الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل الرابع عشر - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

عند يزن طلع يزن من عندهم وهو ما يسمع شي. أصوات أخوانه وراه تناديه، أسئلة، محاولات… كأنها جايه من مكان بعيد. ذياب تقدّم خطوتين: — «يزن…» بس معاذ مد يده ووقفه بهدوء، صوته واطي لكنه حازم: — «خله شوي. الآن ما راح يسمع أحد.» يزن ما التفت. كان يمشي بساقين شايلته غصب، وقلبه متروك ورا عند الشارع… عند الدم… عند الاسم اللي ما فارق راسه. وصل الشقة. فتح الباب بمفتاحه، وقبل لا يقول شي— ذوق كانت قدامه. ما لحق يرفع رأسه. ارتمى بحضنها فجأة، كأنه كان واقف طول الوقت وينتظر بس الباب ينفتح. بكى. مو بكاء رجال. بكاء طفل انكسر شي داخله وما عرف يرجعه. ذوق سكرت الباب بسرعة، ونزلت معه للأرض وهي ضامته، إيدها على راسه، الثانية على ظهره. كان جسمه يرجف. نَفَسه متقطع. كأن صدره ما عاد يتّسع لكل اللي فيه. هي تأثرت… مو بس عشان البكاء، لكن لأنها أول مرة تشوفه كذا. يزن اللي كانت تعرفه: القوي. الساكت وقت الشدة. اللي يضحك ويخفف عن غيره حتى وهو موجوع. هذا؟ ما عمره طلع. كان يمثل عليهم. سنين وهو يمثل. دفن وجهه بكتفها، صوته طالع مبحوح: — «كنت أحسبني قوي…» ما كمل. ذوق ما قاطعته. بس ضمّته أكثر، وكأنها تقول له بدون كلام: خلاص… الآن مو لازم تكون شي. قال بصوت مكسور: — «كان قدامي… وطيح.» كلمتين بس. لكنها كانت كافية. قلبها عصر. عرفت إنه ما يحتاج أسئلة، ولا نصايح، ولا حتى طمأنة. يحتاج بس مكان ينهار فيه… بدون ما يحاسبه أحد. جلسوا كذا. الدقيقة طالت. والوقت وقف. وأول مرة، يزن ما كان القوي. وكان هذا أقسى شي عليه. ننتقل لنجود… كانت بالممر، مو ناوية توقف، ولا تتسمّع. بس بعض الجُمل تجيك غصب… تطيح قدامك مثل حجر. صوت أبوها كان جاي من الصالة، واطي لكنه مشدود: — «إيه… طلق نار. يقولون حالته حرجة.» راكان رد بعده بثواني، صوته مكسور: — «يزن كان معه… ومازن بالمستشفى للحين.» نجود وقفت. مو لأن الكلام واضح… لكن لأن اسم واحد سحب الهواء من صدرها. طلق نار. حالته حرجة. يزن كان معه. العالم حولها صار كأنه تحت موية. الأصوات بعدها ما صارت مفهومة. بس ذاك الاسم… ثبت. يدها ارتخت. الجوال طاح منها بدون ما تحس. خطت خطوة للخلف، ثم خطوة ثانية، كأن الأرض ما عادت ثابتة. قالت لنفسها، بدون صوت: لا… مو هو. بس قلبها؟ كان يعرف. جلست على أقرب كرسي، عيونها معلّقة بنقطة ما تشوفها. الفكرة كانت واحدة، وتعيد نفسها بقسوة: قلت له لا يروح. قلت له ينتبه. قلت له… بس ما قالت له: ابقَ. الصدمة ما جات كصراخ. جات كفراغ. برد مفاجئ بأطرافها. ثقل بوسط صدرها. وجع ما له مكان محدد. حاولت تقوم… ما قدرت. حاولت تبكي… ما نزل شي. بس صورتين تتصارع براسها: وجهه وهو يبتسم كأنه بخير. ووجهه الآن… على سرير أبيض. همست: — «مو معقول.» لكن ولا كلمة طلعت صح. عرفت بالحظة هذي إن في أشياء ما تحتاج أحد يقولها لك. يكفي تسمعين اسم… بطريقة غلط. نجود كانت تدري. مو بعقلها. بقلبها. أسيل كانت جالسة، يدها على بطنها بدون ما تنتبه. ثلاث شهور… يمكن أربع. تحسب الأيام أكثر مما تحسب الأسابيع. من يوم ما عرفت بالحمل، وهي تحاول تكون أقوى، أهدى، عشان اللي داخلها. بس لما سمعت الخبر… ما جاها الهلع اللي توقّعته. جاها خوف صامت. خوف مو عليها، عليه. حست بالمغص يرجع خفيف، مو ألم… توتر. غمضت عيونها، وتنفّست بعمق، كأنها تقول للجنين: لا تخاف… ماما هنا. بس داخلها كانت تقول: يا رب لا تحرمني مرتين. الجوهره الجوهره كانت واقفة بالمطبخ، الملعقة بيدها، والنار شغالة. سمعت، وما قالت شي. طفّت النار بهدوء، وجلست. هي مو من النوع اللي ينهار. هي من النوع اللي يتحمّل… لين ينكسر فجأة. قالت بهمس: — «ليه دايم الطيبين يدفعون؟» ما تنتظر جواب. بس سؤال يطلع منها كل مرة. نوف نوف دمعتها سبقت صوتها. أول وحدة تبكي، لكن بكاءها كان مكبوت. جلست تمسح دموعها بسرعة، كأنها ما تبغى أحد يشوف ضعفها. قالت: — «كنت حاسه…» الكلمة طلعت بدون ما تكمل. لأن الإحساس هذا كان يخوفها من زمان. سلطانه سلطانه ما جلست. ولا بكت. وقفت، وشدت عباءتها، ورفعت راسها. قالت بصوت ثابت أكثر مما تحس: — «قوموا…» مو أمر. مسؤولية. داخلها كان في زلزال، لكنها متعودة تكون الساتر. هي اللي شالتهم من قبل، وبتشيلهم الآن. بس وهي تمشي، إيدها ارتجفت لحظة. ماجد ماجد كان ساكت. ساكت بطريقة تخوّف. جالس، راسه منخفض، ويدينه معقودة. الحنين اللي كان يحاول يدفنه من أيام طلع دفعة وحدة. قال بصوت واطي: — «قلت له لا يروح…» مو يلومه. يلوم نفسه. أخوه كان قدامه، وتركه يروح. وهذي فكرة ما راح تسامحه بسهولة. سطام سطام كان آخر واحد يتكلم. جلس ببطء، وحط يده على عصاه. وجهه متعب، لكن عينه ثابتة. قال: — «الله ما يضيّع أحد.» بس صوته خان آخر الكلمة. هو الأب. والأب دايم يحاول يكون آخر واحد يطيح. لكن بهاللحظة، حس إن البيت كله واقف على شعرة. الخبر ما جمعهم بالصراخ. جمعهم بالصمت. كل واحد شايل خوفه لحاله، لكنهم كلهم متفقين على شي واحد: اللحظة الجاية… ما راح تكون سهلة على أحد. سلطانه ما كانت تسمع. ولا تبغى تسمع. لفّت وهي تشد عباءتها أكثر، خطوتها سريعة كأنها لو وقفت راح ينهار كل شي داخلها. قالت: — «بروح له.» ما كانت تطلب. كانت تقرّر. ماجد وقف قدامها على طول، صوته مكسور لكنه يحاول يكون ثابت: — «يمّه… ما فيه زيارات.» رفعت عيونها له، نظرة أم مو نظرة امرأة. — «شلون ما فيه زيارات؟ ولدي هناك.» تنفّس ماجد بعمق، حاول يختار كلماته: — «بالعناية… والدكتور قال ممنوع. حتى يزن ما خلوه.» اسم يزن كان كأنه سكين. سلطانه شدّت على شنطتها بقوة. — «أنا أمه.» قالتها وكأنها كفيلة تكسر كل القوانين. ماجد قرب منها خطوة: — «يمّه، لو رحتي وتمنعك الحراسة… وش راح يسوي فيك هذا؟» سكتت. لحظة صمت ثقيلة. ثم نزل صوتها لأول مرة: — «أنا ما أتحمل أجلس هنا.» نوف قربت منها بهدوء، مسكت يدها: — «يمّه… ننتظر بس. إذا فيه أي شي… نكون جاهزين.» سلطانه نظرت ليد نوف، ثم لوجوههم واحد واحد. كلهم متعلّقين فيها. كلهم ينتظرون منها تكون قوية. هزّت راسها ببطء، وجلست. لكن جلستها ما كانت راحة. كانت استسلام مؤقت. قالت بصوت منخفض: — «إذا صحا… أول واحد يعرفني.» ماجد نزل راسه: — «وعد.» وفي مكان آخر… يزن كان جالس لحاله. لا صوت. لا حركة. عينه معلّقة بالجدار، لكن عقله عند شخص واحد. كل كلمة قالها جاسم. كل نظرة. كل ابتسامة. يديه ترتجف. مو خوف. ذنب. قال لنفسه بصوت مبحوح: — «ليتني كنت أنا…» وقف فجأة. مشّى كم خطوة. رجع جلس. ما يعرف وش يسوي بنفسه. الهاتف رن. رقم مازن. ما رد. رن مرة ثانية. ثم ثالثة. رد أخيراً، صوته ميت: — «ها.» مازن: — «ما تغير شي… بس قالوا الساعات الجاية حرجة.» يزن سكت. ثم قال: — «أنا السبب.» مازن حاول يقاطعه: — «لا تقول كذا—» — «أنا اللي خلّيته يوقف قدامي.» أنهى المكالمة. وحيد. غرقان. ينتظر خبر يا يحييه يا يكسّره للأبد. عند عادل رجع عادل للبيت وهو مو نفس الشخص اللي طلع منه. فتح الباب بهدوء، كأن أي صوت ممكن يكسر اللي باقي فيه. البيت كان ساكت، سكات ثقيل… مو راحة، فراغ. دخل الصالة، جلس بدون ما يشغّل النور. الظلام كان أهون من مواجهة نفسه. خلع ساعته، حطها على الطاولة، ثم شبك يديه مع بعض. أول مرة يحس إن الاعتذار ما يكفي. قالوا له: ما فيه زيارة. الكلمة علقت براسه أكثر من الرصاص. مو لأنه ما شافه… لكن لأنه ما قدر يقول له: سامحني وأنا قدامك. نوير دخلت بهدوء. من وقفته عرفت. قربت، جلست جنبه بدون ما تسأل. بعد لحظة قال بصوت مبحوح: — «ما خلّوني.» نوير ما قالت شي. بس مدت يدها وحطتها على يده. — «قالوا… العناية.» كمل، وهو يناظر الأرض: — «كنت أبغى بس أشوفه… حتى لو من بعيد.» نفسه اختنق. ما قدر يكمل. نوير قربت أكثر: — «عادل…» رفع راسه، وعينه مليانة ذنب: — «أنا آخر واحد كان معه. آخر واحد ضغط عليه.» سكت. ثم قال: — «يمكن لو سكت… كان الحين واقف.» نوير هزّت راسها: — «لا تحمل نفسك شي أكبر منك.» ضحك ضحكة قصيرة، بلا صوت: — «أنا اللي أعطيته الجواز. أنا اللي قلت له سافر لو تبغى.» هنا نزلت دمعة وحدة. ما مسحها. — «أنا دفعت… وهو دفع الثمن.» نوير مسكت وجهه بكفينها: — «لو صحى، أول شي يحتاجه يعرف إن فيه ناس تحبه… مو ناس تذنب نفسها.» عادل غمض عيونه. البيت، الكلام، حتى صوتها… كله كان بعيد. قال بهمس: — «بس إذا ما