الفصل 5
(٥)
من فرط اللهفة بدت وكأنها لحظات من غمرة الحُلم.
-ما الذي يفعله خالد هنا!
استقامت عن الكرسي مرتجة بعنف، تخبطت تبحث عن إجابة، فكررت والجواب لا يحمل طلباً أو تأويلًا بينما كفيها وبصرها يتحركون بذات العشوائية:
-هذا.. هذا خالد.. أقصد
لهثت وتوقفت للحظة تكمل له أبعاد جنونها اللحظي وتُعبّر باعتراف جاء أقرب للشكوى:
-طليقي.. أجل هذا طليقي خالد عيسى.
عادت إليه تنتفض ببوادر هلع:
-ماذا يفعل هنا.. هل.. هل تُراه تبعني؟!
تسأله أم تسأل نفسها لا تعلم، غادرته بلا استئذان أو وداعٍ لم يسبقه ترحيب، تهرول من فورها نحو خالد الذي يحتضن الصغيرين بهتافهما المجنون، وصلته وتقدمت منه بغضب مكبوت تسأل:
-ما الذي تفعله أنت هنا؟
رد عليها بعينين تحتضنانها بشوق رغم غضبهما:
-هل هذا سؤال تسألينني إياه؟
واصلت تقريعها وهي تشدد النظر نحوه بحقد كي لا تتأثر:
-هل تبعتني إلى هنا مراقبًا إياي؟
توقفت عن الحديث ترمي بيدها للهواء بصدمة وتعجز اللحظة عن رد يناسبه:
-يا إلهي كيف.. تجرؤ على ذلـ..
قاطعها هاتفاً بقوة وكل أشواقه اللحظة محسورة مع أول صدمة باغتته وهو يتلقى حضورها برفقة رجل آخر تضاحكه.
-بل أنت قولي لي ما الذي تفعلينه في هذا المكان بلا احترام أو خجل!
شهقت وارتدت للخلف مجفلة من وقاحة تصريحه فصرخت به:
-خالد كيف تتحدث معي هكذا.. ألا تعي لنفسك؟
أنزل الصغير من حضنه واقترب منها ببوادر شر:
-أجل أعي لنفسي لكنك أنت على ما يبدو لا تفعلين.
حذرته وهي ترمق الصغيرين الذين يناظرونهما بفضول وتحفز:
-انتبه لحديثك جيدًا.
رد بصراحة فجة:
-وهل انتبهتِ لنفسك وأنت تجلبينهما هنا!
رفعت له سبابة مرتجفة تهدد:
-خالد أنا أحذرك من التطاول.
لا يرى ولا يسمع وكله مجنون اللحظة فعاود الضرب بعنف.
-ألم تري نفسك.. امرأة لا زالت في طور عدتها تجالس رجلاً وتضاحكه على مرأى أعين طفليها.. وتطلبين ألا أسأل؟
توترت شفتاها وعاودت الصراخ فيه بصوت مرتج:
-اصمت.. اصمت خالد لا أريد أن أكرهك أكثر.
لاذت بضعفها مجددًا وخنعت له بشكل مقيت تسأل مشمئزة:
-كيف.. كيف تسمح لنفسك بالتفوه بمثل هذه الاتهامات القذرة؟!
صاح بغيرةٍ تنهش أحشاءه:
-وما الذي تتوقعينه مني؟!
رجفت بدمعة لو لم تطلق سراحها لاختنقت، فقالت له تزيد غيظه غيظاً:
- القليل من الاحترام.. أمر الثقة فُقد فيما بيننا منذ زمن.
زمجر بها بجنون:
-وسن.
-حذرتك الأطفال هنا ولم تحسب حساب كلمتي.
خلل أنامله في شعره بعصبية وقال لها:
-دعينا نجلس ونتحدث.
ردت عليه بحدة صارمة:
-لا حديث بيننا..
عاد للصغيرين وقبلهما فاعترض الصغير يخبره:
-أريد أن أنام.
تبسم له بحنان وضمّه إليه برقة:
-هل آخذك معي إلى البيت؟
أومأ الصغير ببطءٍ وبسمة تحتل ثغره مما استدعى تدخل الكبير الذي سأل بحذر:
-هل سنذهب إلى تلك المرأة؟
صحح له بشكل سريع:
-تلك اسمها صبا.. وهي والدتكما الثانية.
سكنتها المرارة التي تعايشت معها هذه الأيام ولم تعقب سوى بضمة شددتها على طفلها الكبير الذي صمت غير مستسيغ للحديث فيما الصغير يخبره:
-أريد بيتنا مع أمي وسن.
زفرت بثقل وهو يرد عليهما بدهاء :
-أخبر ماما بذلك.. هي التي لا تريد العودة الآن.
هتفت من بين أسنان مطبقة:
-خالد!
تجاهلها وهو يلتفت للصغير يحادثه بحماس عن تغييرات طفيفة بالمنزل، فعاودت الصراخ بأعصاب منفلتة:
-خالد أخبرتك أن تنتبه لأحاديثك جيدًا.
عاد لها ببسمة التمعت فيها أنيابه وأتبع ببراءة مقيتة :
-لم أفعل شيئًا.
-غيث خذ أخاك وعودا للألعاب.
تحمس للفكرة ونفض الصغير الذي كان على أعتاب النوم فلبّى الصغيران بطواعية، التفتت له بتحفز:
-ما الذي تفعله هنا أسألك بحق.. تأتي كي تتهمني في أخلاقي وتشكك بي والآن تحرّض الطفلين ضدي، ما الذي تريده بالضبط؟!
رد بأسرٍ ونبرة تملكية التصقت بالرغبة:
-أنتِ ولا شيء آخر.
أغمضت عينيها عن توالي الهجمات على قلبها وسألت مستنكرة:
-بهذه البساطة؟
أجابها بتلقائية:
-هل كان هناك صعبٌ بيننا؟
ردت عليه بقوة:
-أجل.. كل شيء بيننا كان هيناً وسهلاً بلا قيمة أو حتى مكانة.
أصابه الغبن وبان إحباطه في هيئته فسألها بلهجة باتت هزلية هذه اللحظة:
- وسن.. لماذا تصرين على اختلاق العقبات بيننا؟ لماذا تتعنتين بهذا الشكل وتحرمينني منك ومن الصغيرين.
والتكرار بلا هدف يدعو للاستهلاك.. وكلامه بات مستهلكًا حتى أنها حفظته.. ولا قدرة لها على الجدل:
-هل عدنا لسيرتنا الأولى بكوني أنا من شتت الشمل وحرمتك العائلة والصغيرين؟
أومأ ولم يحتج إلى التأكيد لفظياً حين بادرته مستهجنة والمرارة ملّتها:
-لماذا أنت أناني بهذا الشكل؟!
