الفصل 6
(٦)
في الحب ..كلنا مساكين!
-اخرج من هنا..
هدرت فيها بأنفاس قوية وكل ما فيها يختض غضبًا، فتجاسرت خطواته نحوها وهو يكشّر معاتباً:
-هذا ليس باستقبال جيد لي.. أو لوالد أبنائك على الأقل.
رفعت شفتها حين دخل عليها في غمرة الاشتعال، اللهب يتصاعد من عينيها وجوفها والهاتف يهتز بين يديها فأدلت بدلوها كاملاً وغيظها يصل المدى:
-إن جئت لتقنعني بالعودة مقابل طلاق صبا فسأخبرك بفشل طلبك قبل أن تسعى به.
قطب جبينه وأغلق الباب خلفه فحذرته:
-لا تغلقه.
رد عليها بهدوء وكفه تعمل على فتح درفة الباب:
-اهدئي.. لن أغلقه بالكلية.
-لن أهدأ وأطلب منك احتراماً للمكان هنا والعشرة الباقية بيننا أن تخرج فلن أعود، حتى لو طلقت صبا.
استفهم بجدية وهو يقترب من مكتبها:
-من قال أنني أريد أن أطلق صبا؟
وجمت وأصابها الغباء ولم تتفوه بحرف فشدد:
-وسن أريدك أجل.. لكني لن أطلقها ولن أفعل في يوم من الأيام.. تعايشي مع هذه الحقيقة.
ازداد تنفسها وانحسرت نيرانها مبهوتة، فما الذي قرأته قبل قليل وجعلها تبدو بهذا السخف، وتتناسى الحدث الجلل الذي تجاهلته في خضم اللحظات الأخيرة؛ حمل صبا.. كان يتحدث ولم تعِ أيا مما قاله فهي حفظت أقواله التي فقدت تجديدها، ضاعت اللحظة بكل فقد ممكن فعاودت قراءة الحروف الباكية بقهر وألقت الهاتف جانباً تستقيم مترنحة وقد كادت تتقيأ وهي تشعر بانقباضات مشحونة بطعم المرارة، أسندت كفيها على المكتب وأمرته حيث ما عادت تحتمل:
-اخرج.
اقترب خطوتين منها فشعرت بضرورة التقيؤ فشدت فمها ثم زاغت عيناها وتحركت شفتاها دون أن تصدر صوتاً:
-إلى الخارج.. هيّا.
لم تستطع الثبات على قدميها أكثر فثبتت كفيها وأطبقت جفنيها بقوة مما استرعى خوفه فدنا نحوها مقترباً بجرأة، زمجرت به كقطة مجروحة وجدت صوتها أخيراً:
-لا تقترب.. لا تقترب مني.. إياك أن تفعلها.
هي لا تود التذكر، لا تود التخيل، ولا تود حتى مجرد مرور الفكرة ببالها، فالأمر أصعب وأثقل بكثير مما يحتمل وإصراره نحوها يثير فيها كل معاني الاشمئزاز فأخبرته مستهزئة وهي تدرك الآن وتوّاً نوايا صبا نحوها:
-مبارك لك حمل صبا.. يعيش ويربى بعزك ودلالك.
كانت مباركة مستهينة لكنها منطوقة ببأس فاجأه ولا ينكر دهشته التي بدت جلية عليه ورده الودود:
-بارك الله في قلبك المحب وسن.
بصعوبة بدأت تتزن، وسيطرت على الدوار الذي يزداد في حضوره وذكرته:
-هناك أشياء أهم من تتبع وسن.. مثل قضاء أوقاتك الثمينة مع زوجتك الحامل.. هي أولى بالرعاية.. عوضاً عن طاقتك المهدورة في لحاقي.
-لماذا كنت تتمشين مع عون؟
أحشاؤها مثقلة ونسبة الإثارة تتعدى خطوطها لديها فأخبرته بتشفٍ
-أشياء لا تعنيك.
رد عليها بخطورة:
-بل تعنيني جيدًا أكثر من أي شيء، لا تظني أن صمتي هو حق لكِ بالتمادي.
شهقت ترفع كفها لفمها وتشهر في وجهه سبابتها:
-لا حقوق لك عندي.. افهم.. كم علي أن أوضح لك بأنك تهذر وتتعدى حدودك.
اقترب منها غير ملاحظٍ لحالتها الواهنة وأكد عليها:
-بل أنتِ من تتعدينها وتختلين برجل في المصعد لوحدك.
تراجعت للخلف متسعة عيناها وقلبها يهدر بعنف
-اتهاماتك قذرة.. كم تبدو لي وقحاً.. أنا لم..
دفعها نحو الجدار أكثر فترقبت ما قد يصدر عنه، ففح لها بتعب وإن كانت نبرته قاسية، عيناه تقدحان شرراً وأجفانه كليلٍ طال صبحه
-أنا خالد.. خالد يا وسن.. هل نسيتني؟
لم تتجرأ على رفع كفيها لمقاومته خشية لمسه لشدة نفورها منه اللحظة، فهمس لخصلاتها وهي تحاول الابتعاد:
-هل تتخلين عني بهذه البساطة؟ وسن لا تدّعي ولا ترهقي قلبينا.. أنا موشوم بكِ بالكلية.. فكل خلية داخلك مطبوعة بي للأبد، لا تتصرفي بحماقة.
تشبع صوته بعاطفة خلابة وسحر وجودها معه وبين يديه يشحن جوعه وتوقه:
-أعلم أن كل همك أن تثيري جنوني.. أن توجعيني.. لا بأس أوجعيني بقدر ما شئتِ لكن وأنت معي..
تحرك بؤبؤا عينيها بذهول وهو يدرسها جيداً:
-أنت متخبطة ومتألمة كل همك الحالي الأذى وأنا جاهز له.. لكنك لا تستقرين على رأي.
أضاف بخشونة وصورة علي تحتل المشهد فيتوحش صوته:
- وتمشين حسب ما يوجهك الجميع .
-اخرس..
تجاهلها وهو يقول:
-لم نتفق على الإساءة..
كان ليمس ذقنها فنكست رأسها وبات بتلك اللحظة مستولياً بخضوعها فانخفاض رأسها أدلى بإذعانها على الأقل -لعينيه المريضتين- هذه اللحظة، فيتلاشى صوته حد الذوبان، ويغيب ذهنه ويثمل بقربها مضيفًا ببسمة قاسية متوعدة :
-لكن أن تُدخلي أطرافاً في حربنا.. هذا ما لا أنصحك به.. حربنا سوية أنا وأنتِ.. أخبرك بهذا يا حلوتي كي لا تندمي.
لم تنتظر غمزته المشاكسة ولا تتمة أمراضه المستعصية التي يصبها فوقها صبًّا فدفعته بيدها مأخوذة بكل عزتها.. فمن هو ليستهين بها وبقدرتها وكرامتها، لقد عزّ عليها قلبها الذي أحبه بصدق.. بل وعزت عليها نفسها التي أراقها للتو، أيراهن عليها ويتخذ من ضعفها له مسرحًا لنزواته متبجحًا بصفحها له وعودتها له بلا أية اعتذارات تستحقها!
قالت له متحدية:
-ومن قال لك أنني أضعك خصمًا في حرب أو أفكر بجدية في الانتقام منك؟!
أمنت لوقوفه ينصت لها، فاستدارت حول مكتبها محتمية، حينئذٍ رمت بفتيلها الأول متقصدة:
-على الأغلب أنت لا تدرك أن الفرص المقدمة لي حالياً تخرجك من مضمار المنافسة بكل بساطة.
