رواية أرشيف الجمر - الفصل 5 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية أرشيف الجمر
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

الفصل الرابع: حفيف الأوراق الجافة ما إن أغلق نبيل الباب الخشبي الأزرق خلفه، حتى شعر كريم بأنه عبر حدًا زمنيًا. انقطع ضجيج الشارع فجأة، وحل محله صمت كثيف، صمت لا يشبه الفراغ، بل الامتلاء. لم تكن رائحة القهوة وحدها هي التي تملأ الهواء، بل كانت رائحة الهيل المحمص وهو يُطحن، ممزوجة برائحة التراب التي لا تأتي من الخارج، بل تبدو وكأنها تتصاعد من الحجارة نفسها، رائحة ندية وقديمة كأن الأرض تحت البلاط لا تزال تتنفس. سمع كريم صوت طقطقة خشب السقف العالي مع كل هبة ريح، ووقع أقدام نبيل على البلاط الحجري البارد والمصقول بآلاف الخطوات كان له صدى، كأنه يمشي في قاع بئر جاف. كان الضوء شحيحًا، يتسلل من نافذة صغيرة عالية، ويرسم بقعة دافئة على الحائط المقابل، كاشفًا عن شبكة من الشقوق الدقيقة في الجص القديم. لمس كريم بيده جدارًا حجريًا خشنًا وهو يتبع الرجل العجوز، وشعر ببرودته تتسرب إلى كفه، برودة حفظت في داخلها حرارة ألف صيف وبرد ألف شتاء. كانت الجدران مغتطاة بكنوز الزمن: صور فوتوغرافية بهت لونها، وجوه شباب وشابات تحدق بجدية في مستقبل لم يأتِ أبدًا بعد. وإلى جانبها، لم يكن مجرد مفتاح صدئ، بل كان مفتاحًا ضخمًا، من النوع الذي يفتح بوابات القلاع، معلقًا على مسمار وحيد، صدؤه ليس أحمر، بل بني داكن، كأنه دم قديم جف عليه، وكان يبدو كأيقونة مقدسة، شاهدًا صامتًا على باب لم يعد موجودًا. أشار نبيل لكريم بالجلوس على أريكة بالية غُطيت بقطعة قماش مطرزة بخيوط حمراء وخضراء، بهتت ألوانها لكنها لم تفقد كبرياءها. ثم اختفى في المطبخ، وعاد كريم ليسمع صوت الماء وهو يصب، وصوت موقد الغاز وهو يشتعل بفرقعة خافتة، ثم صوت طحن حبات البن في جرن نحاسي، إيقاع منتظم ومطمئن كنبضات قلب. عاد بعد دقائق بفنجانين من القهوة تفوح منهما رائحة الهيل القوية، لم يُقدما في صينية لامعة، بل يحملهما بيديه المجعدتين بثبات مدهش. لم يتكلم أحد. كان صمتًا طقوسيًا، صمتًا يسبق الكشف عن سر. وضع نبيل فنجانه على الطاولة الخشبية المنخفضة، التي كانت في الأصل غطاء بئر قديم. نظر إلى كريم نظرة طويلة، فاحصة، لا ترحم. "مريم،" قال نبيل أخيرًا، وصوته الهادئ كان كحجر يُلقى في بئر عميق. "اسم جميل. اسم يحمل في طياته الصلاة والأمل والمعجزة والطُهر. كل عائلة فلسطينية لديها 'مريم' بشكل أو بآخر. فتاة، أو أرض، أو حلم. ما قصة 'مريم' التي تخصك؟" شعر كريم بأن هذا لم يكن مجرد فضول، بل كان اختبارًا. لم يكن نبيل ليسلم ذاكرته لأي عابر سبيل. كان عليه أن يثبت أنه ليس مجرد جامع قصص، بل حامل لهمٍّ مشترك. "مريم هي وعدي،" قال كريم بصدق. "هي تعيش في مكان لا تستطيع فيه أن تزرع شجرة زيتون في أرض جدها. وأنا أعيش في مكان وظيفتي فيه هي أن أمحو أسماء تلك الأشجار من السجلات. أرشيفي... هو محاولتي لأن أكون جديرًا بوعدها." أومأ نبيل برأسه ببطء، وكأن