حكم الهوى غلاب - الفصل 3 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حكم الهوى غلاب
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

(٣) الحب لا يكفي أحيانًا.. ودائمًا. ** اغتصبها التعب بعد رحيل خالد أمس وخروجه من منزل والدها مطأطأ الرأس فوق خزيه عاقد النية فيما ابتغى.. فعلى الرغم من كل شيء أدركت أي عزمٍ خرج به ولأسفها هي أبلغ الناس في معرفة رجل تحفظه عن ظهر عشق. انسحبت من مواجهة والدها حرجًا وحياءً مثقلة بألف مرارة سكنتها مما سمعته من زوجها، فانزوت في غرفتها منتحبة على اهتزاز صورته في عيني والدها، ومدى انحطاط رغبته التي سيفرط بنفسه وبهم هم من أجلها، لوهلة أصابها الجزع خوفًا على أبيها الذي تراءت تربيته وتجارته أمام عينيه، فأكلها القلق من أن تهتز هامته أو قلبه وظلت بقلقها، استسلمت بلا مقاومة للإرهاق و نامت ملء جفونها عقب ليالٍ عصية، استيقظت بمزاج عكرٍ مستغربة تأخرها إلى هذا الحد -كيف نمت كل هذا الوقت؟! حركت شعرها إلى جنبٍ ونهضت متكاسلة نحو المطبخ حاولت التواصل مع والدتها، فوجدتها بذهن شاردٍ تحضر وجبة الفطور لهم، استأذنت منها متقصدة الطلب: -هل يمكنني تناوله مع والدي وحدنا؟ رصّت أمها الأطباق على الصينية وتجاهلت طلبها بعبارة وحيدة: -أبوكِ متعب وسن.. ضغطه غير مستقر أجّلي أحاديثك لما بعد. أولتها ظهرها وتركتها متحسرة، والذنب يأكلها مما يحدث، ارتكزت على الحافة الرخامية وكتمت تأوهًا حارقًا، انحنت تتمسك في بطنها المتألمة وأكملت خطاها بعسرٍ عائدة لمخدعها.. تزايدت تقلصات أحشائها فجلست على السرير تمسده ببطءٍ تغمض عينيها للوجع وتتدفق الأفكار في رأسها لتتوقف لحظاتٍ مفكرة ومسترجعة ذكريات الأشهر الفائتة. "أريد طفلا يؤنسني خالد" "لنؤجل أمره قليلاً وسن" "خالد الصغار باتوا في المدرسة وأنا أقضي يومي متفرغة.. أمومتي تلح عليّ بإعادة التجربة" "كوني مراعية وقدّري أنني أصنع مستقبلنا بشق الأنفس والطفل سيكون عبئاً إضافياً علي" حاججته بكل ما أوتيت من عواطف "سيأتي الطفل ورزقه معه ..أنا بحاجة له يا خالد من فضلك" تنتهي كل النقاشات بتأزمٍ حاد وعصبية غير مرجوة، فتؤجل الأمر قليلاً وتعود أمومتها مُلحة ومطالبة ويجيبها "دعينا نتأنى قليلاً" حينئذٍ استنفذت كل حلولها والخيار الأخير والمعدوم في بنود حياتها يلوح لها فتضرب به: "دعني أعمل في أي شيء.. أنا غالبًا بُت أفقد مهاراتي كلها.. حتى أبسطها كالتواصل" وكانت محقة فدائرة علاقاتها محدودة لا أصدقاء ولا جيران ..حتى جارات تتبادل معهن الأحاديث أو الزيارات المعتادة. "عمل لا وسن.. ما الذي ينقصك كي تطلبي العمل!". "ينقصني ونس.. أنا لا أرى أحدًا خالد ولا أتعامل مع أحد، كما ترى وتأمر" حينها أخذته حيرته في دربٍ لم تفهمه فحسمها بتلاعب أنامله في لحيته كإشارة لشيء يفكر فيه ولا يصرح عنه.. وشيء آخر لا يرضيه ومع ذلك قال: "كما تشائين.. توقفي عن الموانع لعل الله يرزقنا" تحمست للأمر رغم كل العراقيل التي كان يفرضها، كتجنبه لها في الميقات