-لن تتزوجي.. أنا أحذرك!
أطبقت شفتيها وهي تبحث عن غايتها حتى وجدتها بتجاهل له، تناولت ملفاً ثقيلاً بحواف حديدية سميكة وأخبرته بعملية:
-لقد أخرجتك من حساباتي في اللحظة التي فضلت عليّ بها أخرى وأبدًا.. أبدًا لن ألتفت نحوك.
تقدمت بخطى ثابتة ترى اعتراضه لها، فتجلدت وثبتت خطواتها نحو الباب تهمس له:
-الوقت الذي تقضيه في إقناع نفسك بخططي ومؤامراتي لإثارة غيرتك استثمره في بناء عائلتك الجديدة فهي أحق مني.
أشارت بكفها له كي يخرج فسبقته بإشارة ضمنية منها إلى إنهاء الحوار وتبعها بلا أية طاقة مفروغة
-وسن.. لا ترمي الكلام بوجهي وتمشي
استمرت في مشيها غير آبهة له فاستوقفها حين أصبح أمامها وفح بشر :
-حين أتحدث معك تلتفين وتسمعينني بلا تجاهل.
كانت قد انفجرت وما عاد لها قدرة على مجاراة وقاحته فهوت بالملف على ذراعه اليمنى تضربه بها وتصرخ به:
-لو تحدثت أكثر أيضًا سأصرخ وأتهمك بالتعدي عليّ
-ما الذي يحدث هنا..
هتف بها عون متسائلاً بصوتٍ حيادي، تابعا خطواته التي قدمت من آخر الرواق وحين وصل غطاهما بطوله وحجب عنهما المتلصصين، فغطى الواجهة كلها كي يقف بينهما، كفه في جيب معطفه الطويل، ووجهه يداري لمحات القلق الذي استبدت به، عيناه فارغتان من أي لهفة.. فهو تعود على تخبئتها جيدًا.
التفتا له بعجب فوقوفهما في منتصف الممر بصورة مشحونة سيجلب النظر والأقاويل، ادّعى عون الصدمة برفع حاجبٍ غير مصدق فنقل بصره بترحاب مفتعل وداخله يهتف
"بئساً لحضورك غير المرغوب به"..
-خالد كيف حالك؟
مد يده بحبور يكمل مسرحيته فاضطر خالد لرد المجاملة ورحب به بفتور ملحوظ:
-أجل هذا أنا.. كيف حالك أستاذ عون؟
استغلت التعارف والترحاب وقالت بحدة:
-عن إذنكما.
أشغل عون خالد بتساؤله:
-مضى زمن طويل يا رجل.. طمئني عنك..
ثم بذكاء وفطنة درس عون المشهد وسبق خالد بخطوة يشدّه نحوه عنها:
-فرصة جيدة رؤيتك.. تعال إلى مكتبي لأضيفك شيئاً ما ونتحدث.. ما رأيك؟
استدارت بالفعل ولا تعلم لما تباطأت خطواتها، لاحظ عون تمسك خالد بأثرها ومحاولته التخلص منه فقال خالد بضيق واضح وبشكل يوحي بعدم قبول عرضه اللزج:
-لقد جئت لأمر هام كنت أود إشراك زوجتي وسن فيه في الحقيقة لذا لن...
استدارت له بقوة وصححت:
-طليقتك.
ثم شدت جسدها وأكملت خطواتها بلا اكتراثٍ لكليهما، شحب خالد وبان على وجهه فالتقط عون كفه وقال بتسلية لم يكبحها:
-دعك منها تبدو في حالة غير جيدة.
أحرقه خالد بنظرة تجاهلها فلن يعكر مزاجه الرائق الذي بدأ صباحه بها والآن يرى النفور جلياً عليها مما جعل وجه خالد يمتقع:
-لا بأس دعنا فيك الآن.. مر عليها لاحقًا.
قاده بخطوات سريعة متلاعبة، يدخله المكتب ويأمر بقهوة مستعجلة، وصل مكتبه الذي استلمه حديثاً هاتفاً بـ:
-أهلاً وسهلاً.. أنرت مكتبي المتواضع.
أجلسه واستدار يحتل كرسي الإدارة ويدور بعجلاته حيث جهاز الحاسوب، أشعل شاشة الكاميرات وبتلقائية راحت عيناه تبحث عن ظلٍ بعينه حتى وجده وارتاح قلبه فقال بنبرة ملولة:
-والآن أخبرني كيف أحوالك خالد!
لم يكن خالد أكثر حماسًا منه، بل كان مغتاظًا ولا يملك أي رغبة للقائه أبدًا فبدأ الحديث عن نفسه وعيناه تجولان على المكتب بحسد وجوع!
-لا شيء جديد.. بطاقة ذهبية للموكلين ومكتب في عمان الغربية.
لاحظ عون استعراضه ونبرته التي ترفعت شيئاً فشيئاً:
-احترفت في القانون وحصلت على الدكتوراة.. لذا بت الآن أستاذ محامي.
لم يعره عون سوى بإشادات مجاملة.
-أنت مميز منذ صغرك.. لن أستغرب تفوقك.. دائماً مبهر!
هل لمح خالد استهزاءً في لهجته أم يهيأ له!
اهتزت ثقته الزائفة وخطر عون يحيط به ويؤجج مخاوفه فسأل بنبرة مستخفة يرد بها تعليق عون:
-وأنت كيف وصلت إلى هنا؟!
لم تتحرك عينا عون عن الشاشة بل نقرات أصابعه تتحرك على الأزرار ترصد بؤرة بعينها بمتابعة واهتمام.
-كل شيء بدأ بصعوبة.. لم تكن سنوات الغربة سهلة، بقيتُ أستاذًا للتاريخ إلى جانب وظائف أخرى حتى أكرمني ربي وها هو أنعم وأكرم.
-أفكر بجدية بالسفر لقطر.
تعجب عون وأخبره:
-فرصة.. ولم لا..
-لكن أولاً عليّ حل مشاكلي العالقة.
توترت حدقتا عون واستطاع أن يولي وجه هذا المتسلق نظرة فوجد تحديًا التقط مدلوله سريعًا، هذا الصعلوك ليس بهينٍ، بل يبدو بأنه يتذكر كل شيء..
-حلها بالطبع.. عليك أن تكون مرتاحاً كلياً..
وهكذا تناولا الأحاديث الكئيبة وكل منهما دائرٌ في فلكه، فكلاهما يشكوان جوعاً مشتركًا.. وكل جوع زاده مختلف وحاجته لا تشبه سواه.
**
رمت الملف في الأرشيف وخرجت تسير على قدميها تحت الرذاذ الصامت، كانت تعرف وجهتها رغم الضباب الذي لم يخف، خصلة مبلولة تلتصق بفمها بشكل مزعج وتتراقص فوق عينيها فتزيلها بعنف وتمضي نحو صف الأشجار خلف الكافيتيريا في المبنى المقابل، كانت قد تعرفت قبل أيام على كراسي بدائية مصنوعة من أشجار السرو المقطوعة، خمسة كراسي تشكل دائرة غير مغلقة لكنها دافئة ومتينة وتعطي شعوراً مريحاً، استقرت على أحداها رغم بلله وراحت تبكي بقوة، مدت كفها وابتعلت قرص دواء مضاد حموضة المعدة -أبداً لا يفارق حقيبتها- دون شربة ماء، نكست رأسها تنخرط في مأساتها وتكرر عليها كل كلمة قيلت قبل قليل، لا يمكن تصور جرأته وتماديه بل ودهسه على احترامها وتقديرها لذاتها، مالت تستنشق رائحة المخبوزات والزعتر فانفتحت شهيتها المعدومة.
"قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس"
فكرت بأنها لو تناولت كرواسان ستفقد بؤسها الحالي، بل وستتدفق ذاكرتها على دفعات وهو أهون عليها من تجرعها بمعدة فارغة وكادت لتخطو وتشتري
"وتشتي الدني.. ويحملوا شمسية"
"لم أقضِ الجلسة تحت المطر.. ولا أستمتع بدفء الكافيتيريا!"
"وأنا بأيام الصحو"
فكرت بذلك بجدية، لكن تذكرت غراب البين خالد الذي سيبحث عنها ويجدها هناك، رباه لقد أنقذها عون منه، وكأنه مرسول سماوي لنجدتها.. وحمداً لله أنقذها..
"وما حدا نطرني"
انطلقت الأغنية فتحمست ونست خالد وعون وأحزانها..
"والله لن أبقى دقيقة أخرى هنا"
ستشتري مخبوزات الزعتر وتستمع للأغاني المذاعة بهدوء، كادت تتحرك لولا أن هبط صوت بدفء الأكواخ الخشبية عليها:
-هل يمكنني الجلوس؟
"نطرت مواعيد الأرض وما حدا نطرني"
رفعت رأسها ولم تكن تمتلك محارم لتنقية وتنظيف الخرائط عن وجهها فقالت ببهوت:
-اجلس..
"أنت تعطني خبراً، لا تستأذن مني"
ثم وكأنها تنبهت محرجة لبلل الكراسي فأخبرته:
-إنها مبلولة.
رد وهو يفترش واحداً ويصير مقابلاً لها ويداه تعمل على طي مظلته المطرية:
-لقد رأيتها.. في الواقع لقد رأيتك وقلت علي أن أفسد عليها جلستها.
ضحكت رغم البؤس ومجرى عينيها لا يفك عن السيل وقالت بتهور:
-ماذا أفعل.. كله بسببك فأنا لا أجد مكاناً أهرب إليه.
رفعت كتفيها بلا حيلة فهي تهورت وانقضى الأمر:
-حتى وإن كنت مالك المكان.. لن أجاملك بالطبع.
مال فمه معبراً عن استيائه:
-راعي مشاعري على الأقل..
نفت له بضحكة حلوة تفتقدها في هذه الآونة:
-أنا موظفة جديدة.. حماس البدايات ألقيته كله فوق رأسك.. فتحمّل!
"صرلي شي مية سنة عم ألف عناوين.. مش معروفة لمين"
تشابكت نظراتهما رغم أنها أسرعت لحني رأسها للكارثية التي تمر بها، سريعًا ما أخرج محرمة من جيب معطفه وناولها إياها، أخذتها على استحياء متبسمة والتفتت للجهة الأخرى كي تمسح عبراتها.. ولم تعِ أنها أنتجت فائضًا جديدًا، انتظرها بصبر وعادت تنكس رأسها وتخبره.
-لقد كنا زوجين حتى فترة قريبة.
تخلت عن الوشاح المعقود حول عنقها فاتضحت لها البقعة البيضاء التي تحتل أعلى ياقة قميصها، مستها بدفء ناقض الحمرة التي غشت وجنتيها وأشارت له معترفة بخجل وانهيار:
-هذه من طفلي الصغير، كان يحتضنني قبل أن أغادر وفي يده شطيرة الجبن التي يبدو أنه نسيها على ياقة قميصي.
وضعت فمها على كفها تضحك بانبهار أم ونوعاً ما استطاع أن يتقبل ضحكها الصاخب كونه شقيق لخمسة أمهات وإن كانت موج لم تُرزق حتى الآن بطفل.. فهي أم بالفطرة وعاطفتها مضاعفة بشكل أكبر عن شقيقاتها.
-لا بأس بإمكانك تنظيفها في حمام السيدات.. لا تبدو واضحة لولا أن أخبرتني عنها.
-يا إلهي لم أريك أطفالي!!
تذكرت هذه الملحوظة الهامة الآن ولم تستطع تجاوزها، كفاها يحتضنان الوشاح يتلمسان الدفء منه، انسلت أناملها تسحب هاتفها وتقيه البلل فحفظته بين طيات الوشاح وراحت تبحث في ألبومات الصور حتى وجدت صورة مشتركة فرفعتها ومالت نصف ميلان:
-هذا غيث.. وهذا عدي!
-غيث الصغير لذيذ بشكل لا يصدق لحوح ومزعج لقد أفرطنا في تدليله.. عمره ست سنوات ونصف، وهذا عدي حبيبي الهادئ.. إنه أوعى من عمره بكثير.. أتعلم..
صمتت لحظة وتوقف إبهامها تمرره على ملامحه:
-يذكرني جداً بعمي علي.. مسؤول جدًا وملتزم.. هو في الصف الثاني الآن، وصحيح غيث في الصف الأول.
تمتم لها بإعجاب:
-ما شاء الله! مميزان جدًا.
تبسمت لإطرائه وأخبرته بعد وصلة صمت:
-لقد توقفت ولم أكمل لك.. يا الله هذه عادتي أفتح خمس حوارات في آن واحدٍ.
-لا عليكِ.. الأهم أنك مرتاحة بالحديث.. لا تنسي فأمر راحتك يهمنا.. وبصفتي مديرك أؤكد لكِ..
تحركت بعشوائية تضحك معه وأخبرته بما يؤكده له يأس حالتها:
-أجل.. لن أنسَ لك إهمالك!
مسحت بكفيها على الوشاح ثم مالت للأمام تخبره وقطرات المطر تغزل فوق ملامحها حكاية هو من بث حروفها:
-لقد تزوجنا منذ تسع سنوات.. في بداية الخريف.
وهل ينسى؟
يحفظ الذكرى وميلادها عن ظهر خيبة!
صرحت الميقات بدقة:
-تحديداً في سنة التخرج.
بدت مبتسمة ابتسامة فارغة.. تلك الابتسامات التي تخص مراحل السذاجة وضياع الوقت.. والوهم.
-حين استلمتُ شهادتي كنت على مشارف الولادة بعُدي، أظن أنني ولدته بعد فترة وجيزة.
بدا ثبات حدقتيه، سكون أنفاسه، انتظام نبضه أشياء مثيرة للسخرية ومدعاة للانبهار.. لقد اعتاد حد النسيان.. وأوشك على اليقين بأنه لم يحبها يومًا.
-كنا سعداء.. بالمعنى الحرفي للسعادة، ربما لأنني أفرش التنازلات وأسعى للسعادة على حسابي وإن كانت سعادة جوفاء!
نضجٌ عميق.. ومرارة كاسحة أكسبتها كل هذا الاستواء غير العادل لامرأة محبة لا زالت في أول شبابها.
-كنت أظن أننا سعداء وأن حياتنا لا ينقصها شيء، حتى جاءني في يوم يخبرني بأنه سيتزوج امرأة يحبها.
ارتفعت نظراتها ببسمة متوجعة لصدمته التي وإن واراها قرأتها:
- يخبرني أنا زوجته بأنه يحب أخرى وسوف يتزوجها.
هزته كهز الريح لغصون عارية، وأرجفته حد الترنح والسقوط فلم ينبس ببنت شفة حتى أتبعت:
-كان ملهوفًا.. وعاشقًا.. وعرفت بأنه يحب.. أنا امرأة وأعرف الحب.. لقد كان يحب بصدق كاوٍ حيرني وأعجزني معه...