هذا الجواب كان المفتاح الذي ينتظره. رشف من قهوته، ثم وضع الفنجان جانبًا. "الآبار، يا بني، تشبه الأرواح. يمكنك أن تغطيها، يمكنك أن تهدم ما حولها، لكن لا يمكنك أن تقتل الماء الذي في جوفها. سيظل هناك، ينتظر." بدأ نبيل يتكلم، وصوته تغير. لم يعد صوت رجل عجوز، بل أصبح صوت التاريخ نفسه. لم تكن قصة يرويها، بل مشهدًا يعيشه من جديد. "كنت صبيًا، أصغر منك بكثير. هذه الأرض التي نجلس عليها الآن، كانت جزءًا من بستان كبير. لم تكن ملكنا، كانت ملك عائلة 'الخطيب'. وكان في وسطها بئر ماء عذب، أبرد من جليد الشتاء في عز الصيف. كان أبي يعمل في تلك الأرض، وكنت أركض بين الأشجار. كنت أعرف كل شجرة لوز وتين وزيتون باسمها." صمت للحظة، وعيناه تحدقان في نقطة بعيدة في الغرفة، كأنه يرى الأغصان تتدلى من السقف. "عام النكبة، رحلت عائلة الخطيب. قالوا لنا إنها مسألة أسابيع وسيعودون. تركوا لنا مفتاح البيت، وقال أبي للسيد الخطيب، 'سأعتني بالبستان كأنه بستاني، حتى تعود'. لم يعد أحد. وبعد سنوات، جاءوا... أخذوا الأرض كلها. كل شيء. لم يتركوا لنا إلا هذا البيت الصغير الذي كان يسكنه حارس البستان. هدموا البيت الكبير، واقتلعوا الأشجار... كل الأشجار." كان كريم يستمع، وجهازه الصغير الذي أخفاه في كمه يسجل كل كلمة، كل تنهيدة. لكنه كان يسجل القصة في قلبه أيضًا. "لكنهم لم يجدوا البئر،" تابع نبيل، وظهرت شبه ابتسامة على شفتيه لأول مرة. "كان أبي ذكيًا. قبل أن يأتوا، عملنا طوال الليل. ردمنا فتحة البئر بالتراب والحجارة، وزرعنا فوقها شتلات صبر، حتى تبدو كأنها جزء من الأرض منذ الأزل. هذه الطاولة التي أمامك، هي آخر ما تبقى من غطاء البئر الخشبي." شعر كريم بنبض الإثارة. هذا هو. قطعة اللغز. "أين كان مكان البئر بالضبط؟" سأل كريم، محاولًا إخفاء لهفته. لكن نبيل هز رأسه. "ليس بهذه السرعة يا ابن القدس. القصة لم تنتهِ. الوعد لم يُذكر بعد." انحنى إلى الأمام، وخفض صوته كأنه يشارك كريم سرًا خطيرًا. "قبل أن يرحل السيد الخطيب، أمسك بكتف أبي وقال له: 'يا صاحبي، إن لم أعد أنا، فسيأتي يوم يعود فيه حفيدي. قل له أن مفتاح الخلاص ليس في البيت، بل في البئر. تحت حجر الأساس في قاعه، وضعت صندوقًا صغيرًا. فيه أوراق ملكية الأرض الأصلية، وختمها من زمن الأتراك. لكن لا تفتح البئر إلا عندما تسمع عن زراعة شجرة زيتون في يافا باسم مريم'. كان اسم ابنته الصغيرة التي رحلت معه." تجمد كريم في مكانه. شعر بقشعريرة تسري في جسده كله. لم يكن الأمر مجرد خريطة مشفرة... لقد كانت نبوءة. نبوءة تربط وعد مريم بوعد عائلة الخطيب، تربط الشتات بالداخل، تربط الماضي بالمستقبل. وقبل أن يستوعب كريم هول ما سمعه، سُمع صوت طرق عنيف على الباب الخشبي الأزرق. لم يكن طرقًا عاديًا، بل كان صوت قبضة يد ترتدي قفازًا عسكريًا. نظر نبيل إلى كريم، وفي عينيه لم يكن هناك خوف، بل نظرة حزينة وحاسمة، كأنه كان يتوقع هذه اللحظة طوال حياته. "لقد وصلوا،" همس. "أسرع من المتوقع. يبدو أن جمرك قد لفت انتباههم فعلًا." Like