الفصل 3
الفصل الثاني
(الإشتعال )وميض العين الحمراء
تجمّد الدم في عروق كريم. لم يكن صوتًا أو حركة، بل كان حضورًا صامتًا وخبيثًا يمتص كل الهواء من الغرفة. تلك النقطة الحمراء الصغيرة التي تومض بإيقاع القلب الآلي، كانت أكثر ترويعًا من فوهة مسدس. المسدس يقتل الجسد، لكن هذه العين تقتل السر، تقتل الذاكرة، تقتل الحلم.
كانت أول غريزة لديه هي إطفاء كل شيء، القفز بعيدًا عن الشاشة، الاختباء. لكنه قمعها بقوة كادت أن تكون مؤلمة. كان يعرف خوارزمياتهم. أي تغيير مفاجئ في السلوك، أي ارتفاع في معدل ضربات القلب يتم التقاطه عبر مستشعرات الغرفة، أي حركة مذعورة، كل ذلك سيتم تسجيله كشذوذ يستدعي التدخل الفوري.
ببطء قاتل، ببطء يتحدى الذعر الذي يعصف بروحه، حرك كريم مؤشر الفأرة وأغلق نافذة "أرشيف الجمر". لم يغلقها، بل جعل الأمر يبدو وكأن البرنامج قد تعطل. ظهرت رسالة خطأ مزيفة كان قد صممها بنفسه لمثل هذه اللحظة تمامًا. ثم، وبذات البطء، أعاد فتح واجهة "وزارة السرد الرسمي". ظهرت على الشاشة أمامه فقرة جافة عن "إعادة توزيع الأصول الزراعية في منطقة اللد عام 1952". أجبر إصبعه على النقر على كلمة "اقتلاع" وتحويلها إلى "إعادة توزيع". شعر بطعم مرارة في حلقه، طعم خيانة مزدوجة.
لم تكن مجرد آلة. هو يعرف. كانت امتدادًا لعين رجل لم يقابله قط، لكنه كان يشعر بأنفاسه في كل بروتوكول أمني، في كل تحديث للخوارزمية. "إيتان". رئيس وحدة مكافحة الإرهاب السردي. كان كريم قد قرأ عنه في الملفات الداخلية. رجل لامع، حفيد" ناجين "، يرى في كل ذكرى فلسطينية تهديدًا وجوديًا لروايته. كان كريم متأكدًا إن إيتان الآن، أو أحد مساعديه، يرى ما يراه الدرون، يحلل هدوءه المصطنع، ينتظر منه أي هفوة.
بقي الدرون في مكانه لدقيقة أخرى، بدت كأنها دهر. دقيقة من الحرب النفسية الصامتة عبر زجاج النافذة. كان كريم يشعر بالوميض الأحمر يخترق جمجمته، يفتش في أفكاره عن مريم، عن الشجرة، عن الجمر الذي يخفيه.
ثم، وبلا مقدمات، انطفأ الضوء الأحمر. تحرك الدرون بصمت، دار حول نفسه دورة رشيقة، وانطلق مبتعدًا في سماء القدس التي بدأ الشفق يلونها بالرمادي الباهت.
بقي كريم متجمدًا في مكانه، أذناه تطنان في الصمت. الصمت الذي خلّفه الدرون وراءه كان أشد رعبًا من حضوره. لم يقتحموا الباب، لم يعتقلوه. وهذا يعني شيئًا واحدًا أسوأ: الشك قد حام حوله. لم يعودوا متأكدين، لكنهم وضعوا عليه علامة. من الآن فصاعدًا، كل حركة له، كل اتصال، كل نقرة، ستكون تحت المجهر. لم يعودوا يراقبون المدينة، بل أصبحوا يراقبونه هو.
نظر إلى الشاشة أمامه، إلى الكلمات الميتة التي كان يجبرها على أن تحل محل الحقيقة. شعر بموجة غضب حارقة تطغى على خوفه. كانوا يريدون خنقه بالبطيء، تحويله إلى آلة مثلهم، جعله يمحو ذاكرته بنفسه.
لا. ليس بعد.
قصة الرجل العجوز في الخليل التي كان على وشك أن يفتحها لم تعد مجرد ملف في أرشيفه. لقد أصبحت ضرورة ملحة. كانت شهادته تحوي تفاصيل عن بئر ماء قديم، ووعد بزراعة بستان زيتون حوله. تفاصيل بريئة، لكنها في سياق الخريطة التي بدأ كريم بتجميعها، قد تكون مفتاحًا حيويًا. الانتظار الآن يعني الموت الحتمي للأرشيف. يجب عليه أن يسبقهم بخطوة. يجب أن ينتقل من العالم الرقمي إلى العالم الحقيقي.
لم يعد "أمين أرشيف". لقد حان الوقت ليصبح "صيّاد ذاكرة" بالفعل.
قام كريم عن كرسيه، تحرك بثقة نحو خزانة ملابسه، متظاهرًا بالاستعداد ليوم عمل عادي، بينما كانت يداه ترتجفان بشكل طفيف. أخرج معطفه القديم، وفي جيب سري داخله، وضع جهاز تشفير صغيرًا وبطاقة ذاكرة فارغة. لم ينظر نحو النافذة مرة أخرى.
مشى نحو الباب، لم يكن يهرب، بل كان يهاجم. كانت شوارع القدس تستيقظ على فجر يوم جديد، لكن بالنسبة لكريم، كان هذا هو الفجر الأول في حرب لم يعد يستطيع أن يخوضها من وراء شاشة. خطوته التالية واضحة: الوصول إلى الخليل قبل أن تصل إليه "شرطة الرواية". الوصول إلى فم العجوز قبل أن يغلقوه إلى الأبد.
Like