديم المشاعر والأروع على الإطلاق، اشتد بكاؤها وعلمت أنها ستفضح نفسها وستسمعها والدتها وتقلق بشأنها، مسحت عبراتها وتنفست عميقاً ثم استأنفت خطواتها حيث الباب وهناك فوجئت بوجه عون الذي يستند على حافة السلالم يراقبها بتمعن وبوجه غير مطمئن أبدًا سألها: -ما الذي تفعلينه هنا؟ ضمت كفيها خلف ظهرها كمذنبة وأجابت: -جئت لمنزل والدتي.. سأبـ قاطعها سريعا بنبرة ملولة مستهزئة: -أجل تستأنفين عقاب علي المعتاد. تفتحت عيناها وكادت لتومئ بغباء فصعقها أمرهُ الغير قابل للنقاش أو التفسير.. الخاضع للتنفيذ دون أية مقدمات: -اذهبي لمنزلك موج الآن وحالاً! شهقت وارتدت تتمسك بالجدار خلفها تسأل بصدمة: -ما الذي تقوله لي عون! تقدم منها خطوتين وأكمل بذات الجدية: -عودي لمنزلك موج.. تأتين إلينا زائرة وضيفة فقط. وخزها قلبها بطعنته وشعرت بالخيانة رغماً فقالت له: -هل تطردني يا عون؟ ما تلا ذلك كان دراميًا فقد اختض جسدها برجفة عنيفة وملامحها غطاها احمرار الانفعال وعبراتها التي لا تسيطر عليها، جذبها سريعًا واحتواها بحضنه الذي تعرفه حق المعرفة والحنان وأجلسها قربه على درجة السلالم قائلاً: -ما عاش من يطردك يا موج. انتحبت تبلل قميصه وهي تواجهه بما قاله: -وماذا بشأن ما قلته قبل قليل.. أبعدها عنه قليلاً وتمسكت كفاه بصدغيها، قابلها ببسمة حنون رغم صرامة ملامحه التي تعرفها حين يؤنبها أو يوجهها يغلفها بنظرة تذوب فيها بأبوة صرفة: -أجل.. لا يرضيني مجيئك الدائم كل مرة غضبانة، مكانك هو بيت زوجك، خلافاتكما ومشاكلكما هي شأنكما أنتما، لا تعالجيها كل مرة بخطأ وتعودين إليه دون إصلاح الخطأ السابق.. هذا لا يصح يا موج.. خطأ فادح ينهش علاقتكما سوية. اضطرب قلبها بعنف على ذكر جملته الأخيرة فالتهمت طرف شفتها السفلى وهمست بإنهاك عاطفي بحت: -هو أبدًا لا يفهمني ولا يقدرني.. شكت له ولم تتجرأ على رفع عينيها: -لا تعجبه عاطفتي.. ماذا أفعل.. لن أغير نفسي.. هكذا أنا! أخذ نفسًا: -أنت جميلة بكل حنانك وحبك هذا موج.. لا أحد يطلب أن تغيري نفسك. استفهمت منه وهي تهم بفك إغلاق آخر زرين لفتح ياقة معطفها: -كيف.. كيف سأتعايش معه، علي صعب.. صعب جداً راقب يديها التي تفك الأزرار بعشوائية، رق قلبه لها.. أسلوبها مع زوجها يخلق العقبات ولا يجد سبيلاً للتوافق بينهما، فأخبرها وعيناه تلتمعان خبثاً: -عليكِ أن تستخدمي عقلك.. العاطفة لا تكفي، لأسلوب حياة دائمة وعلي طرف آخر مغاير عنك تمامًا. مطت شفتيها في استياء: -لا ينفع معه.. كل شيء جربته معه ولم ينفع! سأل مشككاً ودهاؤه يتراقص من حوله: -جربتِ كل شيء؟ أومأت في بؤس كاد لأجله أن يصفعها كي تستفيق فموج حالة ميؤوس منها: -حسنًا يبدو أنك لم تجربي أسلوبي.. ترقبت وتوترت خلجاتها فضولاً فمدت برأسها متحمسة: -ما هو أسلوبك! -الآن أقوله لك!.. وقاله بتشويق بحت تبسمت فيه وجنتاها المكتنزتين، وفركت كفيها بلؤم وهي ترى نفسها تطبقه بالحرفية، وخلال أقل من دقائق كانت قد هبطت باتجاه بيتها، ارتطمت عيناها سريعاً بسيارة زوجها، فجرت مسرعة نحو البوابة مشتاقة.. يأكلها الجوع وتائقة له.. والكم الذي سيتلقاه منها، ظلت بأفكارها ولم تستفق إلا باصطدامها بهيئته المعتادة التي تعارك ذباب وجهها، عاد للخلف وسألها: -ماذا بعد؟ لماذا جئت ألن تكملي ليالي خصامك! طافت عيناها عليه فتألقتا وهي تجيب بمزاج رائق: -لقد فك الحظر الآن! تنفس أخيرًا وتنبه لحجزه لأنفاسه منذ أن طلّت، عاد لتجهمه وأكمل سيره: -جيد.. فيكِ الخير والله! تابع سيره فجرت وقاطعته هيئتها مجدداً: -إلى أين الآن! مضى أكثر واستدار حول السيارة: -إلى الجحيم! استقلت تجاوره وتخبره بأريحية: -خذني معك. ** "الوقت الحالي" خرج الطبيب من غرفة صبا وتلقفه خالد الذي كان يدور بقلق أمام الباب.. حدق فيه الطبيب بارتياب ولم يستطع أن يثبت شكوكه.. فكما يبدو الرجل له يد طائلة حالت دون الاشتباه بشبهة جنائية واضحة رؤى العين: -أنت زوجها؟! رد خالد وهو يقيض على لحيته طلوعًا ونزولاً بقوة فأخبره الطبيب: -لقد فعلنا كل ما بوسعنا وتفادينا إجهاض الجنين تنهد يزيل منظاره الطبي ويمس ما بين عينيه: -ستبقى هنا تحت المراقبة، لقد تم كتابة مجموعة حقن وأدوية تثبيت مع ضرورة الرعاية الفائقة، ستبقى في سريرها حتى موعد المراجعة الذي سيحدده الطبيب الآخر. حرك كفيه بقلة حيلة: -سندعو الله أن يتجاوزا الخطر كليهما. -هل يمكنني رؤيتها الآن؟ سأل خالد بلهفة وداخله يتآكل على وحشيته التي استفزتها صبا لتظهر جلية تمامًا -الآن ليس مناسبًا.. انتظر بعد جولة التاسعة مساءً. تركه الطبيب وهو يود السؤال عن آثار العنف القديمة والجديدة، والتي لم يُسمح له هو شخصيًا التحري حولها، فتنهد وأكمل خطواته فلا شيء سيجنيه بتدخله، تاركًا خالد يجلس على مقاعد الانتظار ، بضمير يجلده لفعلته وهو يستعيد المسببات التي تدور حول "شكّه" . لقد بدأ الأمر منذ أن أخبرته أنها قامت بتحميل الفيس بوك، كانت قائمة الأصدقاء بعلمه ورغم الكنيات الأنثوية لم يقتنع وكان يبحث خلف الأسماء ويراسلها، وقد اطمأن نسبيًا.. لكنه لن يسامحها على بث الشك فيه فما من سبب سواها! أخذ من التفتيش عادة، حتى ضبطها تبعث بطلب صداقة لوسن.. وهو يعرف بل يدرك تمام الإدراك أنها تود إغاظة وسن.. ألا يكفيها أنها سببت شرخًا بينه وبينها.. بل تتمادى لجعله سدًا منيعاً -آه منك صبا!.. لماذا الأذية. يتذكر وقع رسالتها التي تضم خبر حملها لوسن، أجل لقد اتفقا على محاولتها مع وسن لعودتها إليه.. ما لم يتفقا عليه الخيانة! لقد خانته.. وشكت من خالد وتوسلت ألا تعود بل قالت الشيء الذي حرصها ألا تقوله.. فأخبرتها بحملها، وهو يعرف أن وسن ستتأزم مشاعرها عند هذه النقطة وستعانده أكثر! رباه ..لقد رأى ضعفها واستسلامها شبه الكلي له، فأتت صبا ونسفت كل شيء حاول بناءه. -صبا.. لن أسامحك كما لن أسامحها. ** على حواف المصير، قفزة الشجاعة قد تكلفك الكثير لكن مكسب النفس التي حاربت يستحق التجربة. خطط منذ البداية لهذه اللحظة بل وسخر لها كل شيء، إلا أن أصعب ما في القرارات الإعلان عنها، عاد من الجامعة الذي التحق فيها مؤخرًا بوظيفة دكتور، هبط من سيارته وشحوب الغسق يظلل وجهه وملامحه المرهقة العائدة من أقصى الشمال حيث المفرق التي تستقر -جامعة آل البيت- فيها استقبله صغار شقيقاته كجيش مدرع على طول السلالم، فينحني راكعًا لمن هم دون السنة ويقف يحيي الأكبر عمراً.. يرافقهم غيث ابن "المعنية" بكل هذه الفوضى يركض معهم ويتوقف أمامه بتلقائية يهتف بـ: "خالو" كحال الصغار الذي يجتمعون هنا منتظرًا حلواه مع ضمة عون التي يفرضها عليه هو والصغار.. وببقعة ليست ببعيدة، يقف عُدي بحذر تلاشى شيئاً فشيئاً ينتظر حلواه، وإن لم يركض مثلهم بل تتواطأ خطواته نحوه ويهتف به محرجًا: "عمو" .. حياه عون الذي تلاعب بشعره وناوله "مجسم" لألعاب " النينجا" -كيف حالك عدي؟ أومأ الصغير الذي أخذها بخجل وعيناه تراقبان غيث الذي يتعارك مع ابنة يمنى على حمل حقيبة عون الجامعية. -أنا بخير.. -كيف هي دروسك؟ هل موج معلمة جيدة! بخجل يهز الصغير رأسه مرات متكررة قائلاً: -خالتي موج أفضل معلمة في العالم. تتكفل يدا علي بفك عبوسه الذي تشكل على ذكر موج -لا شك.. أختي الأفضل على الإطلاق.. عبث في المجسم ففكه له وحركه على الأرض فركض غيث الغيور نحو لعبة شقيقه وحاول جذبها فأبعده عدي: -هذه لي.. احتج الصغير وعلامات النواح تعلن عن وصلة بكاء: -ليس لدي مثلها -لن أعطيك إياها.. يكذب غيثاً طفل قادم بيده لعبة سيارة يؤازر عدي ويقنعه: -أنه يكذب.. هذه هي سيارته يلتفت غيث لعون يشكوه ويطلب دعمه، فيغمزه عون والصغير المتحايل يبتسم، فبعد الغمزة هناك غنيمة يدركها جيدًا، يتركه عون ويمضي للداخل منهلكن قبلاً يلتفت لعدي الذي ظلت نظراته في إثره ويؤشر له بحركة الإبهام، فرغماً عن عُدي وتجهمه يبتسم! لقد نصب طفليها في