ازدردت لعابها وحيرت عينيها للأعلى تستنشق دفعة هواء محملة بالضباب وعادت تحكي:
-فإذا.. فإذا كان يحبها بهذا الشكل المستميت فما الذي كان يعيشه معي ونحن تحدينا العالم بأسره لأجل بعضنا.
تنقلت نظراتها بلا هدف بين ذقنه نصف الفضية المخالفة لسمرة بشرته، و بين عينيه الداكنتين ونظراتها الساكنة، كان رجلاً واضح المعالم حد البرّية وأنيقاً بعناية حد الجاذبية، وفكرت بداخلها لم بقي عازباً إلى هذا العمر وهو بكل هذه الهيئة المميزة!
-حين رأيت إصراره عرفت إلى أي مدى كانت علاقتنا هشة، وكل أسسها فارغة، وهنا أنا لا ألومه بل ألوم نفسي إذ لا يمكن أن يحدث ذلك فجأة، مؤكد كانت هنالك علامات لكن...
ارتجفت شفتاها وشعرت ببلل طال جواربها في حذائها الشتوي:
-مهما كنا نعاني لن يصل الأمر إلى العشق والحب دون خلل جسيم.
تنفست بقوة وجاهدت ألا تميل بثقلها عليه:
-كان عاشقًا وبقوة.. لا يوصف الأمر بكلام ولا أستطيع الحديث عنه، هو شيء حارق وناري المذاق.. أدعو ألا تجربه..
كررتها بلهفة وصدق، وعيناها تتشوشان بفضل طبقة دموع تعلن عن نفسها:
-أدعو ألا تجرب من قلبي.
كان فارغًا من الكلام ولم تطلب مؤازرة أو مواساة، لكنه عبّر بنظرة ظهرت من بين أكوام الرماد، سابقاً أحرق حبها في اللحظة التي سافر بها أول مرة، والآن عاد ليحييها وكانت نظرة أدرك بها أنها أشد امرأة سذاجة تتغنى بمعرفة الحب ولا تدركه..
وأضعف من أن تقرأ عشقًا وهي التي أجادته..
مالت للأمام أكثر تغطي وجهها بكفيها المرتجفتين بفعل البرد:
-لم أتحمل.. فأنا لا أقبل وهو لم يرضَ حتى انتهى بنا الأمر مطلقين وهو يتبعني لأعود له بعدما نثر ثقتنا أشلاء.. وأفقدنا قيمة العشرة والمعزة.
أنهت القصة بلا دموع شاكرة حسن أدائها فأخبرها بعد صمت طويل وهو يستند بكلا ذراعيه على فخذيه ويميل للأمام بجدية:
-الوقت يداوي كل شيء.. أعطي نفسك الراحة أولاً وافهميها.. عليكِ أن تفهمي نفسك جيدًا وربما تحل كل الأشياء.
ردت عليه بحزم:
-لم تتبق أية حلول.. لن أعود له أبداً مهما حدث.. أنا كرامتي خط أحمر.
وداخلها يستهزأ
"لو شد حصار توسله لعدتِ بلا تفكير لمرة واحدة"
فاجأها بعدم الأخذ بعرض كبريائها وكرامتها هكذا دون إشادة أو تعقيب يثني عليها فيه، مما أحبطها واستنكر ت ذلك بشدة إلا أنها عادت له وهو يسأل:
-رائحة المعجنات أسكرتني.. سأشتري لنفسي ولك قولي أي المخبوزات تفضلين؟
أومأت بسعادة تخبره:
-يا إلهي لقد اشتهيتها وكنت سأشتري وأنت ستتبرع لي بها.. بالطبع أريد..
مدت كفها محرجة وقالت:
-زعتر بالتأكيد أول شيء.
سأل سريعا:
-فقط!
هل تبدو مريضة سعار لو أخبرته عن عدد الأصناف التي تشتهيها بسبب جلوسها هنا، فاكتفت بهذا النوع وداخلها يلهج أن يكون كريمًا ويجلب الكثير من الأنواع.
-فقط زعتر.. لا أستطيع تناول غيره بالطبع.
هز رأسه بتفهم، وغادرها فاردًا هيئته الطويلة فظل بصرها معلقاً فيها للحظات، حيث راقبت خطواته الأنيقة بمعطفه الشامواه اللون المبتل ذاهبًا ليبتاع لهما وجبة تشتهيها، تحمست مع الأبخرة المتصاعدة وسال لعابها جوعاً تتخيل المذاق فرفعت رأسها برجاء:
-يا رب ألهمه لجلب شاي..
فركت كفيها بحماس للمذاق، دقائق وعاد لها بشطائر وكأسي شاي، تقبلتهما بلهفة لم تدارها، بل أكلت بجوعٍ شهي فتح شهيته!
كانت صامتة لانهماكها وبدا متمعناً ومستلذاً بما يأكله.. كيف تصف، يتأنى في لذة ما يحمله.
"واللي ذكر كل الناس بالآخر ذكرني"
كسرت الصمت بسؤال تبرع به عقلها المشغول بالطعام:
-هل تكررت أغنية فيروز هذه أم يتهيأ لي؟
همهم بنعم:
-أجل أنا طلبتها متعمداً.. أحب الاستماع لها.
غمغمت بكلام لا فائدة له وعادت لتناول طعامها، سريعًا ما تذكرت اللباقة وسألت كي لا يضيع الوقت بالنهم.. من جهتها هي بالطبع:
-قل لي كيف وصل بك الحال هنا.. مدير شركة..!
كان سؤالاً قليل الذوق بجدارة إلا أنها أتبعت بسعادة وكفها يرتفع للأعلى:
-أود أقصر قصة نجاح لرجل أعمال أو سيدة أعمال؟ لو كانت قصتك طويلة فشكراً لك لا تخبرني بها!
لم يمنع ضحكاته من الانطلاق، وتعجب لتبسطها وبساطتها، توقف عن المضغ وركن شطيرته غير المأكول منها إلا لقيمات معدودة على سبيل التكثير، بعكسها هي التي أنهت شطيرتها الأولى وهمت بالثانية، مس طرف فمه يمسح اللا شيء.. ثم بعد صمت لم تنظر في وجهه فما بين يديها أهم.. سأل:
-أخبريني حول مخططاتك؟
شدت على الكرواسان قرب وجهها:
-سيدة أعمال ناجحة بلا عمل!
رفع حاجبه بدهشة:
-هكذا؟
أومأت بشفتيها المضمومتين وهزت رأسها تمنحه تأكيداً مطلقاً:
-أجل ويقال عني امرأة مستقلة قوية.. وأكيد بلا عمل..
توقف مرغماً وعلّق:
-مستقلة؟!
نظر لها بشك فعدلت على المعايير:
-إمم.. ليس كلياً..
هز رأسه موافقًا:
-أجل.. جيد أن علي لم يسمعك.
شوحت بكفها مؤكدة:
-ومن قال أنه سيسمع.. هو لن يسمع أساسًا..
ثم صفقت بكفيها معترفة:
-أنا بجميع الأحوال بلا فائدة!
انطلقا في ضحكة صاخبة حتى عم الهدوء نسبياً فأخبرها بجدية:
-الانفصال ليس نهاية العالم وسن، أن تنفصلي عن رجل بعد سنوات من العشرة والحب من أجل أمر فيصلي وهام شيء يستحق الإشادة منك.
