الفصل السابع عشر والأخير
وتمرّ الأيام…
ثقيلة، بطيئة،
وكأنها تتعمّد توقف عند نجود أكثر من غيرها.
اليأس هذه المرة ما طرق الباب…
دخل وجلس.
صارت تحس إن ما فيه أمل،
مو لأنها ما تحب،
لكن لأنها تعبت من الوقوف عند نفس النقطة.
كل يوم تقول: يمكن بكرا.
وكل بكرا يجي…
ويمشي.
بدأ التعب يبان عليها،
جسدها صار يسبق دمعتها،
نومها متقطّع،
أكلها قليل،
وصمتها أطول من المعتاد.
ما كانت تشتكي،
ولا تفضفض،
كانت تبتسم وتقول: «تمام».
لكن تمام
كانت كذبة صغيرة
تحمي بها نفسها.
إلى أن جاء ذاك اليوم.
اليوم اللي ما قدرت فيه تمسك نفسها أكثر.
انهارت.
انهيار كامل،
بدون مقدمات واضحة،
ولا سبب يقدرون يحددونه.
ارتباك…
صراخ…
دموع ما لها نهاية.
أخذوها للمستشفى بسرعة،
والكل مذهول:
وش اللي صار؟
ليش؟
متى؟
لكن المستشفى كان صارم.
الزيارات ممنوعة.
وقفوا برا،
قلوبهم معلّقة عند باب ما ينفتح.
قرروا: – «بكرا نجيها.»
قالوها كأنهم يواسون أنفسهم أكثر منها.
وفي غرفة معقّمة،
هدوءها ثقيل،
كانت نجود هناك…
مو لأنها ضعفت،
لكن لأنها
تحمّلت أكثر
مما يحتمله القلب.
عند جاسم…
كانوا أهله عنده،
الوقت يمشي بهدوء،
والمغرب قرّب.
قام الأذان،
وبدوا يجهّزون للطلعة.
باقي له يومين بس…
ويطلع.
بعد ما ودّعوه،
جلس لحاله شوي.
حس بعطش،
وقال في نفسه: أقوم آخذ مويا وأرجع.
قام من سريره،
خطواته صارت أمتن من قبل،
يمشي ببطء…
لكن بثقة شخص يحاول يرجّع نفسه.
وهو راجع بالممر،
لفت نظره وحدة.
كانت تمشي قدامه.
شكلها متعب…
مو تعب يوم ولا يومين.
كان اليأس مكتوب على كتوفها،
والبكاء؟
بكاء بلا صوت.
دموع تنزل
من غير شهقة
ولا صوت.
كانت ما تعرف وين رايحة،
تمشي وكأن المكان يدفعها.
لاحظ توازنها يختل.
خطوة…
ثم خطوة أضعف.
وفجأة—
انهارت.
جاسم بدون تفكير
اندفع.
وصلها قبل لا تضرب الأرض.
أول ما قرب،
طرحتها طاحت عن وجهها.
وهنا—
تجمّد.
نجود.
عرفها فورًا،
لكنها مو نجود اللي يعرفها.
عيونها غائرة،
واضح إنها ما نامت…
وإذا نامت
ساعة وتقوم.
نحفت بشكل موجع،
وجسمها ما عاد يشبه ذاك الثبات اللي يعرفه.
وشعرها…
الشعر اللي كان يحبه،
اللي كان طوله يسرق نظره،
مقصوص.
شي فيه تغيّر…
شي انكسر.
جاسم حس بقلبه ينقبض،
بشعور ما عرف يفسّره.
ما تكلم.
ما نادى.
ما سوّى شي غير إنه شالها بهدوء،
وكأنها شيء ثمين ممكن ينكسر أكثر.
عرف غرفتها.
خطواته كانت حذرة،
نَفَسه متقطع.
دخلها الغرفة،
حطّها على السرير،
عدّل الطرحة على وجهها.
وقف لحظة…
يناظرها.
كان يبي يقول شي.
يسأل.
يوقظ.
لكن ما قدر.
طلع.
طلع وهو حاس
إنه شاف شخص
ضايع بعمق…
وإن اللقاء هذا
مو صدفة.
وكان يعرف،
حتى لو ما قالها:
إن بعض الوجوه
إذا تغيّرت بهالشكل…
تكون شايلة قصة
أثقل من الكلام.