صحى؟» السؤال ظل معلّق. ما يحتاج جواب. نوير ضمّته، وهالمرة هو ما قاوم. ترك نفسه ينهار شوي… لأن اللي باقي ما كان كافي يشيله. وبرّا، الليل كان ماشي وكأنه ما يدري إن فيه قلوب واقف عمرها كله على خبر واحد. عند سلطانه كانت سلطانه جالسة، الهاتف بيدها من وقت طويل بس ما كانت تدري متى ضغطت اتصال. صيته ردّت بسرعة، كأنها حاسّة إن المكالمة هذي مو عادية. — «هلا يمّه…» مجرد كلمة يمّه خلّت صوت سلطانه يختنق. — «صيته…» سكتت ثانيتين، تحاول تجمع نفسها. صيته فهمت بدون شرح: — «اهدّي، خذي نفس… ترى كل شي بيد الله.» سلطانه تنفست بعمق، صوتها كان ثابت غصب: — «قلبي مو مطمّن.» صيته بنبرة أخت تعرف أختها زين: — «ولا قلبي، بس لا تخلين الخوف يغلبك.» سكتوا لحظة. ثم سلطانه قالت فجأة، كأن السؤال طلع من مكان أعمق من التفكير: — «قولي لي… شلون كان بروسيا؟» صيته فهمت المقصود فورًا. ما سألت: مين؟ ولا قالت: ليش تسألين؟ قالت بصراحة ما فيها تجميل: — «كان تعبان يا سلطانه.» قبضت سلطانه على الهاتف: — «شلون يعني؟» — «مو تعب جسم… تعب روح.» تنفست صيته قبل ما تكمل: — «كان يضحك، يخالط الناس، بس إذا خلصنا سوالف وسكت المكان… تحسينه ضايع.» سلطانه أغمضت عيونها. — «كان دايم يقول أنا بخير، بس عيونه تكذّبه.» سكتت شوي، ثم قالت: — «ما كان يحب يتكلم عن نفسه. إذا حس إنك قربتي، يغيّر الموضوع.» صوت سلطانه نزل: — «كنت حاسه…» صيته ردّت: — «أدري. الأم تحس حتى لو ما شافت.» ثم أضافت بهدوء: — «بس كان طيب. بزيادة. يساعد، ويوقف مع الكل… وينسى نفسه.» سلطانه دمعتها نزلت: — «ليه ما قال؟» صيته: — «لأنه ما يحب يكون عبء على أحد.» سكتوا. السكوت بينهم كان ثقيل. ثم قالت صيته بنبرة صادقة: — «لو الله كتب له يقوم… أول شي يحتاجه مو عتاب.» سلطانه همست: — «وش يحتاج؟» — «يحتاج حضن. ويحتاج يسمع إنه مو لحاله.» قفلت سلطانه الاتصال وهي تحط يدها على صدرها. قالت لنفسها: — «وأنا هنا… لين يقوم.» وما كانت تدري إن بعض الدعوات توصل حتى لغرف العناية قبل الأجهزة. كان الليل يمرّ… بس ما كان يمرّ على أحد بنفس الطريقة. ليل طويل، ثقيل، كأنه يعرف إن في ناس ينتظرون خبر يغيّر كل شي. مازن بعد محاولات، بعد مكالمات، بعد جلوس طويل مع نفسه… غلبه التعب. نام وهو جالس، نوم متقطّع، كل ما غمّض عينه شاف نفس المشهد. لكن جسده قال كفاية. راكان نام هو الثاني. مو لأن قلبه هادئ، لكن لأن عقله انهك. نام وهو ناوي إذا صحى يكون جاهز لأي طارئ. أما الباقين… فالليل كان عدوهم. ماجد جالس بنفس المكان. ما تحرّك. كل ما جاته دمعة مسحها بسرعة كأنه يخاف أحد يشوف ضعفه. أخوه كان قريب… وبعيد. وهذا الوجع ما له علاج. سطام على سجادة الصلاة. ما نام. ما قدر. كل مرة يسجد يحس قلبه يسبق الدعاء. يرفع راسه ويهمس باسم ما