الفصل 56
(56)
الساعة التاسعة والنصف
جلستهم العامرة بالاحاديث الاخوية لم تنتهِ بعد
شعر بالضيق الشديد شعر وكأن صدره ينطبق على بعضه
هذه الحالة لازمته منذ ان اهينت رجولته وكرامته في مجلس سعد
نهض ليهتف لأخوته/ انا برجع للبيت.
اجابه يزيد/ تونا بدري اجلس معانا وبعد ما تتعشى تمشي.
هز رأسه بلا/ برجع للبيت.
ركب سيارته وهو يشعر بالاختناق الشديد
عجز عن تجاوز ما حدث
كم هو صعب ان يهان بهذه الطريقة
هاهي تمضي الايام وجرحه لا يزال ينزف. . . جرحا صعب لا يندمل
توقع ان تكون الايام كفيلة بشفاء روحه
ولكن هاهو في كل يوم يزداد الما وبؤسًا
يشعر أنه يغلي وانفاسه يخالطها لظى. . .!
لماذا حدث ما حدث. . .؟
أ يستحق ان يهان بهذه الطريقة. . .!
لماذا اخبره سعد بالسبب. . . حتى وان اجبره هو على ذلك لم يكن يجب عليه ان يأتي بسيرة والدته بهذه الطريقة
كان لديه ألف طريقة ينهي بها زواج ابنته ولا ان يهينه ويجرحه
هو لا يلومه بل يلقي كل اللوم على نفسه. . . لما وقف صامتا كالحائط وهو يراها تخرج مع مشعل وبرفقته معظم وقتها
يستطيع ان يقسم ان والدته ومشعل بينهما كل شيء الشراكة والصداقة والحب والعشق والهيام. . .!
وصل المنزل وتفاجئ بسيارة مشعل تقف في الباحة
اوقف سيارته ونزل على عجل ذهب للحارس وسأله ان يكن هنا زائر واخبره ان مشعل المانع اتى منذ ساعتين ونصف.
دخل من باب المطبخ الخارجي وتسلل الى جناحه بهدوء
فتح الباب بحذر شديد ودخل ليستخرج مسدسه
والافكار المجنونة تتلاطم في رأسه
ضوضاء شديدة اصابت دماغه
بين شد وجذب بين حياة وموت
بين ثأرا لرجولته وكرامته المهدرة وبين الخوف من القادم
نزل السلم بهدوء شديد وهو ينظر الى الاسفل. . . الى الصالة
كانت تجلس ملاصقة لمشعل والاحاديث والضحكات بينهم قد فصلتهم عن العالم تماما
يشعر انه يحترق ونار القهر والغيرة زادت الانتقام لديه
ان تسمع غير تماما عن ان ترى
هاهو يرى والدته تتمايل بضحكتها وتلتصق به اكثر وهو يلف ذراعه حول كتفيها
صلب طوله ونزل السلم بسرعة ليخرساهما بصرخته/ والله ما اخليك يا الكلب.
انهى صرخته بطلقة استقرت بصدر مشعل
رصاصته اصمتت كل شيء. . . كل شيء
يداه ترتعشان. . . سقط المسدس ودنى ليأخذه ويطلق الرصاصة الثانية على رأس مشعل
صوّب السلاح ولكن مها التي فاقت من صدمتها قد احتضنت مشعل الملطخ بالدماء واخذت تصرخ وتوتول
لا يسمع سوى صرخات امه المرعوبة/ مششششعل تكفى لا. . . تكفى لا. . . مششعل لا تتركني.
يراها تحتضنه على صدرها وتصرخ بشدة
علم انه قتل مشعل. . . انزل السلاح
وشعر بما حدث. . . ادرك اخيرا انه قتله. . . ادرك انه انهى هذا الكابوس الذي يطارده في كل مكان
هاهي امه ترتجي مشعل وتبكي عليه. . . ينظر لها ويشعر انه اطفأ شيء من قهره
رجاءاتها لمشعل وبكاءها عليه اصمّا اذنيه
تارة يشعر ان ما يحدث اوهام وهذا خيالٌ اصطنعه عقله ليريحه
وتارة يشعر انه جنى الطامة على نفسه وامه واهله جميعا
قدماه لم يعدا يحتملان جسده المتصلب من الصدمة
حاول ان يخطو خطوة للأمام ويرمي بثقله على الكنبة
ولكن يشعر ان قدميه تسمرتا بهذا المكان وكأنه لم يفارقه للحظة
ذهبت السكرة وحلّت الفكرة وعلم ما اقترف ولكن لا ينكر ابدا ان نارا بداخله انطفئت وهدأ لظى قلبه.
