الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل السادس عشر - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر

عند سلطانه… قفلت المكالمة، ويدها ما زالت على الجوال، صدرها يرتفع وينزل بسرعة، وعيونها غرقت دموع… بس مو دموع وجع. دموع فرح خالص. كانت جالسة بالصالة، الكل حولها، بس محد فهم وش صار. ماجد كان أول واحد انتبه: – «يمّه؟ وش فيك؟» سطّام قرب: – «فيه شي؟ صار شي؟» سلطانه مسحت دمعتها بسرعة، كأنها تحاول تجمع نفسها، لكن الابتسامة خانتها. قالت بصوت مبحوح، بس مليان حياة: – «أخوكم… صحى.» لحظة صمت. كأن الكلمة احتاجت وقت عشان توصل. وبعدين— انفجر البيت. ماجد شهق، يده راحت على فمه: – «صدق؟» سطام رفع راسه للسماء فورًا: – «الحمدلله… الحمدلله.» الجوهره ضمّت نفسها، أسيل دموعها نزلت وهي تحط يدها على بطنها: – «يارب لك الحمد…» واحد قال: – «الله أكبر.» واحد سجد شكر. واحد رفع يده يدعي. واحد بكى بدون صوت. وسلطانه؟ جلست مكانها، تحط يدها على صدرها، وتهمس بين دموعها: – «قلت لك يا رب… ما خيّبتني.» في ذاك البيت، ما كان فيه كلام كثير، ولا احتاجوا يشرحون. كان فيه شي واحد بس يملى المكان: الامتنان. امتنان لأن الدعاء وصل. لأن الصبر ما ضاع. ولأن القلب اللي تعب رجع ينبض أمل. عند يزن… كان الطريق أطول من المعتاد. مو بالمسافة… بالنبض. كل إشارة يوقف عندها يحس قلبه يسبق السيارة، وكل متر يقرب من المستشفى يزيد الخوف، مو خوف يفقده… خوف يصدق. وصل. نزل. خطواته كانت سريعة، بس ثقيلة. سأل عند الاستقبال، ردوا عليه بهدوء روتيني، ودلّوه على الغرفة. مشى بالممر. الأصوات حوله بعيدة. العالم كله صار باب واحد. وقف قدامه. يده ارتفعت… ونزلت. تردد. لو دخل… وش بيشوف؟ ولو كان حلم؟ تنفّس. ودفَع الباب. شافه. جاسم جالس على السرير. مو ممدد. مو غايب. جالس. رفع راسه. عيونهم تلاقت. ابتسامة جاسم طلعت ببطء، ابتسامة متعبة… بس حقيقية. مدّ يدينه، حركة بسيطة، بس معناها واضح: تعال. يزن ما فكر. ما تردد. ما مشى… ركض. راح له، حضنه بقوة، كأنه خايف يضيع من بين يدينه. بكى. بكاء ثقيل، مكبوت، طلع كله دفعة وحدة. جاسم لف ذراعه عليه قد ما يقدر، رغم التعب، وراسه مال على كتفه. وبكى معه. ما تكلموا أول لحظة. ما احتاجوا. وبعدها، صوت يزن طلع مكسور: – «أوعدني… ما نسمح لأي شي يفرقنا.» جاسم شدّ عليه أكثر، وصوته كان ثابت رغم الضعف: – «أوعدك. خلاص… أنا تشبّعت من الفراق والهروب.» يزن رفع راسه شوي، دموعه على وجهه، وقال بنبرة مترددة: – «معتز لـ…» قاطعه جاسم بهدوء حاسم: – «انسى معتز. أنا جاسم… وخلاص.» يزن ابتسم وسط دموعه، رجع حضنه بقوة، وكأنه يثبت الوعد في قلبه. في هالغرفة الصغيرة، انتهت أسماء، وانتهت أقنعة، وانتهى هروب طويل. وبقي شي واحد بس: صديقين اختاروا يبقون. عند سلطانه… قامت من مكانها بسرعة غير معتادة، كأن التعب اللي كان فيها من شهر انسحب فجأة. لبست عبايتها، شدّتها على كتفها بإيدين ثابتة، رغم إن قلبها لسه يرجف. قالت بحزم، بس بنبرة أم: – «بروح له… أشوفه.» الجوهره التفتت فورًا: – «يمّه بنروح معك.» أسيل رغم تعبها قالت: – «حتى أنا.» سلطانه وقفت، ناظرتهم بنظرة حنونة وحازمة بنفس الوقت: – «لا…» قربت منهم خطوة: – «أنا أجيبه هنا صعبة، وكلنا نروح أصعب.» مسحت على خد الجوهره: – «ادعوا لي.» التفتت لـ سطّام: – «يلّا.» طلعوا مع بعض. الطريق للمستشفى كان صامت، بس الصمت هالمرة مو خوف… ترقّب. سلطانه كانت تناظر الطريق، تتمتم بدعاء ما وقفت تقوله من شهر، بس اليوم… صارت تقوله بابتسامة. وصلوا. نزلت بخطوات ثابتة، كل خطوة تقربها من ولدها كانت تمسح سنة من القلق. وقفت قدام الغرفة. يدها ارتجفت. سطّام همس: – «خذي وقتك.» تنفست. ودخلت. وشافته. ولدها. جالس. ما قدرت تمشي. دموعها نزلت فورًا. جاسم رفع عينه… شافها. قال بصوت ضعيف، بس مليان اشتياق: – «يمّه…» هالكلمة كسرت كل شي. سلطانه قربت، نسيت التعب، نسيت الدنيا. مسكت وجهه بين كفوفها، تلمسه كأنها تتأكد إنه حقيقي. – «فداك عمري… فداك.» ضمت راسه لصدرها، حضن طويل، حضن أم رجع لها ولدها من الموت. سطّام وقف وراهم، عيونه دمعت، رفع يده للسماء: – «الحمدلله.» وفي ذاك المكان، اللي تعوّد على الألم، دخلت أم وأعادت تعريف الشفاء. تقدّم سطّام بخطوات بطيئة، ما قال شي… بس فتح ذراعيه. ضمّهم كلهم. الأم، والولد، والغياب اللي بينهم انكسر أخيرًا. وهنا… انهار جاسم. مو بكاء رجل، ولا بكاء مريض. بكاء طفل صغير ضاع من أمه وبعد تعب طويل لقاها. صوته طلع مخنوق، صدره يرجف، وكتفه يهتز بين حضنهم. سلطانه مسحت على شعره، تردد باسمه مثل ما كانت تسوي وهو صغير: – «يمّه… يمّه…» سطّام شدّ الحضن أكثر، كأنه يبي يحميهم كلهم من أي شي جاي. مرت الدقايق ثقيلة، بس دافية. بعد ساعة… سلطانه اضطرت تقوم. مسحت دموعها، عدّلت عبايتها، قربت من جاسم مرة ثانية. مسحت وجهه، قبّلت جبينه: – «برجع… قريب.» جاسم هز راسه، وعينه تلاحقها: – «لا تطولين.» ابتسمت وسط دمعتها: – «وين أروح وأخليك؟» طلعت مع سطّام، وهي تطالع الغرفة آخر نظرة، قلبها مطمئن لأول مرة من شهر. رجعت البيت بعد ساعة، والفرح اللي كانت شايلته سبقها بخطوات. وفي الغرفة… بقي جاسم أهدى من قبل، لأنه عرف إن أمه رجعت وما راح تضيع مرة ثانية. عند يزن… طلع من الغرفة بهدوء، قال بس: – «بجيب مويا.» كان يعرف إن صوته مو مهم بهاللحظة. مشى بالممر، جاب القارورة، وهو راجع قرب من الغرفة… وقف. سمع الصوت. مو كلام واضح، بس نبرة يعرفها أي شخص عاش حنانها: صوت أم… وصوت أب. عرف فورًا إن سلطانه وسطّام جوّا. وقف مكانه. ما قرب. ولا تراجع. ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها احترام… وفيها امتنان. هذي لحظتهم. لفّ بهدوء، وجلس على الكراسي برا الغرفة. حط القارورة جنبه، شبك يدينه، وناظر قدامه. الممر كان طويل، بس لأول مرة ما حس بالوحدة. كان يعرف إن اللي جوّا أخيرًا بين أهله. وهو؟ كان راضي ينتظر. لأن بعض الحب ما يحتاج حضور… يكفيه الاحترام. عند نجود… كانت أول وحدة تحس… قبل لا تدري. كانت جالسة بغرفتها، تحاول تسوي نفسها مشغولة، لكن قلبها كان مشدود من زمان، كأنه ينتظر كلمة. سمعت صوت أبوها فراس بالممر، نبرته مختلفة… خفيفة، فرحانة، نبرة ما تجي إلا مع خبر زين. قامت بدون تفكير. قربت من الباب، حطت أذنها عليه، وهو كان متجه للمطبخ ويتكلم بالجوال. سمعته يقول: – «الحمدالله على سلامته.» القلب وقف. سكت لحظة، وبعدين كمل وهو يضحك: – «إي والله… لازم هالفرحة عرس مو عشاء.» وضحك. الضحكة كسرت آخر شي ماسكها. نجود سندت جبينها على الباب، وركبها خذلتها، وجلست على الأرض. الدموع نزلت دفعة وحدة، دموع محبوسة من زمان. قام… قام بالسلامة… حبيب عمرها، اللي ما طلع من بالها يوم، اللي ما أخذ تفكيرها أحد غيره… قام. لكنها آخر من علم. ولا راحت له. ولا وقفت معه. ولا سألت. بدأ صوتها الداخلي يجلدها: لو كنتِ تحبينه صدق… كان رحتي. كان سألتي. كان كسرتي القواعد. لكنها ما سوت. مسحت دموعها بسرعة، مدّت يدها لجوالها. فتحته. دخلت الأرقام… توقفت عند اسمه. جاسم. الرقم اللي كانت مخبّيته، أخذته من راكان، ولا أحد يدري. إصبعها وقف فوق زر الاتصال. وش بقول له؟ أقول آسفة؟ أقول ما دريت؟ ولا أقول الحقيقة… إني خفت؟ تخيلت المشهد. تخيلت صوته. تخيلت عيونه لو عرف إنها كانت قريبة وما جات. سكرّت الجوال. ضمّته لصدرها، وانهارت بصمت. ما تقدر توصل له… حتى لو حاولت. أبوها. إخوانها. الكلمة اللي تلاحقها دايم: أنتِ طليقته… وهو طليقك. كيف تروح؟ كيف تدخل؟ كيف تقول: كنت هنا… بس ساكته؟ كانت أول وحدة حست بغيابه… وأول وحدة انكسر قلبها عليه. لكن لما جاء الفرح… كانت آخر وحدة توصل له. وجلست هناك، تبكي بهدوء، مو لأن ما فيه أمل… لكن لأن بعض الطرق تنقفل حتى لو القلب لسه مفتوح. عند يزن… رجع للبيت وخطواته خفيفة، وجهه منوّر بشكل ما تعوّدوا عليه من شهر. كأن التعب انسحب فجأة، وخلى مكانه فرح خالص. ذوق كانت بالمطبخ، أول ما شافته ابتسمت تلقائيًا، فرحت لفرحه قبل لا تدري السبب. قربت منه، حطت يدها على وجهه بحنان: – «حبيبي… وش صار؟» يزن مسك يدها، ضغط عليها بخفة، وعينه تلمع: – «قام… الحمدلله… قام بسلامة.» ذوق شهقت بابتسامة: – «الحمدلله يا رب… عساك دايم كذا، أشوف هالفرح بوجهك.» هز راسه وهو يبتسم: – «اللحين بروح أبشّر عادل ومازن… وراكـان بعد، بغيت أنساه.» مسك