قاله بصوت عالي. سلطانه الليل عندها ما كان وقت. كان اختبار. تجلس، تقوم، تدعي، ترجع تجلس. كل صوت تحسبه اتصال. كل ثانية تحسها أطول من عمر. نوف تحاول تكون قوية. عشان أمها. عشان أخواتها. لكن لما تروح غرفتها ينهار التمثيل. تسند ظهرها للجدار وتبكي بصمت. أسيل النوم جافاها. مو بس خوف… لكن لأن الجنين يتحرك كأنه يحس بثقل اللي حوله. تحط يدها على بطنها وتهمس: «كل شي بيعدي… لا تخاف.» الجوهره تحاول تشغل نفسها. تسوّي شي. أي شي. لكن الليل يرجعها لنقطة واحدة: الانتظار. يزن كان الليل عنده معركة. كل دقيقة لوم. كل ثانية صوت يقول: لو… ولا مرة حس إن الوقت بطيء كثر هالليلة. عادل النوم قرر يعاقبه. كل ما أغمض عينه شاف وجه واحد. ما قدر. جلس يعدّ السقف. ثم الوقت. ثم أنفاسه. ليل واحد… بس قلوب كثيرة ما نامت. وكلهم كانوا ينتظرون الصباح مو لأنه راحة… لكن لأن الظلام صار أثقل من قدرتهم. في اليوم التالي… ومع أوّل خيط شمس تسلّل للبيت بعد ليل طويل ما نام فيه أحد، كان الصباح هادئ زيادة عن اللزوم، كأنه ما يدري وش صار بالليل. سطام كان صاحي من قبل الفجر. ملامحه شاحبة، صوته تعبان، لكن داخله يغلي. مسك الجوال. تردّد ثواني. ثم اتصل. رنّ… رنّ… وجا الصوت اللي يعرفه زين. — «هلا يا سطام.» ما رد التحية. دخل على طول، صوته منخفض بس مشحون: — «ليش؟» فراس سكت. سطام كمل، الكلمة تطلع ثقيلة: — «ليش ما علمتني من البدايه إن ولدي قريب؟ ليش خلّيتني أعيش على جهل؟» تنفّس فراس بعمق، واضح إنه يدور جواب وما لقى. — «كنت…» توقف. ثم قال بصراحة موجعة: — «كنت أبيه هو يعترف.» سطام شدّ الجوال بيده: — «يعترف؟ وأنا أبوه.» صمت. طويل. فراس صوته نزل: — «ما كان عندي تبرير. ولا جواب يرضيك. حسبت إن المواجهة منه بتكون أهون عليه.» ضحكة قصيرة طلعت من سطام، مو ضحكة فرح… ضحكة قهر: — «أهون عليه؟ وأنا؟ وأمه؟» فراس ما رد. سطام قال بهدوء يخوّف: — «ترى بعض الانتظار يكسّر. وبعض الصمت يقتل.» قفل الخط. جلس لحاله. الشمس كانت طالعة… بس داخل صدره كان ليل ما خلص. عند يزن يزن من يوم طلع الصباح ما دخل فمه شي. الفطور قدامه… الغدا بعده… ولا مد يده. كأن الجوع صار شي ثانوي قدّام اللي ياكله من داخل. ذوق كانت حوله بهدوء، ما تضغط، ما تسأل كثير، بس تحاول تكون موجودة. تقرّب له الكوب، تعدل الوسادة، تلمس كتفه بخفة كأنها تقول أنا هنا بدون كلام. يزن كان جالس، ظهره منحنٍ شوي، عيونه مو ثابتة على شي. فجأة قال، صوته مكسور كأنه انكسر قبل لا يطلع: — «تعرفين… آخر مرة شفته.» ذوق سكتت. عرفت إن هاللحظة ما تحتاج مقاطعة. كمل وهو يبتلع غصته: — «كان يمثل… واقف قدامي ويقول إنه معتز.» ضحك بخفة موجوعة: — «وأنا مصدّق نفسي إني ما أعرفه.» سكت شوي، ثم قال بنبرة أوجع: — «كان بيننا… مدة يد.» ورفع