عقله بل وكان أسهل ما سيواجه هو جذبهما لمداره وسحبهما إليه، لقد توطدت علاقته فيهما إلى حد مبهر، يناظرانه كشيء عظيم وبعيد، بل ويفرحان بأي خطوة يقدم عليها معهما، موج بدون أن تعلم كان الفضل لها.. من المسلمات في عرف علي " آمنة" . وموج تفضي وقتها في بيت والدتها أكثر من بيتها، برضا علي شخصيًا، تجلب الصغيرين لتدرسهما وهناك تعرفا على هذا المخلوق الفضائي الغريب العجيب المبهر والخارق للعادة الذي يتطوع أحيانا ويلقنهما حروفًا والأكثر يشاركهما بألعابه الإلكترونية.. بل ويوصلهما أحيانًا لعمهما علي في معرضه! والحق يقال.. لهما شقاوة لا تعجزها سوى شقاوة والدتهما قبل أن تنطفئ *** تناول من موج كأس الشاي الذي ساعده في امتصاص تعبه، فعادت عيناه تضيئان ويلمع فيهما الرضا، استمع بهدوء وتأن، وحين اطمأن لتناول والدته علاجها اليومي هتف : -سأستغل اجتماعنا الليلة لأخبركم بشيء هام. ترقبت شقيقاته الخبر مع ملامح الانتشاء والانتصار التي تنضح عن قسماته كلما ارتقى سلمًا: -لقد قررت الزواج أخيرًا اطلقت يمنى زغرودة، ووالدته كما موج انقبض قلبهما بلا سبب محدد، حتى لم تشتركا في الهرج الذي ساد: (من هي) (من سعيدة الحظ) (مؤكد تمزح ..لا يمكن أن يكون حقيقة) فحسم كل المزاح والهزل، وتركزت نظراته حيث الأريكة التي ينحشرن فيها قرب كرسي والدتهن -وعروسي هي وسن ..ابنة الحاج خليل.. انطلقت موج التي التفتت بقوة حيث والدتها وقالت معترضة: -وسن لا.. عليك بغيرها هذه لن تنفعك. تحركت عضلة فكه وهو يزيح وسادته التي كان يتكي عليها وقال: -ما مشكلتك موج؟ التزمن الصمت عدا موج التي هتفت بلا تردد: -أنا لست موافقة على هذه الزيجة أبداً رد عليها سريعًا متسلحًا بكل هدوئه: -أنا من سيتزوج موج. عاودت الحديث مجدداً فنهرتها والدتها: -اصمتي موج.. لا شأن لكِ.. هذا شأنه وحده ثارت موج: -أمي -كفى. غادرت عيناه موج وتعلقتا بوالدته التي وجمت عقب انبساطها بتجمع العائلة، ومن دون أن ترق عليه بلمحة حنان سألت: -هل أنت متأكد مما تريده؟ رد عليها يحكم وثاق الجلسة بالرضوخ وينال الإمضاء فهو سيمضي بجميع الأحوال. -أجل . هتفت من فورها بصرامة: -إذن مبارك لك . دنا منها وجذب كفها المشدودة، وقبلها رغماً عن نظرتها المعاتبة : -بارك الله في عمرك أمي.. ليتبارك عمري. طبع قبلات ناعمة على طول كفها حيث موضع العروق الخضراء البارزة، فمست على شعره تدنو وتهمس له: -هذه امرأة مكسورة.. ستكسر قلبك. مد كفه يضعها فوق كفها وبذات الهمس أجاب: -أنا غريق يا أمي.. فما خوفي من البلل. ارتعشت كفها وهي تسحب جواب كل أسئلتها التي اشتعلت مع فتيل خبره الذي أوداهن في مقتل، فدعم رجفتها وانسحب يخرج من الغرفة، تاركاً إياها تبتلع دمعتها.. -ما هذا يا أمي.. كيف ترضين بهذا الجنون؟! سالت دمعتها الموجوعة لا الغاضبة وردت على موج التي ترغي وتزبد: -لا شأن لك به.. ليس صغيرًا كي يأخذ موافقتك. أشارت موج بخيانة وقالت: -هكذا إذن أشاحت عنها والدتها وجهها وتركتها تلتفت نحو شقيقاتها: -لا يمكن.. هي لا زالت تبكي على خالد وتحبه. -موج! هتاف أمها الصارم أوقفها فخرجت مختنقة ولحقت بعون الذي يختلي بشرفة المنزل، يمسك ولاعة تبغه لإشغال لفافته الثانية، مستمعاً لهدير الرياح القوي الذي يتناسب وبشدة مع عواطفه المشتعلة الآن، سحب من تبغه فتكومت سحب الدخان مع البخار خلفه مشكلة مساراً لا نهائياً نحو الأفق، توقفت عند الباب قليلاً وتلكأت قبل أن تهمس له: -عون ..