-أنا أناني فيكِ ولا أقبل التواضع أبدًا.
هزأت وأخبرته بهزة كتف يائسة:
-وماذا عن صبا؟
نفخ بقلة صبر وأخبرها بجدية وهو يقترب أكثر:
-صبا أمر آخر تمامًا.. ثم أنني الآن أتحدث عنك أنت لم آتِ بذكرها فلا تجلبيه بيننا.
رفعت حاجبها والجلسة طالت أكثر مما ينبغي فسألت بلا فهم:
-لم أفهم.. اشرح لي أكثر.
-كلتاكما حبيبتاي.. أحبكما وكل واحدة أحبها بشكل خاص ومكانتها مختلفة عن الأخرى.. ثم وسن.. لا.. تــ..
دار بحيرة وهو يضيف:
-لا تقارني نفسك بها.. أنت الأهم وصاحبة المكانة الأعز .
جارته تستمتع بلا تركيز وسألت:
-ألا تر أنك تظلمها بمكانتي الأعز لديك؟!
نكس رأسه وغمغم:
-أنا أحاول العدل بقدر ما أستطيع.. لكن قلبي معك.
تذكر وجودها مع آخر فاشتعلت أعصابه:
-وأكاد أجن إن لم تعودي إليّ وتوًا.
-أنا لن أعود إليك خالد افهم هذا جيدًا ثم أنني لم أقبل أن تتزوج عليّ أخرى.. فهل تراني أقبل بأن أعود لك وأنت متزوج وأخرب بيتاً مُعمّراً!
همس لها بضعف وفقد شديدين:
-أنت الأصل وسن ولم تكوني دخيلة بعلاقة.
رفرفت بأهدابها فيما يؤكد:
-أجل وسن كلانا يعرف.. أنت زوجتي الأولى ولن يغير طلاقنا المؤقت في حقيقة الأمر من شيء، وصبا جلبها النصيب وقسمتها كتبت معنا.
شدت شعرها ولم تنتظر تخيل أناملها فيه لشدة الخبال الذي أصابها وهي تستمتع إليه فسألته ببوادر انهيار:
-خالد أنت لا تريد أن تثير جنوني صحيح؟
-سلامة قلبك يا وسن.
ابتعدت عنه قليلاً و هي تناشده بوهن:
-بالله عليك اتركني وشأني.. دعك مني على الأقل هذه الفترة كيلا تفقدني صوابي.
محقة فيما تطلب وترجو هي في أشد حالاتها فقداناً للتعقل، داخلها أجوف بالحرفية وبحديثه سيفاقم مآسي حياتها، ولم تتوقع أبدًا أن يثير طلبها الإنساني أعتى شياطينه فهمس لها بشر:
-لماذا تودين الابتعاد الآن عني وتتجاهلين حاجة الطفلين.. هل ليخلو الجو لكِ مع عون؟
لو لم يخبرها باسم عون لنسيت أمره بالكلية لأنه لم يشغل بالها ولم تهتم بحضوره، التفتت على ذكره تبحث في أثر المقعد فوجدته قد رحل، ضحكت غير مصدقة وأشارت للمقعد بصدمة:
-أنت تتهمني في أخلاقي مع عون؟
حارت حدقتاها الدامعتين فيما يشدد:
-أجل عون الكركي قليل النخوة الذي يجالسك في الحدائق.
سالت دموعها في حضرته للمرة الثالثة فنطقت له بيأس :
-أنت غير سوي خالد.. ووجودي معك الآن بحد ذاته إهدار لقيمتي وكلمة عمّي علي وأبي الذي كدت تتسبب بموته.
غادرته غير آبهة بصدمته وجرت حيث طفليها تناديهما وقبل أن تلتف إلى ناحية الألعاب عادت له بنصف ميلان لجسدها:
-ثم لا تتعشم كثيرًا أن أبقى على أطلالك.. رغم أنني على الأقل أحترم مكانتي الاجتماعية ولا أقيم العلاقات الغرامية وبيني وبين شريكٍ معي عهد وميثاق.
استدارت حول السياج وكفاها يهويان على وجهها تلطف بهما العبرات الكاوية التي ما انفكت عن السيلان بأقصر مشهد قد يضمهما وقبل أن تلمس بوابة المراجيح وصلها صوته المكتوم:
-لا تكوني وجعي التاسع وسن.
ردت عليه بقسوة وأناملها تتشبث بقفل البوابة:
-ليتني فوقهم كلهم مجتمعين يا خالد.. ولا تبرأ منا.
ومضت بطفليها تبكي قلبها الذي هونت به وقدمته لمن استهان ولم يقدره، سارت في الشارع بذات الذهن المغيب الذي حملها للمكان تستعيد جملته المبتورة
"لا تكوني وجعي التاسع وسن"
وجعه؛ أ باتت إحدى أوجاعه الثمانية التي أخبرها بها بسنين عمره الثمانية يشكو لها حزنًا بات خليلاً له، فيعدد لها بعبراته أنه عايش من الأوجاع ما يماثل سني عمره مبتدئاً بالخنصر مارًا بأنامل كفه اليمنى وصولاً إلى أصبع الوسطى في كفه الأيسر هاتفًا مع تعداد الاسم
حتى حفظت أوجاعه كلها عن ظهر عشق.
يتمه ونبذه ووحدته وخوفه وجوعه وقهره وفقده ونفسه التي يخشى منها أكثر من أي شيء.
كان أول يومٍ يأتي به والدها خليل إلى المنزل، كان فظًا ولم يتقبل أي محاولة منها للتقارب، حتى بحثت عنه حين افتقدت وجوده فوجدته يلوذ بجدار البئر الكبير الذي يتوسط حديقة منزلهم الخلفية، جاورته وبدأت تعرض عليه صداقة كعهد جديد لهما تمتد للأمد، حينها لم يجب حتى وجدته غارقًا في بؤسه وحزنه فبقيت تثرثر فوق رأسه حتى أخبرها عن نفسه وعرفها به، وقصّ عليها عمر سنواته بحمولها الثمانية.
-أنا لم أر أمي في حياتي.. واليوم فقدت القدرة على رؤية أبي للأبد.
أشارت له بتلقائية نحو السماء وأخبرته بثقة طفلة:
-لكنهما يروننا من أعلى.. هما في السماء قم بتحيتهما.
فيضعف للحظة ويكاد ينساق للنظر للأعلى لكنه يخاف فتحثه بمشاغبة:
-أنت تشتاق لهما لا تعاند، كيلا يحزنا أكثر.
جذبته للنظر معها نحو السماء واخترعت أقوالاً لا مصدر لها سواها
-ستبقى على تواصلٍ معهما وسيقومان بزيارتك في أحلامك.. فأخبرهما بكل شيء.
