الفصل الرابع
الفصل الرابع:
مرت الأيام التالية بسرعة غريبة، وبدأت جورينيا تتواصل مع الشاب الغامض عبر الورقة التي أعطاها لها. كل رسالة كانت قصيرة، لكنها تحمل عمقاً غير مفهوم، كأن كل كلمة تختزن حكاية كاملة.
في أحد الأمسيات، دعت جورينيا نفسها لزيارة المقهى مرة أخرى، مكان اللقاء الأول، لكنها لم تجد الشاب هناك. شعرت بفراغ غريب، وكأن المدينة فقدت جزءاً من نبضها. جلست على الطاولة المعتادة، تحدق في قطرات المطر التي تساقطت على الزجاج، تنتظر أي علامة على ظهوره.
وفجأة، دخل المقهى أحد الأشخاص، كان يقترب بخطوات بطيئة، لكن لم يكن هو. شعرت جورينيا بخيبة أمل، لكنها لم تتحرك من مكانها. ثم ظهر هو، الشاب الغامض، من خلف الزاوية، مبتسماً بارتياح كما لو أنه يعرف كل ما يختلج في قلبها.
جلس مقابلها وقال بصوت هادئ: "أعرف أن هذا قد يبدو مفاجئاً، لكن هناك شيء مهم يجب أن تعرفيه عني…".
بدأ يروي لها شيئاً من ماضيه، ذكريات لم يخبر بها أحداً من قبل، قصصاً عن رحلاته، عن خساراته، عن الألم الذي حمله في صمت. كل كلمة كانت تثقل قلب جورينيا بمزيج من الحيرة والدهشة، لكنها شعرت أيضاً بالصدق في كل حرف.
في نهاية الحديث، نظر إليها وقال: "أنا لم أأتِ إلى حياتك صدفة، جورينيا… كنت أبحث عن شخص يفهمني، شخص يستطيع أن يكون معي رغم كل شيء".
ابتسمت جورينيا بخفة، شعور غريب يغمرها بين الخوف والثقة، وكأن كل شيء أصبح أكثر وضوحاً، لكن في الوقت ذاته، أكثر غموضاً.
كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: أن هذه العلاقة، مهما كانت محفوفة بالغموض والأسرار، ستجعل حياتها تتحرك نحو طريق لم تتخيله من قبل، وأن قلبها أصبح لا يستطيع العودة إلى ما كان عليه.