قبل لحظات كانت هي ومشعل في قمة سعادتهما
لم يعيشا معا يوما كهذا
حبيبان عاشقان مطمئان لقادم الايام
وسط همساتهم وضحكاتهم اقتحم يوسف مكانهم
فزعت من صرخته/ والله ما اخليك يا الكلب.
ولكن لم تعلم ان فزعها سيستمر لسنوات وهي تسمع صوت الرصاصة ثم استقرارها بصدر مشعل
وميلان جسده نحوها وكأنه يستند عليها حتى أخر لحظة في حياته
ويأبى الا ان يموت في حُضنها
اخذت لثوانٍ لم تستوعب ما حدث
تشعر انها في كابوس. . . تشعر ان ما حدث لا يمت للواقع بصلة
لن يموت مشعل ويتركها يستحيل ذلك هو أكد لها مرارا انه سيتحدى الجميع من اجلها
أ يتحدى الجميع ويجبن امام رصاصة غادرة. . .!!
مدت يديها المرتعشتين لتصرخ/ مششششعل تكفى لا. . . تكفى لا. . . مششعل لا تتركني
ياااويلي عليييك. . . ياااااويلي.
ابتلعت ريقها وخيبتها وحزنها وخسارتها الكبيرة ثم صرخت بكل ما اوتيت من قوة/ مــــــــــــــــــــــــ ـشــــــــــعل. . . لا لا لا لا تكفى.
لا تعلم لما ترتجيه ولكن تعلم انه لن يخذلها ولن يموت ويتركها
تعرفه جيدا سيقاوم من اجلها سيتجاهل الرصاصة التي ربما استقرت بقلبه من اجلها
أمسكت بكفه وشدت عليه لتقول بضعف وبكاء شديد/ مشعل حبيبي تسمعني. . .؟
شدّ على يدها وكأنه بعث لها الحياة
عندما احسّت بكفه تشد عليها صرخت بيوسف/ اتصل على الاسعاف بسرعة.
يوسف الذي كان يمسك رأسه بين كفيه همس لوالدته/ ما مات. . .!
وكأنها باللتو استوعبت ان ابنها مجرمٌ قتل حبيبها
صرخت به وهي لا تزال تحتضن مشعل ودموعها تغرق خديها/ ليييش تسوي كذا لييش. . .
قطعت صراخها وهي تسمع حشرجة مشعل وكأنه سيقول لها شيئا
نظرت اليه وأنفاسها تعلو وتهبط تعلم انه يصارع الموت
ليس بيدها شيئا تفعله لتنقذه
تريد ان تصرخ بيوسف مرة اخرى ليتصل بالاسعاف ولكن تشعر بجفاف فمها تماما
غير قادرة على التحدث حاولت ان تنطق ولو بحرف ولكن لم تستطيع
شعور العجز يزداد لديها اصبحت حتى غير قادرة على الحركة
تشعر ان روحها سُجنت بهذا الجسد المثقل
تود لو تستطيع ان تنهض وتطلب الاسعاف وتنقذ مشعل ولكن غير قادرة على فعل اي شيء
هاهي تنظر الى وجه مشعل وتشعر انها تدنو منه رغم انها لم تتحرك
.
.
ينظر الى والدته التي بدأت تفقد وعيها
فهاهي شفتيها ابيضتا ووجها اصفرّ يبدو ان للموت عدوى انتقلت اليها
هاهو رأسها يميل ليسقط على صدر مشعل الملطخ بالدماء
اخرج هاتفه بيدين مرتعشة اجرى اتصالين ثم وضع وجهه بين كفيه وهو يعلم انه جلب مصيبة لعائلته
افزعه صوت الباب عندما فُتح
هاهو يزيد يدخل وخلفه نور
اتجه يزيد ليوسف ليقول بخوف/ يوسف وش فيك وجهك مخطوف و. . .
بتر تساؤله صراخ نور/ مــــشعل. . . .