وهكذا بدأ عهد الصُحبة حين قال:
-سأخبرهما أنني خائفٌ، بت يتيماً.. جائعاً ومقهوراً طوال الوقت، وأشعر بنبذهما لي وتركهما إياي..
مسح بظهر كفه على وجهه وأتبع:
-أخشى الوحدة ونفسي والفقد من جديد.. فبماذا سيجيبانني؟
حينئذٍ لم تعرف كيف تتصرف معه فهرعت لضم أنامله تجذبها لكفيها الناعمتين ولم تملك سوى أمومتها المفطورة عليها لتصبّها فيه صبًا وتحتويه متعهدة له بأنه لن ينال من الوجع نصيبًا ما دام معها، وكان وعدها ترياقًا له وإن لم تدرك المعنى حتى باتت هي شفاؤه وإن جاءت على نفسها أو جنت لتداويه.
مسحت دموعها هذه المرة بعنف وهي تدعو عليه بقوة ثم تتذكر نفسها الأحق بالدعاء لها فتلهج باختلاج وهي تدلف من بوابة منزلها:
-اللهم شافني من حبه كأنني ما أحببته يومًا.. كما نسي أني كنت حبيبته يومًا وكأنه ما أحب.
**
عمر السعادة اللحظية مبتور إن ظهر عارضٌ يقتحمها مغيرًا وجهتها، كلحظة فارقة تقف في وجه أشياء رائعة كانت على وشك الحدوث.
وكان خالد عارضه الذي اقتحم الوهم الذي عاشه للحظات حتى أعاده لحقيقته، فقد استقام معها في اللحظة التي هرولت بها حيث طليقها أو زوجها -وقد تشابهت عليه الأوصاف والقيم- لتلاقيه في المنتصف، تتركه بحيرة يرمق المشهد لزوجة وزوجها وطفليهما يكملون صورة حيّة وإن كانت تفتقر الجودة وتملأها الهشاشة، فيتقهقر للخلف مدركًا أنه لم يكن جزءًا من المشهد وإن كان دوره إصلاحيًا لترميمها، بل هو خارج إطار الصورة والنص.
فيغادر مجبرًا لكن يعز عليه قلبه الذي تعلق لبادرة أمل وتعز عليه أشياؤها الثمينة، كحبة البسكويت التي لم تصل إليه فيمد يده يتناولها بعبوتها كاملة تاركًا كأس النسكافيه على المقعد الذي ضمهما ولو لأجلٍ قصير دون خالد الذي كان يعترضه ويعترض بصرها وبصيرتها طوال حياتها.. وحياته.
وبكبرياءٍ شديدٍ يمضي وقبل أن يفعل يلقي بنظرة أخيرة عليها مشيعًا قصة منسية فهنا أوشكت حكاية لن تُروى كي تُنسى حركتها أوراق الشجر واندثرت مع أذيال المغيب وبقايا ضحكاتهما التي ضجت هنا.
عاد ولم يعد وكله ومشغول بأمر طلاقها الذي بات يشكك فيه، ولم يستوعبه ألم تخبره موج بأنها تطلقت منذ زمن!
فما الذي كان يفعله خالد في الحديقة وكيف لطليقين أن يكونا بكل هذا الانسجام بينهما.
-عون أين سرحت؟
همهم باستفاقة نبّهت والدته أنه عاد لها من شروده فيمرر بصره بلا تركيز على الجلسة الشتوية الأرضية المقتصة من ديكور الصالة الواسع مغطاة بالبُسط التقليدية والمراكي التراثية:
-أجل أين كنا.. ما الذي كنت تقولينه؟
زفرت بيأس من خيط الغزل الذي لم ينجح بصرها في إدخاله في ثقب الصنارة فتطلب منه:
-أدخله لي.
تبسم ونهض يدخله قائلًا لها بتضامن وهو يفشل نفسه متعمداً:
-لا أستطيع التقاط الخيط يا حاجة.
ضحكت لفشله وعلقت فيما كفها يمر على خصلاته الفضية:
-بئسًا لشيبتك ألا تعرف كيف تدخلها؟ يا بختك يا آمنة التعس صدق من قال أن حظي وجدوه بين الصخور.
-هات أدخلها أنا بدلاً عنك وأعلمك كيف.
أكد بفشل وقد انقلب تضامنه معها إليه:
-البصر البصر يا والدتي.. لم ألتقط بسبب بصري.
مالت عليه مع ضحكة عالية وعلقت:
-جئتك يا معين لتعين..
أدخلها سريعاً وناولها الصنارة لتكمل تطريزها وهو يشعر بإشفاق كبير عليها من دقة عملها وضعف بصرها وعندها الذي لا تتركه.
-أمي دعك من هذا العمل الذي لا أجد له فائدة.
سألته بجفاء وهي تثبت عويناتها:
-ومن أنت لتقرر ما به فائدة لي أو لا.
حرك رأسه بيأس مقترباً منها وإن كان يعلم أن والدته لن تمل من هذه الحرفة التي كانت مصدر رزقهم حين كانوا صغارًا فقراء وجوعى وحالتهم المادية تحت خط الصفر، ومع تحسن أحوالهم بفضله فهي لا تتركها وإن كانت للتسلية،
فلن تنسى والدته حرفتها في الشبع وقد كانت أنيستها في الجوع.. فتتلاهى لصنع أغطية وبسط وديكورات لطيفة للمنزل وثياب لصغار شقيقاته وصغاره الذين لن يأتوا على ما يبدو ووحدها أمه من تؤمن بمجيئهم يومًا رغم تخطيه الأربعين بعام واحد.
برر بهدوء:
-أقول هذا من أجلك ومن أجل مصلحتك.. ثم من سيأتي إلي بعد وقت طالباً مني أن أُقطّر في عينيه بسبب جفافهما؟
أشاحت عنه تثبت خرزة مهمة:
-لا شأن لك بمصلحتي التي لم يطلب أحد رأيك بها.
وكعادة أي أم عربية أصيلة متفننة في قلب الطاولة بكل درامية متاحة:
-وإن كنت تشكو وتتثاقل من التقطير في عينيّ فلا أريد منك فعلها.. الله الغني.
حاكت بمهارة وخبرة الرسمة المنقوشة رغم ارتعاشة كفها و تضييع مسار الحبوب منها وانتقلت بسؤالها له غير مبالية بتصفيق كفيه يأساً منها:
-والآن لنعد لك.. حالتك اليوم لا تُعجبني ما بك؟ هل من مشاكل حصلت معك؟
تمتم لها وهو يصب الشاي لنفسه:
-لا شيء مهم.
-أكيد؟
أومأ لها وهو يناظر الهلال الذي أحجبته السحب وأخفته كأنه لم يكن:
-أكيد.
-طمأنتني.