الناجح للأمر مدعيًا الانشغال والتعب ونفسيته المرهقة! سالت عبراتها بقوة.. شهور مضت لم يلتقط رحمها بذرةً كما تشاء، وظلت بمحاولاتها معه، انشغلت في مفاتحته لها بالزواج من أخرى وانشغلت عن نفسها وما تريد كعادتها ولعجبها المثير للسخرية بات هو المتطلب واللحوح الذي يبغي وصلها.. رغم نفورها وتعبها وعدم مقدرتها على التعاطي معه مخرساً إياها ومتعللاً لها بـ" غضب الملائكة منها" والآن هي على وجه الدقة، لا تعلم إن كان بطنها يحمل شيئاً ما في ظل تلاهيها عن اهتماماتها وتتمنى ألا يفعل.. فلا تريده أن يعود لأجل طفلٍ سيكون سببًا في إبطال ما ينويه.. تريد عودته المطلقة لها.. ولأجلها. لم تحتمل التقلصات أكثر فنهضت عن سريرها وتوجهت نحو الحمام، رجعت بعد وقتٍ طويل مرتمية على السرير تضع كفها على عينيها، ثم حدقت بالسقف بإرهاق، كشرت للألم وقررت أخذ مسكنٍ للتقلصات الشهرية بعد ألف زفرة راحة بعدم تقبل رحمها لأي محاولة زرع استقصدها زوجها. قررت أن تمسك الهاتف وتتفقد محتوياته، وجدت تطبيق الرسائل سينفجر بما فيه والفضل لموج بالدرجة الأولى.. وصبا الحنون التي تسأل وتطمئن.. بل وقلقة عليها. -هل أنت بخير؟! أفتقدك. -مررتُ قرب بيتكم وكنت سأمر عليكِ.. لكنك لم تجيبي. -وسن إن كنت متفرغة أود رأيك في بعض الأشياء. -وسن.. أين أنت لمَ لم تجيبي؟ قلقتني عليكِ.. عساكِ بخير. توقفت عن قضم طرف سبابتها وعينيها محتقنتان بدمعهما، دارت بهدف حول أيقونات الأسماء توقفت عند أيقونة ما.. لا يحمل اسمها أية إشعارات أو حتى رسائل.. نفسًا مرتجفًا صدر عن أظلم أعماقها المختلة الآن، رمت الهاتف غير مكترثة.. بل يقتلها الاكتراث وهي تمعن في سياسة العقاب التي يتّبعها خالد معها.. يقاطعها كلما غضب أو أزعجه شيءٌ ما وتهرع هي لتطيب خاطره بخسارة منها تقدمها.. لكن الآن وبكل أسف لن تفعلها ولن تهديه التنازل وتكسب مشاركة إضافية فيه. استقامت بعصبية تنفث غضبها في حملة النظافة التي قررتها للمنزل بدءًا من اللحظة. -أمي ..قومي بزيارة جارتنا ..سأقوم بتنظيف المنزل. *** أول بنود الحب.. التأني حتى بلوغه. وبخلاف الصباحات التي طلت كئيبة على وسن، هناك صباحات تتنفس الخريف حتى آخر رمق، تستمتع موج بضبابية الغيوم وسباحة الشمس بعيداً عنها، تستنشق روائح الأوراق الصفراء بطمع، وتبتسم لكومة الوريقات المتناثرة قرب نوافذها فتوثقها بعدسة حب، وتحزن لمرأى ورودها الذابلة وتقطف لعلي من ورودها الحمراء وإن كانت صناعية.. الأهم ألوان زهوره حيّة. أوقظته جلبتها رغمًا عن أنفه، تثاءب ونفض الغطاء ينفض عنه أذيال النعس الأخيرة، كشّر للفوضى المحيطة به، أغانٍ صباحية وصوت الغسالة مع مطحنة القهوة، عصافير موج وغناء موج وموج كلها تتمثل أمامه بدعوة حاثة للصراخ: -هل استيقظت؟ سيرك.. ما يعيشه اللحظة هو سيرك.. مشاعر محتدمة أججها ذلك الثوب الذي ترتديه بوروده التي حوت حدائق الكون مجتمعة: -لا لم أفعل بعد انتظري قليلاً. مطت شفتيها بدلال وناظرته بحنقٍ تشيح بوجهها عنه فتحركت على إثرها الوردة الحمراء المثبتة فوق أذنها قرب خصلاتها، اقتربت تقول له بيأس عاتب: -آه منك يا علي.. تبرمت بفمها وغمزت له بشقاوة لذيذة مصرحة بحركة رأس مؤكدة: -لكن على قلبي مثل العسل.. تحركت شفتاه بطيف بسمة، شجعتها فزحفت على ركبتيها تجاوره وتشرح له بحماس وحلاوة: -الجو ساحر في الخارج.. ستشرب قهوتك في الشرفة. هز رأسه لها بلا مبالاة وتحرك نحو المغسلة، أخذ وقتًا ريثما بدل ثيابه، خرج لها يُثني طرفي كمي القميص حتى المرفق يسألها: -متى بدلتِ أزرار القميص الأسود ؟ توقف فجأة حين رفع عينيه ورأى الطاولة التي أعدتها له نقل بصره بينهما بزفرة غاضبة ولم يمنع امتعاضه فسأل: -ما كل هذا موج؟ تحرك بصرها بتأنٍ تراقب محتوياتها الموضوعة بحرص رغم استنكارها دهشته في الحقيقة فقالت له ببساطة وهي تضم كفها أسفل وجنتها: -أجواء مشروبنا الصباحي علي.. لقد استغللتُ طقس الصباح لأجلنا. تنهد وأحبطها ومرر لها ملحوظته اليومية: -الأجواء كل يوم ..كل يوم يا موج!؟ زمت شفتيها وقررت ألا تحزن وألا تغضب لقد قررت منذ الصباح هذا البند: -لا بأس ..فقط اليوم حبيبي. انحنى وتناول الكأس بفظاظة دون شكر فتنبه لقلة ذوقه حين سألت: -ألن تجالسني؟ كان ليستدير إلا أنه تمتم بسخط: -ورائي يوم طويلٌ.. ناكشته بحلاوة ..فهي مقتنعة أنها وبكل حلاوتها لن تؤثر عليها عكورة رجل مثله مهما غمسها بمزاجه النزق. -هيّا.. لأجلي يا علي تعال. أجلسته مرغماً فوضع الكأس خاصته على الطاولة ببغض مع محفظة تبغه وداخله يحثه المسايرة، عاد بنظرة مشمئزة للطاولة يعاينها.. كوبا قهوة يحتلان قلبين مع عبارة حب أيضًا منقوشة على سطح خشبي بإبهار، لم يلمحها مسبقًا لذا خمّن سبب الأجواء هذه، رمق ممتعضاً الورود الحمراء المعطرة والأصص الشمعية المتناثرة التي تحوي قلوباً سئم منها، تبسم بسخرية وحقيقة واضحة تشع له بأن موج في عالم موازٍ عنه وعن الوضع الذي يحياه مع بيت شقيقه وهذا ما تأكد منه وهو يرتشف قهوته بتلذذ، أجفلته حين تناولت كفه واحتوتها بكفها تطلب بعد نحنحة: -أريد الذهاب إلى وسن اليوم. نفض كفها بزعيق: -آه لأجل هذا صنعتِ لي هذا المهرجان ..قولي من البداية أريد الذهاب إلى وسن عوضًا عن تعبك. نفخت بضيق وقالت له بغضب: -هذا لأجلنا وليس لأجل الذهاب إلى وسن.. أتعلم أنا المخطئة التي صنعت هذا لرجل لا يقدر ما أصنعه له. استقامت بغضب فأوقفها بكفه وضميره يلسعه: -اجلسي. عزت عليها مشاعرها اللحظة فعاندت: -لا أريد كرر بهدوء ونبرة ممطوطة تعرف وقعها جيدًا: -موج. جلست تستجيب له فبرر بحجة المُفلس خاصته التي ترضيها: -ظننتُ هذه إحدى مشاكساتك. عاتبته تسبل أهدابها بحزن: -هل أحتاج واسطة لأؤثر عليك ؟ كاذبة ..هذا العرض للموافقة ويعلم كما تعلم بعلمه. -موج لا تتوقفي عند كلامي كثيراً. أومأت في طاعة كاذبة، تتصنع بسمة حزينة فيما يخبرها: -هذا الشيء جميل. أشار للقالب الخشبي المبهر فتبسمت له: -القلوب هذه؟ هز رأسه فشرحت عنها وعادت له تسأله: -هل أذهب لوسن؟ نفى قاطعاً: -لا ضاعت وصلتها المتعوب عليها فسألت: -لِمَ؟ -أعطيني سبباً واحداً أرسلك لأجله. ردت ببديهية وفمها أسفل وضعية الزم والتبرم المتطلب: -أطمئن عليها.. رفع حاجبه وتهكم: - أنت تذهبين لفتح قنواتك الدمعية هناك وبدلاً من الترفيه عنها ..تزودين من حالتها. شهقت باستياء رغم موافقته بأنها بكت على وسن أكثر من وسن نفسها وأنها تثير كل أحزان وسن ..وتؤجج حالتها من السكون إلى العصف إلا أنها نفت ودافعت. -أنت تبالغ علي. مط شفتيه ساخراً يواجه عينيها وهو يمد يديه عبر الطاولة وينحني بجسده للأمام متحدياً: -هل أذكر لك مواقفك؟ نكست رأسها واجمة من تأثير عينيه عليها: -لا.. أنا أعرف ماذا أفعل. لفّهما صمت طويل فكر فيه بجدية بأنه بات يخشى على وسن من درامية موج التي لاحظها كيف أثرت عليها. فموج تنتحب عليها.. وتتحسر بوجهها.. وتعدد مكائد الرجال وقلة وفائهم أمامه وعلى مسمع منه في غمرة انفعالها.. وجلوسها مع وسن.. زاد جنونها. نادت عليه فأخرجته من تأملها إذ نسي نفسه محدقاً فيها، أرجع ذراعه للخلف وأشعل تبغه يضيق عينيه بنظرة حد الغمزة التي ليست بغمزة لكنها قاتلة لامرأة ميؤوس حالتها في حبه. ضمت كفيها بحالمية توجس لها قلبه: -سأسألك وتجيبني.. حسنًا! هز رأسه ساهماً، ونفض التبغ في المرمدة يستقبل منها: -متى بدأت بالنظر إليّ كأنثى؟ حمحمت حين تجمدت أنامله المقبضة بسيجارته عن مسار رفعها لشفتيه، ابتلعت لُعابها وتجرعت معه أقوى ذرات الشجاعة مطلقة التساؤل الأجرأ تحت خطٍ عريض يخصها -هي خربانة خربانة- ونطقت: -أو تحديدًا.. أخبرني عن المرة الأولى التي رأيتني فيها كامرأة بين عينيك؟ هناك أسئلة وجودية، تمس ثباته ولا يجوز الخوض فيها كأن تعبث بالمسلمات وتشكك بميلانه ..هو الذي لا يجرؤ أحد على الخوض باستقامته.. استقامة قلبه تحديدًا ارتبك.. وارتبكت.. ومع ذلك هي تنتظر فما كان جواب لسانه إلا أن قال ببسمة عصبية: -ما هذا الجنون موج.. أتريدين أن تنتقمي لأني لم أرسلك لوسن. زوت ما بين حاجبيها ترى نفاذه الفاشل من حصارها فألحت بتضرع: -أجبني علي.. أسبل جفنيه عنها يحاول تقبل قنابلها الصباحية المتمثلة بمتى نظر إليها كأنثى ..وبكل تبجح متى رآها امرأة!.. تعالى تنفسه بغضبٍ من نفسه أولاً.. فهو لا يملك الإجابة عنه وعنها هي... هي تحديدًا وبالأخص وبكل ما تمتلك من خصوصية مقدسة له. نفث تبغه وتجرع كأس قهوته كاملًا بخليطه القابع في أسفله ودارى لعثمته: -أكره تلك السخافات.. نكست رأسها تتلاعب بقدميها فجذبت نظره.. قررت لملمة قلبها للمرة الألف معه فلا حب لها سيرسو على شطآنه، ضمته بحرص عاشقة وحفظته بموجتها عمّا يوديه بالقاع متهكمة بمرارة: -ما أسأل عنه ليس بسخافة. قاطعها متهرباً بتأفف هو صيغته في ضياعه أمامها: -يا صبر أيوب! تبسمت بغصة وأخبرته بسحر فيما تشدد على عينيه: -أعصابك علي.. استغفر وشعر بسخافة ما يحدث؛ فأمرها مشيراً بكفه: -ارتدي ثيابك موج ..سنذهب لوسن.. فعلتِ ما أردتِ. غادرها متهربًا من حصار عتابها يتناول محفظته ومفاتيحه، يسبقها حيث سيارته، هبطت له ووجدته مستعدا لصمتها الذي أتقتنه لأجله، ليلفهما ويأخذهما بعيدًا في موجة عنيفة لا تعود بها معه كما كانت...