رواية أرشيف الجمر - الفصل 2 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية أرشيف الجمر
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

بداية الرواية: الفصل الأول العنوان: أرشيف الجمر المكان: القدس، 2048. كان لذهب قبة الصخرة، حتى في هذا العصر الرقمي الخانق، بريقٌ يرفض أن يُروض. يلمع كل صباح كأنه شمس أثرية تتحدى ملايين العدسات المجهرية وقزحيات الدرونز التي تحوم كالحشرات المعدنية فوق المدينة القديمة، وظيفتها ليست الحماية، بل الفهرسة والتحليل والمراقبة. في الطابق السابع من مبنى "وزارة السرد الرسمي"، كان كريم الجميل سليمان يجلس أمام شاشة ثلاثية الأبعاد، وظيفته الرسمية كانت "أخصائي تحييد ذاكرة". مصطلح بيروقراطي أنيق لوظيفة بشعة: تمشيط الأرشيفات الرقمية القديمة، من شهادات شفهية مسجلة إلى خطابات ورقية ممسوحة ضوئيًا، وتنقيتها من أي "وصف عاطفي غير مصرح به". كانت الأوامر واضحة: كلمة "اقتلاع" تُستبدل بـ"انتقال ملكية أراضٍ". كلمة "تهجير" تُصبح "إعادة توطين طوعي". وكلمة "نكبة" يتم الإبلاغ عنها فورًا كـ"نشاط سردي متطرف". كان عملًا بطيئًا، يقتل الروح قطرة قطرة. كان كريم يشعر بنفسه وهو يتحول إلى جزء من الآلة التي يكرهها، إصبعه الذي يضغط على زر "الحذف" كان كإصبع يضغط على زناد موجه إلى ذاكرة أجداده. الساعة على جداره الرقمي أشارت إلى الثالثة فجرًا. وقت السكون التام. وقتما تكون عيون النظام الكبير ناعسة، وخوارزمياته أقل انتباهًا. تحركت أصابع كريم بسرعة فوق لوحة المفاتيح الزجاجية، ضغط على تركيبة مفاتيح معقدة، لم تكن كلمة سر، بل كانت أقرب إلى صلاة قديمة. تلاشت واجهة "وزارة السرد الرسمي" الباردة، وحل محلها وهج دافئ، برتقالي اللون، كأنه وهج نار موقدة. على الشاشة ظهر عنوان بسيط بخط عربي أصيل: "أرشيف الجمر". هنا، في هذا الركن السري من الفضاء الرقمي، كان كريم يقوم بعمله الحقيقي. لم يكن يحذف، بل كان يبني. لم يكن يحيّد، بل كان يشعل. لم يكن يوثق ما حدث فحسب، بل يوثق كل ما كان يجب أن يحدث. فتح أول ملف في الأرشيف، ملف يحمل اسمها: "مريم". ظهر وجهها أمامه، ليس كصورة ثابتة، بل كتسجيل حي من آخر محادثة بينهما قبل يومين. كانت عيناها، بلون الزيتون الذي لم يقطف، تنظران إلى شيء خارج إطار الكاميرا، إلى عالم لا يراه. كان صوتها المبحوح يملأ صمت غرفة كريم المعقمة. "لا تحدثني عن الجدار الفاصل الجديد يا كريم،" قالت بصوتها الذي كان دائمًا يبدو وكأنه يعبر صحراء ليصل إليه. "حدثني، هل ما زال الياسمين في أزقة البلدة القديمة يخنق الهواء بعطره في ليالي الصيف؟ هل ما زال الأطفال يركضون خلف قططها؟" صمت كريم، تاركًا لصورتها وصوتها أن يغسلا عنه قذارة عمله الرسمي. ثم مالت نحو الكاميرا، واقتربت عيناها حتى كادتا تملآن الشاشة. "بالأمس، حلمتُ بشجرتنا مجددًا." "شجرتنا؟" سألها كريم في التسجيل، مع أنه كان يعرف الجواب. "نعم. شجرة الزيتون التي كان سيزرعها جدي باسمي في أرضنا قرب يافا. في حلمي، رأيتها بوضوح. لم تكن مجرد شجرة، يا كريم. كانت وعدًا. أغصانها كانت ستصبح أرجوحتي، وظلها مكان قصصنا. جذورها... آه يا كريم، جذورها كانت ستمسك بأرضنا، كانت ستخبر العالم أننا هنا. هذا هو ما سرقوه، ليس فقط الشجرة، بل الجذور التي لم تمتد أبدًا." أغلق كريم ملف "مريم". شعر بالجمرة في صدره تتقد. مهمته لم تكن مجرد توثيق. كانت وعدًا لمريم. كل قصة يسرقها من فم عجوز قبل أن يبتلعه النسيان، كل شهادة ينقذها من مقصلة "وزارة السرد الرسمي"، كانت غصنًا في تلك الشجرة المستحيلة. مد يده ليفتح ملفًا جديدًا، قصة عجوز من الخليل كان قد قابلها سرًا في الأسبوع الماضي. ولكن قبل أن تلمس إصبعه الشاشة، أضاء وميض أحمر خافت في زاوية غرفته. لم يكن من حاسوبه. كان من الخارج. تجمد في مكانه. نظر ببطء نحو النافذة. على بعد أمتار، كانت تحوم طائرة درون صغيرة، عدستها الحمراء تومض بإيقاع منتظم، كأنها عين شيطانية. لم يكن يعرف كم من الوقت وهي هناك. هل رأت؟ هل سجلت؟ شعر بنبض بارد في عروقه. النظام لا ينام. النظام له عيون في كل مكان. والنظام الآن، ربما، قد التقط رائحة الجمر.