الفصل الاول
تاشا وقفت عند نافذة غرفتها، تتأمل الشارع الممطر، والأضواء تتلألأ على الأسفلت كنجوم صغيرة تائهة. قلبها كان يفيض بالأفكار، بعضها حلو وبعضها ثقيل كالصخور. منذ أن التقت بريان قبل أسابيع، شعرت بعالمها ينقلب رأساً على عقب، وكأن كل شيء من حولها أصبح أكثر وضوحاً وأكثر ضبابية في الوقت نفسه.
دخلت ليان الغرفة بخطوات هادئة، تحمل فنجانين من القهوة.
"تاشا، لازم تخرجي من داك الحزن اللي ملا قلبك. المطر ما يبردش روحك، لازم تعيشي اللحظة."
ابتسمت تاشا ابتسامة باهتة، وأخذت الفنجان الأول.
"عارفة يا ليان… بس حسيت إن كل خطوة أخطوها، ريان موجود فيها بطريقة أو بأخرى. كل كلمة، كل ضحكة… حتى لو ما كان معي."
ليان جلست على الأريكة، نظرتها مليانة حنان:
"هذا اللي يسموه الحب الحقيقي… يسيطر على القلب قبل العقل. بس تاشا، لازم تعطي نفسك فرصة… فرصة تعرفي مين أنت بدون ما تكوني مربوطه بشخص ثاني."
في الجانب الآخر من المدينة، ريان كان يسير تحت المطر، ملابسه مبللة بالكامل، لكنه لم يهتم. كل ما كان في ذهنه هو تاشا. ابتسامتها، طريقة كلامها، وحتى صمتها الذي كان أحياناً أبلغ من الكلام.
وصل ريان إلى مقهى صغير يفضله دائماً، جلس في زاويته المعتادة، وأخرج هاتفه. نظر إلى آخر رسالة من تاشا، قلبه خفق بشدة. كتب رسالة قصيرة لكنه لم يرسلها بعد، وكأن مجرد كتابتها أراح قلبه قليلاً:
"أتمنى لو كنت هناك الآن… وأني أستطيع أن أريك كم أنا أفكر فيك."
في تلك اللحظة، تاشا رفعت رأسها من النافذة، شعرت بنسيم المطر يلامس وجهها، وابتسمت بخفة. شيء ما في قلبها قال لها إن القادم سيكون مختلفاً… وأن كل لحظة صمت، وكل خطوة تحت المطر، كانت مجرد بداية لقصة لم تكتمل بعد.