هزت رأسها بغير استحسان تناوله الخيط لإدخاله في الأبرة وتخبره:
-أنت كاذب يا أُمّي.. والآن أخبرني ما بك.
تمتم لها وهو يناولها الخيط بمزاح:
-هل أنا مفضوح إلى هذا الحد؟!
بللت الخرزة وأخذتها تجيبه:
-أجل.. كادعائك ضعف البصر قبل قليل.
هزت رأسها وحركته لضحكاته الرنانة تخبره:
-ألم أخبرك قبلاً إن لاكت الظروف الصعبة الناس مرة.. فأنا تمرغت في فكها مرتين.
هز رأسه لمحاضرتها اليومية فباغته ارتفاع صوتها بشبه الزعيق وهي تأمره برفع عصاها مهددة:
-فلا تتحذلق عليّ ثانية وأخبرني ما بك.
**
والزعيق ذاته بنبرة أشد حنقًا.. وأكثر غضبًا كان يصدر عن علي الذي هتف بسؤاله للمرة العاشرة بعدما عرف بأمر خروج ابنة شقيقه العتيدة للتنزه:
-أريد جوابًا يا ست الحسن والجمال الآن.
ثم شدد بحروف ممطوطة:
-من الذي أمر بخروجك من البيت؟ من سمح أو من أخبرت أو حتى استشرتِ؟!! أجيبي..
صرخ بغل:
-أجيبي من الذي أرشدك لمثل هذا المقترح الخارق؟
احتمت وسن في ظهر موج وأخبرته بضعف:
-كنت أشعر بالاختناق وخرجتُ للحديقة ليس إلا.
ضم كفيه خلف ظهره وهو يتقدم نحوها، ثم مد سبابته يريحها أسفل ذقنه:
-ونفسيتك المختنقة لا ترتاح بتنشق الهواء في حديقة بيتكم أو على السطح.. شفاؤها مرهون بحديقة الحي ليراكِ الجميع ويتحدثوا عنك وتلتقي بكلب الشوارع الأجرب.
-علي..
نادته موج بتأنيب فصب لعناته وغضبه عليها:
-ماذا ست موج أنت الثانية؟ ألستُ محقًا؟ والله لو قمنا بتربية كلب لأوفى إلينا أكثر منه.
عاتبته بنعومة وشفتاها تصدر ان كلاماً بلا صوت:
-راعي مشاعرها..
ففضحها وهو يرد عليها بغيظ:
-ولماذا أراعي مشاعرها.. قلبي يقول لي أن المقترح الخارق جاء من عقلك الألمعي.
أبعد موج عنها بعنف غير متعمد وشرح لها:
-ألا تعلمين أن شيخ المسجد هاتفني ووبخني وجعلني أمامه كطفل صغير بسبب خروجك وأنت لا زلتِ معتدة.
نشجت أمامه وهو تقول:
-لم أكن بوعيي يا عمي.
شتم علي خالد بكل ما تحويه معاجمه حين بانت له هيئتها التي ضربته في مقتل فحرك أنامله بعصبية في شعره وخرج راكلاً الباب بأعنف ما لديه:
-للجحيم يا خالد.. للجحيم العاشرة أيها النذل.
**
انزوت موج مع وسن في غرفتها فقد طلب منها عليّ أن تبيت معها وتحاول التخفيف عنها وهو بدوره سيجلب وجبة عشاء على ذوق زوجته، ومؤنة كاملة لسهرة أنثوية بامتياز، ومع أن علي كان هدفه الترويح عن وسن، إلا أن موج ستستغل قدرتها في إقناعها بألا تعود لخالد الذي يمسك بالصغيرين كورقة ضغط عليها فوق تعلقها به، جاورتها سريعًا بعدما التقطت أصابع البطاطا وأخبرتها:
-وسن أنتِ لستِ مجبرة على العودة إليه بسبب عدي وغيث.
استمعت لها وسن بصمت وهزت رأسها تحثها للإكمال كعادة أصيلة فيها، فرشفت موج من مشروبها الغازي وأضافت بجدية:
-أجل وسن رغم أن الأمومة هي حلمي حتى اللحظة، وأعرف جيدًا كوني لا أملك قيمتها إلا أن هذا لا يعني بالمطلق التضحية بنفسك وأن تضغطي على مشاعرك لأجلهما.
اغرورقت عيناها بالدموع وأضافت بتهدج:
-أن يعيشا ببيئة سوية رغم الانفصال أهون بكثير من أن يعيشا في وسط ثلاثي مشحون بالمشاعر السلبية.
تخيلت وسن مع موج كمية المشاهد المستقبلية الموجعة فتشاركتا الدموع وموج تضيف بقوة:
-أنتما لن تعودا كما كنتما.. وهذه المتسلقة التي أفقدت عقل خالد صوابه لن تكون زوجة طيبة أبدًا.. مهما قلتي لي عن ظروفها.
وبسلاسة عجيبة تهكمت موج وهي تقلد نبرة وسن وهي تحكي عن طيبة صبا:
-إنها طيبة يا موج.. ومسكينة.
أصدرت صوتاً مشحونًا يعبر عن غيظها وهي تجلس متربعة ترفع كفيها وتسأل:
-هل هناك امرأة طيبة تسرق رجلاً من امرأته؟!
صححت لها وسن:
-لم تسرقه يا موج.. هو كان متاحًا.
-كفي عن الفلسفة وأجيبي، هل هناك أفعى رقطاء يقال عنها طيبة؟ من هي المرأة التي تقول عن مشروع ضرة منافسة بأنها طيبة سواكِ؟!
أعتق هاتف موج وسن من لسانها وتوبيخها، فانسحبت بهدوء تعيد على ذهنها تساؤل عون الذي جاء بلا- أهلا- بكل ذهول:
-أين أنتِ.. ألم تخبريني أن وسن تطلقت؟ هل أعادها طليقها؟
للحظة ارتعبت موج من فكرة إعادة خالد لوسن أثناء عدتها فقالت لعون بصوت مكتوم متلفتة حولها خشية أن يسمعها أحد:
-ما الذي تقوله أنت.. أجل تطلقت ولم يعدها إلى عصمته، لقد هدده علي إن تجرأ وفعلها فسوف يحرمه منها للأبد.
ارتاح نسبياً ولو حاليًا فمنظره وهو يجالس امرأة بأحلام مشروعة من قبله أشعره بدناءة مقيتة خاصة أنها لم تتم شهور عدتها وشقيقته أخبرته أنها منذ نهاية تموز في منزل والدها، حتى فاجأته موج وهي عندهم الليلة تخرج مسرعة حيث بيت خليل قائلة لوالدتها بهمس سمعه هو أن علي سمع بأمر خروجها وسيوبخها لأنها ما زالت في عدتها، فعلم حينها أن حسبته كانت خاطئة وأكله الذنب.