وتعدّي هالليلة…
وكأنها مرّت على بعضهم أسرع من غيرهم.
وفي الصباح،
كانت سلطانه جالسة مع بناتها،
دفاتر مفتوحة،
وأكواب قهوة تتبدّل،
والحديث كله عن يوم واحد:
رجعة جاسم.
بكرا يطلع…
والعشاء بعده بيوم.
قالت نوف وهي تقلّب بالجوال: – «يمّه…
من بتعزمين؟»
سلطانه رفعت راسها،
وقالت بثقة أم: – «كل اللي أعرفهم…
ويمكن بعد أدور له عروسة.»
قالتها بعفوية،
بنبرة أم تتمنى تشوف ولدها مستقر.
ما كانت تدري…
إن الكلمة لو وصلت له،
راح تضيق قلبه
مو لأن فكرة الزواج تخوّفه،
لكن لأن قلبه
ساكنه وحدة…
وما فيه مساحة لغيرها.
كملوا التخطيط.
الجوهره: – «العشاء يكون رسمي ولا عائلي؟»
سلطانه: – «عائلي…
بس مرتب.»
أسيل: – «وش نلبس؟
نبي شي يليق بالمناسبة.»
ضحكت سلطانه: – «كل وحدة تلبس اللي يريحها…
بس لا أحد ينسى إن هذي فرحة.»
بدأوا يتكلمون عن الأكل: من يطبخ؟
وش الأصناف؟
وش يحبه جاسم؟
وش يكره؟
وحدة تقول: – «نحط أكل ثقيل؟»
الثانية: – «لا…
لسه طالع من مستشفى.»
الثالثة: – «نضيف حلويات؟
ولا نخليها خفيفة؟»
البيت كان مليان حركة،
ضحك خفيف،
وتخطيط صادق.
كانوا يجهزون
مو بس عشاء…
كانوا يجهزون
لاستقبال شخص
رجع لهم
بعد غياب طويل.
ولا أحد فيهم كان يدري،
إن في مكان ثاني،
في قلب جاسم تحديدًا،
في شي ما رجع للحياة
لسّه.
عند نجود…
دخلت الطبيبة بهدوء،
ملفها بيدها،
نظرتها مهنية لكن فيها اهتمام حقيقي.
قرّبت من السرير: – «نجود…
أبي أفهم وش فيك،
وش اللي تعبك؟»
وفجأة—
انفجرت.
نجود قامت تصرخ،
صوتها مكسور أكثر مما هو عالي: – «ما فيني شي!
ما تفهمون!
ولا أحد فاهم!»
الدموع نزلت بدون إذن،
والكلام طلع متلخبط،
كأنه متراكم من زمان.
الطبيبة وقفت لحظة،
ما ضغطت،
ما رفعت صوتها.
قالت بهدوء محسوب: – «تمام يا نجود…
ما راح أضغط عليك.»
قربت شوي: – «بكرا نفهم بعض…
واليوم حاولي تهدين،
وترتاحين.»
طلعت بهدوء،
وسكّرت الباب.
نجود بقيت لحالها.
نَفَسها متقطع،
وصدرها يطلع وينزل بسرعة.
كانت تحاول تهدى…
لكن بعض الجروح
ما تهدى
إلا لما تنقال.
عند يزن وعادل وراكان ومازن…
كانوا بالمول،
مشيتهم بطيئة،
وكل واحد عقله مو بالمحلات
قد ما هو بجاسم.
واقفـين قد واجهة محل،
راكان قال: – «طيب وش نجيب له؟
كل شي نحسه ما يكفي.»
عادل ضحك: – «أكيد يزن يعرف…
هذا أرشيف جاسم المتنقل.»
يزن لف عليهم بنظرة مزح: – «ترى ما أعطيكم فكرتي،
لا تسرقونها.»
مازن قرّب: – «تكفى…
على الأقل قول لنا وش النوع.»
وقف يزن شوي،
خف المزح بصوته،
وصار صادق أكثر: – «جاسم ما يحب الهدايا المكلفة…
ولا الأشياء اللي قيمتها بس فلوس.»
ناظرهم واحد واحد: – «يحب الشي اللي له معنى.
اللي ينحفظ.
اللي يذكّره بشخص…
بموقف.»
ابتسم: – «شي لو شافه بعد عشر سنين
يضحك…
أو يحس.»