تأثرت وبان على وجهها حتى أنها شهيتها انعدمت.. وهو يؤكد بعذوبة داعمة أشعرتها به كأخ أو أنه يعتبرها كإحدى شقيقاته:
-أنت لم تخضعي تحت أي ضغط رغم أن كلك مرهون ومقيد به، وبغض النظر عن رأيي.. هذه خطوة امرأة قوية لا يستهان في خطورتها.
تركها مبهورة فاغرة فاهها من شدة الثناء وعلقت رغم أنها لم تعِ لفضح تاريخها كله بين يديه:
-كنت مجبرة على خطوتي.. لم يفسح لي مجالاً آخر..
أضاف بما لا مجال للشك فيه:
-أياً كانت دوافعك وسن.. الأهم إثباتك أي فيض عزم تمتلكين! وأي قوة بداخلك هي التي دفعتك للمحاربة من أجله كي ترتبطي به مرة.. والمحاربة لكي تستقلي عنه مرة، في كلا الحالتين أنتِ الأقوى.
استقام يحييها للمغادرة بعد أن وضع مظلته جانبها :
-أتمنى أن تعودي كما كنتِ.. واعتبري سنواتك معه استراحة من وسن الشقية والمشاكسة.
ازدردت لعابها ولم تستطع السؤال أو معرفة كيف علم بأمر محاربتها للزواج من خالد، بل وتوليها زمام المبادرة وثقته بها وبعودتها لكنها ألجمت ولاذت بالصمت.
"وما حدا نطرني"
تلفتت تنتبه لرحيله ورأت مظلته جانبها فنادته تذكره بها:
-انتظر.. مظلتك!
رد عليها دون أن يلتفت:
-لا بأس دعيها معك.. أنتِ بحاجتها أكثر مني!
**
"قبل عدة أيام"
أنهيا ليلة مليئة بالشموع، عقب خصام دام ليومين، كان السبب فيه عودته للمنزل متأخرًا وحين وصل وجدها بملابسها "الخليعة" و "قليلة الحياء"
فدب بينهما شجار حامي الوطيس لسبيين:
أولاً هو لا يحب هذه الملابس وهذا أمر مفروغ منه..
ثانياً: مع تأكيد أولاً الجو بارد جدًا وهذه الأيام خاصتها يعرفها من كل شهر، يزداد بردها فيها وهي لا تتحمل البرد أساسًا.
فتقدم منها متخصراً:
-موج نحن ماذا اتفقنا بشأن هذه الملابس!
ناظرت ما ارتدته ثم عادت إليه متعجبة:
-ما بها ملابس زوجة لزوجها!
سألها وهو يقف مواجهًا لها ويفك زر قميصه الثالث:
-وهل هذا وقت مناسب لارتدائها!؟؟
هزت كتفيها فيما تخبره بواقعية:
-لا بأس اعتبرني زوجتك وسوف تجدها ملائمة لك في كل وقت يا علي الغالي.
-موووج!
أجفلها حين زعق بحدة فتراجعت راكضة نحو غرفتهما تنعي حظها بدراميتها المعتادة:
-الله يأخذ موج كي ترتاح!
تبعها بعد دقائق ودلف للغرفة وجدها تذرع الأرض بعصبية وإبهامها معلق بين شفتيها، لم تعر دخوله أية اعتبارات وارتمت في فراشها، فتجاهلها كليًا وهو يدخل حيث الحمام يخلع عنه ثيابه، استمعت لهدير المياه في الداخل فشدت على موقفها بعناد، وادعت النوم الذي تفشل فيه وحين خرج رمقته من بين جفنيها نصف المطبقين بملابس ثقيلة شتوية، شغّل التكييف ورفع درجاته، وضع على الأريكة حاسبه المحمول، وملف يومية تعرفه وقبل أن يستقر جلب غطاءً من الفرو السميك ووصل عندها، يقلبها كدمية لا تزن شيئًا ويلبسها إياه جيدًا، قبل أن يمد الأغطية ويفرشها فوق جسدها بإحكام، كل هذا وهي تدعي النوم أمامه متفاخرة بأنه صدّق.. وهي أشد الناس علماً كم تبدو مقروءة كصحيفة بلا غلاف أمامه.
خلع عنه قميصه الشتوي الذي ضايقه مع حرارة المكيف تحت نظرها فأشفقت عليه، دقائق مرت قبل أن يهتز السرير بفضل وزنه ونومه على الطرف الآخر.. قبل أن يطفئ ضوء المصباح جانبه واكتفى بالنور المتسلل من بين ستائر النوافذ، رمقت فوديه اللامعتين أسفل الضوء الشاحب وعاتبته بحنق فيما توليه ظهرها وتشد الغطاء أكثر عليها:
-لن أغضب لو قلت لي أنك تخشى عليّ من البرد عوضًا عن جلافتك.
أجابها بخشونة وهو يسحب الغطاء الذي جرته معها:
-أود أن أنام موج هانم!
سحبت الغطاء بوضعية مشتركة لإنهاء الحرب الموشكة، وسكنت أقصى الطرف الآخر فيما تتنهد برقة:
-نم نم ما الذي يمنع النوم عنك!
**
بعد ليلتين بادرت هي بالصلح ببرتوكلاته المعتادة، الشموع وعشاء طيب يحبه بفضل جميدها الكركي المميز فصنعت له ألذ وجبة منسف قد يأكلها، تراضيا أحسن ترضية وتصافيا بلا شوائب ونام مرتاحًا ومتخماً ملء جفنيه.
استيقظ على تشوش نال من استرخائه الذي انغمس فيه، فتح عينيه بلا وعيٍ منه ورفرف جفنيه بصعوبة، انتقل التشوش حتى بات جزءًا من وعيه فتحرك تبعًا له، وجد مصدره جانبه
تلفت بقوة نحو موج التي تغرق في نوبة بكاء درامية متبعة بنهنهات متقطعة، ساوى جلسته ونظراته تمشط ملامحها الغارقة في بؤسها، سأل بعد أن مسح جبينه وفرك عينيه بقوة:
-ما الأمر موج؟
يستبعد بقوة أية أسباب وجودية تبعث بكاءً بمبررات موجهة، هذه الوصلة الدمعية معتاد عليها:
-دعني وشأني علي.
كان ليتركها وشأنها لكنه سيوفر أياماً من البكاء فعاود السؤال بمزاج بدأ بالزحف نحو النزق:
-ما بك موج.. أجيبي.
-لا شيء علي.. أخبرتك ألا تهتم.
"اللا شيء هو كل الأشياء في مرسوم المرأة، وهو كل أسباب الحسرة في معجم امرأة كموج"
-حسنًا كما تشائين..
استدار يرفع الغطاء ويعاود نومه فباغتته:
-هل ستخونني يومًا وتحب امرأة يا علي؟
عاودت النهنهة وهي تمسح أنفها بقوة:
-قل متى ستفعلها وتخونني يا علي..
لم تنطق بـ(غيري).. أو تتجرأ بنطق كلمة (عليّ) فهي أكيدة من فراغ صفحتها عنده، عادت لتخيلاتها التي شجت صدرها وسألت:
-هل ستفعلها يومًا وتتزوج من امرأة أخرى؟
هو لم يمرر التساؤل الأول، ليستسيغ عقله تقبل الآخر..
-هل أنا مجنون لأعاود التجربة؟
رفعت رأسها بإهانة تسأله:
-ما الذي تقصده؟
انتفضت من فراشها مشعثة بهيئتها فتابع بقوة:
-هل أبدو لكِ بهذا الجنون لأتزوج أخرى؟
قفزت من خوف فقدانه لاتهامه الضمني بأنها حرّمت عليه التجربة.
