الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل الخامس عشر - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر

يزن راح للشركه دخل يزن غرفة مازن بدون مقدمات. ما كان فيه سلام، ولا حتى نظرة اعتذار عن الاقتحام مازن رفع عينه من الجوال وحس بالجو قبل لا ينطق قال بهدوء حذر «وش فيك؟ يزن وقف قدامه، ما جلس صوته كان منخفض… وهذا أخطر شي «أبيك تفكر زين قبل لا ترد هل فيه أحد… أحد واحد بس… جاسم كان بينه وبينه شي؟ اشتباك، خلاف، تهديد، أي شي. مازن سكت سكوته كان أطول من اللازم يزن حسها القلب دق أقوى «تكلم. مازن زفر، مرر يده على وجهه، كأنه يحاول يرجّع صورة قديمة «كان فيه واحد… بس ما حسبته يوصل لهالمرحلة. يزن قرب خطوة «مين؟ مازن قال الاسم بدون تفكير زيادة، كأنه ما كان يدري وش بيصير بعدها «رافع. الدنيا وقفت حرفيًا يزن ما رد ولا رمش الاسم دخل رأسه واستقر بمكان مؤلم «رافع؟ قالها يزن بهمس، مو سؤال… تأكيد مازن كمل، وهو ما ينتبه لتغير ملامح يزن «كان يشتغل مع جاسم، وانطرد كان دايم يلومه، يقول هو السبب آخر مره شفته كان معصب بشكل مو طبيعي… لكن يزن ما عاد يسمع صورة رافع مرت قدامه كاملة نظراته حقده كلامه اللي كان دايم مليان سم رافع… أقرب واحد لجاسم وقتها رافع اللي كان يدخل بيته رافع اللي يعرف مواعيده هنا الدّم فعلاً غلى مازن انتبه أخيرًا، قال بسرعة «يزن، استنى— لكن يزن كان بالفعل يلف يمشي بخطوات سريعة، قاسية مازن لحقه «وين رايح؟ وين؟ يزن فتح الباب بقوة، التفت له، عيونه سودا من الغضب قال بجملة وحدة، ثابتة، تخوف «بحط حد للمهزلة هذي. «يزن لا—! لكن الباب انقفل السيارة انطلقت يد يزن كانت ترتجف على الدركسون، مو خوف… قهر أنفاسه متسارعة، رأسه مليان فكرة وحدة خانك واحد كنت تحسبه أقلهم شر اتصل ما رد اتصل مرة ثانية ولا شي ابتسم يزن ابتسامة ما فيها شي زين «تمام… أنا جايك. واللي كان أخطر إنه ما كان ناوي يسمع تفسير عند نجود… كانت نجود جالسة عند الشباك، مو تنتظر أحد… ولا حتى تفكر إنها تنتظر. بس فيه شعور ثقيل، كأنه شي ناقص بالمكان، كأنه الهواء مو كامل. الشمس داخلة بهدوء، نفس كل يوم، لكن قلبها مو على نفس الهدوء. لاحظت إنها من الصباح ما مسكت جوالها. ولا مرة. وكأنها تخاف تشوف شي… أو تخاف ما تشوفه. سمعت صوت أبوها من الغرفة الثانية يكلم راكان. ما كانت تقصد تسمع، لكن بعض الكلمات لها وزن، تجبرك توقف. «…حالته حرجة بس مستقرة.» سكتة. «الدعاء أهم شي الحين.» نجود ما تحركت. ولا رمشت. الكوب اللي بيدها برد، بس أصابعها كانت باردة أكثر. قربت خطوة لا إراديًا. صوت راكان جا أوضح، مخنوق: «يزن انهار… ما أحد توقع كذا.» هنا — وهنا بس — فهمت. ما نزلت دمعة. ولا صرخة. ولا حتى شهقة. رجعت مكانها بهدوء مبالغ فيه، جلست، وعدلت طرف العباءة كأنها تهتم بالتفاصيل. داخلها؟ كان شي يتكسر… بدون صوت. هو صح ما قالوا اسمه. بس القلب ما يحتاج اسم. مرت قدامها صور ما كانت تبغاها: ضحكته. وقفة كتفه. الطريقة اللي كان يحاول يكون “طبيعي” وهو مو بخير. قالت لنفسها بهمس، كأنها تثبت شي: «لا… مو ممكن.» لكن الصوت اللي رد عليها كان أوضح: ممكن… وصار. قامت، دخلت غرفتها، سكرت الباب. جلست على طرف السرير، حطت يدها على صدرها. ولا دموع. ولا صوت. بس ألم بطيء… يمشي فيها من الداخل، كأنه يعرف كل زاوية ضعف. عند مازن… كان واقف بنص الصالة، الجوال بيده من دقايق بس ما ضغط اتصال إلا لما حس إن الصدر ضاق زيادة عن اللزوم. هو يعرف يزن… ويعرف النظرة اللي شافها بعيونه قبل يطلع. اتصل. رنّ مرتين. عادل رد بصوت متعب، بس واعي: «هلا مازن.» مازن ما لف ولا دار: «عادل… يزن مو طبيعي. نبرته، سكوته، طريقته وهو طالع… هذا مو حزن بس.» سكت لحظة، كأنه يجمع الكلمات. «هذا يزن اللي إذا قرر شي يسويه بدون ما يفكر بالعواقب.» عادل ما رد على طول. كان يسمع… ويحسب. هو أكثر واحد يعرفهم الاثنين، يعرف متى جاسم يختفي، ومتى يزن يتحول من الصمت للفعل. قال بهدوء يخوف: «وين آخر مكان شفتوه فيه؟» مازن: «طلع من عندي وهو معصّب… قال بحط حد للمهزلة هذي.» عادل غمض عيونه. الكلمة هذي ما تطلع من يزن عبث. «إذا قال كذا…» تنفس بعمق، «معناه إنه رايح لشخص، مو مكان.» مازن توتر: «تعرف وين؟» عادل فتح درج سيارته وهو يكلم: «أعرفهم الاثنين، وأعرف يزن إذا غضب ما يروح لأقرب طريق… يروح لأقرب وجع.» وقف لحظة قبل يكمل: «وإذا كان الموضوع جاسم، ففيه أسماء معينه تطلع براسه.» مازن صوته نزل: «رافع؟» عادل ما أنكر. ولا أكد. بس قال: «خلّك قريب من جوالك. وأنت… لا تطفيه.» قفل الخط، وهو يشغل السيارة. كان يعرف شي واحد: لو سبق يزن بخطوة، يمكن ينقذ أكثر من شخص… مو بس واحد. والطريق قدامه؟ كان أطول مما يبان. عند عادل بعدما قفل من مازن… قفل الجوال، بس صدى الكلام ما قفل معه. وقف لحظة جنب السيارة، يده على الباب، والهواء البارد يمر من حوله وهو ما يحس فيه. كل شي داخله كان صاحي زيادة عن اللزوم. يزن إذا وصل لهالمرحلة… ما يسمع. ولا يشوف قدامه إلا فكرة وحدة. ركب السيارة، دار المفتاح بقوة، وصوت المحرك طلع أعلى من اللازم كأنه يشاركه القلق. وهو يسوق، عقله يسبق الطريق. مو بس يفكر وين راح يزن يفكر: — وش ممكن يسوي؟ — وش بيصير لو واجه رافع؟ — وهل يزن مستعد يخسر نفسه عشان جاسم؟ ضغط على الدركسون، وأسنانه احتكت ببعض. «جاسم… حتى وأنت بين الحياة والموت، قاعد تجرّنا كلنا معك.» فتح الجوال مرة ثانية، تردد يتصل على يزن. يعرفه… لو اتصل عليه الحين، يا يقفل، يا يكذب، يا يثور. اختار طريق ثاني. اتصل على رقم يعرفه زين. مو صديق، ولا قريب، لكن حلقة. رن… ثم انفتح الخط. «هلا؟» عادل: «أبيك تنتبه لي شي واحد بس. لو شفت يزن، أو مر من عندكم، أو حتى سألك عن رافع… تتصل علي فورًا.» الطرف الثاني سكت، ثم قال: «واضح إن الموضوع كبير.» عادل بصوت منخفض، حازم: «أكبر مما تتخيل.» قفل، وعينه على الطريق. في داخله إحساس مزعج… إحساس إن الوقت يركض، وهو يركض وراه، بس يمكن يتأخر نص دقيقة. رفع صوته لنفسه، كأنه يخاطب شخص قدامه: «لا تسبقني يا يزن… بس هالمرة لا.» والسيارة اندفعت، والليل ما كان ناوي يساعد أحد. عند يزن… وقف يزن عند مدخل السكن، نفس المكان اللي يعرفه زين، مو لأنه مرّ عليه مرة أو مرتين، لا… لأنه كان جزء من أيام ما كان يشك بأحد. نزل من السيارة، وصفق الباب وراه بدون ما يحس. الهدوء بالمكان مو مريح، هدوء يشبه الهدوء اللي يسبق الغلط. رفع رأسه، ناظر العمارة، الأدوار متشابهة، الشبابيك متقاربة، بس هو يعرف أي شباك يخص رافع، كأنه محفور بذاكرته. طلع الدرج