عادل هز راسه: – «يعني ذكرى؟»
يزن: – «بالضبط.»
راكان قال: – «كرت؟
صورة؟
شي مكتوب؟»
يزن ابتسم: – «أقرب لهذا.»
ضحكوا،
وكل واحد بدأ يفكر
مو بقيمة الهدية،
لكن بقيمتها في القلب.
وكان واضح…
إنهم ما يشترون شي من مول،
قد ما كانوا
يجهزون رسالة صداقة
بعد غياب طويل.
عند جاسم…
كان جالس لحاله،
الهدوء حوله…
لكن رأسه مزدحم.
تفكيره كله كان عند نجود.
صورتها وهي منهارة بالممر
ما راحت من باله.
تغيّرها كان موجع،
مو بس شكل…
حتى الروح.
كان يسأل نفسه: ليش ما سألت عني؟
ليش ما جات؟
ما كان يدري
إنها كانت تخوض حرب لحالها.
حرب بين قلبها
وكلام أبوها،
بين شوقها
والحدود اللي انحطت لها.
كانت نجود
الوحيدة اللي تكسر كلمة فراس…
وكل مرة تكسرها
تدفع الثمن.
جاسم يعرف الحقيقة الآن،
حتى لو ما قالها أحد.
فراس…
ما كان يكرهه.
بس كان يشوفه
مو مناسب لبنته.
يوم تزوجوا،
وافق غصب قلبه،
عشانها هي.
ويوم تطلّقوا،
سكر كل الأبواب.
ما منعها لأنها تحبه…
منعها لأنه يشوف
إن ذكره وجع
ما يبي بنته تعيشه.
وجاسم؟
كان واقف بالنص.
لا يقدر يلومها…
ولا يقدر ينسى.
كان يعرف
إنها ما اختفت لأنها ما تحب…
لكن لأنها
كانت تحاول تعيش
بين حبها
وبرّها.
تنهد…
وحس لأول مرة
إن الغياب هذا
ما كان هروب واحد…
كان فراق
فرضوه
الظروف.
عند نجود…
كانت جالسة على طرف السرير،
ظهرها محني،
وصوت بكاها مكتوم بالقهر.
مو بكاء يريح…
بكاء يحرق.
دخل فراس بهدوء،
وقف عند الباب لحظة،
ثم قال بنبرة أب يحسب نفسه يحمي: – «نجود…
لا يكون هالدموع عشانه؟»
ما ردّت.
كمّل وهو يقترب: – «ترى أنا مجهّز لك عريس محترم…
واحد يليق فيك.»
الكلمة نزلت عليها
كأنها صفعة.
رفعت راسها ببطء،
عيونها حمرا،
صوتها بالكاد طلع: – «أتزوج… غيره؟»
سكتت ثانية،
ثم هزّت راسها بعنف: – «لا…
لا…
مستحيل.»
الكلمة الأخيرة طلعت مكسورة،
لكن حاسمة.
وفي نفس اللحظة…
كان جاسم يمشي بالممر،
يحاول يرفّه عن نفسه،
نَفَسه عميق،
خطواته بطيئة.
سمع الصوت.
سمع اسمها.
وسمع كلمة عريس.
وقف.
كأن شي شدّه من صدره.
إحساس قديم…
إحساس كان يحسبه مات.
الغيرة.
غيرة صافية،
موجعة،
ما حس فيها من زمان.
حس بقلبه ينقبض،
وبصدره يضيق.
مو لأنه يملكها…
لكن لأنه
ما زال يحبها
وكأنه ما راح.
وقف مكانه،
وهو يدرك حقيقة وحدة:
إنه مهما هرب…
ومهما غيّر اسمه…
بعض المشاعر
ترجع
بمجرد كلمة.
عند فراس…
طلع من الغرفة،
وجهه متعب،
لكن ملامحه ثابتة.
أول ما لف،
شاف جاسم واقف قريب.
وقف لحظة…
ثم تقدّم له.
وقف قدامه مباشرة،
وتكتّف: – «سمعت…
ولا لا؟»
جاسم توتر،
واضح عليه للحظة،
ثم حاول يضبط نفسه: – «ها؟
لا يا عمي…
شلون أسمع؟»
فراس ضيّق عيونه: – «أجل ليه واقف قريب من هالغرفة؟»
جاسم بلع ريقه،
ودوّر بأقرب كذبة: – «كان الدكتور هنا،
وسألته متى أطلع… بس.»