-لقد رأيتهما اليوم في الحديقة لهذا أسألك.
نفخت موج بغيظ وثرثرت:
-الحديقة مجدداً! الله يأخذ الحديقة لنرتاح، وسن ساءت حالتها اليوم وقررت الخروج وهناك تبعها خالد وسبب لها مشكلة فسمع علي ووبخها وأمرها بألا تخرج فلا زالت في عدتها، أنت لا تعلم القصة انظر إلي لقد باتت حديث التجار بعدما سمعوا عن طلاقها فالكل بات يتسابق لنسب عمي خليل.
تحمست ونست نفسها لوهلة وهي تضيف:
-وطبعًا نسب عمي خليل لم يكونوا ليحلموا به ألا تكفي سمعته وأصله ليهرع الجميع إليه.
مالت على الجدار تهمس أكثر:
- حتى أن هناك من تقدم لخطبتها من أبنائهم، فلقد قدم صاحب معرض التوكيل وطلب وسن لابنه الثاني و قد تقدم بالفعل.
وتهذر .. وتحكي.. وتزيد لوعته:
- لكن عمي خليل قال ابنتي في عدتها وعليكم احترامها، وليس هذا فحسب بل وجاء صاحب معرض المفروشات وعرض ابنه الكبير .
-توقفي موج.
ازدردت لعابها حين وعت للاستفاضة فأوجزت بكرامة مراقة ونفس لاهث للسرعة التي أدلت بها الأقوال:
-و أجل لهذا جن جنون خالد فيريد عودتها والضغط عليها.
وبحروف ثقيلة أجشة شرخت حنجرته.
-اهدئي موج.. كنت أسأل سؤالاً عادياً ليس إلا.
وأعقب غلق الاتصال بتنهيدة طويلة ناغمت بوح الريح خلفه وسكون الشوارع في ليل شتوي ترسل فيه النجوم وميضها المشتعل إلى قلبه.. فلا يبرد .
**
الأشياء تتقلص وتتمدد في حجمها تبعًا لأهميتها التي نوليها إياها، كل الأشياء غير الممكنة والمستحيلة باتت ضمن الربما والمحتمل والعادي وإن كانت الأخيرة ثقيلة.
توقفت أمام الروزنامة تسحب ورقة التاريخ، حدقت باليوم والتاريخ بغير اكتراث ثم ما لبثت أن تنبهت لأمرٍ هام اليوم أتمّت اليوم الأسبوع الثالث بعد الشهر الثالث من طلاقها، بغير تعبير محدد مزقت الورقة لتدون ملحوظة حول مراجعة والدها لدى دكتور القلبية
أيامها وجدول الأسابيع الذي كانت تقضيها في عدّ أيام الأزمة باتت تحتله مراجعات والدها الدورية والتي تهتم بها أكثر من أي شيء، لقد بدأ الانفصال عن خالد وكأنه حدث جلل والآن.. الآن لا شيء محدد سوى اهتزاز طفيف مرّ بعينيها توالت عقبه الدموع الصامتة.
واليوم هو اليوم الأول لخروجها عقب تلك المرة للتنزه في الحديقة "تُذكر ولا تعاد" ولولا للتبضع لما خرجت اليوم.
-وسن هيّا لقد تأخرنا.. علي سيقيم الدنيا فوق رأسي لو أطلق البوق ولم نهبط من أول مرة.
ولسوء حظها توالت الأبواق المنبهة به، فركضت بلا وعي تهبط إليه دون انتظارها، وصلت إليه تخبره بشوقها بلا مقدمات:
-أهلاً برمش العين.
مطت شفتيها وحركت كتفها بخفة لا تلتقطها سوى عينيه:
-اشتقت إليك..
وبين شقاوتها وبسمتها هناك غزل لا تفهمه فقالت له وهي تهز كتفيها خاسرة:
-ماذا أفعل فيك.. أمري لله.. أنا قليلة حيلة معك.
تراجع بظهره ويديه تعتقلان المقود معلقا لها بعدما رمقها بعينين دافئتين:
-بالهداوة على أشواقك ستغرق بنا السيارة.
شهقت بدرامية وهي تحشر نفسها في المقعد الخلفي خلفه وتتمسك برأسية مقعده تسأله بلا تصديق مفتعل:
-هل يعني ذلك أن شوقك يعادل شوقي وأكثر فتخشى أن يفقدنا منسوبك أنفسنا.
جارى تسليتها بتسلية محكمة:
-أجل وحينها من أين لنا بموج أخرى!
مست مؤخرة شعره بمداعبة من كفيها وفحت بشر:
-وهل يهون عليّ أن أرتحل وحدي.. أنت معي..
ثم شددت بهمس:
- دنيا وآخرة سأطبق فوق أنفاسك.
وانقطع سحر لحظتهما بتنفسه بصوت مسموعٍ، مما أقلق وساوسها الراكدة ولم يعقب سوى بنفثه تبغه الغالي.
لحظات مرت بصمته حتى الزعيق المعتاد الذي يمطره فوق رأسها إن تأخرت عن السيارة كانت معفية منه وسن التي جاءت بشكلٍ متأخر ودخلت على استيحاء وبدلاً من زجرها بنظرة حارقة كما يفعل معها أخذ ذقنها بلمسة ناعمة من كفه وسأل بأقصى حالات الانفراط العاطفي:
-كيف وسن مدللة عمها؟
مطت موج شفتيها بغيظ ما أضحك المتابع لها والذي أُتيح له سهولة كشفها وهي تحتل مرآته الأمامية بالتصاقها خلفه فسأل بمزاج رائق وهو يثبت نظارته الشمسية فوق عينيه ويلتقي معها في مرآته قبل التحرك:
-شقيقاتك جاهزات؟
ردت عليه بلا نفس بإيماءة صامتة وهو يغيظها برفع مستوى الأغاني في السيارة لخالد عبد الرحمن مرددًا معه:
-وعيني أنا بعينها والقلوب بعاد.
أشاحت بوجهها عنه بحنق ولم تكن تعلم أن وسن خرجت بالفعل حيث وجدتهما في مشهد حميمي دافئ بضحكات موج الصاخبة، فبدا لها تطفلاً إن دخلت عليهما الآن، فارتأت لتأخرها قليلاً كي تسمح لهما بالتسلية وداخلها تبسم لأجلهما..رغم انكسارها.
**
-أنرتم المنزل.. ادخلوا بسرعة.
ببشاشة هتفت بها صبا لأشقائها الذين زاروها اليوم، صنعت لهم الغداء الذي لم يحلموا بتناوله في بيت عائلتهم وحين جاء وقت التحلية سأل شقيقها بلهفة:
-ألا نستطيع المجيء هنا كل يوم؟
نهرته شقيقته الكبرى فيما مسحت صبا على خصلاته:
-متى ما شئت يا حبيبي.. بيتيي مفتوح لك.