يده شوي، كأنه يقيس المسافة. — «ولمسة.» نزل يده بسرعة: — «كنت أقدر أمسكه. أقدر أوقفه. أقدر أقول له لا تروح.» التفت على ذوق، وعينه تلمع: — «بس سكت. سكت لأنّي خفت. خفت أواجهه… وخفت أسمع الحقيقة.» ذوق قربت أكثر، جلست قدامه، حطت يدها على يده بدون كلام. يزن صوته صار أضعف: — «كان قدامي… وأنا خليته يمشي.» سكت. ثواني طويلة. ثم انهار. حط راسه بين يديه: — «لو بس… لو بس مدّيت يدي.» ذوق ما قالت شي. بس ضمّته. ضمّة ثابتة. كأنها تشيل عنه ثقل ما ينشال بالكلام. يزن بين بكاء مكتوم وهمس: — «أقرب الناس لي… ضيعته وأنا أتفرج.» والصمت اللي بعد كلامه كان أثقل من أي دمعة. عند نجود نجود كانت آخر وحدة يدرون عنها. أو يمكن… أول وحدة عرفت، بس سكتت. ما بكت. ما صرخت. ولا حتى سألَت: وش صار؟ الخبر وصلها مو ككلام، وصلها كرجّة في الصدر كأن شي انكسر فجأة بدون صوت. كانت جالسة، نفس المكان، نفس الوضعية، بس الإحساس داخلها تغيّر. قلبها ما استوعب باللحظة الأولى، رفض الفكرة، ثم استسلم لها دفعة وحدة. اللي حولها ما لاحظوا. ملامحها ثابتة أكثر من اللازم. الهدوء اللي فيها كان مخيف. فراس قال لهم بهدوء حازم: — «لا تقولون لها.» كان يعرف. يعرف إن نجود ما تحب بصوت عالي، تحب بصمت، تحب وتخبي، وتتألم بدون ما تطلب شي. كان يعرف إن لو الخبر وصلها مو بس بتنكسر، بتتهدّم من الداخل. لكن الخبر ما يحتاج كلام. بعض الأخبار توصل بالقلب قبل الأذن. نجود عرفت. ما تدري كيف. يمكن نبرة صوت تغيّرت، يمكن غياب اسمه طال، يمكن إحساسها اللي عمره ما خذلها. رفعت عينها للحظة، كأنها تدور على شي غايب. ثم نزلتها. قالت لنفسها بصوت ما ينسمع: صار اللي كنت أخاف منه. ما دمعت. لأن الصدمة كانت أكبر من الدموع. كانت تكسرها ببطء، قطعة قطعة، من الداخل. كل ذكرى صارت سكين. كل كلمة قديمة رجعت ثقيلة. والأوجع؟ إنها تحبه… وما تقدر تكون عنده. ولا أحد درى إن نجود في هاللحظة كانت تموت بهدوء. عند يزن شاف نفسه واقف بممر أبيض طويل، الهواء بارد، والصمت فيه ثقل يخوّف. كان يمشي وهو ينادي: — «جاسم…» الصدى يرجع له اسمه مكسور. وصل لباب مفتوح. قلبه كان يسبق خطواته، عارف اللي بيشوفه… بس متعلّق بأمل أخير. دخل. جاسم كان هناك. ممدد، ساكن، هادي زيادة عن اللزوم. — «جاسم؟» ما رد. قرب أكثر، لمسه، برد. هزّه، صوته ارتفع: — «لا تمزح… قوم…» ولا شي. الملامح نفسها، لكن الروح غايبة. جاسم… اللي عمره ما تركه، اللي كان دايم معه، راح. يزن حس شي ينكسر داخله، مو صراخ، مو دموع… فراغ. طلع صوت من وراه، ما يعرف من وين: — «خلص.» وقتها، صرخ بكل قوته: — «لاااااا!» وفجأة— فتح عيونه. نفسه متلاحق، صدره يعلى وينزل، يده تشد على شي دافي. حس بشي تحت راسه… رفع عيونه شوي. ذوق. كان حاط راسه بحضنها، وهي نايمه نص نوم، يدها على شعره كأنها تحرسه. مسك فيها بقوة، كأنه يتأكد إنها حقيقة. ذوق صحّت على حركته، بصوت ناعم ومبحوح: — «يزن… وش فيك؟» ما قدر يتكلم. دفن وجهه أكثر بحضنها، صوته طلع مكسور: — «حلمت فيه…» شدّته عليه، مسحت على راسه بدون أسئلة. — «أنا معك…» يزن همس، كأنه يعترف: — «حسبته راح…» وسكت. الليل كان باقي، والكابوس راح… بس الخوف؟ جلس. كان الفجر توّه ما استقر، الضوء باهت كأنه متردد يدخل الغرفة. يزن فزع من النوم وهو يلهث، قلبه يدق بعنف، ويده مشدودة كأنه كان يمسك شي وضاع منه فجأة. أول شي حس فيه… دفء. رأسه كان بحضن ذوق، يدها على شعره، ثابتة، حقيقية. غمض عيونه مره ثانية، يحاول يفرّق بين الحلم والواقع. صورة جاسم وهو ممدد، ساكن أكثر من اللازم، ما راحت. الصوت اللي سمعه بالحلم—صوته—ما زال يطن بأذنه. ذوق نزلت يدها شوي وقالت بصوت واطي: «حلم؟» ما رد. لو فتح فمه يمكن ينهار مره ثانية. جلس بهدوء، كأنه خايف أي حركة قوية ترجع الكابوس. راح للمغسلة، غسل وجهه، ناظر بالمراية… وجهه شاحب، عيونه محمرة، لكن القرار بدا يتكوّن بملامحه بدون ما ينطق. لبس بهدوء. ذوق حست، التفتت له: «وين رايح؟» تردد ثانيتين. قال: «برجع شوي.» كذبة خفيفة، لكنها أثقل من أي صراحة. الطريق كان فاضي، والمدينة للحين نايمة. يزن يسوق بدون موسيقى، بدون اتصال، بدون حتى أفكار مرتبة. كل شي داخله كان يقول له: الانتظار خطر. وقف عند بيت معاذ. جلس بالسيارة لحظة قبل ما ينزل. تردد… مو خوف، لا. شي أقرب للإحساس إن الباب هذا إذا انفتح، ما راح يتسكر بسهولة. معاذ فتح له. ما تفاجأ. كأنه كان متوقعه. دخلوا، جلسوا، الصمت بينهم أطول من الكلام. معاذ صب القهوة، قدمها، لكن يزن ما لمسها. قال يزن أخيرًا، بصوت منخفض: «أبيك تقول لي كل شي… حتى اللي تحسبه ما يهم.» معاذ رفع عينه له، نظره ثابت، عاقل، بس فيه حذر. قال: «اللي صار لجاسم… مو بسيط.» يزن شد على فكه. «كنت أدري.» سكت معاذ لحظة، كأنه يزن كلماته. ثم قال: «التوقيت غلط. المكان غلط. والطريقة… مو صدفة.» هالكلمات نزلت على يزن ثقيلة. ما سأل. كان ينتظر يكمل. «فيه أحد كان يراقب. مو واضح مين. بس أكيد فيه شي ما انقال.» هنا حس يزن بقشعريرة. مو خوف… تحذير. قام من مكانه. «وين هو الحين؟» نقطع. غرفة بيضاء. أجهزة تصدر أصوات منتظمة، رتيبة. جاسم ممدد، عيونه مغلقة، وجهه أهدأ من اللازم. صوت بعيد… ثم أقرب. ثم اسم يطلع من بين شفتيه بدون وعي: «…مازن…» الممرضة التفتت. توقفت ثانيتين. دوّنت شي. نرجع ليزن وهو واقف برا المستشفى. يناظر الباب الزجاجي، صدره يعلو وينخفض. حاس إن خطوة وحدة بس تفصل بينه وبين الحقيقة… وبين شي ممكن يكسره للأبد. رفع جواله. تردد. ثم قال لنفسه بصوت ما ينسمع: «إذا كنت صاحي… عطِني إشارة.» والتوتر؟ كان لسه بالبداية.