فراس طالع فيه كم ثانية،
صامت.
ولأول مرة…
تمرّ عليه كذبة جاسم.
هز راسه: – «زين.»
ومشى.
جاسم بقي واقف مكانه،
قلبه يدق بسرعة،
وهو يعرف:
إن بعض الأكاذيب
تعدّي مرة…
لكن ثمنها
يجي بعدها.
عند جاسم…
قرّب بهدوء من غرفتها،
خطواته محسوبة،
كأن الأرض ممكن تفضحه.
وقف قد الباب.
تردد.
ثم قرّب أذنه.
سمعها.
أنين مكتوم…
مو بكاء عادي،
بكاء واحد كتم كثير
لين صار صوته يوجع أكثر من الصراخ.
نَفَسها متقطع،
وكأنها تحاول ما تطلع صوت،
لكن الألم يسبقها.
جاسم حس بشي ينكسر فيه.
كان وده يفتح الباب،
يدخل بدون كلام،
يضمّها لصدره
ويقول لها: أنا هنا.
بس تراجع.
قال لنفسه: لا…
ما ينفع.
ما يجوز.
شدّ نفسه،
لف ظهره،
ومشى.
رجع لغرفته،
جلس على السرير،
يدينه على وجهه.
كان يعرف إن أصعب أنواع الحب
هو اللي تقدر توصل له…
لكن تختار
ما تمد يدك.
في اليوم التالي…
كان ماجد يسوق،
وجاسم جنبه،
الطريق قدّامهم
بس فكر جاسم بعيد.
ماجد لاحظ الشرود،
لف عليه بنظرة أخ: – «وش فيك؟»
جاسم تنفّس بعمق: – «ماجد…
الصراحة متضايق.
ودي أرجع لحب حياتي…
بس ما أدري كيف.»
ماجد ما احتاج تفسير.
فهم على طول.
ابتسم وقال وهو يغمز له: – «قل لأبوي،
وأبوي إن شاء الله يساعدك.»
الكلمة نزلت على قلب جاسم
مثل البلسم.
ابتسم ابتسامة خفيفة،
فيها أمل.
وصلوا البيت.
دخل جاسم،
سلّم على أهله،
أحضان…
دموع فرح خفيفة.
وفجأة—
جاء فهد،
الطفل اللي كان يشوفه قبل،
وقف قدامه،
فتح فمه بدهشة: – «أنت مين؟»
ضحك جاسم،
وشاله: – «أنا خالك…
اللي راح وانت ما تدري وينه.»
فهد لف يديه حول رقبته بقوة: – «حسبتك ميت.»
جاسم ضحك،
لكن ضمّه أقوى.
يمكن بعض الكلمات
تطلع ببراءة طفل…
لكنها توصل
للأماكن الأصدق في القلب.
ويجي يوم المناسبة…
البيت كان غير.
مو بس زحمة ناس…
كان زحمة شعور.
الكل حضر.
ضحك، سلام، عيون تراقب جاسم وهو بينهم.
إلا شخص واحد…
نجود.
العشاء كان مُرتّب بعناية،
واضح إن سلطانه حطّت قلبها قبل يدها.
السفرة طويلة،
مفروشة بأبيض وفضي،
الشموع موزعة بهدوء،
والورد الأبيض يملأ المكان
كأنه يقول: هذه بداية، مو نهاية.
أسيل كانت لابسة فستان واسع بلون هادئ،
ناعِم،
يخفي تعب الحمل
ويظهر قوتها.
بطنها باين شوي،
وابتسامتها أهدى من قبل.
نوف اختارت لون غامق أنيق،
بساطة تلفت الانتباه بدون ما تطلبه،
شعرها مرتب،
ونظرتها فيها فخر بأخوها.
الجوهره لابسة شي يضحك القلب،
لون دافي،
وحركتها مليانة حياة،
كل شوي تروح وتجي
كأنها ما صدقت إن جاسم بينهم.
سلطانه…
عبايتها مرتبة،
طرحتها بسيطة،
لكن هيبة الأم
ما تحتاج زينة.
كانت تطالع ولدها
بنظرة وحدة انتظرت كثير.
ذوق كانت هادئة،
ناعمة كعادتها،
لبسها أنثوي بسيط،
وابتسامتها ما تفارق وجهها
لأنها تشوف فرحة يزن
من فرحة جاسم.