جواله، اتصل واحد واحد، جمعهم على كوفي قريب. جلسوا حول الطاولة. عادل كان أول الواصلين، ملامحه متوترة كعادته، بعده مازن، هادي بس عيونه تفضحه، وأخيرًا راكان، ساكت، يراقب الوجوه. يزن جلس، تنفّس نفس عميق، وقال بابتسامة ما قدر يخبيها: – «جاسم… قام.» ثانية صمت. وبعدين— مازن شهق، قام واقف بدون ما يحس: – «صدق؟» يزن هز راسه: – «صدق.» مازن غطى وجهه بيدينه، ضحك وبكى بنفس اللحظة: – «الحمدلله… كنت أحلم بهاليوم.» عادل نزل راسه، تنفّس بعمق: – «يعني… يعني راح؟ راح الخوف؟» يزن: – «لسه طريقه طويل… بس قام.» عادل ابتسم ابتسامة هادئة، فيها ارتياح شخص كان شايل حمل: – «الحمدلله.» راكان ما تكلم أول لحظة، بس عيونه لمعت. قال بصوت منخفض: – «كنت حاس… بس ما تجرأت أقول.» ضحكوا بخفة. ضحكة ارتياح، مو فرح صاخب. يزن ناظرهم واحد واحد، وقال: – «تدرون؟ هالشي اللي مرّينا فيه… غصب علينا نكون أكثر من أصدقاء.» عادل: – «صرنا نكمّل بعض.» مازن: – «وما نضيع مرّة ثانية.» راكان: – «ولا نكرر الغلط.» جلسوا شوي، كأنهم يسترجعون كل شي بدون كلام. وفي ذاك الكوفي الصغير، اجتمعوا مو بس عشان خبر… اجتمعوا لأن جاسم، بكل الطرق الغلط اللي صارت، أجبرهم يكونون عائلة اختارت بعضها مو صدفة. عند سلطانه… وقفت عند باب الغرفة، تبي تطلع… وتبي تبقى. جاسم كان يناظرها بعين طفل تعلّق، وقال بصوت ضعيف، فيه استعطاف: – «يمّه… خذيني معاكم.» قلبها انقبض. قربت منه، مسحت على شعره: – «يا عمري… بكرا نرجع لك.» لفّ سطّام عليه بنظرة أب ما تعوّد يشوف ولده ضعيف، وقال بحنان ثابت: – «ودّنا ناخذك… بس تحتاج رعاية مركّزة.» قرب منه أكثر: – «بكرا لو ما صار إلا الخير، جايين عندك… جايين.» جاسم هز راسه بتعب، وكأنه اقتنع لأنه يثق فيهم. طلعوا. انتهت الزيارات. رجعوا البيت. الحوش كان مليان انتظار. أول ما دخلوا، الكل لفّ عليهم. الجوهره: – «ها يمّه… كيف حاله؟» أسيل: – «وش قال؟ سأل عننا؟» ماجد: – «جاوبوا.» جلست سلطانه بينهم، وسطّام جلس جنبها. قالت بهدوء: – «ما يبي يبعد أكثر… بس الدكتور يقول لازم يقعد أقل شي أسبوع، عشان يتأكدون إنه بخير.» أسيل حطت يدينها على بطنها، وهمست لنفسها بابتسامة دموع: – «يا طفلي… وعدتك تتطلع وتشوف خالك، والحين بدا يجي.» الجوهره رفعت يدينها: – «الحمدلله يا رب.» جت حنان ومعها القهوة والشاي، جلست، وقالت بثقة: – «يمّه… عندي فكرة.» سلطانه: – «تفضلي.» حنان: – «بكرا إن شاء الله… نروح لجاسم كلنا.» سلطانه استغربت: – «بس كيف؟ أقل شي شخصين يدخلون، أو ثلاث بالكثير.» حنان ابتسمت: – «يمّه نسيتي إن نوف تشتغل هناك؟ وزوجها بعد… يقدرون يدبّرون لنا واسطة.» ماجد تحمس: – «إيه يمّه… فكرة.» سلطانه هزت راسها: – «تمام.» ومن ذاك الوقت، البيت تحوّل لخلية تجهيز. واحدة تجهز أكل، وحدة تفكر بحلى، وكل واحد يبي ياخذ شي يفرّح جاسم. حنان لحالها، راحت غرفتها، جهزت ملابس مريحة، بطانية، مخدة. تعرف أجواء المستشفى، وتدري إن ملابسهم مو مريحة، والبرد يجي فجأة. سلطانه كلمت نوف، شرحت لها الخطة. نوف قفلت من أمها، وكلمت غيث. غيث قال بدون تردد: – «ازهلّوها.» وفي ذاك البيت، كان الكل يتحرك مو لأن الزيارة مسموحة… لكن لأن الاشتياق ما يعرف القوانين. في اليوم التالي… وبعدما أشرقت شمس ليل كان أطول من قدرتهم على الاحتمال. الكل كان يتحرّك بلهفة، مو لأن الزيارة طويلة، لكن لأنها مسموحة. رسالة غيث وصلت: سمحوا لكم بس ساعتين… هذا اللي قدرت أقنعهم فيه. وما أحد قال “قليل”. الكل قال: ساعتين أحسن من لا شي. حملوا أغراضهم، كل واحد شايل شوقه قبل كيسه، وراحوا. دخلوا الغرفة… وأول شخص ما قدر يمسك نفسه كان ماجد. اندفع، ارتمى في حضن جاسم، وصوته مكسور من دموع الحنين: – «جاسم… أخيرًا شفتك… أخيرًا قبل لا أموت.» جاسم لف ذراعه عليه قد ما يقدر، وهمس: – «وحتى أنا…» ابتعد ماجد شوي، وفتح المجال. واحد ورا الثاني… حضن… ثم حضن… ثم حضن. جلسوا حوله، قريبين كأنهم يخافون يبعد ثانية. جاسم لف نظره عليهم، ووقفت عينه عند أسيل. ابتسم وقال بخفة: – «شكله فيه واحد بالطريق؟» أسيل مسحت على بطنها بابتسامة: – «إيه… فيه.» سلطانه قربت أكثر، صوتها هادي بس مليان أمومة: – «جاسم… أبي أعرف… لما طلعت من هنا، وش صار عليك؟» جاسم تنهد تنهيدة طويلة. واضح إنه ما يبي يفتح الذاكرة… لكن عشان أمه فتحها. – «أول ما طلعت من هنا… قلت خلهم يولّون. قررت إن مالي قعدة بالديرة.» سكت لحظة، ثم كمل: – «كانت أقرب رحلة موسكو. أخذت جوازي وسافرت. تركت اسمي هنا… وأخذت اسم معتز.» نزل صوته: – «سجلت بجامعة… قلت بنساكم. بس ما نسيتكم… كل يوم العذاب يزيد.» رفع راسه: – «لين قابلت واحد… ارتاح له قلبي. كان مازن. شاركته كل حياتي بروسيا… وأنا مخفي عنه كل شي.» تنفس بعمق: – «بدأت أنساكم شوي… لين جاء اليوم اللي ما توقعته.» التفت لراكان: – «تعرفت على واحد… واكتشفت إنه راكان ولد عمي. هنا حسيت الماضي رجع… أقوى من أول.» ابتسم ابتسامة باهتة: – «مثّلت إني معتز… وراكـان صدقني.» ثم نبرته ثقلت: – «لين كلمتني خالتي صيته عن قصتي… اللي أنا أعرفها أكثر من أي أحد. مثّلت إني ما أعرف شي… طلعت وأنا كلي ألم.» سكت… ثم قال: – «بعدها جاء يزن.» رفع عينه: – «عرفته من أول لحظة… بس هو لا.» ابتسم بحزن: – «كنت أبي أصرخ… أقول: أنا جاسم. وأركض أضمه.» لكن صوته صار أخفض: – «قررت أدفن الماضي. نظراته كانت تفضحني.» ضحك بخفة: – «لما شبّهوني بك يا ماجد… طلبت صورتك. مو لأني ما أعرفك… كنت خايف أنسى وجهك.» تنهد: – «هربت… زي عادتي.» الكل ساكت. يسمع… يتألم… يفهم. قال بهدوء: – «حضرت