مهما أحبّه قلبها. ** -وسن هل أمسح هنا أيضًا؟ سألت موج التي تقبع أعلى السلالم قرب السقف، رفعت وسن رأسها عن الأرض وقالت لها: -يكفي موج لقد تعبتِ حقًا. انطلقت موج بحماس تشرح: -أنا أفرغ كل طاقتي لا تقلقي ..قولي لي ماذا أفعل وسأجيده مهما كان. تبسمت لها وسن بإرهاق متفهمة كل مشاعرها، حين رأتها صباحًا شعرت بالحنق رغمًا عنها فموج من تحتاج رعاية وتبدأ هي من تواسيها وتخفف عنها حزنها بسبب فعلة خالد وليس العكس، كما أنها تؤجج سخطها ومشاعرها وتتركها مستنفذة كل طاقاتها، لكن اليوم فاجأتها بسلامها إذ جاءت ضاحكة وبقيت في مقترحات للترفيه عنها، ولم تتردد للحظتين وهي تُشمّر عن ساعديها تساعدها..حين امتنعت وسن عن وسائل الترفيه واكتفت بتنظيف المنزل. انتهيتا بطاقة على وشك النفاذ، ارتمت وسن على السرير وللتو أدركت كم أخطأت بحملة النظافة حين فُزعت على صرختها بسبب آلام ظهرها الذي لم يحتمل سطحاً مستوياً أسفله، هرعت إليها موج ترفعها وتسأل: -ما الأمر.. ما الذي حدث لك؟! أطبقت شفتيها بأسىً وأضافت: -لقد أجهدتِ نفسكِ جدًا لم يصح مجهودك اليوم. نهضت موج تبحث عن شيء يساعد على تخفيف ألم وسن التي تغضن جبينها ومسحت القطرات المتشكلة فوقه ونطقت بصعوبة: -موج افتحي الجارور الذي عندك فهناك مسكن ناوليني إياه. تخبطت موج وأخذت تبحث في الجارور وجدت سبب ألم وسن ومُسكنه، ناولتهما بهدوء لوسن التي تناولت حبة المسكن وارتمت على ظهرها تشيح بوجهها عن موج وتشرد في أفقٍ مبهم سكونه عائم بالوجع، نطقت بعد وقت طويلٍ تخلصت فيه من آخر قطرة علقت في أهدابها: -ظننتُ أنني حاملٌ ..حمدت الله حين لم أكن كذلك صباحًا. غصت موج مُرغمة فالتفتت لها وسن تحكي: -تخيلي لو كنتُ حاملاً الآن ..أي حال سأكون به! ازدردت موج لعابها تبتلع معه آهة طويلة، لا أحد يعلم كم من الدموع تذرفها كل شهرٍ بميقاتٍ معلوم تكتشف فيه ألا أمل لها هذه المرة بالإنجاب ..قارنت مرغمة حمد وفرحة وسن بعكسها هي التي تدخل في نوبات طويلة من الاكتئاب تتعافى بصعوبة منها، تغلبت على عُسر حروفها وقالت لوسن: -أيًا ما حدث هو الخير لك بالتأكيد. -هنتُ عليه يا موج ..لقد رمى بي وكأنني لم أكن.. المشكلة لا تكمن في الحب فحسب ..هو باع.. باعني بكل ما مثّلت له في حياتي طوال عمرنا. اهتزت شفتا موج ونهضت لها تحتويها فشهقت وسن شاكية: -كأنني لم أكن يا موج ..كأنني لم أكن. انتحبت في كتفها بلوعة تدفن حسرتها: -هو حياتي ..بل كل شيء فيها ..كيف أحبَّ أخرى وكيف تمادى دون أن يمنع نفسه أو يوقفها. تأوهت يرتفع رأسها كي لا تختنق بأنفاسها وتشكو: - كيف طاوعه قلبه عليّ ..يؤذيني ويشقي قلبي معه. رفعت كفاً مرتجفة تشير للخارج هامسة بما شجّ قلبها من البداية: -لقد هان عليه الرجل الذي ربّاه ..