أنت أهم شيء في حياتي، وسن امرأة مضطربة.. محروقة.. مجروحة. اقتربت منه تخبره بلوعة: -أنا امرأة تدرك الاحتراق جيدًا وأعلم ما بوسع امرأة مجروحة أن تفعله وما الذي يمكن أن يصدر عنها. لم يحرك أعقاب تبغه الذي تجمر فوق سبابته حتى انتبهت له ونفضتها -عون.. لا تؤذي نفسك. تنبهت أنها اندفعت وقالت كلاماً كثيراً فبررت: -كل ما في الأمر أنني أعرف وسن جيدًا.. زفر عميقًا وركز مع الضوء البرتقالي المتوهج الذي ينتشر وينعكس على الغيوم معلناً ولادة القمر الضخم.. أشاح عنه يزدرد لعابه رامياً بلفافة التبغ يخبرها بصوت ثخين وثقيل: -وأنا أعرف وسن بما يكفي.. منذ أن كانت طفلة وتجري بين معارض والدها حين كنت عاملاً هناك. ويدرك أي امرأة هي تلعب على وتر الانتقام بل وتختار شجرة عوده بعناية.. فاختياره كان الجمرة التي ستودي بخالد إلى قاع الجحيم! اختنقت وشعرت باللا فائدة من كل ما تحاول قوله -أنا حذرتك. -كوني مطمئنة بشأني ملء قلبك ..واهتمي بشؤونك فهي تستحق أكثر من أمري. -عون!! بضعف تسللت أناملها إليه كي يحتضنها، فأخذها بين ذراعيه، مراعيًا تعلقها الشديد به كأصغر شقيقاته، مطمئناً إياها بصدق وعيناه ترنوان حيث السماء بعجز، فإن كانت الظروف والحياة اقتصت منه حين تسربلت من يديه رغم أحقيته بها، فلن يتركها "هي" هذه المرة للحياة والظروف وإن اقتص قلبه! ** ما يخص عاطفة الرجل أشياء يصعب على المرأة فهمها، أعظم المسائل وأكثرها تعقيدًا يتم فكها بِـ واحد زائد واحد يساوي اثنان.. وإن استعصت على رجل مثل علي، فالإجابة هي "إحدى عشر" . المواد إن لم تضبط بالجمع.. فالأسلم لها التصاق! لا يجد علي أية مشكلة في عون.. أو حتى في زواجها من منه! نشب شجار ضخم بينه وبين موج على إثر موافقته ومباركته للزواج، فأخبرته في قهر: -هذا الزواج سيجلب المشاكل وأنا غير راضية عنه.. كيف قبلت به! توقف مستخفًا بها ومتهكماً: -وما هي المشكلة في هذا الزواج ست موج إن شاء الله؟ تنفست غاضبة وأخبرته بصراحة تامة: -أنت تعرف أن وسن لا زالت تحـ.. جحظت عيناه وبتر استرسالها: -هذه مشكلتك! صرخت موجوعة: -عون لا يستحق هذا.. يستحق قلباً يحبه وحده.. وسن امرأة غير متفرغة أبداً له. -فليقبًل عون كفيه رضاً وحمداً أن وسن قبلت به. دمعت هذه المرة وهو يقترب منها يجالسها ويطلبها بهدوء: -خفضي صوتك أولاً.. ألم تلاحظي أنه ارتفع الليلة مرتين. أشاحت بوجهها بنفاذ صبر فأخذه بين يديه وأعاده له: -وسن ليست بهذا السوء.. هي امرأة صغيرة ومحبة تستحق رجلاً يُكرمها ويطيب خاطرها. زمت شفتيها اللائي نادينه لفك عبوسهما وأردف بعد بسمة رائقة: -دعكِ من الحب.. هناك أشياء أهم منه، هي جل ما تحتاجه وسن أساسًا. وغادرها حيث بيت أخيه، تاركاً إياها تقف مغتاظة: -وما شأني أنا.. ما شأني. تذكرت مهاتفات شقيقاتها اللاتي طلبن منها الصمت وعدم التدخل فزمجرت وهي ترمى بملاءات السرير بقهر: -وما شأني.. فليجرب نارها مثلما جربتُ نار عمها.. حينها سأراه غير نادمٍ. شخرت بغيظ وهي تشعر بنار تأكلها: -لن يندم قال لي.. سنرى! ** لم يلتقِ بوسن منذ أن أخبرته بموافقتها، إلا أن هناك اتصالات تجمعهما مفادها أنه سيخبر شقيقه اليوم ولم ينتظر لحظتين، فبادره عقب السؤال عن الحال بنحنحة وسعال -ما قبل الكوارث- -لقد تقدم عون لي طالباً يد وسن.. ولقد وافقت وأنا أيضاً.. تفتحت عينا خليل بدهشة لهذر أخيه المعتوه فسأل مدهوشاً: -هكذا مباشرة خطبة وموافقة سريعة؟! رفع علي راسه له فيما أضاف خليل بسخرية: -متى ستحددون الزفاف لو تكرمت يا علي وأخبرتني سأكون ممتناً! نفخ علي وفرد طرفي سترته يعبر عن جزء من كبته وضغطه الذي يكاد يفقده وعيه: -خليل دعنا من مزاحك، هذه فرصة كبيرة لقطع دابر الأفعى خالد. تلاعب خليل بالغطاء بلا أية متعة ثم نفضه بملل وهو يواجه علي بنفسه: -وهذه طريقتك الفعالة أيها الغبي لتبعد خالد عنها؟ استقام علي منتفضاً وتفتحت عيناه باتساعهما يسأل بصدمة: -أنا غبي! اعتدل خليل في سريره وحاول رفع جسده موبخاً: -بل وتحصد غباء قبيلة بأكملها. جلس علي كمذنب على كرسيه ومس ذقنه بغيظ ينكس رأسه مغمغماً: -على رأسي من فوق.. مقبولة منك يا خليل مقبولة. اقترب من سرير خليل أكثر وحاول استمالته: -قل لي ما رأيك بعون؟ حاول خليل التأكد فسأل بجدية: -وسن موافقة فعلاً؟ ضرب علي كفاً بكف وأكد بقوة: -لم تفكر حتى.. هل عون يحتاج التفكير مرتين؟ هزأ خليل وعقب : -ما شاء الله! ..