رواية أرشيف الجمر - الفصل 6 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية أرشيف الجمر
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 6

الفصل 6

الفصل الخامس: صدى الحجارة كان صوت الطرقات على الباب أشبه بطلقات الرصاص في صمت الغرفة الكثيف. لم يكن مجرد طرق، بل كان إعلانًا عن نهاية عالم وبداية عالم آخر. كل ثانية تمر كانت تمتد كالأبدية. "ليس هناك وقت،" قال نبيل بصوت حازم، لم يكن فيه ذرة من الهلع. لقد عاش حياة طويلة في انتظار هذه اللحظة أو لحظة تشبهها. تحرك بسرعة مدهشة بالنسبة لسنه. اتجه إلى الحائط الذي عُلّق عليه المفتاح الصدئ، لم يأخذ المفتاح، بل أزاح صورة قديمة بجانبه، وكشف عن فجوة صغيرة في الحجر. أدخل يده وأخرج منها لفافة قماش بالية. "خذ هذه،" قال وهو يدسها في يد كريم. "هذه ليست الأوراق، بل خريطة رسمها أبي لموقع البئر بالنسبة لصخرة مميزة لم يستطيعوا اقتلاعها. احفظها بعينيك. ذاكرتي أنا قد يأخذونها، لكن لا تدعهم يأخذون ذاكرة أبي." "تعال معي!" قال كريم بيأس، وهو ينظر نحو الباب الذي بدأ يهتز تحت وطأة الطرقات. "هناك مخرج خلفي، يمكننا..." قاطعه نبيل بابتسامة حزينة. "إلى أين أذهب يا بني؟ أنا في بيتي. جذوري هنا، أعمق من بئرهم ومن جدارهم. إن هربت، فهذا يعني أنهم انتصروا. مهمتي كانت أن أحفظ القصة حتى يأتي من هو جدير بها. لقد أتيت. مهمتي انتهت. مهمتك أنت قد بدأت للتو." أمسك بذراع كريم ودفعه نحو رواق ضيق يقود إلى مطبخ صغير. "من هناك، نافذة تطل على زقاق خلفي. اذهب الآن. لا تنظر خلفك. ولا تنسَ الوعد. وعد مريم هو مفتاح كل شيء." تكرر الطرق على الباب، هذه المرة صاحبته صرخة باللغة العبرية: "افتح! شرطة!" تردد كريم للحظة، ممزقًا بين غريزة البقاء والشعور بالذنب لتركه هذا الرجل العجوز يواجه مصيره وحده. نظر في عيني نبيل، فرأى فيها صلابة الصخر الذي بني منه البيت. لم تكن تضحية، بل كانت اختيارًا. "اذهب!" صرخ نبيل. استدار كريم وركض. في المطبخ، قفز فوق المغسلة وفتح النافذة الصغيرة بصعوبة. انزلقت قدماه للحظة على الحافة الرطبة، ثم قفز إلى الزقاق الضيق الذي تفوح منه رائحة القطط الرطبة والقمامة. لم يجرؤ على النظر خلفه، لكنه سمع صوت تحطم الباب الخشبي، تلته أصوات أقدام ثقيلة، وصوت نبيل الهادئ وهو يقول كلمة واحدة باللغة العربية، كلمة لم يفهمها كريم في خضم فوضى هروبه. ركض كريم بلا هدى في متاهة أزقة الخليل القديمة. كل زاوية كان يتوقع أن يظهر منها جندي، كل ظل كان يبدو ككمين. كان يلهث، والأدرينالين يضخ في عروقه. لفافة القماش في يده كانت تحترق كالجمر. لم يتوقف إلا عندما وجد نفسه في سوق مهجور، حيث المحلات مغلقة بأبواب حديدية صدئة. اختبأ في مدخل أحدها، يحاول أن يلتقط أنفاسه ويسيطر على الارتجاف الذي استولى على جسده. لقد نجا، لكن بأي ثمن؟ لقد ترك رجلاً عجوزًا فريسة للذئاب. شعر بمزيج من الخزي والانتصار. الخزي لأنه هرب، والانتصار لأنه يحمل الآن قطعة ثمينة من الخريطة، قطعة من الروح. فتح يده المرتجفة ونظر إلى لفافة القماش. كانت خريطة بدائية، مرسومة بحبر باهت على قطعة قماش أكلها العث. أسهم، ودوائر، وكتابات بخط عربي قديم. ورأى في أحد أركانها رسمًا لصخرة تشبه وجه أسد نائم. كانت هذه هي العلامة. لكنه أدرك شيئًا آخر. لقد أصبح الآن هاربًا بشكل رسمي. لم يعد موظفًا مزدوج الهوية، بل أصبح عدوًا للدولة، مطاردًا. لا يمكنه العودة إلى شقته في القدس، لا يمكنه استخدام بطاقة هويته، لا يمكنه حتى استخدام وسائل النقل العام بأمان. لقد أحرقوا عالمه القديم بالكامل. وبينما كان يحدق في الخريطة، تذكر الكلمة الأخيرة التي سمعها من فم نبيل. لم تكن "وداعًا" أو "اهرب". لقد كانت كلمة واحدة، قالها بهدوء وثقة بينما كان الجنود يقتحمون بيته. "زيتونة." لم يكن يصف شجرة. لقد كان يكمل الجملة. نبوءة السيد الخطيب. لا تفتح البئر إلا عندما تسمع عن زراعة شجرة زيتون في يافا باسم مريم. كانت الكلمة الأخيرة من محمود شيفرة، رسالة أخيرة لكريم. لقد كانت إشارة الانطلاق. أدرك كريم أن مهمته تغيرت مرة أخرى. لم يعد الأمر يتعلق بجمع القصص فقط، أو حتى فك الشفرة. لقد أصبح الأمر الآن يتعلق بتحقيق النبوءة. يجب عليه بطريقة ما، من قلب هذا الحصار، أن يجعل مريم تزرع شجرتها. كانت الكلمة الأخيرة من نبيل شيفرة، رسالة أخيرة لكريم. لقد كانت إشارة الانطلاق. أدرك كريم أن مهمته تغيرت مرة أخرى. لم يعد الأمر يتعلق بجمع القصص فقط، أو حتى فك الشفرة. لقد أصبح الأمر الآن يتعلق بتحقيق النبوءة. اتكأ برأسه على الباب الحديدي البارد للمحل المهجور، وشعر بالإرهاق يغمر جسده، ليس فقط إرهاق الركض، بل إرهاق ثقل المهمة. حدق في لفافة القماش البالية في يده. خريطة رسمها رجل مات منذ زمن، بناءً على ذاكرته عن وعد قطعه رجل آخر ربما يكون قد مات أيضًا، من أجل حلم ابنة لم يرها قط، لكي تصل الرسالة إليّ أنا، الذي أحمل وعدًا لامرأة أخرى لم تلمس هذه الأرض يومًا. ما هذا الذي أحمله؟ تساءل في صمت، وصوت السؤال يتردد في خواء روحه. هل هي ذاكرة، أم مجرد صدى لصدى؟ هل هذه الخريطة تقود إلى بئر حقيقي، أم إلى بئر من الحكايات؟ وإذا كانت الحكايات هي كل ما تبقى لنا، فهل يمكن لحكاية أن تروي عطش الأرض للماء، وعطش الأرواح للعدل؟ نظر عبر فتحة في الباب الصدئ إلى قطعة من السماء بدأت تكتسي بلون الفجر. شعر بأنه هو نفسه أصبح مجرد قصة، شخصية في حكاية أكبر منه بكثير، حكاية أبطالها أشباح وكنوزها ذكريات. لبرهة، شعر بعبثية كل شيء. هو، لص الذاكرة، يطارد وعدًا شبحيًا، بينما العالم الحقيقي، عالم الجدران والبنادق، يضيق عليه الخناق. لكنه تذكر نظرة نبيل الأخيرة له. لم تكن نظرة يأس، بل نظرة تسليم أمانة. أدرك أن السؤال ليس ما إذا كانت الحكاية حقيقية أم لا. في هذا المكان، وفي هذا الزمان، أصبحت الحكاية هي الحقيقة الوحيدة التي يملكونها، السلاح الوحيد الذي لا يستطيعون انتزاعه. لم تكن مهمته إثبات صحة الماضي، بل استخدام قوته لعبور جسور المستقبل. أغلق يده على لفافة القماش، وشعر بأنها لم تعد مجرد خريطة، بل بذرة. بذرة قصة تنتظر من يزرعها.