التفت يزيد وراءه ليرى جثتين الصدمة شلت اطرافه
وضع يده على رأسه وصراخ نور على اخيها ينخر دماغه
لا يصدق ما يراه. . . يشعر انه في كابوس. . . حتما سيستيقظ منه وينتهي كل شي
يشعر ان جسده خوى وروحه ذابت والصورة تتضح امامه لا يحتاج للمزيد من الوقت لفهم ما جرا
يوسف ارتكب جريمة بأمه ومشعل
الارض تدور حوله وصراخ نور ونواحها يخترق اذنيه ويفجر دماغه تماما
حاول التقاط انفاسه ولكن الصدمة شلته تماما. . . يشعر ان الانفاس انخطفت والارواح وجلت من ما حدث
جريمةُ قتل ارتكبها اخيه. . . يا لهول المصيبة وعظمها
رفع نظره اخيرا ورأى يوسف التائه الخائف/ وش سويت يوسف. . .!! ليه يا اخوي.
ما ان انهى كلمته حتى وصلت سيارة الاسعاف
نقلوا مها ومشعل التي تتشبث به نور حتى وهو محمولا على النقالة الطبية
تقدم يزيد ليرافقهم ولكن امسك به يوسف ليقول بصوتٍ جف من الصدمة وهول ما حصل/ لا تتركني انا بلغت اني قتلته.
ربت يزيد على كتف اخيه ليقول بكل اسى/ ليش يا يوسف. . .؟ ضيعت شبابك ودمرت دنياك واخرتك
يوسف شلون قتلته. . .؟ من ابن الكلب اللي قالك انه موجود. . . ؟
وضع يوسف يده المرتعشة على قمة رأسه وكأنه يثبت عقله
نفسه مخطوف وحلقه غزاه اليباس تماما اصبح عاجزا عن الحديث
استوعب جريمته واستوعب مدى تأثيرها عليهم جميعا
استوعب انه قتل مشعل الذي نقل عدوى الموت لأمه
لم يصب امه بأي اذى ولكن ماتت وتوقف قلبها عندما رأت حبيبها يموت ببين احضانها
شعر بسواد يعتم عليه الرؤية وهو يسمع الخادمة تخبرهم بقدوم رجال الشرطة
غام وجهه وخانته قدميه وكاد يسقط لولا يد يزيد الذي امسك به واسنده عليه/ اذكر الله يا رجال.
دقائق ولحظات معدودة وانتهى الامر به مقيدا في سيارة الشرطة
كان تسليمه اشبه بأخذ روحه رغم ان كل شي جرا بهدوء تام ولكن شعر ان روحه تخنق بالقيود التي وضعت في يديه
ونحرت تماما وهو يرى يزيد يودعه بعينين ملئتها الدموع.
.
.
.
مضت ساعات طوال عصيبة
ملئية بالفواجع والمصائب لم يكن وقع الخبر عاديا ابدا
هاهم ابنيّ مها يقفون متجاورين امام سريرها دون ثالثهم
وآه من ذلك الثالث الذي فجعهم بنفسه ثم بما فعله
لم يكن احد يتوقع في يوم ان ينتهي المطاف في يوسف قاتل. . .!
قبّل بتال يد امه ورأسها وهو يقول/ الحمدلله على سلامتك يالغالية.
فتحت عينيها نظرت الى وجوه ابناءها التي تكتسي بالهم والحزن
استرجعت ذاكرتها ما حدث. . . هزت رأسها بلا
حاولت ان تنهض ولكن رأسها المثقل بالصدمة والملئ براحة الموت والفقد والوجع
نطقت بصوت ضعيف باكٍ/ وش صار لمشعل. . .؟
نطق سعود الذي انكب على يدها يقبلها ورفع رأسه/ يمه يوسف. . . يوسف. . .
الغصة في حلقه جعلته يصمت ويلوذ بدموعه الى اخر الغرفة حتى لا تُرى دمعته
عقدت حاجبيها وتسارعت انفاسها لتنطق والخوف قد جمدها/ وش فيه يوسف. . .؟
اخذ بتال نفسا عميقا ليقول بصوت مرتبك يملئه الوجع/ متهم بالقتل.
مُصيبتها عظيمة الضحية مشعل والجاني ابنها
"ويلٌ لك يا مها ماذا فعلتِ بنفسك
ويلٌ لي كيف اصبح ابني قاتلا وضحيته لم يكن الا خليل روحي
آه مما حدث وجرى ليتني لم التقي به يوما واحبه ويخطفه الموت مني
ليتني لم اعرفه ويبقى بجانب ابيه واخته
آه من هذه الفاجعة التي كسرتني
كيف سولت لك نفسك يا ابن قلبي ان تفجعني بك وتفجعني بمشعل. . .!