هكذا وافقت بلا إقناع منك أو تدخل ضارٍ مثل الذي أراه الآن معي! هز علي رأسه بجدية وأكّد يضرب بكفه على صدره: -يا خليل دع الموضوع عندي ولن تندم أبدًا ..حله كاملاً لدي. تنفس خليل بصوت مسموع وانفجر فيه: -ألم أترك لك الموضوع فيما سبق وعضضتُ يدي نادماً. استغفر علي ولم يستطع ضبط أعصابه: -يا خليل لم تصر على تذكيري بنكبة حياتي؟ ما الذي فعلته لك؟ أنا أحاول تصحيح خطئي. -لا أحد طلب منك ذلك . شكراً لخدماتك. برطم علي بحنق: -خليل! ..أنا أخوك لست عدواً فلماذا تحادثني هكذا! -لأنك بلا عقل وفارغه تمامًا! ابتلع علي الإهانة بأدبٍ جم واستقام بغضب يردف بجدية فيما ينزوي حاجباه حد الالتصاق : -حسنًا خليل أنا من جئت بخالد وأنا من سيقطع أثره بلا عودة.. اتفقنا؟ تنهد خليل باستنكار بان في قسماته فبسّط علي الأمر: -خليل دعنا من مثالياتك فابنتك غير متزنة وبأي لحظة ستجدها قد عادت لخالد. ثم أشار بكفه نحو خليل: -بالله عليك هل تضمنها أنت؟ أجب بصدق. بسط خليل شفتيه بإقرار وهز رأسه مؤكداً: -بالطبع لا . ضرب على صدره مجددًا: -إذن حلها لدي.. لا تقلق. " في الداخل" دخلت والدة وسن غرفتها بلا استئذان وهدرت فيها: -ما هذا الذي سمعته؟ نكست وسن رأسها وشدت الغطاء حولها ترد بخفوت: -يبدو أن عمي قال لكم.. أجل أنا موافقة. صفقت والدتها كلا كفيها باستنكار فهي ضد هذا الزواج كلياً: -ما الذي تفعلينه يا وسن.. كيف تقحمين نفسك في زواج آخر قبل أن تتعافي من الأول حتى. شعرت بطاقة غضب تفور داخلها على ذكر التعافي فقالت بحزم: -زواجي من خالد لا يستحق الذكر.. أنا لست معطوبة ولا مريضة كي أتعافى جالت نظرات والدتها عليها في صمت تكذب كل حرف قد قيل: -حديثك يؤكد أنك لم تتجاوزي شيئاً.. رقت نظراتها أكثر وشعرت بالحزن يعمر مدائن فيها: -لا تدخلي أطرافاً بريئة في حربك معه.. تنهدت منزعجة فاستقامت والدتها ووسن تقول بعناد: -لا تحكمي علي بهذه الطريقة.. تمتمت والدتها بحزن: -الله يهديكِ لنفسك.. ويهدي سرك! ثم التفتت لها قائلة: -ستندمين انطلقت وسن من فراشها تتمسك بوالدتها متسائلة: -ألم تكن رغبة أبي.. كم حدثني بتسليمه بأمر الزواج ؟ وكانت محقة، والدها حدثها بضرورة النظر في الطلبات المقدمة " لن أتركك وحيدة.. فأنا رجل على حافة الموت ولا أضمن عمري". والآن والدتها تعارضها وتستنكر.. بل وتتهمها بالحقيقة التي ستنكرها -أنا ضد والدك شخصيًا وخرجت تترك وسن لصدمتها قبل أن يجفلها نداء والدها، فخرجت له بأقدام هلامية وحين وصلت إليه أجلسها جانبه وسألها: -هل توافقين عمك المجنون فيما يقوله؟ استغفر علي وهو يضرب بكفه على فخذه -يا معين الصابرين -تحمد الله الذي يصبرني على شيبتك أيها المعتوه.. قطعت وسن بإجابتها الخافتة الحوار الأخوي: -أجل والدي. مد يده يهزه يدها ويسألها: -ألم يؤثر عليكِ هذا في شيء؟ -أنا هذا يا خليل؟ أنا! ثم ما الذي أمتلكه لتأثيري عليها في الصفقة النووية؟ تجاهله خليل وعاد لوسن التي أسبلت أهدابها وردت: -لم يفعل أبدًا ارتاح خليل نسبياً، ودعا لها تاركًا علي يرغي ويزبد: -هل كنت كاذباً كي تصدق الكلمتين التي نطقت فيهما وأنا أتحدث منذ ساعة دون اعتبار لي! *** كل ليلة تشغل نفسها كي تبعد تفكيرها عما أقدمت عليه، لم تتقاطع طرقاتهما ولم يأتِ لموقع العمل أبدًا فقد سمعت بعقده مع جامعة بعيدة، ثم الأهم هو شريك في الشركة وليس مالكًا بالمطلق، فكونه أستاذ تاريخ لن يفهم أبدا ماهية القانون ولن ينخرط في أعماله أبدًا -لقد فكرتُ فيه! أطلقتها بتأفف مختنق، وركضت صوب المرآة تجدد لون أطراف شعرها الباهتة بلون باهت لا يتغير، توقفت تعاين النتيجة وأعجبتها، وسرحت رغمًا عنها باللقاء القادم الذي سيجمعهما، ما الذي سيقولان فيه، جففت شعرها وعادت لسريرها تسترخي فأوقظها رنين رسالة يومية من خالد.. رباه سترتبط برجل وهي تحفظ ظل آخر في قلبها، قرأت رسالته المعتذرة والمحبة وأطفأت الشاشة، تجولت