الفصل 8
الفصل السابع: بذرة في العاصفة الرقمية
قضى كريم الأيام التالية في غرفة خلفية صغيرة ملحقة بمحل لتصليح الهواتف، كانت بمثابة مقر عمليات رامي. كانت الغرفة عبارة عن فوضى من الأسلاك، وشاشات مفككة، وأبراج حواسيب مفتوحة تصدر أزيزًا خافتًا. كانت رائحة قصدير اللحام والغبار الإلكتروني تملأ الهواء. هنا، في قلب هذه الفوضى التكنولوجية، بدأ كريم يشهد سحرًا من نوع مختلف.
شاهد رامي وهو يعمل، أصابعه تطير فوق لوحات مفاتيح متعددة، وعيناه تتنقلان بين خطوط من الشيفرات الخضراء المتدفقة على الشاشات السوداء. لم يكن مجرد هاكر، بل كان فنانًا رقميًا، شاعرًا يكتب قصائده بلغة البرمجة. كان يخترق جدران الحماية، ويفتح أبوابًا خلفية سرية في الشبكة، ويبني بنية تحتية آمنة لما سيصبح قريبًا أهم عملية في حياتهم.
"انظر،" قال رامي ذات ليلة، وهو يشير إلى إحدى الشاشات. "هذه هي الشبكة العصبية لـ 'شرطة الرواية'. هنا يقومون بتحليل البيانات، يراقبون الكلمات المفتاحية، يتنبأون بالتهديدات السردية. إنها قوية، لكنها متعجرفة. تعتمد على المنطق والأنماط المتوقعة. ونحن... سندخل إليها من خلال الشعر، من خلال الفوضى."
كانت مهمة كريم الأولى هي نقل "أرشيف الجمر" من ذاكرته ومن الأجهزة البدائية التي استخدمها إلى النظام الآمن الذي بناه رامي. قصة قصة، شهادة شهادة، كان كريم يفرغ كنزه السري. مع كل قصة، كان رامي يصمم جزءًا من الشجرة الرقمية. قصة اقتلاع شجرة لوز في اللد أصبحت شيفرة لجذر يمتد. قصة مهر فتاة من الجليل كان بستان تين أصبحت شيفرة لغصن يتفرع. تحولت الذكريات المؤلمة إلى بيانات حية، إلى بذور رقمية جاهزة للزراعة.
أخيرًا، جاءت اللحظة الحاسمة. إنشاء قناة اتصال آمنة مع مريم.
استخدم رامي سلسلة معقدة من الخوادم الوكيلة (Proxy Servers) والشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) التي ترتد عبر عشرات البلدان، مما يجعل تعقب مصدر الاتصال شبه مستحيل. بعد ساعات من العمل الدقيق، ظهرت نقطة خضراء على شاشة رامي.
"لقد فتحت الرابط،" همس رامي. "لديك عشر دقائق، ليس أكثر. ابدأ الآن."
جلس كريم أمام الميكروفون، وقلبه يخفق. بعد ثوانٍ من الصمت المشحون، جاء صوتها عبر سماعات الرأس، مشوهًا قليلاً بفعل طبقات التشفير، لكنه كان صوتها بلا شك. صوت الوطن، صوت الحلم.
"كريم؟ هل هذا أنت؟ ماذا يحدث؟ لقد اختفيت!" كان صوتها مليئًا بالقلق والغضب.
"أنا بخير يا مريم،" قال كريم، محاولًا أن يبدو صوته أهدأ مما يشعر به. "استمعي جيدًا، ليس لدينا وقت. لقد تغير كل شيء."
بسرعة وكفاءة، شرح لها ما حدث. عن محمود، عن الخريطة، عن النبوءة، وعن الخطة التي وضعها مع رامي.
صمت طويل ساد على الطرف الآخر من الخط. صمت أثقل من كل بروتوكولات التشفير. كان كريم يستطيع أن يتخيلها، تجلس في غرفتها الصغيرة في مدينة أوروبية رمادية، تحاول استيعاب هذه الفكرة المجنونة.
"شجرة... رقمية؟" قالت أخيرًا، وكان في صوتها خيبة أمل واضحة. "ماذا يعني هذا يا كريم؟ هل تخلينا عن الحلم الحقيقي؟ هل أصبحت أرضنا مجرد شيفرة على شاشة؟ حلمي كان أن أشعر بالتراب بين أصابعي، أن أشم رائحة الشجرة الحقيقية. أنت تطلب مني أن أستبدل ذلك بنقرة على فأرة؟"
كانت كلماتها كسهم أصاب كريم في الصميم، لأنها لمست شكه الخاص.
"لا، يا مريم، لا!" قال بحرارة. "هذا ليس استبدالًا، إنه سلاح. لم يعد بإمكاننا اللعب بقواعدهم. هم يملكون "الأرض"، يملكون البنادق، يملكون الجدران. لكننا نملك القصة. هذه الشجرة لن تكون مجرد صورة. ستكون فيروسًا. فيروسًا من الذاكرة سينتشر في قلب نظامهم. كل شخص في العالم سيراها، سيقرأ القصص التي تشكلها. ستكون شهادة حية لا يمكن اقتلاعها. ستكون فضيحة عالمية لهم."
توقف ليلتقط أنفاسه. "محمود ضحى بحريته وهو يؤمن بوعد مرتبط باسمك. قال إن وعدك هو المفتاح. أن أسمع عن زراعة شجرة زيتون في يافا باسم مريم. هذا هو ما سيطلق كل شيء. هذه هي طريقتنا لزراعتها. هذه هي طريقتنا لجعل العالم كله يسمع."
ساد الصمت مرة أخرى. كان كريم ينتظر، وكل ثانية تمر كانت تزيد من احتمالية تعقبهم.
ثم سمع صوت شهقة خافتة، تلتها تنهيدة طويلة.
"في يافا،" قالت مريم بصوت متغير، صوت بدأ يدرك الأبعاد الحقيقية للخطة. "هل يمكن... هل يمكن أن نزرعها افتراضيًا في نفس البقعة التي كانت فيها أرض جدي؟ هل لديك إحداثياتها؟"
نظر كريم إلى رامي، الذي كان يكتب بسرعة على لوحة مفاتيحه. أومأ رامي برأسه بقوة.
"نعم،" قال كريم. "لدينا الإحداثيات الدقيقة."
"إذًا، افعلها،" قالت مريم، وصوتها الآن ثابت وقوي كالفولاذ. "حوّلوني إلى فلاّحة رقمية. لنعطهم بستانًا لا يستطيعون حرقه أبدًا."
"استعدي،" قال رامي بصوت منخفض لكريم. "سنبدأ عملية الزراعة عند الفجر."