مرام كانت أخفهم،
ضحكتها حاضرة،
تحاول تكسر أي توتر
وتحط جو عائلي حقيقي.
الكل يسلّم على جاسم،
أحضان،
كلمات ترحيب،
دعوات.
بس عيون جاسم
كانت تدور على زاوية فاضية.
قالها بهدوء: – «نجود… ما جات؟»
سطام قرّب منه وقال: – «أبشر…
أنا أجيبها لين عندك.»
جلس سطام،
وقبل لا يقوم،
لف عليه فراس.
وقفوا جنب بعض،
بعيد عن الضجيج.
سطام قال بصوت منخفض،
لكن صريح: – «فراس…
ودي أقول لك شي.»
فراس التفت له.
– «نحن نبي الصلح.
نبي نرجّع نجود لجاسم.»
سكت شوي،
ثم كمل: – «أدري إنك ما تبيه…
بس اسمعني.»
قرب أكثر: – «نجود لو أجبرتها على شي ما تبيه،
ممكن يصير لها شي…
لا سمح الله يا انفصال
يا تموت من القهر.»
الكلمة الأخيرة
وقفت بالهواء.
– «فكّر بالكلام.»
فراس ما رد.
ولا غضب.
ولا اعترض.
سكت.
ويمكن لأول مرة…
مرّ بباله
إن اللي كان يحسبه حماية
ممكن يكون
وجع.
خلصوا الرجال من العشاء،
وقاموا من أماكنهم،
الضحك خفّ،
وجو البيت صار أخف.
جاء دور الحريم.
كان جاسم عند المغسلة،
يغسل يديه بهدوء،
يحاول يستجمع نفسه.
وفجأة—
يزن قرّب،
وبدأ طقطقته المعتادة: – «طيّح الخاتم…
أوه لا!»
لف يمين ويسار: – «شفتوا ساعتي؟»
جاسم رفع راسه،
ناظر له بنظرة يعرفها زين،
أخذ موية بيده
ورشّها على يزن بدون تردد: – «خلاص عاد.»
يزن صدم: – «ثوبي صار عليه مويا!
وش أسوي الحين؟»
جاسم ضحك: – «أحسن…
عشان ما تتطنز مرة ثانية.»
ضحكوا اللي حولهم،
والجو صار أخف.
ضحكة بسيطة…
بس كانت كافية
تأكد لهم
إن جاسم رجع
مثل ما كان.
عند فراس…
كان جالس لحاله،
صوت العشاء وضحك الناس حوله،
لكن عقله مكان ثاني.
كلام سطام
ما فارقه.
“ممكن يصير لها شي…”
الفكرة ثقيلة.
مخيفة.
هو ما كان يبي يأذي بنته…
كان يحسب نفسه يحميها.
لكن وش لو كانت الحماية
هي التهلكة بعينها؟
قام من مكانه،
راح عند سطام.
وقف قدامه،
وصوته هذه المرة أقل صلابة: – «خلاص…
بفتح معها الموضوع.»
سطام ناظر له باهتمام.
كمّل فراس: – «ما بأجبرها.
أبي منها هي توافق.»
الراحة بانَت على وجه سطام،
ابتسم ابتسامة كبيرة: – «هذا الصح.»
ما انتظر.
لفّ مباشرة،
وراح يبشّر جاسم.
جاسم لما سمع…
وقف قلبه لحظة.
مو فرح كامل…
لكن أمل.
وأحيانًا
الأمل
يكفي.
وخلصت الليلة…
كل واحد راح ينام وهو مُتعب،
لكن التعب هالمرة
كان معه راحة خفيفة.
في اليوم التالي
عند فراس…
دخل على نجود بهدوء،
جلس قدّامها،
وصوته كان مختلف،
حنون أكثر من أي مرة: – «نجود…
تبين ترجعين لجاسم؟»
رفعت راسها فجأة،
عيونها توسّعت،
مو مصدّقة إن الكلام طلع منه: – «صادق؟»
ابتسم فراس ابتسامة أب: – «إي يا بنتي.
أنا أمشي على رغبتك،
ما أبي أجبرك على شي ما تبينه.»
نجود ما ترددت: – «يبه…
برجع له.
قلبي ما عاد يتحمّل البعد.»