أصابعها على محتويات هاتفها من صور ومقاطع فيديو تجمعها بخالد.. استقامت تعذب نفسها بجري غير محدد مساره يعج بمحطات وصور ومشاهد لها في حياتها القادمة، لم تعد تملك طاقة الجري، تهاوت وجنباها في حرقة أخذت كتفاها تجيشان مع تأوهاتها وتنهدات طويلة جعلتها تتكوم وتأخذ حبة منومة إجبارية كي تنام. صبيحة اليوم التالي خرجت باكرًا، تقاطع اللون الرمادي الذي يغمر المكان مع الندف الحمراء المتقطعة لنور الغسق الأخير، شدت معطفها أكثر وربطت عقدة المعطف حين اشتد رذاذ المطر وسارت بإحساس ملح كي تشعر بشيء، كالحب مثلاً! افتر ثغرها عن بسمة طفيفة: -لقد جننت! وصلت لمكان عملها، هبطت من السيارة فرأت انعكاسها واضحًا على الشوارع المبللة، قفزت عن بركة صغيرة والتحقت بممر الشركة، يصدر حذاؤها صوتاً يكسر حدة السكون ثم.. شعرت بصوت آخر يشاركها الممر كأنه لرجل فالطرق يبدو عالياً وعلى عجل. ومن ثم توقفت تلتفت مأخوذة بالشعور: -صباح الخير وسن. نثر الهواء شعرها عن وجهها فردت باسمة: -صباح الخير.. كيف حالك! واثقة خطواتها.. وكأن ثقته تثبت قوة هائلة داخلها ثابتة أمامه.. كأنها تجابهه فلمَ تتردد شيءٌ فيه يحرك الأوراق المهترئة عنها سابقًا فتغدو وسن القديمة. تجولت عيناه مرتاحتين حولها، لا تبدو بخير، جهادها على الثبات في أرض مواجه له جلي، مالت نظراته الناعسة حول المكان فشعرت بالفراغ الذي تكرهه ثم عادت حول الأطراف المغلقة لجفنيه سطع شيءٌ ما كان ملموسًا بحيث ينسكب فوقها جارياً حد العمق ونطق بلهجة عادية: -هناك حديث عالقٌ بيننا! انسحبت من عينيه حيث الفراغ، الفراغ أفضل من الدوامة التي تشعرها الآن.. إنه ينظر إليها كرجل وهي امرأة.. بحق الله هي امرأة أساساً تنهدت بيأس وعادت تقول دون أن تلتقي عيناها بطرقه: -هذا مكان عمل ولا يصح.. بدت رئتيها بأنفاسها باردة فبترت الحديث وعادت حيث المظلة كي تشعر بالاطمئنان وأردفت: -لا يصح بالطبع هذا مكان عمل.. رفع حاجبًا مستهجناً: -نحن هنا نتبادل أحاديث.. أحاديثي مطمئنة . ناظرته بلا وعي وهذا الانغلاق يجذبها رغم أنها تدركه جيدًا وتعرفه فأضاف: -لا تعبث أبداً أو تؤثر على سير عملك. -لم أقصد هذا.. أقصد حديثنا سيكون فيصيلياً وهاماً. باستعداد وطرق مختصرة أعربت عن كامل اختصارها لخطواته: -وهذا ما أتطلع إليه.. سألتقي بك لنحدد موعداً مناسباً، قبل أن أجالسك في منزل عائلتك. ازدردت لعابها وشعرت بتأثر عنقها من لفحات البرد فهزت رأسها: -حسنًا ..سأمر عليك ما إن أتفرغ. تحركت.. شيءٌ حركها مع مهب الهواء الذي عبث بمقدمة شعره، لم يتعن إعادة ترتيبه أو تنظيم فوضاه بل اكتفى بسحب الوشاح حول عنقه فيما تغضنت زاويتا عينيه للحظة قبل أن يعلن عن ابتسامة مشجعة لها: -سأكون في انتظارك!.. كان دوره كي يسبقها، فلا تود أن تمشي أمامه، وبطريقة ما لا تعرف ماهيتها، قادتهما خطواتهما للسير بشكل ثنائي، حتى وصلا مفترقاً تضطر فيه لأن تذهب إلى مكتبها، مشت حيث وجهتها وعنقها يميل حيث هو، واقفًا يشيعها.. يحملها.. ويرمي بنعش طلتها فيه فهو ميتٌ لا محالة فيها.. ** فتحت باب المكتب ورمت نفسها على الأريكة الجديدة، أخذت أنفاساً متلاحقة، وهوت بكفيها تجلب الهواء لها، شغلت التكييف لأعلى درجاته، فشعرت بالحرارة أكثر. دارت بلا هدى.. ما الذي تفعله.. هل تذهب الآن له.. هي تكذب لا عمل لديها والتوتر الممزوج بالقلق يكاد يقتات عليها، حسمت أمرها فجرت بخطوات واثقة أمام المرآة، وقررت شغل الوقت الذي فرضته للفراغ باستغلال حديثها الذي ستمليه عليه!.. نثرت شعرها بأناقة ومسدت عليه، تنحنحت وأطبقت كفيها بشكل متقاطع أمامه، مطت بفمها بحركة رشيقة وبدأت . " أعرف أن هناك شيء مصيري سيجمعنا ومع ذلك لدي عدة أمور سأخبرك بها". شعرت بسخف ما سيقال.. وبركاكة الطريقة التي ألقت فيها فعاودتها مع إضافة مهمة. "أنا امرأة ممتلئة.. وقلبي ليس ملكاً لي.. لذا لا تتوقع مني الكثير" "سأكون زوجة