ببطء، خطوة… ثم خطوة. قلبه ما يدق بسرعة، العكس، كان بارد بشكل يخوف. وصل قدام الباب. وقف. مد يده… وتردد جزء من الثانية. مو خوف، شي أقرب لآخر فرصة للعقل إنه يتدخل. لكن العقل كان متأخر. دق. دقة وحدة. ثقيلة. انتظر. ولا صوت. دق مرة ثانية، أقوى. من داخل، صوت حركة، جر رجل، ثم صوت قفل ينفتح. انفتح الباب شوي، ورافع طالع بنص وجهه، ملامحه متغيرة، عينه أول ما وقعت على يزن… عرف. حاول يسكر الباب. بس يزن كان أسرع. حط رجله، ودفع الباب بكتفه ودخل. رافع بصوت مهزوز: «وش تبي؟» يزن ما رد. سكّر الباب بهدوء غريب، هدوء يناقض النار اللي داخله. لف عليه، وقف قريب، قريب زيادة عن اللزوم. قال بصوت منخفض، ثابت: «تعرف وش أكثر شي يوجع؟» رافع بلع ريقه. ما تكلم. يزن كمل: «إنك تطعن واحد ما كان يتوقع منك الطعنة.» خطوة للأمام. رافع رجع خطوة لورا. «جاسم… وش كان بينك وبينه؟» رافع حاول يتماسك: «ما… ما أدري وش تقصد.» ابتسم يزن، بس الابتسامة ما وصلتها عيونه. «لا تكذب، ترى الكذبة هنا ما تنقذك.» صمت ثقيل نزل بينهم. رافع عيونه تهرب، وهروبها كان الجواب. يزن حس الدم يغلي، مو غضب أعمى… غضب واعي، غضب يعرف بالضبط وين يضرب. لكن فجأة… رن جواله. صوت الرنة قطع الجو كالساطور. يزن ناظر الشاشة. اسم عادل. رفع عينه لرافع مرة ثانية، وقال بهدوء مرعب: «بنرجع نكمل… بس مو الحين.» طلع، وترك رافع واقف، أنفاسه متقطعة، ويدينه ترتجف. وبرّا… يزن رد على الاتصال. «وينك؟» صوت عادل كان مشدود. يزن وهو ينزل الدرج: «بمكان ما كان لازم أجيه لحالي.» عادل سكت لحظة، ثم قال: «أسمعني زين… اللي جاي أخطر من اللي فات.» يزن وقف عند آخر درجة. رفع رأسه. والليل فجأة حسه أقرب. «أنا جاهز.» عند راكان… وصل له الخبر متأخر. متأخر لدرجة تحرق. ما كان فيه أحد قدامه، ولا صوت غير أنفاسه. جلس ساكت، كأن المعلومة علّقت بالهواء وما قدرت توصل لعقله مباشرة. جاسم… الاسم لحاله كان كفيل يرجّع ثلاث سنوات دفعة وحدة. روسيا. الغربة. الثلج. السكن. الضحك اللي كان يجي فجأة والسكات اللي أطول منه. معتز. شدّ على يده بدون ما يحس. الإحساس القديم رجع… نفس الإحساس اللي كان يمر عليه ثم يهرب منه. ذاك الشعور اللي يقول: أنا أعرفك… بس ما أدري ليه. كم مرة حس إن ملامحه مألوفة؟ كم مرة حس إن صوته قريب؟ كم مرة حس إن صمته يشبه صمت شخص فقده؟ وكان يكذب نفسه. كل مرة. يقول: أوهام. حنين. تشابه. واليوم؟ الأوهام طلعت حقيقة. والحقيقة جات متأخرة. قام يمشي بدون هدف، خطواته ثقيلة كأن الأرض تشدّه لتحت. ثلاث سنوات… ثلاث سنوات كان قريب. قريب أكثر من أي شخص ثاني. وأعمى. مو لأنه ما كان يبي يعرف، لكن لأنه خاف يصدق إحساسه. والقهر؟ إنه كان يقدر يوقف أشياء كثيرة لو بس واجه نفسه. وقف فجأة، رفع يده على وجهه، مسح عيونه بقوة كأنه يحاول يمسح الفكرة نفسها. همس لنفسه بصوت مكسور: «كنت قدامك… وأنا آخر واحد يشوفك.» ما بكى. ولا قدر. الألم كان أكبر من الدموع. عرف في هاللحظة إن التأخر أحيانًا أقسى من الخيانة. وإن الشعور اللي كذّبه زمان راح يلاحقه طول عمره. وسكت. بس السكات هالمرة ما كان هدوء… كان بداية وجع ما له رجعة. عند يزن… الكوفي كان هادي أكثر من اللازم. هدوء يستفز. جلس يزن قدام عادل، كوب القهوة قدامه من يوم جا ولا مد يده له. عينه ثابتة، بس اللي يعرفه زين يدري إن الهدوء هذا قبل العاصفة. عادل حاول يكسر الصمت، صوته واطي: «يزن… قبل لا تسوي أي خطوة، فكر. لا تخلي الغضب—» ما كمل. يزن رفع رأسه فجأة، ونظرته كانت حادة، مو غضب بس… خذلان. ضحك ضحكة قصيرة، ناشفة، وقال: «أفكر؟» وقف الكوب يهتز بين أصابعه، ثم دفعه بعيد كأنه يبي يبعد كل شي. صوته ارتفع غصب: «أفكر؟ بعد كل اللي صار؟» قرب من عادل، مو بجسمه… بكلامه. «وينك؟ وين كنت؟ ليه ساكت؟» عادل حاول يتكلم، بس يزن ما عطاه فرصة. «كان قدامي! قدامي يا عادل! أشوفه، أسمعه، أحس فيه… وأنت؟» صوته انكسر شوي، بس كمل بقهر: «أنت كنت تعرف. تعرف أكثر مني. وسكت.» سكت لحظة، ثم ضرب الطاولة بيده، مو بقوة لكن كفاية تهز اللي حولهم. «كنت أقدر أوقف كل شي. كنت أقدر أحميه. كنت أقدر…» صوته خانته. الكلمة ما طلعت. عادل نزل عيونه، قال بهدوء متعب: «يزن، أنا—» قاطعه يزن، صوته واطي هالمرة وأقسى: «لا تبرر. السكوت قرار. وأنت اخترته.» تنفسه صار ثقيل، يده ترتجف، مو من الغضب بس… من الذنب. «كل ليلة أقول ليش هارب؟ ليش يتوتر لما أشوفه؟ ليش عيونه تقول شي لسانه ينكره؟» رفع عينه لعادل، والسؤال طالع من قلبه: «تعرف وش أقسى شي؟» عادل هز راسه بالنفي. «إني كنت قريب منه أكثر من أي وقت… وأبعد واحد عنه بالحقيقة.» سكت الاثنان. الكوفي صار ضيق عليهم. عادل أخيرًا قال: «كنت خايف عليك… وعليه.» يزن ابتسم ابتسامة موجوعة: «الخوف ما يحمينا دايم. أحيانًا… يضيعنا.» قام من مكانه فجأة، كرسيه احتك بالأرض بصوت مزعج. لبس جاكيته، وعادل قال بسرعة: «وين رايح؟» يزن وقف، ما لف، بس قال بصوت ثابت وفيه نار: «إذا أنا ما قدرت أنقذه قبل… ما راح أسكت الآن.» وطلع. وخلفه، عادل جلس يعرف إن العاصفة هالمرة ما راح توقف عند أحد. عند ماجد… البيت كان مليان حركة، أصوات، فناجين، أكل ينحط وينشال. كلهم يحاولون يعيشون طبيعي، أو يتظاهرون إنهم كذا. إلا هو. ماجد جالس، قدامه الصحن من وقت ولا تغير شي فيه. نفس المكان، نفس البرود. يمد يده… يرجعها. كأن اللقمة ثقيلة أكثر من قدرته. أقصى شي يسويه يرفع كاسة الموية، يشرب رشفة غصب، مو عطشان… بس عشان ما يطيح. جسمه نحف، وجهه شاحب، وعينه غرقانة بسهر ما يعرف نهاية. كل ما قالوا له: «كُل…» يهز راسه. ما فيه نفس، ولا فيه طعم. بالليل، أول ما ينام يفز. أنفاسه متلاحقة، يده تدور على شي ما هو موجود. يجلس على السرير، يحط كفه على صدره كأنه يتأكد إن قلبه باقي يشتغل. الخوف ما صار فكرة… صار إحساس ثابت. كل مرة يغمض عيونه يشوفه، بس المشهد دايم ينتهي بنفس الطريقة: يختفي. ماجد ما كان يخاف الموت، كان يخاف شي أسوأ: إنه يفقده وهو حي، يفقد الأمل قبل ما يفقد الشخص. يمسح وجهه، يحاول يرجع ينام، بس الفكرة أقوى: لو راح… وش يبقى لي؟ يقعد لين يطلع الضوء من الشباك، وإذا أشرقت الشمس كانه ما نام. وهو الوحيد بينهم اللي كان يعرف: الجوع مو في البطن… الجوع في القلب. عند أسيل… كانت جالسه بالصالة، ظهرها مسنود، يدها فوق بطنها بحركة لا واعية كأنها تحمي شي ثمين من الدنيا كلها. التعب باين عليها، مو تعب جسد وبس، تعب خوف… وخاطر ما يهدأ. فجأة، ابتسمت. ابتسامة خفيفة ما لها سبب واضح. الجوهره التفتت عليها بسرعة: – «خير؟ وش فيك تبتسمين؟» نوف قربت أكثر، نظرتها مليانه قلق: – «أسيل؟ تحسين بشي؟» أسيل سكتت شوي، كأنها تتأكد إن الإحساس حقيقي، وبعدها قالت بصوت واطي بس واثق: – «تذكرت…» سكتوا كلهم. قالت وهي تناظر الفراغ: – «يوم تعبت وودّاني جاسم المستشفى…» نوف شهقت بخفة، والجوهره شدّت يدها لا إرادي. كملت أسيل، والدمعة تلمع بعينها بس ما نزلت: – «كان يمشي جنبي خطوة بخطوة، ما تركني لحظه، حتى لما قالوا له اقعد برا قال لا… أخته.» ابتسمت مرة ثانية، ابتسامة فيها وجع وحنين: – «قلبه ما طاوعه يشوفني بهالشكل، كان يحاول يكون قوي بس صوته كان يرتجف.» سكتت، وحطت يدها على بطنها: – «قال لي لا تخافين، أنا معك… وأنا صدقته.» الصالة صارت هادية زيادة عن اللزوم. نوف دمعتها خانتها، لفت وجهها عشان ما تبين. الجوهره قربت من أسيل وضمتها بهدوء كأنها تضم الذكرى مو الشخص. أسيل همست: – «عشان كذا… أحس إن ربي ما راح يضيّعه.» وكانت أول مرة الأمل يدخل الصالة من غير ما يستأذن. عند سلطانه وسطّام… كانوا جالسين بالحوش، الليل توّه ينسحب ببطء، والهواء فيه برودة خفيفة تدخل العظم. سلطانه كانت تلف عباءتها حولها، مو من البرد، من القلق. سطّام ساكت، يناظر الأرض كأنها بتعطيه جواب. قالت سلطانه بصوت مكسور: – «تدري وش يقهرني؟» رفع راسه بهدوء: – «وش؟» – «إني كل ما أفتكر جاسم أفتكره صغير… وكل ما أحاول أشوفه رجال يضيع من عيني.» سكتت شوي، وبعدها قالت: – «حسّيت إني قصّرت، حتى وأنا أم.» سطّام تنهد، تنهد طويل كأنه شايل عمر: – «لا تقولين كذا… كلنا قصّرنا وكلنا نحسب إننا سوّينا اللي علينا.» ناظرها، وعينه مليانه ندم: – «أنا أبوه… وما عرفت وين راح، ولا وش كان يعاني.» سلطانه قربت شوي، صوتها صار أوطى: – «تدري؟ أكثر شي يعورني إني أحس إنه كان قريب مره قريب وما شفته.» سطّام ضغط على يده، صوته طلع متقطع: – «كنت أحس فيه… بس كنت أكذب إحساسي.» سكتوا. بس الصمت هالمرة كان أثقل من الكلام. سلطانه مسحت دمعتها بسرعة وكأنها خايفة يشوفها: – «بس بيرجع… قل لي بيرجع.» سطّام ما رد بسرعة، نظر للسماء، وبعدها قال: – «بيرجع… لأن ما فيه أب يتحمل يشوف ولده يضيع وما يرجع.» كانت كلماته مو وعد، ولا يقين… كانت دعاء. عند نجود… البيت كان هادي أكثر من اللازم، هدوء مو مريح، هدوء يخوّف. نجود جالسة على طرف السرير، يدها فوق يدها، نظرتها ثابته على نقطة ما لها ملامح، كأنها تشوف شي ما ينشاف. تغريد كانت تراقبها من بعيد، من وقت دخلت وهي حاسّة إن فيه شي مو طبيعي، مو بكاء، مو انهيار… هذا أخطر. قربت منها شوي وقالت بحذر: – «نجود؟» نجود التفتت لها بهدوء زايد، ابتسامة خفيفة رسمتها على شفايفها بس ما وصلت لعيونها: – «نعم؟» تغريد عقدت حواجبها: – «من الصبح وانتي كذا… ساكته زيادة عن اللزوم.» نجود ابتسمت مره ثانية، ابتسامة مدروسة: – «ما فيني شي.» قالتها بسرعة، كأنها جاهزة لها من قبل ما تُسأل. تغريد جلست قدامها: – «نجود… أنا أختك، إذا فيه شي قولي.» نجود أنزلت عيونها شوي، ثم رفعتها وهي تبتسم نفس الابتسامة: – «صدقيني… ما في شي.» بس يدها خانتها، ارتجفت لحظة ورجعت تثبت نفسها. تغريد شافت الرجفة، وسكتت. عرفت إن الكلام الآن ما له فايدة. نجود قامت بهدوء، عدلت شعرها، وكأنها تمثل دور متقن: – «بروح أرتاح شوي.» ومشت. وتغريد ظلت مكانها، تناظر الباب بعد ما تسكر، وقلبها يقول إن هالهدوء مو سلام… هذا هدوء شخص عرف الحقيقة وقرر يكتمها لين تنكسر من داخله. عند يزن… وصل قدّام السكن، وقف سيارته بعنف، نَفَسه كان ثقيل كأن صدره مليان نار. طلع، دخل بدون ما يسأل، بدون ما يطرق، عيونه تدوّر على وجه واحد وبس. شاف رافع. واقف، مرتبك، واضح إنه ما كان متوقع هالزيارة… ولا بهالشكل. يزن تقدّم خطوتين، صوته كان هادي أكثر من اللازم، والهدوء هذا أخطر من الصراخ: – «تعرف وش أكثر شي يقهر؟» رافع ما رد، بس بلع ريقه. يزن كمل، صوته بدأ يرتجف مو خوف… غضب: – «إني أنا اللي وظّفتك، وأنا اللي عطيتك أحلى مكان، وأنا اللي لما طردتك ضميري كان يأنبني.» ضحكة قصيرة، مكسورة طلعت منه: – «كنت أقول يمكن الظروف، يمكن الرجال انظلم…» قرب أكثر، صار بينهم مسافة نفس واحد: – «بس اليوم؟ اليوم أنت تثبت لي إني كنت غلطان.» رافع حاول يتكلم: – «يزن… أنا—» يزن قاطعه بصوت انفجر أخيرًا: – «لا تنطق اسمي!» سكت لحظة، ثم قال بنبرة باردة تخوّف: – «أنت ما قدرت تواجهني، ما قدرت توقف قدّامي وتقول أنا أكرهك، اخترت أقرب الناس لي… لأنك ضعيف.» رفع إصبعه قدامه: – «ولو كنت رجال كان جيتني أنا.» رافع تراجع خطوة، واضح عليه الانهيار. يزن قال آخر كلماته، كل حرف فيها محسوب: – «لا تفكر إنك كسرتني، أنت بس كشفت نفسك.» لف وراح، ترك المكان كله يرتجف من صدى صوته. ورافع… جلس مكانه، لأول مرة يحس إنه مو بس خسر شغل، خسر أمانه كله. عند مازن… كان جالس بهدوء يثير الشك، اللي يشوفه يقول: متماسك، بس داخله؟ كان حطام… وكل ذكرى تمر تكسر قطعة زيادة. مازن ما كان من النوع اللي ينهار بصوت، هو ينهار بصمت، ينكسر وهو ساكت. اشتاق. اشتاق لخويه الوحيد. صحيح دخل بحياته يزن، وعادل، وراكان، بس جاسم؟ جاسم كان شيء ثاني… كان البداية. رجع بذاكرته خمس سنوات ورا، أول يوم له بروسيا. ابتسم غصب عنه. تذكّر جاسم وهو واقف قدامه، عيونه تلمع بالحماس، ما يفهم كلمة روسي وحدة، ومع ذلك يحاول يتكلم بثقة غريبة. – «مازن… اللغة صعبة، بس بتعلمها.» كان يقولها وكأنها وعد، مو مجرد كلام. يضحك وهو ينطق الكلمات غلط، ولا يهتم بنظرات الناس، ولا بإحراج، ولا بشي. كان يقول: – «أنا ما أحب أكون واقف مكاني.» مازن وقتها ضحك، وقال له: – «تراك مجنون.» واليوم… يتمنى يرجع يسمع هالجملة. يتمنى يشوفه يغلط، يضحك، يحاول. مرّت الذكرى قدامه كفيلم بطيء، وجعها مو بالصوت، وجعها بالفراغ. قال بصوت منخفض، كأنه يكلمه: – «تعلمت اللغة يا جاسم… بس أنت وين؟» ما جاوب أحد. ولا حتى الصمت عطاه عزاء. جلس مازن، هادئ من برا… ومن جوّا كان ينهدم قطعة قطعة. عند معاذ… كان جالس لحاله، ماسك جواله، يقلبه بين يده بدون ما يفتحه. تفكيره كله عند سؤال واحد: وش ممكن يسوي يزن؟ معاذ يعرف أخوه… يعرفه زين. يزن إذا سكت كثير معناه العاصفة جايه. مو من النوع اللي يصرخ ويهدد، يزن إذا تهوّر يسويها بهدوء يخوّف. مرّر يده على وجهه بتعب، وتنفس بعمق، كأنه يحاول يلحق فكرة تهرب منه. قال لنفسه: لو أخوي تهوّر… مين بيوقفه؟ يزن مو ضعيف، ولا متهور بطبعه، بس اللي صار أكبر من قدرته على التحمل. جاسم مو صديق بس… جاسم كان نصفه الثاني، الجزء اللي إذا اختفى يخلّي الإنسان يضيع. معاذ تذكّر نظرة يزن آخر مرة شافه فيها، نظرة ما فيها دموع، ولا صراخ، بس فيها قرار. وهذي أخطر شي. قام وقف، مشى شوي، رجع جلس. كل السيناريوهات تمر براسه: – لو راح لرافع – لو واجهه – لو خرج عن سيطرته لحظة وحدة شد على فكه وقال بصوت واطي: – «لا… يزن مو كذا.» بس صوته ما كان مقنع حتى له. رفع جواله أخيرًا، كتب رسالة، مسحها. كتب مرة ثانية، وتوقف. وش أقول له؟ انتبه؟ فكر؟ لا تسوي شي؟ يزن بهالمرحلة ما يسمع، يزن بهالمرحلة يحس فقط. حط الجوال جنبه، وسند ظهره، وناظر بالسقف. قالها بصدق، بدون تمثيل: – «يا رب… بس لا يخسر نفسه بعد.» كان يعرف شي واحد أكيد: لو يزن تهوّر، الموضوع ما راح يوقف عند شخص واحد. والقادم… أثقل من الكل. معاذ وهو يدخل على شوق… كانت جالسة بهدوئها المعتاد، تمسك كتاب لكن عيونها ما كانت تقرأ، تحس فيه قبل لا يتكلم. أول ما شافته بهالقلق سكرت الكتاب وحطته جنبها وقالت: – «واضح إنك شايل هم مو بسيط… وش صاير؟» جلس قدامها، مسح وجهه بكفه كأنه متعب من التفكير أكثر من السهر. قال بصوت واطي: – «يزن… خوفي عليه.» رفعت شوق رأسها، ما استعجلت بالسؤال، تعرف إن معاذ يحتاج يرتّب أفكاره بنفسه. كمّل: – «أخاف يسوي شي ما يقدر يرجع عنه… اللي صار مع جاسم كسر شي داخله.» شوق مالت شوي للأمام، نبرتها هادية بس ثابتة: – «يزن إذا انكسر… وش يسوي عادة؟» معاذ تنهد: – «إما ينسحب ويسكت… أو يواجه بكل قوته.» سكت لحظة، ثم قال اللي كان مخوفه فعليًا: – «وهالمرة أحسها مواجهة.» شوق ما قاطعته، عقلها يشتغل، تجمع التفاصيل. قالت: – «طيب، خلنا نفكر بعقله مو بعاطفتنا. يزن مو شخص دموي، ولا يسوي شي يدمّره بنفسه… بس هو يكره الظلم، ويكره يحس إنه عاجز.» معاذ رفع عيونه لها: – «يعني؟» قالت بهدوء: – «يعني إذا حس إن العدالة بيده، بيتحرك. مو عشان ينتقم… عشان يوقف الوجع.» هالكلام زاد قلقه: – «وهذا اللي يخوفني.» ابتسمت شوق ابتسامة خفيفة، مو ابتسامة راحة، ابتسامة شخص فاهم الألم. قالت: – «اللي يوقف يزن مو المنع، ولا الأوامر… اللي يوقفه شخص يذكّره بنفسه.» سكتت شوي ثم أضافت: – «ذكّره بجاسم وهو حي، مو وهو بين الحياة والموت.» معاذ حس بالكلمة ضربت مكانها. قال: – «بس كيف؟» قالت بثقة: – «أنت أقرب واحد له بهالوقت. مو لأنك أخوه بس، لأنك الشخص اللي يزن يحترم رأيه حتى وهو معصّب.» وقفت، حطت يدها على كتفه: – «روح له قبل لا يوصل لمرحلة القرار. مو عشان توقفه… عشان ما يكون لحاله.» معاذ تنفس بعمق، كأن جزء من الفوضى داخله هدي. قال: – «أخاف أوصل متأخر.» شوق نظرت له بثبات: – «حتى لو متأخر… وجودك ممكن يغيّر النهاية.» قام معاذ، وهو لأول مرة من بداية الليلة يحس إن عنده شي يسويه، مو بس يفكر. طلع، وترك شوق تدعي بصمت: يا رب… احفظهم من قرارات الغضب. عند ماجد… ما سمع كلام أحد. ولا حتى وهو يشوف القلق بعيون أخواته، ولا وهو يسمع: «اقعد، حنا نروح بدالك» كأن الجملة ما وصلت له أصلًا. لبس بسرعة، طلع بدون ما يلتفت، قلبه يسبقه بخطوات. الطريق للمستشفى كان أطول من العادة، الإشارات بطيئة، والشوارع كأنها متآمرة عليه. كل فكرة براسه تنتهي بنفس السؤال: عايش؟ وصل. دخل وهو يحاول يتمالك نفسه، مو أول مرة يدخل مستشفى… بس أول مرة يدخل وهو خايف لهالدرجة. وقف عند الاستقبال، سأل بصوت حاول يخليه ثابت: – «لو سمحت… حالة جاسم سطام الـ... …» الممرضة طالعته، كتبت شي، رفعت رأسها وقالت: – «الدكتور المسؤول عن حالته انتهى دوامه قبل شوي.» الجملة نزلت عليه مثل الماء البارد. قال بسرعة: – «طيب… كيف حالته؟ مستقرة؟» ترددت. – «ما أقدر أعطيك تفاصيل… بس تقدر تنتظر، الدكتور المناوب بيفيدك.» انتظر. جلس على الكرسي، يدينه معقودة بقوة، رجله تهتز بدون ما يحس. كل صوت جهاز، كل باب ينفتح، يحس إنه ممكن يكون الخبر اللي يكسر ظهره. طلع الدكتور المناوب. ماجد وقف قبل لا يناديه أحد. قال: – «أنا أخوه.» الدكتور طالع الملف، رفع عيونه وقال بهدوء مهني: – «هو الآن بالعناية… حالته حرجة لكنها مستقرة مبدئيًا.» حرجة. الكلمة علقت في صدره. سأل بصوت مبحوح: – «يعني… فيه أمل؟» الدكتور سكت لحظة، ثم قال: – «نحن نسوي اللي علينا… والامر كله لله.» ماجد هز رأسه. ما قال شي. رجع جلس، وهالمرة ما قدر يمنع الدموع. نزلت وحدة… ثم الثانية. همس لنفسه، صوت بالكاد ينسمع: – «كنت فاكر إن فقدناك مرة… طلعت ما كنت مستعد أفقدك مرة ثانية.» رفع رأسه، ناظر باب العناية كأنه يشوفه وراه. أول مرة، مو بس يخاف يفقد أخوه… يخاف يفقد الأمل. تشرق شمس الصباح بعد ليل طويل… شمس باهته، كأنها مترددة تدخل يومٍ مثقل. عند معاذ. يزن وافق يفطر عنده، بس من أول خطوة داخل البيت وهو حاس إن الفطور هذا مو عادي. فيه كلام متخبّي بين الصحون، وفيه أسئلة ما تنقال إلا على مهل. تفاجأ بـ أبرار. أخته الكبيرة… اللي يوم كانوا صغار كانت الحضن، واللي بعد فقد أمهم صارت الأمان الصامت. نفس الابتسامة، نفس النظرة اللي تقول أنا فاهمتك حتى لو ما تكلمت. قالت له وهي تبتسم: – «تعال، تفضل، اجلس.» جلس. بس جسده هو اللي جلس… أما روحه فكانت بعيدة، عند باب العناية، عند وجه جاسم الشاحب. الفطور قدامه، بس يده ما امتدت. معاذ ساكت، يتعمد يعطي أبرار المساحة. أبرار صبت له القهوة، دفعتها بهدوء، وقالت: – «اشرب، حتى لو رشفة.» شرب. طعمه مرّ أكثر من العادة. سكتت لحظة، ثم فتحت الموضوع وكأنها ما فتحته: – «يزن… أنت تعرف إنك مو شخص عادي. مشاعرك قوية، وقراراتك لما تعصب أخطر.» ما رفع عينه. قال بصوت منخفض: – «وش تبغيني أسوي؟ أتفرج؟» ابتسمت أبرار ابتسامة حزينة، مو موافقة ولا معارضة. – «أبغاك تفكر. مو عشانك… عشان جاسم.» هنا رفع رأسه. قالت تكمل، وهي عارفة وين تضغط: – «جاسم لو كان صاحي، وش أول شي بيقوله لك؟ بيفرح إنك تحرق نفسك عشانه؟ ولا بيخاف عليك؟» سكت. عرفت إنها وصلت. قربت شوي وقالت بصوت أخف: – «أنت دايم تحس إنك المسؤول عن الكل. بس مو كل ذنب ينغسل بالغضب، ولا كل وجع ينحل بالاندفاع.» يزن شد فكه. عروقه باينه. قال: – «أبرار… لو خسرته، أنا ما أعرف أعيش بعدها.» هنا كسرت هدوءها، بس بلطف: – «وإذا خسرناك أنت؟ مين يعوضنا؟» الجملة ما كانت سؤال… كانت صفعة ناعمة. معاذ تدخل أخيرًا: – «أخوي، الحكمة مو ضعف. والسكوت مو خوف. خلنا نمسك النار قبل لا تحرق الجميع.» يزن رجع يسند ظهره، زفر نفس طويل، وكأنه لأول مرة يعترف: – «أنا تعبان… مو قادر أميّز الصح من الغلط.» أبرار مدت يدها ولمست يده: – «عشان كذا إحنا هنا. لا تمشي هالطريق لحالك.» يزن سكت. بس لأول مرة من أيام… الغضب خف شوي. مو راح. بس انكسر حدّه. وكان هذا أخطر شيء… لأن الهدوء اللي يسبق القرار، أخوف من الغضب نفسه. عند حنان… رجعت من إيطاليا مو لأن الطريق سهل، ولا لأن زوجها قدر يتفهم بسرعة، لكن لأن كلمة أخوي كانت أعلى من أي نقاش. أول ما وصلت، ما راحت لأحد… راحت لـ ماجد. اتصال سلطانه كان مختصر، لكنه ثقيل: – «حنان… حاولـي تهدينه. أنتِ الوحيدة اللي يسمع لها.» كانت عارفة. ماجد دايم يسوي نفسه قوي قدام الكل، إلا قدام حنان… قدامها يرجع طفل. دخلت عليه الغرفة بهدوء. الضوء خافت، الستارة مسحوبة نصها، والهواء واقف كأن الغرفة نفسها متعبة. ماجد منسدح على السرير، ملابسه نفسها من أمس، عيونه مفتوحة… بس ما تشوف. ما انتبه لها إلا لما حس بالسرير يخفّ. جلست جنبه بدون ما تتكلم. ثواني طويلة. هو يعرف وجودها… لكن مو مستعد يواجهه. قال بصوت مبحوح: – «ليش جيتي؟» ردت بهدوء، وكأنها ما سمعت السؤال: – «حتى وأنا بإيطاليا… كنت حاسّة فيك.» لف وجهه بعيد. عصبته بارزة. قال: – «أنا تعبت من الناس اللي تقول اصبر. من اللي تطلب مني أكون قوي.» حنان قربت أكثر، حطت يدها على كتفه: – «ما جيت أطلب منك تكون قوي. جيت أسمح لك تكون ضعيف شوي.» هنا… انكسرت المقاومة. ماجد حاول يتماسك، لكن صوته خانه: – «حنان… أنا خايف. مو خايف إنه يموت… خايف أعيش وهو مو معي.» الجملة طلعت كأنها كانت محبوسة من سنين. حنان سحبت رأسه وخلاه يستند على كتفها، مثل ما كانت تسوي وهو صغير. قالت بصوت ثابت، لكنه مرتجف من الداخل: – «الخوف هذا دليل حب. مو دليل ضعف.» تنفسه صار متقطع. دمعة نزلت… وبعدها الثانية. قال: – «كل مره أنام أحس إني بودعه. أصحى مفزوع، أحس الذنب يخنقني… أنا أخوه، المفروض أحميه.» حنان مسحت على شعره: – «أنت حميته… بإنك حبيته. واللي يسويه القدر مو مسؤوليتك.» سكت شوي، ثم همس: – «لو راح… أنا وش أسوي؟» هنا شدّت عليه أكثر: – «تعيش. عشانه. وتخليه يعيش فيك، مو يموت معاه.» ماجد ما رد. بس لأول مرة من أيام… جف صدره شوي. خارج الغرفة، سلطانه كانت واقفة تنتظر. سمعت صوت حنان تهدهده، وسمعت بكاء ماجد. غمضت عيونها، وقالت لنفسها: الحمدلله… جت اللي يعرف توجع المكان الصح. كانوا يعرفون إن بعض الوجع ما ينشاف، وإن بعض القلوب ما تهدأ إلا بصوتٍ يشبه الأم… عشان كذا، معاذ وسلطانه ما اختاروا الحل، اختاروا الاخت الكبيرة، اللي تعرف تضمّد قبل لا تسأل، وتواسي بدون ما تفتح الجرح أكثر عند يزن… كان جالس قدّام أبرار، صحن الفطور قدّامه ما انمسّ، والقهوة بردت من غير ما ينتبه لها. أبرار ما استعجلته، تعرف إن يزن إذا سكت فالكلام داخله يتزاحم، وإذا انفجر ما يوقفه شي. جلست مقابله بهدوء، بنفس الابتسامة اللي تربك أي عناد عنده. قالت بنبرة ما فيها ضغط: «أنت دايم تحسب إن القوة إنك تتحمّل لحالك… بس أحيانًا القوة إنك تسمح لنفسك تطيح شوي.» يزن رفع عيونه، حاول يبتسم بس ما قدر. كانت عيونه محمّلة بأيام طويلة، بس ما قال شي. أبرار كملت، صوتها ثابت: «اللي صار مو ذنبك، ولا إنك قصّرت. أنت سويت اللي قدرت عليه، وأكثر بعد.» هنا، شي داخله انكسر. مو فجأة، لا… كأن حبل مشدود من سنين انقطع بهدوء موجع. نزلت الدموع بدون صوت، دموع ثقيلة، ما تعوّد عليها. حاول يمسحها بسرعة، كأنه مستحي منها، لكن أبرار قربت منه وحطت يدها على يده. قالت له بهمس: «خلها تنزل… ما راح تقلّ منك.» وقتها بس، انهار. مو صراخ ولا نحيب، بكاء صامت، بكاء رجل تعب من الوقوف أكثر من اللازم. دموعه تنزل وهو يحاول يتنفس، صدره يطلع وينزل كأنه يتعلّم النفس من جديد. آخر مرة بكى قدّامهم؟ كان طفل… قبل ما يتعلم كيف يخبي، وكيف يكون “القوي” دايمًا. أبرار ما قالت شي أكثر. جلست جنبه، ثابتة، مثل الجدار اللي ما ينهار. ومع كل دمعه، كان يزن يحس إن الحمل—ولو شوي—خفّ، وإنه لأول مرة من زمان… مو لحاله. ومرّ شهر… شهر كامل كأنه دهر، الأيام فيه تمشي ببطء ثقيل، والوقت ما صار يفرق بين ليل ونهار. جاسم ما قام… ما تحرّك… جسده حاضر، بس روحه كأنها معلّقة بين دعاء وانتظار. ماجد كان أكثرهم ذبولًا. الحزن ما صار دموع وبس، صار صمت طويل، نظرات ضايعة، وسؤال واحد يلف براسه كل يوم: ليش للحين؟ يجلس بالساعات، يحدّق في الفراغ، وكأن روحه واقفة عند باب الغرفة تنتظر أي إشارة، أي نفس، أي حركة تطمّنه إن أخوه للحين هنا. حنان قررت تبقى. ما رجعت لإيطاليا، ولا فكرت بالرجوع. قالتها ببساطة: «أنا مكانّي هنا.» جلست بينهم، تقوّيهم بكلمة، بنظرة، بحضورها. تحاول تمسك البيت وهو يترنح، تحاول تكون السند اللي ما يطيح. يزن… كان تعبان من الكتمان أكثر من التعب نفسه. كل شي فيه مكبوت: الغضب، الخوف، الذنب، والحنين. يحاول يكون طبيعي، يضحك أحيانًا، بس قلبه ما كان يسكت. كل مرة يمر المستشفى، أو يسمع اسم جاسم، يحس صدره يضيق، كأن في كلام كثير محتاج يطلع وما يلقى طريقه. أما سطام وسلطانه… فكانوا يدعون. بصوت وبصمت. بعد كل صلاة، وفي آخر الليل، وبين الدموع. سلطانه ما كانت تطلب شي غير جملة وحدة تكررها من قلبها: «يا رب… لا ترجعني منكسره.» وسطام، رغم صمته، كان الدعاء ما يفارق لسانه، كأن صوته الوحيد اللي يقدر يطلعه هو بينه وبين ربه. شهر مرّ… وكل واحد فيهم تغيّر شوي. بس الأمل، رغم ضعفه، كان لسه يتنفّس. عند نجود… قررت تكسر قاعدة من قواعد البيت، القاعدة اللي كانت دايم تقول: الصبر أولًا. بس الحنين ما يعرف ينتظر، والشوق إذا ثقل على القلب يصير أقوى من أي منطق. وقفت قدامهم بهدوء مو معتاد عليها، صوتها ثابت بس عيونها تفضحها. ما طلبت… أصرّت. مرة، ورا مرة، لين قالوا: «خمس دقايق بس.» خمس دقايق… كانت كفيلة إنها ترجّع لها عمر كامل. دخلت الممر الأبيض، ريحة المعقمات تضرب صدرها، وكل خطوة تحسها تقرّبها له وتبعدها عن نفسها. وقفت عند الباب، يدها ترددت على المقبض، كأنها خايفة تشوفه، أو خايفة ما تشوفه مثل ما كانت تتخيله. دخلت. كان جاسم هناك… ساكن. مو هو اللي تعرفه، مو اللي يضحك، ولا اللي صوته يسبق حضوره. أجهزة، أسلاك، هدوء يخوّف. قربت ببطء، جلست عنده، ما قدرت تتكلم بالبداية. الدموع ما نزلت، بس كانت محبوسة، تحرق من داخل. مدّت يدها، لمست أطراف أصابعه، دافية… همست بصوت واطي كأنه سر: «جاسم… أنا هنا.» سكتت شوي، وبعدين ابتسمت ابتسامة مكسورة. تكلمت عن أشياء عادية، عن البيت، عن الأيام، عن ولا شي مهم… إلا وجودها. كأنها تبي تثبت له إنها ما راحت، وإنه مهما صار، هو مو لحاله. الدقيقة الخامسة جات أسرع مما توقعت. الممرضة أشارت لها بلطف. قامت، نظرت له نظرة أخيرة، نظرة وداع مؤقت، مو نهاية. قالت بهمس: «لا تتأخر… ترى اشتقنا.» طلعت، والباب انسد وراها. أول ما وصلت الممر، خارت قواها. ما صرخت، ما انهارت… بس الحنين اللي كتمته شهر كامل انفجر داخلها، بصمت موجع، يكسر أكثر مما يصرخ. عند ماجد… بدا يرجع شوي… مو فجأة، ولا بقوة، بس بخطوات خجولة كأنها تتأكد إن الأرض ما بتنهار تحته. طلع من غرفته لأول مرة من غير ما أحد يناديه، جلس معهم على السفرة، ما كان الكلام كثير، بس وجوده كان كافي. أكل كم لقمة، بسيطة، بسها اللحظة كانت انتصار. رفع راسه، نظر في وجوههم، وحس إنهم يتنفسون معاه، ينتظرون هالعودة الصغيرة كأنها وعد. كان يقول بينهم وبين نفسه: بفضل الله… بس بفضل الله. وبعدها… حنان. كانت دايم جنبه، مو بالكلام الزايد، ولا بالمواساة الثقيلة. كانت تعرف متى تسكت، ومتى تحط يدها على كتفه، ومتى تضحك ضحكة خفيفة كأنها تقول: أنا هنا، لا تخاف. وجودها رجّع له شي كان ضايع: الإحساس بالأمان. إنه مو مضطر يكون قوي طول الوقت، ولا لازم ينهار عشان يُفهم. صار يطلع يجلس بالصالة، يسمعهم، أحيانًا يشارك، وأحيانًا يكتفي بالنظر. النوم؟ لسه ثقيل… الخوف؟ لسه موجود… بس الأمل رجع، ضعيف، لكنه حي. وماجد كان يعرف، بقلبه قبل عقله، إن هالرجعة البسيطة… بداية نجاة. عند يزن… كان هادي زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي يخوّف أكثر من الصراخ. التعب باين عليه، بوجهه، بنظراته اللي صارت ثقيلة كأنها شايلة أيام مو بس ساعات. دخلت ذوق بهدوء، بيدها صحن أكل. ما تكلمت بالبداية، حطته قدامه وانتظرت. يزن ما رفع عينه، بس أشر بيده إشارة بسيطة: لا. جلست جنبه، قرب، كأنها تحاول تعطيه قوة من غير كلام. بعد لحظة قال بصوت واطي، مبحوح: «بروح له… لو دقيقتين بس.» ذوق التفتت له، كانت بتقول: كل أول، لا تتدوخ بالطريق… الكلام كان بطرف لسانها، بس شافت بعينه شي خلاها تسكت. هذا مو قرار لحظة، هذا تأجيل طويل انتهى. هزّت راسها بهدوء. «اللي يريحك… بس انتبه على نفسك.» المستشفى كان بارد، صامت، وكل خطوة فيه كأنها تقيس صبره. انتظر، والإذن جا أخيرًا… من ورا الزجاج فقط. وقف قدامه. يزن ما قدر يتحرك بالبداية. جاسم هناك… نفس الملامح، نفس الوجه، بس ساكن زيادة عن اللزوم. الأجهزة حوله، الأصوات الخفيفة، والنَفَس اللي يطلع مو بإرادته. حط يده على الزجاج. مو لمسة، بس أقرب شي للمسة. عيونه دمعت، بس ما نزلت. قال بصوت ما يسمعه إلا قلبه: «قلت لك لا تسبقني…» دقيقتين؟ مرت كأنها عمر كامل. لفّ، رجع بخطوات أبطأ من اللي جا فيها. ذوق كانت تنتظره، أول ما شافته فهمت. ما سألت، بس مدت يدها. ويزن، لأول مرة من أيام، حس إن الوقوف… صار أصعب من السقوط. الليل كان ساكن… سكون ثقيل، كأنه يحبس أنفاسه مع كل نفس يطلع من الأجهزة. غرفة العناية شبه مظلمة، الضوء الخافت يرسم ظلال طويلة على الجدران، وصوت الجهاز هو الشي الوحيد اللي يثبت إن الوقت ما توقف. وفجأة… إصبع جاسم تحرّك. حركة بسيطة، بالكاد تُرى، كأنها تردّد قبل ما تعلن نفسها. لو ما كان الممرض واقف قريب، كان ممكن تنحسب وهم. ثانية. ثم ثانية أطول. صدره ارتفع بعمق غير معتاد، النفس تغيّر، مو آلي مثل قبل… كأنه نفس إنسان يحاول. الجهاز طلع نغمة مختلفة. خفيفة… لكنها كافية تقطع الهدوء مثل سكين. الممرض قرب بسرعة، عيونه تركز. «… لا، هذي مو قراءات خاطئة.» جاسم عقد حاجبه شوي. ملامح وجهه تحركت، مو ابتسامة، مو ألم… شي بين الاثنين، كأن الوعي يدق باب ما كان مفتوح من شهر. جفنه ارتعش. مرة. ومرة ثانية، أقوى. وكأن جسمه كله يصارع قرار واحد: أقوم؟ ولا أرجع؟ يده انقبضت ببطء، الأصابع تشد على نفسها، والأنبوب اللي فيها اهتز خفيف. أنّة ضعيفة، شبه مسموعة، طلعت من صدره… مو صوت، بس إحساس. الممرض ضغط الزر. «نحتاج الطبيب… الحين.» خارج الغرفة، بنفس اللحظة تقريبًا— يزن كان واقف عند نهاية الممر، ظهره للجدار، راسه منخفض. ما كان يدري ليه قلبه فجأة دق بهالقوة. شي داخله انتفض بدون سبب مفهوم. رفع راسه فجأة. نفسه انقطع. حس… إن فيه شي تغيّر. داخل الغرفة، جاسم أخذ نفسًا أطول، أعمق، كأن رئتيه تذكّروا شغلهم بعد غياب طويل. شفته تحركت. ما طلعت كلمة… بس كانت محاولة. محاولة حياة. والغرفة اللي تعوّدت على السكون، بدأت—ولأول مرة منذ شهر— تتعلّم معنى الرجفة الأولى قبل الصحوة. عند سلطانه… نامت آخر الليل بعد تعب دعاء وبكاء صامت، قلبها معلّق بسقف السماء أكثر من الوسادة اللي تحت راسها. وفي حلمها— شافت باب المستشفى ينفتح، مو بعجلة، بهدوء مريح. الضوء كان أبيض… مو مؤلم للعين، دافي كأنه حضن. شافت جاسم واقف. مو على السرير، مو مربوط بأجهزة. واقف بملابسه، وجهه شاحب شوي لكن عيونه فيها حياة… نفس عيونه يوم كان صغير ويركض لها. نادى: «يمّه…» الصوت كان واضح، ثابت، ما فيه تعب. ركضت له، مو بجسمها… بقلبها. ضمّته، حسّت بدقات قلبه، قوية، منتظمة، حقيقية. شمّت ريحته، ريحة ولدها، مو ريحة مستشفى. قال لها وهو مبتسم: «قمت… لا تخافين.» ما كان فيه دموع بالحلم. كان فيه طمأنينة غريبة، كأن أحد يحط يده على صدرها ويقول: خلاص. وفجأة— صحَت. جلست على السرير وهي تلهث، يدها على قلبها. الغرفة نفسها… الليل نفسه… لكن الإحساس؟ مو نفسه. كانت تحس براحة… فرح هادي، ما يصرخ، ما يركض، فرح ينتشر. دموعها نزلت، بس مو دموع خوف. دموع خفيفة، دافية، دموع وحدة حست—وبقوة— إن ربها سمعها. مسحت وجهها، وابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تهمس: «الحمدلله…» ما كانت تدري ليه، ما عندها دليل، بس قلبها كان يقول لها شي واحد: جاسم… بيقوم. عند جاسم… ثقل غريب فوق جفونه، كأن النوم ماسك فيه وما يبي يتركه. أنفاسه بطيئة… متقطعة. أصوات حوله، بعيدة، مبهمة… وبعدين صوت أقرب، واضح. «جاسم؟ إذا تسمعني… حاول تفتح عيونك.» حاول. مرة… ما قدر. مرة ثانية… جفنه ارتجف. وببطء، كأنه يطلع من بحر عميق، فتح عيونه. الضوء آلمه، غمّضها بسرعة، وبعدين فتحها شوي شوي. السقف الأبيض. رائحة المستشفى. الأجهزة… الأصوات المنتظمة. الدكتور كان قريب منه، ملامحه فيها دهشة ممزوجة بفرح مهني هادي. قرب أكثر وقال: «حمدلله على السلامة، جاسم. تسمعني؟» جاسم ما رد. عقله كان يشتغل قبل لسانه. ذكريات مبعثرة… شارع فاضي… صوت إطلاق… صرخة… اسم واحد يضرب براسه بقوة. بلع ريقه بصعوبة، حلقه ناشف، صوته طلع مكسور، ضعيف، بالكاد ينسمع… لكن الكلمة كانت واضحة. «وين… يزن؟» الدكتور تجمّد لحظة. ما كان يتوقعها. ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يحاول يهدّيه: «اهدأ… لا تتعب نفسك. أهم شي إنك صحيت.» جاسم حاول يرفع راسه، ما قدر، أنفاسه تسارعت. عينه فيها قلق… خوف… استعجال. كررها، بصوت أضعف، لكنه أكثر إصرار: «يزن… بخير؟» الدكتور مد يده بهدوء على كتفه: «يزن موجود… وقريب منك. بس لازم ترتاح شوي.» جاسم سكر عيونه لحظة، كأن جبل انشال من صدره. أنفاسه هدأت شوي. زاوية فمه ارتفعت ابتسامة خفيفة… متعبة… لكنها صادقة. همس، بالكاد يُسمع: «الحمدلله…» وعينه، قبل ما تغمض من جديد، كانت تقول شي واحد— أهم شي… يزن بخير. في صباح اليوم التالي… عند نوف. كانت راجعة للمستشفى غصب، الإجازة اللي أخذتها شهر حسّتها لحظة، وقلبها للحين معلّق بغرفة وحدة… حتى وهي بقسم ثاني. تمشي بالممر، خطواتها آلية، عيونها قدّامها… بس قلبها يعرف الطريق. ولما مرّت من عند غرفة جاسم وقفها إحساس مفاجئ. مو فضول عادي… شي أقرب للنداء. بس أفتح الباب وأطمن… قالتها داخلها، وبنفس اللحظة تذكّرت: ممنوع. ممنوع تدخل بدون أمر. ترددت. ثانية. ثانيتين. وفجأة، انفتح الباب. الدكتور طلع من الغرفة، شافها واقفة، رفع حاجبه وقال باستغراب مهني: – «وش تسوين هنا؟» نوف ارتبكت، ابتسمت ابتسامة سريعة تحاول تخفي اللي داخلها: – «هلا… لا ولا شي، كنت ماره بس.» هز الدكتور راسه، ومشى. لكن الصوت… ذاك الصوت. من داخل الغرفة، وصل لجاسم. نبرة يعرفها زين. نبرة سمعها بعمره كله. نوف… قلبه دق بقوة، حاول يصرخ، يحاول ينادي: ادخلي… أنا هنا… لكن صوته خانَه. طلع مجرد هواء، أنّة ضعيفة ما تعدّت صدره. عيونه توسعت، حاول يحرك يده، أصابعه ارتجفت… بس ما ارتفعت. نوف وقفت مكانها، خطت خطوتين، وبعدين وقفت. شي داخلها شدّها، حس غريب بالصدر، كأن أحد يناديها بدون صوت. لفّت راسها ناحية الباب، ناظرت له ثانية. همست لنفسها: – «ليش قلبي مو مطمّن؟» بس رجع العقل سبقها. لفّت ومشت، وهي ما تدري إن أخوها كان ورا هالباب… صاحي، يسمعها، وينتظرها. داخل الغرفة، جاسم أغمض عيونه ببطء. دمعة ثقيلة تجمعت بطرف عينه ونزلت بهدوء. مو حزن… شوق. وكان متأكد من شي واحد: مسألة وقت… وبيشوفهم كلهم. عند الجوهره… كانت تركّع قدّام فهد، تلبسه ملابسه بهدوء. تعدّل قميصه، تسكّر أزراره الصغيرة، وتحاول ما تسرح بتفكيرها. الأطفال يحسون، حتى لو ما يفهمون. فهد كان واقف ساكت، فجأة رفع عيونه وقال ببراءة ما تعرف توجع: – «ماما…» وقفت يدها. – «الرجّال اللي شفته قبل…» ناظرت له: – «أي رجّال يا فهد؟» قالها ببساطة، كأنه يحكي عن شي عادي: – «كان دايم لما يشوفني ألعب برا، يسألني. يقول: خالاتك بخير؟ خالك بخير؟ كيف جدي؟ كيف جدتي؟» قلب الجوهره دق أقوى. كمل فهد وهو يلبس حذاءه: – «كان دايم يوقف بعيد عن البيت… ما يدخل، بس يطالع. والحين… مدري وين راح.» سكت. الغرفة سكتت معه. يد الجوهره كانت ماسكة طرف القميص، شدّت عليه بدون ما تحس. كلام طفلها ضرب على الوتر الحساس، الوتر اللي كانت تحاول تتجاهله من زمان. كان يسأل عنّا… قالتها داخلها، كأنها اعتراف متأخر. ما كان يراقب بس. ما كان فضول. كان خوف… كان شوق. بلعت ريقها، حاولت تثبت صوتها: – «ووش كان شكله؟» فهد فكر شوي: – «كان طيب. يبتسم لي… بس عيونه حزينة.» هنا، انكسر شي داخل الجوهره. قامت، حضنت فهد فجأة. حضن طويل، أقوى من العادة. فهد استغرب: – «ماما؟» همست وهي تضمه: – «ولا شي… بس الحمدلله إنك بخير.» بس قلبها كان يقول شي ثاني: كان قريب… قريب مرّة… وما عرفنا. رفعت راسها، نظرت من الشباك. ولأول مرة، ما كان السؤال: وين راح؟ كان السؤال الأصعب: كم مرّة كان هنا… وما انتبهنا؟ عند نجود… كانت جالسة مع أبوها بهدوء غير معتاد، نفس الجلسة اليومية، نفس المكان، نفس القهوة… بس قلبها اليوم كان صاحي زيادة. نجود ما كانت من النوع اللي يسأل مباشرة، تعرف إن بعض الأسئلة إذا طلعت فجأة تفضح اللي بالقلب. قالت وهي تقلب الجوال بيدها، بنبرة عادية جدًا: – «بابا… تذكر ولد عمّي اللي كان برا؟ اللي سافر ورجع قبل فترة؟» أبوها رفع عينه من الجريدة: – «أي واحد؟» قالت بسرعة، وكأنها ما تهتم: – «اللي كان ساكن لحاله… كانوا يقولون تعبان شوي.» هز راسه: – «إيه…» سكتت لحظة، ثم قالت وكأنها تحكي عن موضوع جانبي: – «غريب كيف بعض الناس يختفون فجأة… حتى ما نعرف وش صار لهم.» هنا، تنفّس أبوها بعمق. مو تنهيدة شخص مرتاح… تنفّس واحد شايل هم. قال: – «بعض الغياب ستر يا بنتي… وبعضه ابتلاء.» نجود عضّت شفتها من الداخل. كملت بحذر: – «يعني… إذا الواحد كان قريب، بس ما كان يبي يبين؟» أبوها سكت شوي، ثم قال: – «أحيانًا القرب موجع، والبعد أرحم… بس ما يطول.» الجملة ضربتها بقوة. قلبها دق، لكن ملامحها ما تغيرت. قالت بابتسامة خفيفة: – «صح… ربي دايم ألطف من ظنوننا.» ابتسم أبوها لها: – «أكيد.» قامت، مشيت بهدوء. أول ما دخلت غرفتها، قفلت الباب ووقفت مكانها. ما عندها تأكيد. ما عندها اسم. بس إحساسها الآن صار أوضح من أي وقت: جاسم… ما كان بعيد. وكان فيه شي مخبّى عنهم. وجلست على سريرها، تحط يدها على صدرها، وتهمس بصوت بالكاد يطلع: *أنا حاسّة فيك عند حنان… كانت جالسة جنب أسيل، بالصالة، والهدوء يغطي المكان. بطن أسيل بدأ يبان، صغير… لكنه واضح، دليل حياة جاية رغم كل التعب. أسيل كانت متعبة مرة، الحمل بالنسلة كان ثقيل على جسدها، وكل حركة تحسبها. حنان كانت قريبة منها، تنتبه لكل تفصيلة: – «لا تشيلين شي ثقيل.» – «قومي بهدوء.» – «لو حسيتي بدوخة قولي.» أسيل ابتسمت بتعب: – «يا حنان… كأني طفلة.» ضحكت حنان بخفة: – «هالفترة إيه، وتستاهلين.» سكتوا شوي. أسيل ناظرت بطنها، مسحت عليه، وبعدين رفعت عيونها على حنان. لاحظت شي غريب. قالت بهدوء، من باب الفضول أكثر من المواجهة: – «حنان…» ردت: – «ها؟» – «ليش ما شفتك تبكين على جاسم؟ يعني… مو خايفة نفقده؟» السؤال كان بسيط، بس وقعه ثقيل. حنان ما استعجلت بالرد. ناظرت أسيل بنظرة دافية، وبعدين ابتسمت… ابتسامة هادئة، مو ابتسامة إنكار. قالت: – «أنا حزينه… بس بطريقتي.» سكتت لحظة، ثم كملت بثقة: – «بس عندي أمل بالله إنه بيقوم بالسلامة.» أسيل انصدمت شوي: – «بهالقوة؟» هزّت حنان راسها: – «إيه. مو لأن الوضع سهل… لكن لأني أعرف ربنا كريم.» قربت يدها من بطن أسيل ولمسته بلطف: – «هذا اللي بداخلك دليل. الحياة دايم تلقى طريقها، حتى وهي متعبة.» أسيل ابتسمت، وعيونها دمعت: – «الله يسمع منك.» حنان شدّت على يدها: – «بيسمع. وأكثر مما نتوقع.» وفي زاوية الغرفة، كان الأمل جالس بهدوء… ما يرفع صوته، بس ثابت. عند عادل ويزن… وصلوا المستشفى بنفس اللحظة، كأن الخطوات جابتهم مع بعض بدون اتفاق. القلق واضح بعيونهم، والتعب ساكن في ملامحهم. راحوا مباشرة للاستقبال، طلب الزيارة طالع من صدورهم قبل أفواههم. الدكتور طالعهم بنظرة جادة، وقال الكلمة اللي كسرتهم: – «الزيارة مسموحة… بس شخص واحد. والثاني الأسبوع الجاي.» الهواء ثقُل. عادل التفت ليزن، ويزن ناظره، نظرة فيها كل شي ما انقال. قال يزن بسرعة: – «ما ينفع نقسم الوقت بيننا؟ خمس دقايق لي وخمس له؟» الدكتور هز راسه: – «لا.» صمت. عادل أخذ نفس وقال بهدوء: – «ادخل يا يزن.» يزن لف عليه فورًا: – «وأنت؟» ابتسم عادل ابتسامة متعبة: – «أنا أقدر أنتظر.» يزن شد فكه: – «لا. ندخل مع بعض.» الدكتور رفع حاجبه: – «قلت واحد.» لكنهم ما كانوا يسمعون. ناظروا بعض مرة ثانية، وفي هالنظرة قرار. مشوا. خطواتهم كانت سريعة، مو عناد… عن شوق. ما كانوا يدرون… إن اللي ينتظرونه ورا هالباب مو نايم. مو غايب. كان صاحي. عند نوف كانت نوف واقفة عند الكاونتر، تحاول تندمج في الروتين كأن قلبها مو خارج الإيقاع. الملفات قدامها، الشاشة قدامها، بس عقلها… كان عند باب غرفة ما دخلتها. وهي تكتب، سمعت الدكتور يتكلم مع ممرضة ثانية، بنبرة عادية جدًا، كأنه يقول شي ما له وزن: – «الحالة اللي بالعناية… بدأ يستجيب اليوم.» توقف القلم. نوف ما رفعت راسها، بس كل شي داخلها وقف. الممرضة سألت: – «أي حالة؟» رد الدكتور: – «جاسم.» هنا ما عاد فيه صوت ثاني. الأرض مالت تحت رجولها. أنفاسها تعلّقت بنص صدرها، وقلبها دق بقوة كأنه يبي يطلع ويسبقها. استجاب؟ يعني صاحي؟ يعني… كان صاحي وأنا عند الباب؟ رجعت لها اللحظة بكل تفاصيلها: وقفتها، ترددها، صوتها اللي دخل الغرفة… والإحساس اللي تجاهلته. حطت يدها على فمها، دمعتها نزلت غصب. ما استأذنت. ما سألت. مشت. خطواتها بالممر كانت سريعة، بس كل خطوة تحسها ثقيلة، كأنها رايحة لشي تخافه وتشتاق له بنفس الوقت. وقفت قدام الباب. يدها ارتجفت وهي تمسك المقبض. سحبت نفس عميق… وفتحت. شافته. جاسم كان ممدد على السرير، مو نفس اللي قبل. عيونه مفتوحة… مو قوية، بس واعية. أول ما وقعت عينه عليها، تغيرت ملامحه. الحيرة راحت، والهدوء دخل. حاول يبتسم. حاول يتحرك. حاول يقول شي. صوته طلع مبحوح، متقطع، لكن الاسم كان واضح، واضح لدرجة كسرت صدرها: – «نوف…» انهارت. خطت له بسرعة، وقفت عنده، دموعها نازلة بدون ما تحاول توقفها. – «جاسم… أنت… أنت صاحي؟» رمش بعينه ببطء، هز راسه حركة خفيفة. حاول يرفع يده، ذراعه ارتعش، ما قدر. كان يبي يحضنها. واضح بعينه. واضح بكل تفاصيل وجهه. شدّ على أصابعها بأضعف قوة يملكها، كأنه يقول: تعالي. نوف مسكت يده بكلتا يديها. يد دافية. حقيقية. قالت وهي تبكي: – «كنت برا… كنت واقفة عند الباب… سمعت صوتي؟» عقد حاجبه شوي، تنفّسه ثقل، ثم همس بصعوبة: – «إيه… حسبتك… بتدخلين.» الجملة ذبحتها. ميلت عليه بحذر، حضنت كتفه، حضن خفيف عشان ما يتألم، بس مليان شوق شهر كامل. جاسم سكّر عيونه. أنفاسه هدأت. قال بصوت مكسور: – «كنت أبي… أحضنك.» نوف شدّت عليه أكثر شوي، وهمست: – «أنا هنا… ما راح أطلع.» دمعة نزلت من عينه. مو ألم… راحة. في هاللحظة ما كانوا مريض وممرضة. ولا أخ وأخت بس. كانوا روحين رجعوا لبعض بعد ما حسبوا إن اللقاء مستحيل. والغرفة، اللي تعوّدت على الصمت، امتلأت بأقوى صوت ممكن: صوت الحياة وهي ترجع. عند يزن… كان بالبيت، جالس بالصالة، الإضاءة خافتة، والهدوء ثقيل كعادته هالأيام. ذوق كانت قدامه، ماسكة فنجان القهوة بكلتا يدينها، تحاول تفتح موضوع خفيف يبعده شوي عن دوامة التفكير. كانت تتكلم، وهو يسمع… يهز راسه، يرد بكلمات قصيرة، واضح عليه التعب، مو بالجسد بس، بالروح. قالت له بهدوء: – «ترى مو لازم تكون قوي طول الوقت.» ابتسم ابتسامة باهتة: – «تعودت.» سكتوا لحظة. يزن سرح بنقطة بعيدة، كأنه يسمع شي ما هو موجود. وفجأة— رن الجوال. الصوت قطع الجو. يزن ناظر الشاشة… اسم غيث. قلبه دق زيادة. مو خوف… توقّع. رد: – «هلا غيث.» الصوت جا واضح، متماسك، بس وراه شي أكبر: – «يزن… اسمعني زين.» جلس يزن مستقيمًا، ذوق انتبهت للتغير المفاجئ بملامحه. – «جاسم…» حبس أنفاسه. – «صاحي.» الكلمة نزلت مو كصاعقة… كنسمة دافية بعد برد طويل. يزن ما تكلم. ثانية. ثانيتين. ذوق ناظرت فيه بقلق: – «يزن؟» غطّى السماعة بيده، صوته طالع مبحوح: – «اسكتي شوي.» رجع للجوال: – «وش تقصد صاحي؟» غيث: – «فتح عيونه. واعي. يسأل… ويتجاوب.» يزن نزل راسه، حط كفه على جبينه، وضغط عيونه بقوة. ضحكة قصيرة طلعت منه… مو ضحك، تفريغ. – «الحمدلله…» قالها وهو يتنفس بعمق. غيث كمل: – «وأول سؤال؟» رفع يزن راسه: – «وش؟» – «سأل عنك.» هنا انهار الثبات. عينه دمعت، صوته رجف: – «أنا… كنت حاس.» قفل المكالمة بعد كم كلمة شكر. ذوق كانت واقفة قدامه الآن، عيونها تسأل قبل لسانها. يزن رفع راسه لها، وفي عينه شي ما شافته من شهر. قال بصوت مكسور بس مطمئن: – «قام.» ذوق شهقت، حطت يدها على فمها: – «صدق؟» هز راسه: – «صدق.» قربت منه، مسكت يده بقوة. يزن أغمض عيونه لحظة، وكأن ثقل كبير انشال من صدره. همس: – «أخيرًا…» وفي هالبيت الهادي، اللي تعوّد على الانتظار، دخل خبر واحد غيّر كل شي. عند نوف… كانت جالسة جنب سريره، الكرسي قريب مرّة، كأنها تخاف لو بعدت شوي يرجع يضيع. تحكي له عن أشياء بسيطة، عن الشغل، عن الممرات، عن كيف كلهم تعبوا وهم ينتظرونه. جاسم كان يسمع، عيونه تلاحق ملامحها، يبتسم ابتسامة خفيفة بين تعب وراحة. سكتت فجأة، التفتت له، وصوتها نزل: – «جاسم…» رد بصوت ضعيف: – «ها؟» – «أقول لأمي الحين؟ ولا شوي… لين ترتاح أكثر؟» سألته وهي تعرف الجواب، بس كانت محتاجة تسمعه منه. جاسم ما تردد. ناظرها بنظرة واضحة، فيها شوق مو قادر يخبيه. قال: – «اتصلي عليها…» وبعد ثانية، كأنه يخاف يضيع الوقت: – «وأنا أكلمها.» نوف انحبس نفسها. ابتسمت والدمعة على طرف عينها: – «أكيد؟» هز راسه: – «أكيد.» طلعت الجوال بسرعة، يدها ترتجف وهي تدق الرقم. رن… رن… صوت سلطانه جا متعب، حنون: – «هلا يا نوف.» نوف بلعت ريقها: – «يمّه… أنا مع جاسم.» سكت الخط. ثانية ثقيلة. – «وش فيه؟» قالتها الأم بصوت مشدود. نوف قرّبت الجوال من فم جاسم، قلبها يدق كأنه بيدق بدلهم كلهم. جاسم أخذ نفس بصعوبة، وصوته طلع واطي… لكن مليان حياة: – «يمّه…» الصمت انفجر بكاء. سلطانه: – «جاسم؟ ولدي؟ هذا صوتك؟» ابتسم رغم التعب: – «إيه يمّه… أنا صاحي.» شهقة قوية، ثم بكاء ما توقف. – «الحمدلله… الحمدلله… كنت أدعي… ما وقفت أدعي.» جاسم سكّر عيونه لحظة، دمعة نزلت: – «سمعتك يمّه… كنت أحس بدعاك.» نوف حطت يدها على فمها، تبكي بصمت. سلطانه: – «وش تبي؟ وش تحتاج؟ أجيك الحين؟» قال بهدوء: – «بس اسمع صوتك… وبس تطمنين.» ضحكت وسط البكاء: – «فداك عمري.» المكالمة انتهت، بس الغرفة بعدها كانت مليانة دعاء… وحياة… وأم رجع لها ولدها.