-هل تقصد أنني سيئة بما يكفي لأن تلغي الفكرة لو وردت خيالك.
كتم رداً ملحاً
"بل كرهتني الصنف كله"
إلا أنه هز رأسه بعنف يكبح وقاحة رده، وراح يراقبها تهز قدميها دلالة غضبها المتفاقم
-ألم نكن بخير منذ قليل ونمنا متصالحين؟ ما الذي حدث نمتِ فجأة وقررت تزويجي!
-أنا أسأل يا علي.. وأنت لم تنفِ.
ثم صاحت يتهدج صوتها ويتلاشى كل تماسكها:
-كان لك خاطر بذلك.. آه يا علي هل كنت لتتزوج عليّ.
المآذن على وشك النداء بـ الله أكبر ولا وقت لديه لجنون موج، فقال بهدوء:
-استهدي بالله موج واذكري الله.
مسح على ذقنه الواضحة، وطلب منها بتعقل:
-أية أفكار تلك التي جعلتك تستيقظين من نومك لتبكي وتفسدي نومي.. من جاء بذكر الزواج أساسًا؟!
كانت قد ابتعدت عنه فتقدم يحتويها وهي تشكو له:
-أخشى يا علي.. والله أموت لو كنت لغيري.
تنهد وأغمض عينيه مستاءً ومرهقًا:
-يا موج لن أفعلها ارتاحي.. من ذا الذي يبدلك أنت.
شكت له وضمت بموجها المغبون كل مرافئ صبره عليها:
-ألم يفعل خالد الذي تغنيتُ بقصة حبه مع وسن.
اشتعلت حدقتاه كما صدره بنارٍ لم تبقِ لأي غيثٍ يهل به حبها:
-الحقير لا تأتي بسيرته.. لم يكن رجلاً..
سالت عبراتها مع غضبه فشحنته أكثر:
-لا تقارنيني به
تراجعت مرعوبة ونفت:
-لن أعيدها أبداً أبداً
جذبها له ثانية والشك بعينيها قاطع:
-هو لا يستحق أبداً يا موج أن يُذكر.
-وأنا لا أستحق أن تخونني
استغفر وأنفه يخرج لهباً قاتلاً:
-موج.
انتفضت وركضت تتوعده:
-جرّب وافعلها والله لأضع لك سماً قاتلاً في طعامك وأنهي حياتك.
خطوتين وكانت في قبضتيه يخبرها بقلة صبر:
-عقلي حبتين لا تفقديني إياه.
جابهته بقوة:
-حلال عليك.. لقد أفقدتني صوابي منذ زمن.
-يا معين الصابرين.. أنا كم مرة قلت لك اهدئي يا موج منذ بدء حديثنا.
-لا.. لن اهدأ يا علي.. أنا منذ ليالٍ أفكر ما الذي قد يدفعك لأن تتعامل معي بكل هذه الجفاء إلا لو كنت تحب أخرى ولا تراني أساسًا.
هزت فيه شيئًا دفيناً وأشعلت في صدره فتيلاً أحرقه إلا أنه تقدم خطوتين وسأل بغضب:
-هل أنتِ بكامل وعيك وأنت تفكرين بتلك الأشياء؟!
نفضت يدها مشوحة:
-أخبرتك منذ قليل أنني فقدت صوابي معك منذ زمن والآن عليك أن تجيبني!
وكانت تعلم أنها تثير جنونه، وتثيره كله ولم تتراجع ولو خطوة، لذا ما كان منه إلا أن تمسك بكل تعقله المحدود وأحكم سيطرته على نفسه وهو يخبرها بصوت مشحون قبل أن يغلق الباب:
-لقد تركت لك المنزل بحاله، وحين تجدين إجابات أخبريني..
وأطبق الباب خلفه بعنفٍ أرعبها!
**
"الوقت الحالي"
استمعت وسن إلى رنين هاتفها المخصص لعمها علي فعلمت بأنه قد وصل أمام الشركة كي يقلها إلى المنزل كما اعتادا يومياً بعد انتهاء دوامها.. لملمت حاجياتها وودعت زملاءها وغادرت تحمل المظلة بين يديها، صعدت جانبه وهي تشاكسه كعادتها:
-لم أتأخر عليك صحيح؟
استقرت داخل السيارة وركنت أغراضها خلفاً. هز رأسه بلا وانطلق من فوره بها، ضمت الشال نحو كتفيها وأخبرته بتردد:
-اليوم هاتفني غيث وأخبرني أنه تهجأ فقرة كاملة بدون مساعدة موج.. وقررت مكافأته على ذلك.
أجابها بلا اكتراث:
-حسنًا.
فركت كفيها وهي تحاول جذب إشارة منه:
-سأمر على محل للحلويات وأشتري له كيكة تركية كما يحب.
-كما تشائين.
أتبعت بتلكؤ وهي تحاول استثارته:
-لقد تحمست لجلبها كونها النوع المفضل لموج أيضًا.
هز رأسه بلا معنى فنفخت بضيق وهي محتارة في جذبه لها فأخبرته:
-يا إلهي موج متمكنة جدًا لقد تخطت مع غيث كل الصعوبات التي تم وضعها في المنهاج.. صدقاً أنا أدين لها بالكثير لأجل الطفلين.
أجابها بحنق وغيظ أكبر لذكر زوجته العتيدة:
-هذا مجال تخصصها بالمناسبة.
زفرت وقد نجحت في جذب انتباهه:
-لا يا علي.. هي مميزة جداً.. أنت تظلمها بقولك أنها بارعة لأجل التخصص فحسب فهو ليس مقياسًا أبداً.
تأفف فأخبرها بملل:
-فهمت وسن.. سنشتري لها الحلوى.
مطت شفتيها بغير رضا فحديثها مع علي عبث.. موج في بيت والدتها منذ يومين على إثر شجارها مع علي، وهي تود الإصلاح بينهما، ستتحدث مع الحمقاء اليوم وتعيد لها صوابها.
عم السكون في السيارة إلا من صوت نقرات المطر فمالت إلى النافذة تشاهدها وهي متحمسة لعودتها لطفليها.
فواحدة من أجمل التفاصيل التي تحياها وتحب تكرارها رؤيتهما لها عند عودتها وسباقهما للقفز في أحضانها..
بشكل ما باتا معتادين على النظام الحالي تذهب معهما للمدرسة وتقلهما إليها ولن تنسى دهشتهما أول مرة حين أوصلتهما بنفسها لذا اعتمدت ذلك ومن فورها تباشر عملها، عودتهما يتكفّل بها علي الذي يأخذهما لبيته فموج تبرعت وطلبت منها متابعة دروسهما اليومية وواجباتهما فهي متفرغة طوال الوقت ولتنشغل بهما قليلاً كما أن تدريس المراحل الأولى هو تخصصها فوافقت وسن بلا تردد وهكذا يقضي طفليها يومهما بين المدرسة ومنزل عمها ويلتحقان ببيت جدهما معها فموعد رحيلهما من عند موج مقرون بها إذ يمر علي بمنزله يأخذهما ويوصلهم جميعاً لبيت أخيه خليل..
باستثناء أيام معدودات يطلب خالد فيهن الطفلين نكاية بها وأحياناً يبيتهما عنده إلا أنهما على غير وفاق مع صبا فيطلبان العودة مرغمين.
لقد بات يومها مكتظاً بأشياء كثيرة أولها قصص طفليها وحكاويهما وحماسهما فحين تعود، تعود فارغة الطاقة وهما يتكفلان بشحنها وشيئاً فشيئاً باتت لهما اهتمامات تحبها وموج أبداً لا تقصر في اللهو معهما ويحبانها أكثر من صبا وتبعاً للإحسان فكفة موج ترجح ويودان لو يبقيان طوال الوقت برفقتها..