مخلصة.. لكن أمر الحب سنلغيه من حياتنا.. لن نتطرق لذكره في أي مرحلة من حياتنا" "كما تعلم مررت بتجربة حب كنت أنت شاهداً عليها.. لم أتعاف منها بعد .." "هل أحدثه بشأن الزواج الصوري؟" "أريد وقتاً لي.. لأتقبل رجلاً في حياتي" "لقد وقع اختياري عليك.. لأنك متحضر وسوف تتفهم احتياجاتي" أجل ستلعب على الكرامة كي تخرج بأقل الخسائر. " لن أقع في حبك يومًا" " أتمنى ألا تفعل مثلي" " المشاعر ليست ملكنا.. أنا لست ملك نفسي" .. تنهدت طويلاً وقد شعرت باستنزافها، هذا كافٍ ليعرف دوره ولا يأمل بها كثيرًا.. رائع! أكثر من رائع! رشفت كأس ماء كامل لترطب جوفها، ثم رتبت هيئتها كما وجهها الذي اعتنت في ترطيبه مؤخرًا وجددت أحمر شفتيها وانطلقت بحماس لردة فعله، فكلها شوق. طرقت باب مكتبه ودخلت على استحياء فوجدته مدهوشًا بحضورها ما أشعرها بإحباط وهي التي تظن أنها تتفضل عليه، فلملمت الكرامة المبعثرة: -لقد أنجزت أعمالي باكرًا ..وأحببتُ ألا أتأخر عليك. رد وحاجباه ينزويان أكثر: -أهلاً بك وسن.. هلّا جلستِ ريثما أنهي ما بين يدي. أومأت وهي تزدرد لعابها ببطء: -أجل بالطبع.. أجلسها واستدار حول المكتب عاقداً ساقيه يسأل: -هل تشربين شيئاً؟ ردت بعطش أنهكها: -عصير برتقال بارد.. ريفي جاف جداً تبسم بتفهم، وعيناه الماكرتان تنكبس أهدابهما بشكل دنيء النوايا لها: -أبشري .. أشاحت بوجهها تدعو الله أن يعبر السلام عن كل هذا الخراب المعاث بداخلها، جاء العصير بعد دقائق قليلة، فناولها إياه بيده، وراقبها ترتشفه على ثلاث جرعات فقط، راحت عيناه تدققان النظر حول هيئتها وتركزت أكثر على شعرها فشعرت بغضب، أتراه يرمق خصلاتها التالفة المطلقة للهواء ويقول في داخله: "ذنوب بغير جدوى والله" لو يعلم أن التلف والتقصف بسبب البروتين ليس إلا. أخبرته بعدائية غير مبررة: -أنا سأتدبر أمري ..عد لأعمالك ..أنا أنتظر. -لن أتأخر. ردت عليه بتحد: -أكون شاكرة لك ..لا أطيق صبرًا ضحك هذه المرة ورد: -ولا أنا حتى! كان عليها أن تكون بمظهر جدي، فالقادم صعب ..صعب وسوف تسيء إليه كرجل تعرف هذا، ارتدت للخلف وشعور يخزها من أسفل عمودها الظهري حتى عنقها، لكن الإحساس بوجود رجل دخيل على محيطها ودائرتها المغلقة يستحق الارتعاش، لم تنظر إليه بينما يفصل مكتب بينهما، يعمل بسرعة على مجموعة كتب وأوراق، ثم يقوم بوضع ملاحظات بين حين وآخر بقلم ذهبي رفيع، جذب انتباهها ..وإن كان الأصح الأنامل التي تقبض على القلم.. كان مستقيماً ومتحكماً بشدة، لا يبدو شاباً في مقتبل عمره، فيجذبها بخصلات مرمية تعانق حاجبيه ..ولا ذقن تم تحديدها بمهارة! كان أربعينياً.. بما يناسب قدسية وفوضى ورزانة وإهمال كما أناقة السن والعمر. "كفي عن الاستكشاف كمجذوبة" أعادت تنفسها لمعقوليته، وجفلت حين قابلها والطاولة السوداء هي الحاجز الذي تتحصن فيه عنه -لقد فرغت ..أنا جاهز لكِ. شبكت كفيها كما خططت تحثه على الإكمال: -وددت أن نجتمع هنا بشكل يتيح لنا الأريحية الكاملة . وافقته بهزة رأس مشجعة فيما يتابع : -هناك الكثير مما بيننا علينا الاتفاق عليه ..فهذا عمر قادم سيجمعنا. " نا " الثقة هذه ..هه لا يعلم ما القادم. -كما أنني سأسعى لإنجاحه ..وتفادي أي عقبات لن توجد أساسًا ضف إليها " هاء" الضمير المحارب.. -لذا أنا سأستمع إليكِ ..وهذه الجلسة بملئها لكِ. تسلحت بذات الكبرياء وتبرعت له: -ابدأ أنت أولاً فلدي الكثير. مال فمه حد أن توغلت غمازته التي تستقر أسفل عينه، وقال بعد أن عقد ساقيه بأناقة: -أنا لستُ رجلاً متطلبًا.. هل أرعدتها النبرة.. لا أبدًا ومطلقًا. -شروطي سهلة وبسيطة.. جدًا وألف كلا لم تجفل لهذه الجدية -أمي أولاً ..ثم الدنيا بأكملها خلفها! فغرت فاهها وسألت: -فقط! -أجل! -شروطك بسيطة.. -قلت لك أنني غير متطلب.. -تبدو كلماتك قليلة أمام ما سأقوله.. استرخى في كرسيه وساوى جلسته: -أنا هنا كي أسمعك ..