بل هانت عليه العشرة. ازداد بكاؤها إلى حدٍ لم تستطع فيه الموج السيطرة باحتواء، اختلال وضعها الهرموني كسّر حالة بلادتها، لم تتحسن مع المسكن بل زادت حالتها سوءًا ووجهها بدا أكثر إرهاقًا فأقنعتها موج بالمرور للصيدلية القريبة من هنا، أسندتها وأخذت بيدها وسارتا بهدوء بين الشوارع المظلمة، تستند وسن على موج التي قررت الثرثرة لتخطي صعوبة الموقف -موج ما الذي تفعلينه هنا؟! انتفضتا على صرخة علي الذي أوقف سيارته بجانبهما حين لمح زول امرأته في الشارع رغم فقدان الإنارة، التفتت إليه تضع كفها على قلبها: -هذا أنت ..لقد أوقعت قلبي. رفع فمه وفتح باب سيارته يهبط منها: -أعطي أبا بدرٍ خبرًا بمشوارك الليلي من فضلك. كونه رِجل كرسي ما شاء الله. ارتبكت لإشارته الصريحة وذكر- أبو بدر- دلالة عن تجاهلها وتهميشها إياه وهذا ما ترفضه لكن قبل أن تبرر عاجلها: -كيف تخرجين ليلاً هكذا بدون علمي؟ حدق بوسن المتعبة وأضاف ببصيرة معمية: -وتأخذين وسن أيضًا؟ شرحت له بخفوت: -وسن متعبة قررت أخذها للصيدلية لتأخذ حقنة. -حقًا؟! أومأت له بتعثر فأشار لها حين استمع لبوق سيارته الذي أصدره رفيقه: -أمامي هيا ..أنت وهي. التفتت له موج تسأل: -والصيدلية؟ فح بها بدموية: -قلت أمامي هيّا. همس لها عقبما أوصلها للباب: -حسابنا في البيت ..موج هانم. ركبوا بالسيارة وهناك تفاجأت موج بوجود عون شقيقها معهم، ألقت عليه تحيّاتها وحين توقفت السيارة عند الصيدلية هبطتا منها وتبعهما علي.. تركت موج وسن وتقدمت منه: -لن تدخل معنا. مال رأسه المشتعل مع حاجبه الذي ارتفع وسأل: -أمر من هذا؟ تنهدت تخبره وهي تقترب منه: -أمري.. هز رأسه بعصبية يخبرها: -موج لا تلعبي بعداد عمرك ..أنا على وشك ارتكاب جرائم أساساً وأنت تحرضيني. عضت على شفتها وتوردت تشرح له: -دخولك سيكون عيباً كبيراً ..هناك أشياء مخجلة جئنا من أجلها. كل قواميس الرجولة ومعاجم الأنوثة التي جربها، وموسوعات الحياء والخجل لن توصل له حماقة ما تفوهت به زوجته فسأل بلا فهم: -ما المخجل الذي تخجلي مني بسببه؟ ارتبكت أكثر وصفقت وجنتها توضح له: -لستُ أنا .. أشارت حيث وسن التي تكاد تتهالك في ظل مناقشاتهم الأسرية: -بل وسن. احمرت أذناه بإدراك متأخر ومع ذلك لن يستأمن على وجودهما داخلاً فأصر: -وإن يكن سأطمئن عليها. تأففت موج بغضب آزرها فيه شقيقها الذي ضغط على البوق ونادى على زوجها مغتاظاً: -هلّا جئت هنا وعتقتنا من تدخلك الغبي بأمور أختي ..هناك طبيبة مناوبة يا ابن الناس. استسلم علي لعون الذي أفحمه وعاد إليه بلا اقتناع، ولم يطمئن حتى خرجتا بسلامٍ فأعادهما دون أن يلمح سيارة خالد التي كانت تدور في الحي والتقطتها عينا وسن .. ورغمًا عن الوهن ..ابتسمت. *** تحمست وراودها الأمل بأن تفوز مكانتها لديه وينسحب من عرض الزواج الذي هدد كيان أمانهم، جلب الأطفال منذ أيامٍ عديدة احترامًا لمكانتهم لديه فلا يستحق عمه أن يلوي ذراع ابنته فيهما، تكرر وجوده في الحي وهذا ما أنعشها، ومع ذلك غلبها الاستياء منه فقد كان يعلم أنها سترضى وهذا ما هو أكيد منه يريدها ويريد الأخرى ..