تنبهت لوصولها فتناولت أطباق الحلوى وغادرت السيارة إلى بيت عائلة موج.
من خلف الستائر بقيت موج تراقب موعد قدومهما ومؤكد ليس لأجل وسن ..فهي تنتظر الجاف بعينه كل صبح ومساء. هرعت للأسفل واستقبلت وسن بالأحضان ترحب بها:
-أهلاً.. تفضلي.
ناولتها وسن الطبق وعينا موج تتلصصان على ذلك الذي هبط من سيارته نحو البيت بلا التفاتة واحدة زفرت مختنقة فيما أصابتها خيبة أمل من عدم مراعاته فتذمرت بحنق:
-هو لم ينتظر حتى آتي لك ليراني.. لا يبدو ملهوفاً على رؤيتي أبداً.
حركت وسن خصلاتها بإرهاق وأخبرتها بجدية:
-موج كفي عن الدرامية.. أنت تعلمين أن هذه ليست حركات عمي.
سألت بلهفة:
-ما به.. هل هناك ما يشغله!
مطت وسن شفتيها وأخبرتها:
-إن كنتِ مهتمة اذهبي واسأليه.. أنا الآن مستعجلة نادي الصغيرين وأوصلي سلامي للحاجة.. لا تنسي الحلوى بالعافية عليكم.
سمعت صوت أم عون ينادي ويصر عليها الدخول فاعتذرت وأخبرتها بموعد تزورهم به وتناولت الطفلين تهمّ بأخذهما فارتدت موج جلباب الصلاة وأخبرتها:
-سأتمشى معك..
ناظرتها وسن بشك وسألت:
-حقاً؟!
-أجل وسأوصلك للمنزل.. أنا غير مهتمة به لو أقام الدنيا وأقعدها لن أهتم.
رفعت وسن حاجبها فقالت موج بلا حيلة:
-سأوصلك إلى حيث بوابة حيّنا حسنًا!
تهكمت وسن وذكرتها:
-وأين الاستقلالية المطلقة؟
-أنا أريد الستر والعافية من طلب الاستقلال يا وسن!
ضحكت وسن بيأس منها وسارت معها تحت ضياء الغسق الباهت والجو يلهمهما بالحديث استغلته وسن جيدًا فوبختها وحاولت الحديث معها فاعترفت موج:
-لم يحاول إرجاعي!
أقرت وسن بمراعاة:
-لم ير نفسه قد أخطأ بحقك موج.
أشاحت موج متعنتة:
-أنا متشددة هذه المرة وإن ظن نفسه سيرضيني بكلمتين فهو مخطئ تماماً فأنا سأرضى من كلمة واحدة!
ضحكت وسن بقوة حتى شاركها الصغيران بلا فهم
-أنت غير معقولة موج.. هيا عودي إلى المنزل فلا حدود لجنونك أبدًا.. كان الله في عون عمي حقًا
**
صباح اليوم التالي.
"اليوم موعدي مع الطبيبة، أريد أن تقلني"
بعثت بها موج لعلي بلا تصبيحات أو قلوب أو مقدمات معتادة مما جعله يتبسم حين قرأ وعلّق مرغماً:
-أجل كانت المشكلة هرموناتك المعتادة..
نفخ بضيق منها ومن صبيانيتها المزعجة، وقرر أخذها للطبيبة فهي متلهفة للأطفال بشكل مميت رغم أن زواجهما لم يتخطى السنتين، وهو بذات نفسه لم يظن نفسه سيتزوج يومًا ليكون ملهوفًا على الأطفال لكنه استجابة لها ولأجلها ورغبتها يفعل ما يفعله كل شهر من فحوصات وإجراءات مكررة، الطبيبة تطلبها في ميعاد محدد من عادتها الشهرية ويجريان كل التحاليل المعتادة، وبالفعل مر بها وأخذها لطبيبتها رغم أنه غير راضٍ فقابلته بلا سلامٍ أو تحية فأخبرها بحنق
-السلام لله..
مطت شفتيها شاكرة الله أنه هو من بادر الحديث كي لا تكون هي وتخسر كرامتها المراقة معه على الدوام، شدت وجهها وتصنعت الامتعاض:
-السلام عليكم.
تمتم لها التحية بغيظ فيما يقود سيارته بهدوء دون أحاديث رداً على تجاهلها. دخلت إلى الطبيبة وخرجت بذات الدموع المرهقة والحزن الذي يغشى محياها الفاتن فتنهد يائساً وقاد سيارته يقلها بسكون، لاحظت من بين ضبابية دموعها أنه سلك بها طريقاً تحفظه جيدًا.. طريقاً لم يكن ليسلكه مسبقًا، توجست واشتعلت حواسها مترقبة وكفكفت عبراتها كي لا يفوتها شيء ما، وعند وصولهما لنقطة انتفضت قلقة وراقبت الجسد المتمثل أمامها والذي يعود لـ (مها)
حبيبة علي التي تعرفها منذ طفولتها، تقف أمام منزل والدها، وليكتمل المشهد لاحظت تباطؤ السيارة وحين تجاوزت المنزل لم يفتها مطلقًا نظرات زوجها المحدقة في المرآة الأمامية!
**
أرسلت طلب صداقة لوسن بلا أية ذرة تردد، واسترخت في فراشها.. لقد أصبحت تستعمل هاتفاً حديثاً مميزا، أضافت فيه التطبيقات التي تحبها، وتتصور بها كيفما تشاء، مالت تفرد جسدها لأخذ صورة فاستوقفها صوت خالد:
-ما الذي تفعلينه؟
أجفلها حين أخذ منها الهاتف وفتش فيما كانت تفعله فأجابته:
-كنت أتصور!
-أجل ولمن تتصورين بمثل هذه الوضعيات؟
ازدردت لعابها وردت عليه بتلقائية:
-وجدت نفسي جميلة ووددتُ أن أوثق شكلي.
انتزع الهاتف منها وأجرى جولته التفتيشية اليومية وأخبرها:
-ها أنا أمامك.. صحيح؟فلماذا تتصورين إلا لو كنتِ تبعثين بها لأحدٍ ما؟!
شهقت وهي تتوسله بدموع:
-كف عن الاتهام يا خالد بالله عليك.
نفخ بضيق وشكه فيها لا يمكن أن يهدئه، هو يشك بها فعلاً ولا يواري أبداً كل ظنونه السيئة لقد انفجر بها منذ أيام وأخبرها:
-لقد أحببتني وأنت على ذمة الآخر.. فكيف أثق بك.
فبكت بحرقة شديدة وأخبرته:
-لا تقارن نفسك بأي رجل.. لقد كنت مختلفاً وحين أخذت رقمك وتواصلنا كنت موكلتك من أجل الطلاق منه، أنا لم أخنه وهو رجل حقير.. كيف أخونك وأنت تاج رأسي.
ينتفخ أحيانا من أحاديثها وأحايين أكثر يكون لا يود رؤية وجهها.. هو لا يفهم نفسه معها يريدها ويريد حبها ويريد الأخرى!
رغم أن هذه الأفضل والأجمل والأكثر حلاوة وميوعة وتفهم كل شيء يريده ويحتاجه ومع ذلك يريد الأخرى التي باعته!