ثم التفتت لشقيقتها زين معاتبة:
-هذا منزلي يا زين ..ثم أن خير خالد كثير تعالوا إليّ متى ما أردتم.
بقوا عندها حتى قبل المغيب وحين جاءت مغادرتهم حمّلتهم بأطباق طعام وفواكه وحتى نقود.
-تعالوا كلما سنحت لكم الفرصة.
ورغما عن عزة نفس شقيقتها الأصغر فلذة المذاق ألحت عليها بتكرار التجربة خاصة مع طمع أخيها وأختها الجائعين والمحرومين .
أغلقت الباب خلفهم بسعادة وركضت نحو ما أوصت به أختها، تناولته من كيس الهدايا وبدأت تعاين ثوب الرقص بين كفيها تتفحصه، تنهدت بيأس وحاولت تجربته والخروج به، شعرت بشعور غامض ومبهم آذاها وهي ترى تماديها مع خالد لتجذبه لبؤرتها!
تدلله ..
تغدق عليه بعواطف سخية بجرأة وإقدام كبير معه رامية بخجلها وحيائها وتتصرف بتجربة وخبرة معه كي تلهيه وتشغله، وعمر انشغاله فيها وقتي ولحظي وبعدها يعود
لنزقه
وعصبيته
وتماديه لما يبشر بالضرب وإن لم يقدم عليه للآن، لكنها رأت البوادر وهي خير من يعرفها، ارتدت البذلة وحركت خصلاتها، نثرت عطرها وتأكدت من حسنها، فهي حسناء ولا مجال للمقارنة بينها وبين وسن ومع ذلك وسن تحتله.
هي ارتضت بالمشاركة مع وسن فيه ولم تشترط أن يطلقها، فلم لم ترض وسن التي تسبب بكل حالات هيجانه!
ألا يحق لها السؤال! ثم الأهم ألم يخطر بباله أيضًا؟! مؤكد ذلك يحدث معه وإلا ما سبب عصبيته؟
في بادئ الأمر ودت ورغبت في عودتها لكن الآن الطمع يسيطر عليها فتود بأخذ خالد كله لها خاصة مع ترديده عبارة
(وسن باعتني)
فتشعر بأن كليهما قضايا خاسرة وليس لهما سوى بعضيهما، فهي باعها أهلها وهو يخبرها بأنهم باعوه.
انتهت أفكارها مع رنين الجرس فاستقبلته، تجاوز طعامها الذي يثني عليه وبشدة، ثم أعدت له جلسة سمر وبدأت بالتمايل له، ومقدار استجابته لا يتخطى الدقائق، وينتهي بها الحال منبوذة وهذه المرة يخبرها بتسلط:
-سآتي بغيث وعدي للبقاء هنا نهاية الأسبوع.
أطاعته وأخبرته:
-على الرحب والسرور .
وداخلها ليس راضٍ فهو يأتي بهما تعنتاً وهما لا يتقبلاها ولا يتقبلاه وحده، لكنه يفرض حصاراً ميؤوساً منه مع وسن في ظل علي الذي يقف له بالمرصاد
-هل تود أشياء معينة لهما؟
سألته وجسده ينكمش لاحتواء باتت تحفظه فاقتربت منه تمسح على وجهه تنتظر إجابته التي جاءت مخالفة لكل توقعاتها:
-لقد تقدم لخطبة وسن الكثير حتى الآن.
ازدردت لعابها ببطءٍ ونطقت:
-وماذا بعد!
رد عليها باختناق:
-أخشى أن يجبروها.
أخبرته بذعر:
-لكنها للآن لم تفعل..
-لم تفعل للآن من أجلي لكن لا أعرف عمر مقاومتها.. أتمنى لو رأسها يلين.
نفخت ودارت برأسها تحبس دموعها وتخبره:
-هل تريد أن أتحدث معها.. لأجلك سأفعل والله لكن هي لا تجيبني.. هل تود أن أقابلها لو أردت؟
نفى وهو يضم كفيها إليه
-لا لن تفعلي بالطبع.. لقد فعلتِ من أجلنا الكثير وهي لم تقدر ذلك.
ودت التصحيح له أن الأدوار معكوسة ولم تتجرأ على نطقها، فاكتفت بجذبه إليها تردد:
-لا تقلق.. ستعود إليك
وهي تريد.. داخلها أناني ولا يريد.
**
(المجتمع التجاري)
-وسن ما رأيك بهذا البلوفر لي؟ هل سأجد مثله لعلي؟
سألتها موج بحيرة ولم تجبها، موج التي ذهبت معها كي تشاركها الانتقاء والتبضع وانتهى بها الحال تحمل أكياس موج التي اشترت المول كله بفضل شرائها من كل قطعة زوجين اثنين.
-هل ضروري شراؤه يا موج؟
أومأت موج بشفتين متبرمتين فقالت وسن بلهجتها المقتصدة:
-لا أرى أي داعٍ له ثم أنت ابتعت المول بأكمله، ابتعت عني وعن شقيقاتك كلهم.
ضحكت موج وتذكرت أمر وسن التي خرجت لتتبضع ولكنها اشترت القليل لها ولأولادها:
-أنا أحب التسوق ماذا أفعل؟
جاء صوت غزل أخت موج تسأل:
-هل انتهيتِ موج؟
لم تجب موج وعيناها تناظران البلوفر بحسرة فشدتها غزل نحو شقيقاتها الأخريات وتبعتها وسن بملل، أجل كانت سعيدة بمشاركتهن وتبضعت معهن فصحبة النساء جيدة، لكن كملاحظة أولى شعرت بنشازها معهن بهيئتها العادية بخصلات معقوصة في ذيل حصان على خلافهن هن المحجبات بشكل كامل، حتى أيديهن ملفوفة بمعاصم ساترة، والملاحظة الثانية الالتزام الذي أرهقها مع الجماعة فهي أنهت منذ أول نصف ساعة التبضع بخلافهن وتأخيرهن.
تنبهت لخلافٍ دائر حامي الوطيس:
-لا داعي للدخول إلى المطعم
-بلا ما فائدة الوجبات السريعة إذا أكلت في المنزل
-موج أنت تأكلين الأخضر واليابس في البيت لن تتوقف على شرائح البرجر هذه المرة.
-لا لا يصح.. نأتي للسوق ولا نتناول الطعام في المطعم؟ لا لن يحدث.
وبعد ألف مشاجرة وهلم جر دخلت للمطعم بصحبتهن وتناولت الطعام ولم تدر لسوء حظها كيف علم خالد بمكانها فأرسل لها:
-كيف تكونين بهذا القدر من الانبساط والفرح وكأن بيتنا ما هُدِم وكأننا نعيش أفضل أيامنا؟
رجت الهاتف بعنف وطلبت الرحيل على عجل فلم تعترض غزل وميسم ويمنى بل لبين على الفور وطلبت يمنى "أوبر" سريعًا.