يحبها ويحب أخرى ووسن تحديدًا في كفة خاضعة لأمور قلبه ولن يتنازل.. حيرته صعبة والأصعب البتر أو التنازل فهما آخر حلوله.. فكر كثيراً ولم يهتدِ لذا حسم حيرته وراسلها -ألن تعودي إليّ؟ وصلتها رسالته فتنبهت لها فتحتها بعد أربعين ثانية من الترقب ..فيبدو أنه حنّ، عضت على شفتيها وتدللت تبعث إليه: -هل عاد عقلك إليك ..وتركت عنك الزواج! تحمست واتقد غرورها حين صدر أزيز هاتفها برده الذي جاء قبل أن تصله الرسالة: -لا لن أتراجع . التهمت الغصة بانخفاض حنجرتها للأسفل، كتمت تأوهاً وهي تكتب له: -وأنا لن أعود.. لم تتأخر رسالته التي جاءت لتسدل الستار عن مكانتها وتعطيها بأي ميزان وقعت كفتها: -حسنًا وسن ابقِ على عنادك. ظنته تهديدًا عاديًا ولم تكترث ..حتى عاجلتها الصدمة بما عجت به صفحته صبيحة اليوم التالي بـ ..(مبارك منك المال ومنها العيال).. شهقت متوجعة ترمق حالته التي تحدثت بِـ (متزوج).. والتعليقات التي انهالت عليه (لقد فعلتها يا رجل سلمت يمين من رباك) (وحش سدد الله يمينك). ** كانت أسوأ ليلة قد تمر على امرأة مثلها بدءًا بجنون علي الذي أقام الدنيا وأقعدها بتأخر إجراءات الطلاق وغياب خالد الذي تمم الزواج بزوجته "صبا" بنفس اليوم، تقلبت في سعير امرأة تدرك ما يفعله زوجها مع زوجة أخرى باتت تحل له، فبكت حتى جف حبر بكائها، أغلقت الهاتف عن فوضى الاتصالات والاستفسارات المزعجة ووعت لحجر قذف نافذتها، توجست خيفة فقد ولت أيام مراهقتها مع خالد فمن الذي قد يتجرأ لفعلها.. خطت للنافذة وفتحتها بتردد شهقت حين وجدته أسفلها: -اهبطي لي وسن. نفت مهتزة فتوسلها: -أرجوكِ تعالي لي دقائق ..سأختبئ في غرفتي. .. قبل وقتٍ.. امتلك حلمه المتمثل برحيق، عقد عليها وسلمها أهلها له بحقيبتها كما طلب..في الواقع لم يخطر في باله أن تحل الليلة له كما تمنى منذ البداية أو تهيأ نفسيًا لضمهما في عشٍ واحد ..ومع ذلك اطمأن فالخيرة فيما يختاره الله. كانا قد اتفقا على توفير الخصوصية سابقًا لذا طفليه في منزل جدهما، وجاءت المصادفة معه بشكل أكثر من خيالي، أدخلها معه يتملك رجفة كفها وترددها الذي بتره بلمسة حنو هدهدت كل مخاوفها. -أنرت بيتك حبيبتي. تنفست بتسارع وأخبرته بصوت بالكاد سمعه: -النور نورك . كان مرتبكًا ولم يسعه إلا أن يأخذها في ضمة حانية تركها فيها مع قبلة جبين : -خذي وقتك سأكون بانتظارك. وأخذت أكثر من الوقت الذي توقعه، وخرجت له بهيئة أكثر مما تخيلها، وانحبست أنفاسه في صدره أكثر مما يجب لرجلٍ سبق له الزواج -ما شاء الله! مأسورة ومبهورة وخاطفة، اختصر المسافة والتقط كفها يمازحها: -ما كل هذا الجمال يا صبا. لاحظ كيف اتقد عنقها المرمري بحمرة خالفت قشدية وجهها، جسدها الذي لم تخفِ أو تداري فيه علامات من ماضٍ جمعها بآخر فشل في طمس جمالها أو تشويهه، ترددت وارتجفت ترجوه بعينين وجلتين: -أرجوك لا تؤذني يا خالد. جذبها إليه يعتصر مخاوفها ويعدها بأنه الأمان مهما جار عليه الزمن. -أنت في عهدتي وأمانة في عنقي. استسلمت لعناقه وأخبرته: -لقد ذقت الكثير وعانيت أكثر مما تتخيل. أسكنها في ثوب طمأنينته حتى خشعت، ورغمًا تفاعلت رجولته معها رغم حلقة الحزن الذي لفتهما، وأخذها إليه.. امتلكها حتى آخر قطرة فيها واستحوذ على رحيقها المُسكر ولم يثمل، ظن في حلاوتها وجمالها المستفيض الملاذ له وما يحتاجه للحلوى ولم يحصل ذلك، تعبأ جسده بنشوة الهرمونات المفترضة، ومع ذلك وجد جوعاً يلح عليه شرهاً لوصالٍ آخر كان يتصدر المشهد، رباه إنه يظلم صبا، في حين حاجته تتمثل بوسن!.. وسن مجددًا.. استدار حول السرير وارتدى سرواله، وضع قميصه كيفما شاء وقرر لقياها، تسلل كسارق لأسفل نافذتها يبغي رؤيتها، طلت عليه وتوسلها أن تأتيه، كانت على شفا حفرة من الفضيحة فانصاعت له مرغمة، قتله شوقه بحرمانه منها فانتظرها في ملحقه وحين طلت بخطواتها وقبل أن تغلق الباب كمم فمها وتنفس قربها: -اشتقتُ إليكِ.. استدارت له مرعوبة ونبرة صوته تخيفها، وجدته أشعث الشعر بعينين متجمرتين، طالها خوفها عليه فمدت بكفها نحو وجهه المرهق تسأل وتعاتب: -كيف فعلتها يا خالد؟ تشممت وجوده بغصة: -ظننت أني أعز عليك.. ضاع صوتها وهي تتفقده: -بل كنت أظن أنني ذات مكانة عندك ..لكنني لم أكن. زفرت باختناق تسأله: -ما الذي دهاك لتفعل كل ذلك ..أو قل لي. ازدردت لعابها ومسحت بكفيها على وجهها: -قل لي ماذا كنت أنا بالنسبة إليك. جذبها له يخرس هذيانها ..فحالته لا تستوعب هو بالكاد يسيطر على آخر ما تبقى من اتزانه. -كيف فعلتها خالد أجبني. حار بذهنها زواجه ليس إلا ..لم تتطور مخيلتها لأشياء أخرى في ظل ضياعه بين يديها.. -لم أستطع البعد عنك. توقفت للحظة وهي تتفحصه بلهفة أم ..تلتهم تفاصيله بجوع لا يشبع، قبضت نظراتها على احمرارٍ انتشر حول مواضع جسده المكشوفة من القميص، تراجعت يزداد تنفسها وتغيم عيناها بألم لا يغتفر، أدركت الضياع وسببه فسألته: -هل اقتربت منها؟ لم يجب وضربات صدرها تبلغ المدى صرخت فيه تصفعه: -هل ..هل عاشرتها وجئت بعدها إليّ؟ تمسكت في معدتها التي تهددها بفروغها، توازنت وثبتت وقفتها، رفعت كفيها تحتضن وجهها وهتفت بعنف: -أكرهك ..أكرهك وأشمئز منك كما لم أفعل من قبل. كررتها موجوعة فتقبضت ذراعه عليها يجذبها نحوه، قبّلها وهمّ بامتلاكها ليريها اشمئزازها ولعجبه لم تتجاوب أو تنفعل ..حاربته وفكت عنها قيده بصوت الخطوات التي جاءت مُحمّلة بفحيح عمها علي وسبابه النافذ بعد لكمه إياه ككيس أجوف: -أيها الكلب الأجرب ..هل جعت وجئت تبحث عظاماً هنا؟ دفعه في بطنه وأرماه: -لن يشفي غليلي منك إلا موتك. -علي اصمت.. أوقفه خليل بصوته عن ضربه فانصاع لرغبة أخيه الذي هبط أمام خالد الذي نهض في حضرته ..فعاجله خليل وصفعه على وجهه: -لم أربيكَ لصًا تأتي البيوت من غير أبوابها. انحنت هامته بعد صفعه له وقبل أن يمس قلبه أمره: -طلقها.. وفي غضون دقيقتين كان قد سلّم لسانه بطلاقها وغادر المنزل تحت ترديد خليل لنفسه: -ما الذي حدث هنا.. -كلب وفطس يا خليل ..لا تقلق. هتف بها علي الذي مسح حبيبات عرق نضح بها جبينه ولم يتم عملية المسح براحة إلا وعاجلته شهقة وسن الملتاعة بِـ (أبي).. ** انتهى الفصل