ورطته صبا في حملٍ لا يريده فهو ود التمتع معها قليلاً قبل الالتزامات.. فوسن ورطته بطفلين قبل أن يتما الحولين معاً.. ويبدو أن شريط حياته سيعاد، وفوقها سيجبر على فتح بيتين والصرف عليهما وهذا ما يحتاج الكثير من التدبير والتفكير.
استيقظ على صوتها الهامس بـ:
-لقد جهز الغداء..
تناوله معها وهو يمعن بفرق اللذة والنكهة والطرق العصرية في طهو الطعام فحاول مجاملتها بعد كسر خاطرها:
-سلمت يداكِ.. لم أذق ورق عنب بهذه اللذة.
استقبلت دعمه بجوع حقيقي وبسمة يائسة منه، ومضت في إعداد جلسة كاملة المقاييس.. أدوارها محددة في هذا البيت أقرب لجارية بالحرفية ومتأكدة أن لو عادت وسن له لأصبحت هي سيدة البيت وتبقى هي صبا بذات المكانة جارية للخدمة والمتعة، لذلك ستحاول أن تبقى هي وتقنعه بأنها هي من تستحق؛ أوليست كذلك!
لذا أخبرت وسن بحملها ووضعت لها مخاوفها من ترك خالد لها.. خالد الذي سمعته يهاتف أحدًا ويشكو له ندمه على الزواج ويستمع لتعقيل الرجل إليه، لذا هي محتارة وتشعر بدناءة تصرفاتها لكنها مجبرة عليها بالفعل فقد باتت مسخاً بفضل خالد.
-ما الذي تفعلينه؟
سألها وهو يراها تتفقد بريد الفيس بوك فناولته الهاتف وهي تخبره بقلة صبر:
-أتفقد الهاتف.. خالد شكك بي ما عدت أتحمله.
سألها وهو يشد أذنها له وعيناه ترمقان صورتها المنتقاة كغلاف لبريدها:
-ما الذي قلته صبا؟
ردت عليه بانفعال:
-شكك بي ما عدت أحتمله.
-هل هذا صوتك ما أسمعه أم يهيأ لي.
جابهته بقوة وتحدٍ:
-بلا صوتي يا خالد.. صوتي.
أملى عليها دورها بكل غطرسة:
-أنت هنا لا صوت لك.. آمرك فتطيعيني وتلبي من غير إضافات.
صرخت بقوة وهي تشعر بالضغط عليها من كل جهة:
-لست خرساء ولا جارية لتعاملني هكذا.. أنا زوجتك إن كنت نسيت.
فح لها بشر وهو يرفع الحزام عن سرواله:
-وأنا أكرمتك بما يكفي لتتطاولي عليّ.. لذا عليّ أن أذكرك بحياتك القديمة إن نسيتِ..
أغمضت عينيها تستقبل ضرباته التي اعتادتها من قبل ولم تؤثر فيها بمقدار.. لكنها الآن تتمزق وبقوة لأنها جاءت ممن احتمت فيه من الأذى.. ضربها بوحشية وكأنه يفرغ قهره فيها دون اعتبارات لحملها لذا لم تصرخ ولم تبكِ وهي تتلقى كل ضربة بمثابة سوط لجسدها شبه العاري الذي تفننت به لأجله تبتلع أهة مع كل إهانة وسبة بذيئة يرميها بها مبتلعة معها كل مرارتها وخسارتها التي تيقنت بها منذ أن دخلت بيته كعروس. وعنه لم يوقفه سوى السائل الأحمر الذي جرى على الأرضية.
-خالد ..أنا أنزف توقف بالله عليك توقف.
**
سنة الحب الإفراط، وفرضه الاعتدال، والذنب في مذهبه تعلق، وعن دستوره إن وضعت الحرب أوزارها فالوجع بالوجع والغصة بالغصة والبادئ جحيمه أكبر وسعيره عليه.
في اللحظة التي ترتمي بها على سريرها الضيق تسيل كل مرارتها معها، من قال أن الأطفال ودوامها وكل الضحكات حولها قادرة على إخماد اللهب الذي يندفع من أحشائها، هناك كرة من نار تحرقها وهي تتخيل حمل صبا.. حملها الدليل القاطع والمادي بما لا شك فيه أبدًا فيما يخص خالد، بل وكل رهاناتها عليه خاسرة.
كل ليلة تقضيها بحبك الطرق التي تود أن توجعه بها، تحاول إيجاد ما يجعله يتجرع ذات النار مثلها، أن ترد له الصاع صاعين وتحرق قلبه..وكم تود بشدة أن يحترق مثلها وبذات المقدار.
كل ما أحست أنها هدأت وخمدت نيرانها تتناول هاتفها وتبحث في بريد الفيس بوك ترمق طلبات الصداقة المعلقة وتتوقف عند اسم " أميرة خالد".
حين جاء إليها طلب الصداقة هذا تحديدا لم تعرف الاسم لولا أن حدقت بالكفين المتشابكتين، والكف تعرفها جيداً.. والصورة مرفقة بعبارة غزلية يملأها الحب.. مرفقة بتحديث آخر يشي بالحمد والشكر عائداً لحملها بالطبع.
رمت الهاتف متوعدة بدمعتها العالقة بين هدبها:
-أقسم أنني سأحرق قلبك.
وتنام متوعدة تأكلها الحسرة وباكية، والويل له لكم بكت بسببه!
"مساء اليوم التالي"
أقلها علي كعادته وسار بطريق مغاير منحرفًا بها عن مسار العودة ، لم تعلق حين ركن السيارة ولاذ بالصمت معها فلم يجد أية بادرة منها تحثه على فتح موضوعه معها فتنحنح يجلي صوته في ذات اللحظة التي أخبرته بها:
-صبا هاتفتني تخبرني بأن خالد سيطلقها.
رد باشمئزاز وهو يقول:
-كنا نعرف بدنو أجل هذه الزيجة.. فأسبابها واضحة المعالم!
أسبلت أهدابها حياءً لفجاجة تعليق عمها وأتبعت محرجة:
-لكنها كانت كاذبة على ما يبدو.. خالد لا يود تطليقها وهي تخشى عليه مني.
زفر عميقاً وهو يؤكد:
- كلاهما من فصيلة واحدة الشهادة لله وعلى شاكلة بعضيهما.
رمقها بحنق وسأل:
-أليست هذه البريئة خاصته؟ الآن وضحت أسباب تمسكه بها!
ضحكت محرجة وهو يتابع:
-طمئني قلبها أنك لن تعودي لكلبها الغالي، حتى لو عاد بوزنك ذهباً..والآن ركزي معي وافتحي أذنيكِ جيدًا.
صمتت ورمقته في تساؤل صامت فأخبرها بلا مقدمات:
-هناك ما أود قوله لك.
اهتز شيء داخلها لن تنكره فتوجست وانتظرت تتمته التي جاءت بصدمة:
-عون تقدم للزواج منك.. ما رأيك؟
دهشة.. فوعي.. فغصة ونار.. بل كثير من النيران التي توهجت وأشعلت ضوء عينيها اللتين قستا فجأة وهي تسأل بغير اتزان:
-عون ..عون لا سواه شقيق موج!
هز رأسه بغير صبر، فتوتر فمها وهي تتلعثم بقوة ولا تجد شيئا ترمي به مخاوفها، فينقبض قلبها وهي تكرر:
-يريدني أن أكون زوجة له؟
زجرها بنظرة فهمتها، صمتت ولم يصمت داخلها الذي يومض بأشياء كاوية فحارت وهي تشهد ضياعها وتخبطها ولم تعِ أن الحقد أغرق قلبها وهي تجيب:
- حسنًا أنا موافقة!
انتهى