ما بيننا عمر طويل. حركت شفتيها بحركة لا معنى لها، ثم شبكت أناملها واعترفت: -كما تعلم أنا امرأة لي ظروفي قاطعها: -حين تقدمت لكِ.. عرفت وكنت أعرف بما يكفي لأن نوفر على نفسينا عناء الحديث عن الماضي. استسلمت ووافقته رغم حنقها وأخبرته: -طفلاي هما كل شيء في حياتي. -أقدر لك ذلك.. ترددت وقالت بعد تنهيدة: -ثم أنني لا أود أن تتأمل أي شيء! لم لا تنطقها صراحة.. رطبت شفتيها للمرة الألف وحاولت الحديث ومجددًا فقاطعها: -أنا رجل يعيش على النسب وأرفع مستوى تأملاتي وتوقعاتي أبداً لا تخيب. ازدردت لعابها: -لكن لدي ما أقوله لك.. تقدم منها وهو يضع يديه على ساقيه: -إننا هنا ساعيان لإنجاح علاقة تجمعنا.. ناضجان بما يكفي لننحي أيه سلبيات أو مخاوف.. لدي ما يكفي من نسبة خسارة صدمها حين أتم بثقة: -إلا أنني أضعها من باب الاحتياط ولا داعٍ لها فأنا أثق جدًا بخطواتي.. ولا خسائر فيما بيننا.. ما رأيك بكأس من البرتقال مجددًا ودعي عنك الأحاديث ..ستخبرينني بها فيما بعد! لماذا هزت رأسها له؟ أين ما نوت أن تقوله! ما هذا الاستسلام المخزي، شنت لكرامتها غارة متأخرة : -أنت لم تسمعني! -ألا يكفيك لو قلت لك سأسمعكِ العمر كله! ورشفت كأس البرتقال هذه المرة على دفعتين. ** " يوم الزفاف" .. بغباء وجنون أكبر استسلمت لعمها، خطت بكفها على خسارتها الأكيدة لأي فرصة قد تجمعها بخالد، إنها تنهي مستقبلها وتحرز قفل أبواب قلبها عن الحياة، ومع ذلك، جزءٌ منها يمتن.. فهي تعترف بعدم ثباتها واهتزازها شخصيًا إذ قد تعود لخالد بأية لحظة، أفرغت دموعها على صدر علي كالعادة الذي تنحنح وأبعدها برفق فتنبهت لاحمرار أذنيه الملحوظ ولسانه الذي يعقد معه هدنةً للأدب -وسن.. أصدرت همهمة بسيطة له فمس كتفها بدعم وأوجز لها: -عون بات مثل زوجك.. هل تدركين ذلك! قطبت جبينها وكررت خلفه مستنكرة: -مثل أليس زوجي يا عمي!! تأفف وحك جبينه يوضح فوسن غبية.. بل تنافس موج بالغباء: -أقصد بات زوجك.. يعني.. أووه وسن عون هو زوجك للأبد فهمتي.. أم أوضح لكِ! استعصى عليها الفهم فوضح بمصيبة أكبر داباً الرعب في قلبها: -زوجك بشكل طبيعي.. عون أخبرني أن لا نية له بطلاق.. كيف يطلقك أساسا وأنت مطلقة . تعثرت شفتاها وتوعك ذهنها بنوبة إدراك متأخرة بكونها زوجة فعلية وحقيقية لعون بما لا مجال للهرب منه، رطبت شفتيها ومست عنقها تخفف وطأة احتراقه وسألت بعد لطم وجهها: -يا إلهي ما الذي فعلته أنا! حارت عيناها بدموعها وكل أفكارها عن الزواج تنسكب بقوة فسألت بلا وعي: -وهو ما الذي يريده؟؟ نكس علي رأسه ثم اهتدى إلى أن لا داع للحرج يكفيه تهذيباً وهذه تود شرحاً تفصيلياً: -يريد زوجته بالطبع. ثم أكمل بلا شفقة: -وأنت ستّ العارفين. ومن خلف الجدار ودع عون المأذون و استمع بذهول لتخلف نسيبه فتأوه يشكو قلة حظه: -كتم الله لسانك يا علي. ** جفاف موج آلمها، وصد والدتها أنهى تماسكها، ناهيك عن خالد الذي تنازل وسمح بزواجها بعد الهدنة التي أعطاها له خليل: -أسامحك يا خالد على ما فعلته ..على أن تترك الطفلين لوسن. والمقايضة صعبة، لكنه خاضها بأمل، خليل سامحه.. مما يعني سبل الأفق مع وسن حتى لو تزوجت فهي له لا محالة.. الحرب بينهما قائمة وهو يفهم لعبة وسن، والتاريخ بينهما سيكتبه هو! وهكذا تمت موافقته بصدمة لها، لكنه ما لبث أن عاد إليها متسللاً، فكل ليلة موعد غرامه وشكواه التي يبثها من بيتهما سابقًا، بل يخبرها بأن صبا منذ شهرين لا تبات في منزلها بل في منزل عائلتها، يغريها بطلاقها على أن تعود له.. ويتوسلها أن تهرب معه. دخلت غرفتها تلملم حاجياتها، وتمسكت بالخبط الدنيء الذي يجمعهما، وجدت رسالة خارت قواها لها وما عاد لها طاقة، شهقت تبكي وهو يعرض عليها الهروب مما مس قلبها وآلمه، حدقت في الحروف المتراقصة، وهي تتخبط في رأيها.. هل تحقق مطلبه.. أتهرب الآن.. وتنفذ الهروب العالق منذ سنوات والذي لم تفعله مع خالد لتحققه الآن. الآن بعدما باتت زوجة لعون.. انتهى