كيف هانت عليك أمك. . .؟
أ لم تفكر ان موت مشعل ماهو الا نحرٌ لأمك. . .؟
كيف اصبح صغيري الوديع قاتلا. . .!
كيف لتلك العينين الناعستين الوديعتين ان تحمل الحقد والضغينة. . .؟
كيف امتلك قلبك الفتي هذه القسوة التي تجعلك تطلق النار على مشعل وهو بجواري. . .؟
لا اصدق ما جرى ولا اصدق عيناي. . . صغيري لم يفعلها ويفجعني به"
عندما رأها بتال تغمض عينيها ودموعها تنهمر بلا توقف
سحب الكرسي وجلس بالقرب منها واخذ يمسح على شعرها ويقرأ عليها ما يحفظ من القران
عيناه تنظر اليها بأسى وحزن وأسف
يعلم مدى جرحها وحزنها فهي ينطبق عليها المثل الشعبي "آه من ظهري وآه من بطني"
القاتل ابنها والمقتول صديقها الاوحد. . . مها متعلقة جدا بمشعل فما حدث له على يد ابنها لن يمر بسلام
قبل رأس امه ثم يدها
استودعها الله وخرج وهو يراها تنام بسلام بفعل المنوم فالدكتور اخبرهم انها تعاني من انهيار عصبي
خرج ووجد يزيد في الخارج وضع يده على كتف بتال ليشد عليه/ خلك اقوى من كذا يا اخوي.
علم بتال ان دموعه خانته وملئت عينيه
"لا تطلب مني ان ابقى اقوى من هذا. . .!
من يقوى على تحمل ما نتحمله يا اخي. . .؟
لم يعد للقوة وجودا في حياتي
قوتي انهارت وانتهت عندما قُبض على اخي قاتل
اخبرني كيف سنحتمل هذه الايام وكيف سنعيش ويوسف حبيس السجون سينتهي به الامر الى القصاص
فأعلم جيدا ان تركي المانع لن يتنازل عن دم ابنه الوحيد. . . لن تشفع لنا روابط الصداقة منذ سنين ولن يشفع لنا نسبك معه"
تنهد واجاب يزيد بنبرة يكسوها الانكسار والحزن/ الله يزينها. . . الله يزينها.
اقترب منه يزيد وهمس له/ ليش ما نقول الحقيقة ويطلع منها يوسف. . .؟
نظر له بتال بصدمة ليقول/ وش الحقيقة. . .!!
امسك يزيد بيده ليقول/ امش معي نتكلم برا.
خرجا سويا وركبا في سيارة يزيد ليقول بلا مقدمات/ الحقيقة اللي كلنا نعرفها. . . مشعل كان بخلوة غير شرعية مع خالتي
ولا وش خلا يوسف يقتله. . .؟ والجريمة صارت في بيتنا.
عقد بتال حاجبيه ليقول/ انت بتفضحنا. . .؟
انفعل يزيد/ بتال لا تفكر بالناس فكّر بيوسف وبس.
اجابه بتال بهدوء/ انا ما افكر بالناس. . . افكر بأمي
انت تظن الموضوع علينا اسهل يوم تنمسك امي بقضية مثل هذي. . .!
اصلا يوسف مارح يرضى على امه. . . لا تنسى يزيد ان هذي امنا.
زفر يزيد ثم قال بصوت خافت "لا اله الا الله"/ بتال الحين بترضى ان يوسف يروح قصاص بس عشان سمعة امك. . .؟
تظن هي بنفسها بترضى. . .؟ انا اتوقع من خالتي انها تتصرف ولا ينقص ولدها ظلم.
نظر له بتال بتعجب/ ظلم. . .؟؟ اي ظلم وهو قاتله ومسلم نفسه. . . يزيد لا تاخذك العواطف
ثم اكمل وهو يحاول طمئنت نفسه اولا ثم يزيد
يعلم انه يكذب على نفسه اولا فهو ليس لديه ولو بصيص امل في ان يتنازل تركي عن قاتل ابنه/ يوسف بيطلع ان شاء الله عندي امل يتنازل عمي تركي.
هز يزيد رأسه بالايجاب/ اكيد بيتنازل انا بس بنتظر لين تهدأ الامور شوي واكلمه.
.
.
.
انتهى