هز فراس راسه: – «أبشري…
دام هذي رغبتك.»
طلعت نجود مع أبوها،
وراحوا للبيت.
قالت له بهدوء: – «برجع له بعد يومين…
أحتاج أرتاح شوي وأجهّز أغراضي.»
وافق.
أما جاسم…
فكان يرسل لها: يومين كثير.
المدة طويلة.
اشتقت.
وبعد يومين…
راحت نجود مع راكان
لشقة جاسم.
دخلت…
وانصدمت.
كل شي متغيّر.
الأثاث جديد،
الجو مختلف،
بس الإحساس…
هو نفسه.
سمعت صوته من المطبخ.
دق قلبها بقوة،
وحست رجولها ثقيلة
كأن الأرض ماسكتها.
انفتح الباب.
جاسم طلع للصالة،
شافها.
ما تردّد.
تقدّم بسرعة
وضمّها لصدره.
نزلت دموعه
قبل كلامه: – «لو تعرفين…
إني ما فكّرت بغيرك.
ومستحيل أحد ياخذ مكانك.»
شدّها أكثر: – «ولا تقولين آسفة إنك ما جيتِ…
أنا عاذرك.»
نجود حاولت تتكلم،
بس الغصّة منعتها.
بكت…
وهو بكى معها.
بعد لحظة،
ابتعدت شوي،
مسحت دموعها.
شالت عبايتها بهدوء،
قرّبت منه،
رفعت نفسها
وقبّلته.
وجاسم…
ما منعها.
بالعكس،
ذاب.
يمكن بعض القصص
ما تنتهي بسهولة،
لكن لما يرجعون لبعض
بعد كل هذا البعد…
يصير اللقاء
وعد جديد.
وهكذا…
تنتهي الحكاية،
ليس لأن الوجع اختفى،
ولا لأن الماضي تلاشى،
بل لأن القلوب قررت أخيرًا أن تتوقف عن الهروب.
تعلموا أن الفراق مو دليل قوة،
وأن الصمت ما هو دائمًا حكمة،
وأن بعض الأرواح خُلقت لتضل الطريق
لكنها تعود…
مهما طال الغياب.
جاسم عاد باسمه،
بقلبه،
وبحقيقته.
ويزن بقي السند الذي لا ينكسر،
وماجد الأخ الذي خاف حتى فقد الأمل ثم تعلّم ينتظره،
وسلطانه الأم التي لم يتعب دعاؤها،
وفراس الأب الذي اختار قلب ابنته قبل عناده،
ونجود…
التي أحبّت بصمت،
وانكسرت بصمت،
وعادت لأن الحب الحقيقي
لا يموت،
حتى لو ظنّ الجميع ذلك.
هذه الرواية ليست عن الغياب فقط،
بل عن العودة،
ولا عن الألم وحده،
بل عن الشفاء الذي يأتي متأخرًا…
لكنه يأتي.
وفي النهاية،
يبقى سؤال واحد:
كم مرة نحتاج أن نضيع
حتى نعرف
أن بعض الأشخاص
هم الوطن،
وأن الزمان لو رحل
قد لا يرجع،
لكن القلوب
إذا صدقت
تجد طريقها دائمًا.
اللقطة الأخيرة…
كان البيت هادي،
والليل واقف كأنه ما يبي يخلص.
جاسم واقف عند الباب،
مفاتيحه بيده
لكن ما فتح.
نجود وراه بخطوتين،
تراقبه
وتحس إن اللحظة هذه
أهم من كل الكلام اللي قالوه قبل.
لفّ لها أخيرًا،
وقال بصوت مبحوح: – «تدرين؟
كنت دايم أخاف النهاية…
بس الحين ما أخاف.»
قربت خطوة وحدة: – «لأنها مو نهاية.»
هز راسه: – «إي… بداية.»
سكتوا.
ما كان فيه شي ينقال أكثر.
مدّ يده،
مسكتها.
قربها له بهدوء،
وحضنها حضن قصير
لكن ثابت
كأنه يقول: أنا هنا وبقعد.
بعدها رفع راسه شوي،
طالعها
وبكل بساطة
وبكل شوق السنين
طبع قبلة خفيفة على جبينها.
قال: – «هذا وعد.»
ابتسمت: – «وأنا مصدقته.»
الكاميرا تثبت عليهم
ثانيتين…
ثم تطفي الأنوار.
نهاية.