-وسن هل وجه الشؤم له علاقة بحالتك؟
نفت بهزة عنيفة من رأسها وردت:
-لا ليس هو.. أنت تعرفين حالاتي غير المستقرة الآن.
وافقتها موج بلا اقتناع مع قرب السيارة التي ظنتها وسن "أوبر " فعلياً لولا صدمتها بأن النمرة تحمل رقماً عربياً ليس أردنياً ومن يحتل المقعد الأمامي عون الذي جاء ليقل شقيقاته.
انحشرت في الوسط طلباً للسلم، فيمنى تود النافذة هذه، و غزل تود النافذة الأخرى فجلست بسكون تجاور موج التي شكت لعون
-لقد رأيت قميصاً لك ولم أستطع شراؤه.
ردت يمنى سريعا:
-كانت مشغولة في الشراء لعلي اعذرها يا عون.
فتهكم عون:
-أووه.. ما هذا الشرف العظيم، لقد نلتُ شرف التذكر وعلي موجود بالنص.
تدخلت غزل:
-الله وحده يعلم من لعب بالإعدادات.
فتدعو ميسم:
-لقد هانت ..فكرت بعون هذه المرة ..الجولة القادمة سنكون نحن.
بحزم مشوب بالضحك أخبرهن عون:
-لا حسد.. لا حسد يا شقيقاتي من فضلكن
اغتاظت موج من تهكمهن عليها ولم ترد سوى:
-أنا أستحق أن أخبرتك بذلك!
وجولة إضافية من الضحك والفكاهة حتى تدخل عون مراضياً:
-ما عاش من يغضب موج وأنا موجود.
ثم أعاد كفه للخلف يربت على كفها :
-اطلبي ترضيتك بالاسم واعتبريها جاءت لك.
وانتفخت أوداج موج وعاود الجميع الضحك عليها والمزاح وعون أول واحد وأول البائعين لها في مزاد السخرية كمادة خام، جاعلين وسن تتابع
بانبهار وذهول.. وكثير الكثير من الغبطة، ولن تنكر حسدًا لم تقصده.
فهذا شقيق يمازح ويلاطف شقيقاته بشكل لا تصدق فيه الأرقام التي تقف فيما بينهم مسماة بالعمر.
يوبخ ويحتوي ويضحك؛ تارة كأب وأخرى بشكل أقوى كشقيق، حزم وخفة وحنان.. لم تجربه.
لقد جاءت إلى الدنيا حين كان والدها خمسينيًا، وزوجته في منتصف الأربعين، فلم تره شاباً أبداً.. كان كبيراً طوال عمره ولم تستمتع بشقاوتها معه رغم حنانه ودلاله، وعمها علي الأخ غير الشقيق لوالدها الذي رأته رجلًا منذ أن وعت رغم السبع سنين التي تفصلهما، فهو جاء رجلاً واختصر سنين عمره من الطفولة إلى مصنع الرجولة.. وعلاقتها بخالد منذ زمن تحدد إطارها زوج وزوجة ورجل أحلام فلم تستمتع بشبابها يومًا.
ندت عنها بسمة وهي ترى صخبهم وضحكهم المتواصل ولم تعِ أنهم وصلوا ومروا بمنزلها أولاً .
-اهبطي معي .
طلبت من موج التي لم تنتظر طلبها، وبخجل توقفت عند صندوق السيارة ليناولها عون حقائبها، توارت باجتهاد عن النظر بل انكمشت في هزل نفسي ملاحظ.
-يا إلهي لا حقائب معك وسن.
دهشت موج التي لم ترى سوى ثلاثة حقائب لوسن التي خرجت بسببها بينما هي تحتل بحقائبها الصندوق كله.
-أجل البركة فيك لم تقصري مع أهل المتجر.
قالتها وسن بغيظ وهي تمد يدها لتتناول الحقائب من عون الذي شاركها التعليق:
-كما تعرفين سيعتب عليها أصحاب المحلات لو لم تفرغ لهم المحال.
ضحكت وسن بانطلاق لمنظر موج المستاء وجملة علي تتردد على لسان عون فأخبرته وهي تلتفت له للمرة الأولى بهذا اللقاء :
-هذا كلام علي
-كان الله في عون علي.. لقد أنقذنا وأبلاه.
ضحكت بقوة أكبر وعادت له مدفوعة ربما بالدفء الذي ينضح من وده وقالت له بصدق:
-موج الدواء الذي يستحقه علي جزاءً.
وكانت اللحظة أطول مما يجب، كأنها انسحبت من تعداد الزمن والتحقت في غفوة أبدية، فانسلخ من الالتزام وثبّت ملامحها المُحرّمة في ذاكرته واهبًا إياها وثبة متسارعة من التشتت ستحدث اختلالاً في نظامها المتزمت، فسارعت تعيد تنظيم الأشياء الفاسدة:
-تفضلوا للداخل.. آسفة نسيت أن أدعوكم للدخول.
رد عليها بغموض وهو يستدير حيث سيارته:
-ربما في المرات القادمة.. الوقت الحالي صعب جدًا.. انتظرونا .
**
ألحقها علي في تدريب لشركة محاماة، وسجلها في نقابة المحامين لتزاول الكثير من الأشياء التي حرمتها على نفسها مع خالد الذي تلتقيه كل صباح في القصر العدلي.
هذا اليوم خرجت بكسل وتعب فأي امرأة تخرج لعمل كان مرفوضًا في عرفها وتزاوله بعد سنين، جاء ذكر عون في خاطرها هذا الصباح وهي تستقل التاكسي فقد أخبرها السائق أنه كان مغترباً وشكى لها حاله، فتذكرت عون الذي تتصادف معه كثيرًا بجملة مواقف تخزن لديها ذكريات عجيبة بل ومربوط بسجل تاريخي لا يُنسى..
فهو شاهدٌ على الكثير من رصيدها الذي تملكه لخالد..
فهي
التقت به وهي تبكي على خالد الذي رفص حبهما وهما مراهقان..
والتقت به حين اعترف لها خالد بحبه
وساعدها مرة حين حاولت الهرب من المدرسة لتلتقي بخالد ووبخها معيداً إياها لمنزلها آمنة.
وحين ذهبت إلى علي لإقناعه بزواجها من خالد.
انتهى نزيف ذاكرتها عند ترجلها من التاكسي وسيرها حيث الشركة، مسها بلل ناعم من الأمطار الخفيفة، فخبأت رأسها وركضت ترفعه حين وصلت المظلة الطويلة، لتصطدم بعينين محدقتين بعجب وتدقيق كان صاحبهما
عون!