ملكة أسيل… تعمدت أطيّح الخاتم… وأتصل. أبي أقول لكم إني بينكم.» نظر لأبوه: – «شفتك يا يبه… نفس الوقفة… نفس الصدر اللي يرحب بالكل.» خفض صوته: – «كذبت على نفسي قبلكم… قلت أنا معتز. بس قلبي رافض.» ابتسم بأسى: – «وهربت.» قالت أسيل بهدوء: – «تدري يا جاسم… أول شخص حس إنه يعرفك كانت نجود.» القلب دق. نجود… أول إحساس. أول غيرة. أول حقيقة ما فهمها وقتها. قالت نوف: – «وأول وحدة عرفت الحقيقة أنا وأسـيل… كان فيه جواز طايح. عادل طيحه متعمد. جواز مزور… عشان نتأكد.» قال ماجد: – «أذكر يوم ضربت اللي سممك… ما كنت أدري ليه. كنت أقول رد معروف… بس طلع شعور أخ.» قالت أسيل: – «وأنا حسّيت بخوفك يوم أغمي علي… لما أخذتني المستشفى.» جاسم ابتسم… ابتسامة راحة. وقال: – «خلاص… خلونا ننسى الماضي الموجع… ونفتح صفحة جديدة.» وفي تلك الغرفة، ما كانت ساعتين زيارة… كانت عمر كامل رجع مكانه. عند نجود… اليأس ما جاها فجأة، تسلّل لها شوي شوي، مع كل مرة تقول: بروح وترجع تقول: مو الحين. كانت تجلس بغرفتها، الجوال بيدها، تفتح اسمه… تسكره. كل مرة تقنع نفسها: اليوم أكسر هاليأس وأروح له. لكن دايم كان فيه شي يوقفها. مرّة كلمة سمعتها من أبوها. مرّة نظرة من أخوها. مرّة خوف ما له اسم. مو خوف منه… خوف عليه. كانت تقول لنفسها: وش بقول؟ كيف أوقف قدامه؟ هل أعتذر؟ ولا أسكت؟ وكان الصمت أثقل من الكلام. تحاول تقوم… تجلس. تحاول تمسك الشنطة… تتركها. اليأس بدأ يبان عليها، مو بالبكاء، بالسكون. نظرتها صارت بعيدة، ضحكتها ناقصة، وصوتها إذا تكلمت كأنه متأخر خطوة. تعرف إن بينه وبينها باب واحد بس… لكن مفتاحه ثقيل. كانت تقول: أنا قوية. بس الحقيقة؟ بعض اللقاءات تحتاج شجاعة أكثر من الفراق. وظلّت نجود بين خطوة ما انخطت… وقلب واقف قدّام باب ما انفتح إلى الآن. في اليوم التالي… عند راكان ويزن وعادل ومازن، دخلوا المستشفى سوا، الخطوات هالمرة أخف، والقلوب أهدى. دخلوا غرفة جاسم. أول ما شافهم، ابتسم ابتسامة واسعة، ابتسامة واحد رجعت له روحه. يزن كان مختلف، ضحكته راجعة، خفّة دمه حاضرة كأنها ما غابت. ناظر مازن بابتسامة ما تخلى من المزح: – «تدري إنك مسكين؟» مازن ناظره بطرف عين، وسكت. يزن كمل: – «لأنك الشخص الوحيد هنا اللي ما يعرفه من الطفولة.» ضحك راكان، وعادل هز راسه: – «صدق.» جاسم رفع حاجبه، وقال: – «يزن… إنت جاي تزورني ولا تفضحني؟ حدّد.» يزن قرّب شوي، وقال وهو يضحك: – «ودي أقول كل شي عنك… بس بعدها أتذكر إني لازم أستُر عليك.» ضحكوا كلهم، ضحكة حقيقية، ضحكة كسرت ثقل الأيام الماضية. جاسم كان يضحك معهم، وجهه منوّر، وكأن الغرفة ضاقت عليهم من الفرح. وفي ذاك الوقت القصير، نسوا الأجهزة، ونسوا المستشفى، ونسوا الألم. كانوا بس شباب رجعوا لبعض… من غير خوف.