تجدد اللقاء معه قرب عتبات مكان عملها، غمرتها الدهشة وعبّرت عن نفسها ببسمة مريبة احتلت ثغرها الذي لا يجذب النظر إليه مرتين، صافحت هيئته بحيادية وزفرة ناعمة تخطت كينونتها، بادرها بتحية ردتها له مع الإدلاء بملاحظة متسرعة فلم تكبح انفلات لسانها الذي تعجب:
-تزداد مصادفاتنا هذه الآونة بكثرة!...
ثبّت بسمة غامضة لن تفهمها ولن تجهد جمجمتها الصغيرة في تفسيرها ورد بهدوء:
-هل لاحظتِ ذلك أيضًا؟
ترددت ملامحها لوهلة بفضحها نفسها فسأل بتلوٍ شديد:
-هل من تفسيرٍ منطقي لترددها؟
هزت كتفيها بجهل وأكدت بغبائها المعهود:
-لا أعلم.. لكن أكيدة أن هناك سرّاً ما.
تحفزت لطلته التي اكتسبت هالة جديدة وصوته الذي حجّم تهورها الأحمق:
- من يدري كله في أمر الغيب، هناك السرّ كله.
ازدردت لعابها وتذكرت تعطيله عن الدخول فنطقت وهي تمر بكفها نحو عنقها بتردد مما كشف بقعة تحتل أعلى ياقة قميصها:
-لن أؤخرك.. هيا ندخل.
التقط حركتها ولم يعبّرها بأكثر من لمحة عابرة وأشار بكفه:
-تفضلي..
توقفا أمام المصعد باتزانه المثير وتحفزها حد النزق والفوضوية، بلغهما عطلٌ تقني أظهرته شاشات المصعد التي أضاعت التوجيهات بخلل فني واضح للعيان، تنبهت لذلك متأففة تستغفر بصوت عالٍ :
-ها هو الصباح الكئيب من أوله.
لم يتأثر وكأن الوقت كله له، لم تصمت كأي أنثى بل عبّرت عن سخطها:
-أسطوانة كل يوم، مصاعد رديئة الجودة، ناهيك عن سوء التهوية، والإهمال العام للمكان.
أخذت نفسًا عميقاً تنتظر تعليقه الذي لم يتأخر دون النظر لوجهها:
-هل المكان بهذا السوء؟
أومأت بقوة وبدأت تعدد له ما لم يكترث له وأنهت حديثها:
-مكان سيء وبشع وأشعر أنه آيل للسقوط في أية لحظة.. معدوم الخدمات أنا لولا حاجتي لما بقيت لحظة.. أنصحك من قلبي ألا تأتِ له.. ستندم.
أخذت فاصلًا من عمر التذمر وأضافت بحكمة:
-المكان الجيد أول دافع للعمل.. وأنا أفتقد الدافع والرغبة.
رفع حاجبه بدهشة والمصعد ينتظم لحظتها ويعلن عن جاهزيته للاستقبال، فصمتت هنا وطلبته التقدم فنطق بكياسة:
-النساء أولًا.
سبقته وتبعها، كان في مواجهتها وانساق لهوى اللحظة، فحجم البعد تضاءل حتى أقل من بضعة خطوات، تجاوز ذراعيها المكتفين والتهم طريق الغاية حيث "وجهها" ..لا زالت عادية بل أن عاديتها تفاقمت وتضاعفت إلى حدود دونية حتى باتت -أقل من عادية- أسبلت أهدابها عن تفحصه المثير للخجل والتقزم فهي تبدو أقرب كوالدة له حتميًا بهيئتها المهلهلة رغم تخطيه لها بسنواتٍ.
"والدته تبدو أصغر مني"..
زفرت بكبتٍ وسخط لسنواتها التي غادرتها وجعلت رجلاً مثل عون يرمقها بتعجب وهمجية، أنبت إهمال مظهرها وغياب أناقتها في ظل رثاء الذات المستدام، فهمست بقوة داخلها
"من الغد سيبدأ عهدي".
زمت شفتيها تدعم قرارها، هو أربعينيٌ هذب السنوات لصالحه حتى شعره جاء داعمًا، وهي مجرد كيان مستهلك استقر في جسد ستينية تشكو المفاصل والقلب ولم تتذكر متى سرحت خصلاتها آخر مرة ..
"حمداً لله على نعمة البروتين".
كادت تلامس خصلات شعرها بتهور لولا رنين المصعد الذي عطّل اجتماعها الذاتي و أعلنت صافرة المصعد عن وصولهما فخرجا وحين استقرا في الرواق سألها مجددًا والنرد يتراقص بين مقلتيه:
-هل المكان بهذا السوء حقًا.. أتساءل بجدية؟
ضمت حقيبة كتفها وهزت رأسها معترفة:
-هذا حديث كل من بالمبنى.. تخيل استراحة مناسبة لا يوجد هنا.
-ألهذا الحد؟
-وأسوأ بكثير.. أنا لولا عمّي لما بقيت هنا.
نطق بعد معاينة لساعته المميزة والتي ذكرتها بـ-الغالي- و-العزيز- الذي يمتلك واحدة مثلها مما فتح عليها مواجعها:
-حسنًا ستكون ملاحظاتك بالاعتبار وسن.
هزت رأسها بجهل وتجاهل استفهامها المتأخر، نادت عليه فيما خطا خطوة للأمام وعاد بجدية لها ليودعها فسألت:
-أي اعتبار تقصده؟
دار حول المكان ورد:
-ملاحظاتك بشأن المكان..
قطبت جبينها بحيرة تتفاقم:
-حسنًا فهمت.. وما شأنك؟
رد بملامح غير مقروءة وفم يعبر عن استيائه وقلة حيلته:
-بصفتي مالك المكان.
فغرت شفتيها بذهول ترمق ظهره الذي ابتعد عنها ودخلت لمكتبها تحاول التفاؤل الذي علم بمدى فشلها فيه فأنبأ عن رسالة صبا التي وصلتها حديثاً
(وسن من فضلك أنا حامل الآن وخالد سيهجرني.. أرجوكِ لا تخربي بيتي وأقنعيه بضرورة العودة لنا)
الرسالة طويلة وتحوي تفاصيلا مليئة بالوجوه الكثيرة الباكية والأخطاء الإملائية الكارثية التي عصت عليها في فهم الكلمات، وكانت لتفعّل زر الحظر لترتاح وتعطي زر دموعها العنان والضوء الأخضر إلا أنها حين ارتفعت برأسها لتتنفس هواء نظيفاً وجدت خالد يسرق الهواء ويخنقها فنطقت بأهدأ ما لديها:
-اخرج.
**
انتهى
Like
الاوهام
,
زهرورة
,
قصصية
and
8 others
like this.
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة