الفصل الثالث عشر
كان المكان مزدحم،
مول عادي، ناس داخلة طالعة، ضجيج يخليك تحس إنك مخفي حتى لو كنت مكشوف.
معاذ ما كان جاي يدور أحد.
لكن عينه تعودت تلتقط التفاصيل.
شافه.
واقف عند محل قهوة،
نفس الوقفة…
نفس توزيع الوزن على القدمين،
حتى يده وهو يمسك الكوب، حركة محفوظة من سنين.
وقف معاذ مكانه.
ما تقدم.
ما نادى.
قال لنفسه:
خلني أشوف وش بيسوي لو شافني.
جاسم حس فيه قبل لا يشوفه.
الإحساس اللي يجيك بدون سبب،
كأن الهواء حولك تغيّر.
لف.
العيون التقت.
ولا واحد ابتسم.
ولا واحد قرب.
الزمن بين النظرتين كان أطول من اللازم.
معاذ كسر الصمت بخطوة وحدة للأمام.
مو قريبة،
بس كافية تقول: أنا شايفك.
— «الحديقة هناك أحلى من هنا.»
قالها كجملة عابرة،
كأنهم غرباء.
جاسم رد بعد ثانيتين:
— «يمكن.»
صوته ثابت،
لكن كتفه شد لا إراديًا.
معاذ التقطها.
مشوا جنب بعض بدون اتفاق.
خطوتين… ثلاث…
ولا واحد يبي يبين إنه قاصد.
وصلوا عند مساحة مفتوحة،
كراسي، شجر صناعي، أطفال يضحكون.
معاذ جلس.
جاسم وقف.
— «ما تحب الجلسة؟»
سألها معاذ بهدوء.
— «أفضل الوقوف.»
رد جاسم.
ابتسم معاذ ابتسامة خفيفة جدًا.
— «دايم كنت تقول كذا.»
هنا،
جاسم غلط.
قال بسرعة:
— «مو دايم.»
وسكت.
الجملة طلعت قبل ما يلحقها.
معاذ رفع عينه له ببطء.
ولا قال شي.
الصمت كان كافي.
بعد لحظة،
قال معاذ:
— «تعرف…
الناس تتغير،
بس فيه أشياء ما تتعلمها إلا مرة وحدة.»
وقف.
قرب خطوة.
— «مثل الهروب.»
الجملة ما كانت اتهام.
كانت ملاحظة.
جاسم حس إن الأرض ضاقت.
قال ببرود مصطنع:
— «واضح إنك مشبهني بشخص ثاني.»
معاذ هز راسه.
— «يمكن.»
ثم أضاف، وهو يمشي:
— «بس الغلطات الصغيرة…
دايم تفضح أصحابها.»
وتركه.
جاسم وقف مكانه.
القهوة بردت بيده.
أعاد الجملة براسه:
مو دايم.
كيف قالها؟
ليش قالها؟
هنا،
بدأ الشك الحقيقي.
مو إنهم عرفوه…
لكن إن أحد بدأ يجمع الخيوط.
ومن يعرف معاذ،
يعرف إن إذا سكت…
فهو ينتظر اللحظة الصح.
عند معاذ
معاذ راح ليزن بهدوء،
ما قال اسم،
ولا فتح موضوع.
قال له كأنه يبي شي عابر:
— «يزن، أبي منك شي واحد بس…
لو معك أي غرض قديم لجاسم، شي ما يفارقه عادة.»
يزن استغرب،
بس ما ناقش.
طلع من درج سيارته سلسلة مفاتيح قديمة، معدنها مخدوش، فيها تعليقة صغيرة ما تنشال.
— «هذي؟»
قالها وهو يبتسم بحزن.
— «كان يقول ما يرتاح بدونها.»
معاذ أخذها.
ولا علّق.
قال بس:
— «يكفيني.»
المساء…
كراج سيارات خاص بمطعم،
إضاءة صفراء،
هدوء يخوف.
جاسم كان يركب سيارته.
سمع صوت خطوات وراه.
وقف.
معاذ طلع من الظل.
واقف بثبات،
لا استعجال،
ولا حدة.
قال:
— «تعرف هالشي؟»
ومد يده.
جاسم شاف السلسلة.
وفي أقل من ثانية…
انفلتت منه.
قال بدون وعي:
— «من وين جبتها؟»
سكت.
عرف.
عرف إنه جاب العيد.
معاذ ما ابتسم.
بس نزل يده بهدوء.
— «سؤال غريب من شخص يقول إنه ما يعرف صاحبها.»
جاسم حاول يتدارك:
— «أقصد… شفت مثلها.»
لكن صوته خان.
معاذ قرب خطوة.
— «الغلط مو إنك نطقت،
الغلط إنك نطقت بنفس الطريقة.»
لف وراح.
ولا التفت.
جاسم جلس بسيارته.
ما شغلها.
يدينه ترجف،
مو خوف…
غضب من نفسه.
همس:
— «معاذ…»
يعرفه.
يعرف إن ولد عمه ما يواجه عشان يطلع الحقيقة،
يواجه عشان يتأكد.
والتأكد صار.
رفع راسه.
عقله اشتغل بسرعة.
قال لنفسه:
— «المرة الجاية…
ما راح أنتظر.»
وفي عينه قرار.
مو هروب.
ولا اعتراف.
شي ما يتوقعونه أبدًا.
وهنا…
اللعبة تغيّرت.
عند جاسم
جاسم ما كان ناوي يعزمهم.
الفكرة ما كانت جاهزة…
جته صدفة محسوبة.
كان بالمول.
واقف عند مدخل مقهى، يطلب قهوته،
يحاول يقنع نفسه إن اليوم عادي.
شافهم.
يزن كان قدّامه أول واحد.
ثم معاذ جنبه.
وجودهم مع بعض شدّه،
كأن المشهد يعاد بس بتوقيت غلط.
لحظة التقت العيون،
جاسم حس الرجعة.
رجعة لكل شي هرب منه.
ما هرب.
ولا تقدم.
بس قالها بهدوء:
«السلام عليكم.»
معاذ رد التحية أول.
نفس النبرة اللي ما فيها مفاجأة
ولا ارتباك.
يزن تأخر نص ثانية.
كأنه يحاول يتأكد من الإحساس قبل الرد.
قال جاسم، بدون مقدمات:
«أنا معتز… صديق جاسم.»
قالها كأنه يكرر تعريفه لنفسه.
مو لهم.
معاذ مد يده:
«أهلًا معتز.»
المصافحة كانت قصيرة.
لكن العين…
العين طولت أكثر من اللازم.
يزن سأل:
«صديق جاسم؟»
معتز ابتسم:
«نقدر نقول… رفيق مرحلة.»
العبارة كانت واسعة.
تكفي أي شي.
وقفوا ثواني،
والسكون صار ثقيل.
هنا جاسم عرف:
لو تركها، بتكون لحظة شك.
ولو مشّاها، بتكون خطوة.
فقال:
«إذا فاضيين…
وش رايكم نتغدا سوا؟
مكان هادي هنا قريب.»
العزيمة ما كانت ضغط.
كانت خيار.
معاذ التفت ليزن.
نظرة سريعة.
يزن هز راسه بخفة.
قال معاذ:
«ليش لا.»
وهم يمشون،
يزن كان يحاول يلقط شي:
نبرة؟
مشية؟
تفصيل صغير؟
وجاسم كان مركز بشي واحد:
إنه ما يكون جاسم.
عند باب المطعم،
وقف لحظة كأنه يتأكد من قراره.
ودخلوا.
ومن هنا…
بدأ الغداء
اللي جاسم فيه تغدا فيهم
قبل لا يتعشون فيه.
لمطعم كان قديم.
مو من النوع اللي يلمع أو يتغير شكله.
نفس الواجهة تقريبًا…
نفس الباب الزجاجي الثقيل.
أول ما وقفوا قدامه،
جاسم حس رجله تثقل.
مو لأن المكان زحمة.
ولا لأنه مو مرتاح.
لكن لأن هذا المكان يعرفه.
عرفه يوم كان يجي مع يزن وهو صغير.
عرفه يوم كانوا يتقاسمون طبق واحد ويضحكون لأن النادل دايم يحسبهم واحد.
عرفه يوم قال له يزن: “إذا كبرنا بنجي هنا لحالنا.”
كبروا…
وجا لحاله.
قال معاذ:
«هالمكان ما تغيّر.»
الجملة كانت عادية.
لكنها ضربت جاسم.
ابتسم معتز، ابتسامة محسوبة:
«القديم دايم يعلق.»
دخلوا.
الطاولات نفسها.
حتى الزاوية اللي جلسوا فيها…
هي نفسها.
يزن وقف لحظة قبل ما يجلس.
ناظر المكان كأنه يستعيد شي،
بس ما قاله.
جلسوا.
جاسم حس صدره يضيق.
كأنه داخل ذاكرة مو مطعم.
جته صورة: هو ويزن، أكتافهم تلامس،
يتضاربون على آخر لقمة،
ويزن يقول: “ترى بتشتاق.”
وهو يضحك وما يفهم.
طلبوا الأكل.
معاذ كان هادي.
يراقب أكثر مما يتكلم.
يزن كان العكس…
يحاول يتكلم،
بس عينه تفضحه.
قال يزن فجأة:
«غريب… دايم أحس إني جيت هنا قبل.»
جاسم شد على يده تحت الطاولة.
نفس المكان.
نفس الجملة.
رد معتز بهدوء:
«يمكن الذكريات تتشابه.»
يزن رفع عينه له:
«يمكن.»
سكتوا.
الأكل جا.
بس جاسم ما كان جوعان.
كان يحس إنه هو الوجبة.
معاذ قطع الصمت:
«تعرفت على جاسم من زمان؟»
السؤال بسيط.
لكن توقيته قاتل.
جاسم رفع رأسه:
«من عمر صغير.»
غلطته كانت هنا.
نبرة صوته خانته.
فيها دفء أكثر من اللازم.
معاذ لاحظ.
ما علق.
يزن قال:
«غريب…
جاسم كان دايم يكره هالمكان.»
جاسم تجمد.
هو نسي هالتفصيل.
نسي إنه قالها له يومًا.
ابتسم بسرعة:
«يمكن تغير.»
يزن هز راسه ببطء:
«جاسم؟
ما يتغير بهالسهولة.»
الصمت نزل بينهم.
ثقيل.
مزعج.
جاسم حسها.
هذا مو غداء.
هذا اختبار.
وهو…
دخل الاختبار وهو لابس اسم غلط
وفي مكان يعرف الحقيقة أكثر منه.
ومع كل لقمة،
كان الشك يكبر.
مو عندهم بس…
حتى عنده هو.
نقطع عند ماجد… ونرجع للبيت.
البيت هادي،
هدوء ثقيل كأنه متعمد،
ولا صوت غير المكيف ونفس سطام المتعب.
ماجد جالس على طرف الكنبة.
من يوم رجع وهو بنفس المكان.
الفنجان قدامه، ما قربه.
الأكل انحط… وانرفع… وهو مثل ما هو.
نوف كانت واقفة عند باب المطبخ،
تطالعه وتبعد نظرها،
تحس إن فيه شي غلط بس ما تبي تكون أول وحدة تقولها.
الجوهره جلست على الكرسي المقابل له،
حاولت تفتح سالفة عادية:
«تبي شاي؟»
هز راسه بدون ما يلتفت.
لا هو قال لا…
ولا قال ايه.
أسيل كانت متمددة شوي،
تحط يدها على بطنها،
تتألم بس ما تبي تضيف هم جديد.
كانت تراقب ماجد بطرف عينها،
سكوته مو طبيعي.
سلطانه دخلت عليهم،
شافت المشهد كله بلحظة وحدة.
عرفت.
جلست جنب ماجد بهدوء،
ما سألت مباشرة،
قالت:
«الأكل يبرد يا ولدي.»
رد بصوت خافت:
«ما لي نفس.»
سكتوا.
الدقيقة تمر طويلة.
السكوت صار أوضح من أي كلام.
سطام كان جالس على الكرسي القريب من الشباك،
وجهه شاحب،
لكن عيونه واعية.
قال فجأة:
«شفته؟»
الكل لف عليه.
ماجد شد فكه:
«يمكن.»
نوف انتبهت لنبرة صوته:
«يمكن وش؟»
ماجد وقف،
راح للشباك،
فتح الستارة شوي.
قال:
«أحيانًا الواحد يشوف اللي يبي يشوفه…
وأحيانًا يشوف شي ما يبي يعترف فيه.»
سلطانه قامت بهدوء،
وقفت وراه:
«القلب إذا عرف…
العقل يتأخر.»
ماجد مسح وجهه بيده:
«أنا ما كنت مستعد.»
الجوهره حسّت بقشعريرة:
«مستعد على وش؟»
ما جاوب.
أسيل حاولت تغير الجو:
«يمكن التعب مأثر عليك.»
ماجد لف لها:
«التعب ما يخليك تحس بنفس الشعور…
نفس الوقفة…
نفس النفس.»
الاسم ما انقال.
لكن كان حاضر بينهم كلهم.
سطام ضغط على عصاه شوي:
«إذا كان اللي أفكر فيه صحيح…
فاللي جاي مو سهل.»
سكتوا.
ولا أحد قال: جاسم
بس الكل سمعه.
نوقف هنا.
البيت كله يعرف إن فيه شي انفتح…
بس ما أحد يبي يكون أول واحد يدخله.
عند نجود.
كانت جالسة على سريرها،
النور خافت،
والغرفة ساكتة إلا من صوت الساعة وهي تعدّ الثواني كأنها تتعمّد تطوّلها.
النعاس جاها…
بس ما قدر يثبت.
كل ما غمضت عيونها،
ينفتح باب الذاكرة.
تذكّرت كلامها لتغريد،
الكلام اللي طلع عابر،
لكن كان محمّل بمعنى أكبر منها.
وقتها ما كانت تقصد أحد بعينه…
بس قلبها الآن يرجّع الجملة وكأنه يقول لها:
أنتِ كنتِ عارفة.
قامت من السرير،
راحت للشباك،
فتحت الستارة شوي.
الشارع فاضي.
بس الإحساس مو فاضي.
حطّت يدها على صدرها،
تحاول تهدّي النبض.
من أيام وهي تحس بشي ناقص،
مو حزن واضح،
ولا خوف مباشر،
شي يشبه الترقّب…
كأنها واقفة قدّام باب،
ومو عارفة تفتحه ولا لا.
جلست على الأرض،
سندت ظهرها على السرير،
وسحبت البطانية عليها.
فكّرت فيه.
مرّة تطلع صورته مثل ما تعرفه،
ومرّة تطلع غريبة…
مكسورة أكثر.
أبعد.
قالت لنفسها بصوت واطي:
«ليه أحس إني بتأخر عليه؟»
الكلمة طلعت بدون تخطيط.
أتأخر عليه.
شهقت،
وكأنها انتبهت على نفسها متأخرة.
حاولت تضحك:
«تهويل… بس تعب.»
لكن قلبها ما اقتنع.
مسكت جوالها،
فتحت المحادثة،
وقفت عند اسمه.
كتبت…
مسحت…
كتبت…
مسحت.
وأخيرًا سكرت الشاشة،
وحطّت الجوال جنبها كأنه ثقيل.
رجعت تمددت،
غمضت عيونها غصب،
وقالت:
«بكرة… أكيد بكرة أوضح.»
بس النوم ما جا.
والإحساس؟
كبر.
كأنه يعرف إن اللي جاي أقرب مما تتخيل.
نرجع لهم…
للطاولة اللي كانت هادئة أكثر من اللازم.
المطعم قديم، له رائحة ذكريات ما تنقال.
إضاءة صفراء، كراسي خشب، وصوت ملاعق خفيف يضرب الأعصاب بدون ما يرفع صوته.
جاسم كان متقمّص معتز بإتقان.
جلسته محسوبة، نبرة صوته أقل دفء، ضحكته قصيرة ومقتصدة.
يزن قدامه، عيونه ما تثبت،
ومعاذ مقابله… ساكت، بس ساكته يراقب كل تفصيلة.
الكلام كان يمشي عادي.
عن الأكل، عن المكان، عن أشياء ما لها وزن.
بس تحت الطاولة؟
كل واحد يشد أعصابه بطريقته.
وفجأة—
جاء النادل.
شاب في آخر العشرين،
وجهه مألوف…
أكثر من اللازم.
وقف عند الطاولة، ابتسم ابتسامة تلقائية،
ناظر معاذ، ثم يزن،
وبعدها ثبت نظره على جاسم.
ثانية وحدة.
بس الثانية هذي كانت كافية.
انفرجت ابتسامته أكثر، وقال بصوت طبيعي جدًا، بدون أي نية:
«أهلااا جاسم! والله زمان، حسبتك ما ترجع للمكان هذا بعد اللي صار.»
الصمت نزل على الطاولة
كأنه شي انكسر.
يزن رفع راسه فجأة.
معاذ ما تحرّك… بس عيونه تغيّر لونها.
جاسم؟
جاسم حس إن الدم انسحب من وجهه.
حاول يتدارك، ضحك ضحكة متأخرة:
«شكلك غلطان…»
لكن النادل كمل، وهو لسه مبتسم، بريء، ما يدري وش سوّى:
«لا لا، مستحيل أغلط، أنا اللي كنت أشتغل هنا يوم…»
وتوقّف، كأنه تذكّر شي.
بلع ريقه.
خفّض صوته بدون قصد:
«يوم اختفيت فجأة.»
الهواء صار ثقيل.
حتى صوت المطعم اختفى.
معاذ أخيرًا تحرّك.
ما تكلم.
بس مد يده بهدوء، حطها على الطاولة،
وسحب نظره من النادل لجاسم ببطء…
نظرة مو صدمة،
نظرة تأكيد.
يزن كان يتنفس بصعوبة،
شفايفه ترتجف،
كأنه يسمع الشي اللي كان خايف يسمعه من زمان.
جاسم حاول يوقف الموقف:
«أخوي، شكلك ملخبط بيني وبين واحد يشبهني.»
النادل ارتبك، اعتذر بسرعة،
رجع خطوتين،
وقال:
«آسف… بس…»
وسكت.
ومشى.
بس الضرر؟
صار.
معاذ ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا،
ابتسامة ما فيها أي راحة،
وقال بهدوء قاتل:
«غريب…
أول مرة أشوف شخص يُنادى باسمه الحقيقي
ويرد كأنه مو اسمه.»
جاسم ما رد.
يزن نزل عيونه.
واللحظة؟
كانت طويلة…
طويلة لدرجة إن جاسم عرف شي واحد بس:
اللعبة ما انفضحت بالكامل…
لكنها بدأت.
جاسم سحب نفس بطيء،
وابتسامته رجعت… بس مو ابتسامة دفاع،
ابتسامة شخص قرر يهجم.
لفّ نظره على يزن أولًا،
شاف التوتر بعينه،
الأسئلة اللي كانت تتجهّز بلسانه.
وقطعها قبل ما تطلع.
قال بهدوء مقصود:
«يزن… شكلك اليوم مهتم فيني أكثر من الأكل.»
يزن رفع عيونه بسرعة،
تفاجأ.
كان هو اللي يبي يسأل، مو ينسأل.
كمل جاسم، وهو يميل شوي للأمام:
«من أول ما جلسنا وأنت تراقب،
تحلل،
تسأل بين السطور.»
وقف لحظة،
وبصوت أخف:
«في شي مضايقك؟
ولا في شي تبي تقوله بس متردد؟»
يزن حس قلبه دق بقوة.
هذا مو السيناريو اللي كان متوقعه.
حاول يضحك:
«لا بالعكس… بس غريب تشابه الأسماء، مو أكثر.»
جاسم هز راسه ببطء،
وكأنه اقتنع…
لكن عيونه تقول غير.
«إيه… التشابه دايم يربك.»
ثم فجأة،
غيّر الاتجاه.
ناظر معاذ:
«ترى يزن من زمان كذا؟
إذا حس بشي، يلف ويدور حوله
بدل ما يسأل مباشرة؟»
معاذ ما جاوبه على طول.
بس النظرة اللي رماها ليزن كانت كافية
تزيد ضغطه.
يزن بلع ريقه.
جاسم رجع له:
«ترى أسهل شي إن الواحد يشك،
أصعب شي يواجه شكه.»
ثم ابتسم، ابتسامة قصيرة:
«وأنت؟
وش أسهل عليك اليوم؟»
يزن حس نفسه محشور.
كان جاي يختبر…
وفجأة صار هو تحت الاختبار.
حاول يتكلم،
لكن الكلمات تلخبطت.
جاسم استند على الكرسي،
كأنه أنهى الجولة.
بس داخله؟
كان يعرف شي واحد:
أسئلة يزن ما كانت عفوية.
وفي شي قاعد يتحرك ضده…
بس لسه ما صار واضح.
والأخطر؟
إنه وهو يضغط على يزن،
كان يزيد شك معاذ بهدوء.يزن حس إن اللحظة لو عدّت…
يمكن ما ترجع.
الصمت اللي خلّفه كلام جاسم كان خانق،
ومعاذ ساكت،
وهالسكوت بالذات خلا يزن يحس إن الكرة صارت بملعبه.
رفع يزن راسه،
ولأول مرة ما يهرب بنظره.
قالها فجأة، بدون تمهيد:
«طيب خلنا نكون واضحين.»
جاسم ما تحرك،
ولا تغيرت ملامحه،
بس عيونه شدّت عليه.
يزن كمل، وصوته فيه رجفة خفيفة حاول يخبيها:
«أنا شفت شخص يشبهك…
مو تشابه عادي.»
وقف شوي،
كأنه يجمع شجاعته.
«نفس الوقفة،
نفس النبرة،
حتى طريقة السكوت.»
معاذ التفت بينهم،
يحاول يلقط أي حركة صغيرة.
جاسم ابتسم…
بس هالمرة ابتسامة باردة.
«ويعني؟
تشابه الناس صار تهمة؟»
يزن هز راسه:
«لو كان شخص عادي، لا.
بس هذا الشخص…
اختفى فجأة.»
سكت.
والاسم ما طلع…
بس كان حاضر بقوة.
جاسم حس بشي داخله انشد،
بس ما خلاه يبان.
قال بهدوء:
«الاختفاء مو دايم معناه هروب.
أحيانًا… نجاة.»
هالكلمة ضربت يزن.
«نجاة من إيش؟»
طلعت منه أسرع مما يبي.
هنا،
جاسم عرف.
عرف إن يزن مو بس يشك،
يزن حاس.
قرب شوي، صوته صار أخفض:
«واضح إن الموضوع مأثر فيك أكثر مما توقعت.»
ثم رمى السؤال القاتل:
«ليش؟
وش اللي يخليك تتعلق بشخص اختفى؟»
يزن فتح فمه…
وسكره.
ما قدر يقول: لأنه أخوي
ما قدر يقول: لأني تركته
ما قدر يقول: لأني خايف يكون قدامي وأنا ما أقدر أمسكه
معاذ كان يراقب…
والآن بدأ يلاحظ.
لاحظ كيف إن جاسم،
كل ما واجهه يزن،
صار أهدى.
وهالهدوء…
مو طبيعي.
يزن أخيرًا قال:
«لأني ما أتحمل فكرة إني كنت قريب
وما مدّيت يدي.»
الجملة نزلت ثقيلة.
جاسم حسها ضربته بمكان موجوع،
لكنه تمالك نفسه.
وقف،
وسحب الكرسي شوي.
«بعض الأشياء،
حتى لو مدّيت يدك…
يمكن الطرف الثاني ما يكون جاهز يمسكها.»
لبس معطفه،
وناظرهم الاثنين.
«إذا كان عندك أسئلة،
اسألها لنفسك أول.»
وهو يمشي،
حس إن الخطأ الصغير اللي سواه
مو بالكلام…
بل إن يزن شاف لمحة وجع حقيقي
ما يطلع إلا من شخص يعرف الفقد.
ومعاذ؟
واقف مكانه،
بدأ يجمع القطع بهدوء.
واللعبة…
دخلت مرحلة أخطر.
نقطع…
عادل كان جالس عند طرف الكنبة،
ظهره مسنود،
وأنفاسه أخيرًا مو متلاحقة.
البيت هادي بشكل غريب،
الهدوء اللي يجي بعد عاصفة،
مو لأن كل شي انتهى…
بل لأن اللي كان محبوس بالصدر أخيرًا طلع.
من يوم اعترف لجاسم،
شي ثقيل انشال عنه.
مو ارتاح كليًا،
لكن على الأقل…
ما عاد يكذب.
كان يفكر بالكلمة اللي قالها له جاسم:
«الصدق ما يريحك دايم، بس يوقف نزيفك.»
ابتسم ابتسامة خفيفة،
أول مرة من مدة طويلة.
قام،
سوى قهوة،
وحس إن طعمها أعدل من قبل.
جلس،
وشغّل التلفزيون بدون ما يركز،
عقله يرجع للّحظة اللي ضمه فيها جاسم.
كيف ما حكم،
ولا قسى،
ولا حتى نصح زيادة.
بس سمع.
عادل حس إن الاعتراف ما كان نهاية،
لكن كان بداية
لشي أهدى…
أصدق.
رفع جواله،
كتب رسالة وما أرسلها.
مسحها.
قال لنفسه:
«بكرا.»
وما كان يدري
إن بكرا
مو بسيط أبدًا،
وإن هالراحة…
كانت استراحة قصيرة
قبل ما توصل الحقيقة
أقرب مما يتوقع.
عند جاسم
جاسم طلع من المطعم بخطوات سريعة.
مو هروب…
انسحاب محسوب.
الهوا ضرب وجهه،
بس ما برد اللي داخله.
كان يعرف إن المواجهة ما انتهت،
بس تأجلت.
طلع جواله،
يبغى يطلب سيارة،
يبغى يبعد.
وقتها…
شاف شخص قدّامه يترنّح.
سطّام.
واقف عند طرف الرصيف،
العصا بيده،
ووجهه شاحب أكثر من المعتاد.
جاسم توقف فجأة.
القلب نزل.
الاسم ضربه بدون صوت.
خطا خطوة…
وقف.
قال لنفسه:
لا… مو الآن.
لكن سطّام اختل توازنه.
اللحظة ما أعطته خيار.
جاسم ركض،
مسكه من ذراعه،
سنده بقوة وحنان نسي يخفيه.
قال بدون تفكير، بصوت خرج منه هو:
«انتبه يبه… لا تستعجل.»
الكلمة
— يبه —
طلعت.
خفيفة.
عفوية.
قاتلة.
سطّام رفع راسه،
ناظر الوجه المتلثم،
والنبرة ضربت ذاكرته.
قال بتردد:
«نبرتك…»
جاسم شدّ اللثام أكثر،
غيّر صوته بسرعة:
«أنت تحتاج تجلس شوي، عمّي.»
لكن الضرر صار.
من الجهة الثانية من الشارع…
يزن كان واقف.
كان ناوي يلحقه،
لكن لما شاف المشهد…
تسمّر.
ما سمع الكلام كامل.
بس شاف:
طريقة المسكة
ميل الرأس
اللمسة اللي ما تجي من غريب
والأخطر؟
شاف شفايفه تتحرك بكلمة
يعرفها زين
حتى لو ما سمعها.
يزن حس شي مسك صدره.
مو دليل.
إحساس.
سطّام تماسك شوي:
«بيتنا قريب…»
وأشار.
جاسم هز راسه،
مشى معه خطوتين،
وقف عند الباب.
ما دخل.
قال بهدوء:
«ارتاح…
ولا تطوّل برا.»
سطّام ناظره نظرة طويلة،
نظرة شخص يحاول يلحق شيء
ضايع من زمان.
ثم دخل.جاسم لفّ بسرعة بعد ما دخل سطّام البيت.
كان يبي يختفي قبل ما تزيد اللحظة ثِقل.
صدره يعلى وينزل،
مو من الجري…
من اللي صار.
لسّه خطواته ما بعدت،
جواله اهتز.
توقف.
اسم واحد على الشاشة خلّى أصابعه تتجمّد:
مازن.
هنا بالضبط
عرف جاسم إن الخطر مو قدّامه…
الخطر فيه.
ردّ بدون تفكير،
وبنبرة ما قدر يزوّرها:
«ها مازن؟»
الصوت طلع…
صوته هو.
مو معتز.
مو القناع.
صوت الشخص اللي ما يعرف يمثل قدّام مازن.
يزن، اللي كان واقف على بعد خطوات،
ما سمع الكلام كامل،
لكن سمع النبرة.
نفس النبرة
اللي كان يسمعها إذا تعب
إذا انهزم
إذا انكسر.
يزن حس الدم ينسحب من وجهه.
مازن من الطرف الثاني قال:
«وينك؟ من الصبح أدورك.»
جاسم بلع ريقه.
التفت حوله لا إراديًا.
«برا… أحتاج أمشي شوي.»
مازن سكت ثانية.
وبصوت أهدى:
«أنت زين؟»
السؤال كان بسيط…
لكن جاسم ما قدر يجاوبه بسرعة.
وهالسكوت
كان كافي.
يزن شد فكه.
القطع بدأت تركب.
جاسم انتبه متأخر.
خفّض صوته، حاول يرجع القناع:
«أقصد… أنا معتز.»
الكلمة طلعت غريبة حتى عليه.
مازن قال مباشرة:
«لا.»
كلمة وحدة.
حادة.
«لا تقولها كذا…
أنت مو معتز لما تتكلم معي.»
جاسم سكّر الخط فجأة.
رفع راسه.
يزن كان لسه واقف.
ما تحرّك.
ما واجهه.
لكن نظرته…
كانت تقول:
أنا ما عدت أبحث عن دليل.
أنا قاعد أتأكد.
جاسم لفّ ومشى بسرعة،
هذه المرة هروب حقيقي.
وهو يعرف إن أسوأ شي صار
مو إن يزن سمع صوته…
بل إن مازن الآن يعرف إن فيه شي انكشف.
واللي يعرفه مازن؟
دايمًا يوصل للي ما بعده.
ومع مرور الأيام، صار الصمت أثقل من الكلام، وصار الذنب يمشي مع صاحبه بكل خطوة، لين جاء اليوم اللي قرر فيه واحد منهم يوقف الهروب، حتى لو كان الثمن عمره.
كان الشارع شبه ميت.
إنارة صفراء متقطعة، وبيوت قديمة ما عاد أحد يسكنها.
يزن يمشي لحاله… خطواته بطيئة، عقله مو مع الطريق.
جاسم.
عزمهم، ضحك، تكلم كأن ما فيه شي.
بس عيونه… عيونه كانت تقول العكس.
كان يزن يفكر:
يمكن هالمرة فعلًا بيحط حد لكل شي.
الصوت جا بدون إنذار.
طَخ.
ما كان عالي… بس كان كافي.
يزن تجمّد مكانه، قلبه نزل رجوله.
ثم سمع أنين ورا ظهره.
لف.
جاسم.
واقف خطوتين وراه… متأرجح.
يده على جنبه، ونَفَسه مو مضبوط.
يزن ما فهم.
ولا عقله لحق يستوعب.
— «جاسم…؟»
طلقة ثانية.
هذه المرة جاسم طاح على ركبته.
يزن ركض له، مسكه قبل لا يطيح بالكامل.
الدم كان موجود… بس مو هو اللي خوّفه.
اللي خوّفه إن جاسم كان هادي. هدوء مو في محله.
— «ليش…؟»
صوت يزن طالع مكسور.
جاسم رفع عينه فيه، وابتسم ابتسامة خفيفة… موجعة.
— «عشاني.»
سكت لحظة.
— «أبي أكفّر عن ذنبي.»
يزن هز راسه بعنف.
— «وش تقول انت؟ وش قاعد تسوي؟!»
جاسم تنفّس بصعوبة، وقال بهمس: — «ما أقدر أشوفك تموت قدامي.»
يده ارتخت.
توازنه خانَه.
يزن شاله، صوته طلع لأول مرة: — «لا… لا لا لا.»
جاسم نظر له نظرة طويلة… كأنه يودّع شي ما انقال.
— «أنا آسف.»
ثم:
— «أتمنى… تسامحني.»
غمض عيونه.
هنا… يزن انهار.
— «أنا مسامحك!»
صرخ.
— «مسامحك قوم! قوم يا جاسم! لا تخليني كذا!»
كان يهزه، صوته متقطع، دموعه نازلة بدون وعي.
صوت سيارة وقف بعنف.
مازن.
نزل وهو يتصل بالإسعاف، شاف المشهد، تجمّد ثانية وحدة… ثم ركض.
الإسعاف وصلت بسرعة،
وأخذوا جاسم من يزن غصب.
يزن حاول يلحقهم، صوته مبحوح: — «لا… لا تودونه…»
ركبتيه خانته.
جلس بالأرض.
مازن مسكه، حاول يهديه،
بس يزن ما كان يسمع.
كل اللي في راسه جملة وحدة:
جاسم اختار يموت… علشاني.
نرجع عند أهل ماجد…
البيت كان ساكت أكثر من اللازم.
النوع اللي يخوّف، مو يطمن.
ماجد دخل وهو يحاول يضبط أنفاسه،
ملامحه شاحبة، عيونه حمراء بس مو من بكاء واضح… من صدمة.
سلطانه كانت أول وحدة ترفعه بعينها.
الأم تحس قبل ما تُسأل.
قالت بهدوء حذر: — «وش فيك يا ماجد؟»
ما رد مباشرة.
جلس، وحط كوعه على ركبته، ودفن وجهه بين يديه لحظة كأنه يجمع نفسه.
نوف قربت شوي، صوتها واطي: — «صار شي؟»
ماجد رفع راسه.
هالمرة ما قدر يزوّر.
— «جاسم…»
الاسم سقط بالمكان مثل حجر.
أسيل شدّت على طرف الكنبة بدون ما تنتبه.
قلبها دق بقوة.
— «وش فيه جاسم؟»
قالتها وهي تحاول تكون ثابتة.
ماجد بلع ريقه: — «انصاب.»
الصمت اللي جاء بعدها كان أقسى من أي صراخ.
سلطانه قامت من مكانها دفعة وحدة: — «كيف يعني انصاب؟ وينه؟»
ماجد تنفّس بعمق: — «أخذوه الإسعاف… ما نعرف شي للحين.»
الجوهره غطّت فمها بإيدها.
نوف عيونها دمعت بدون صوت.
أسيل حطت يدها على بطنها غريزيًا،
وحست الدوخة نفسها ترجع.
— «يزن؟»
سألتها سلطانه بسرعة.
— «كان معه…»
سكت ماجد لحظة،
— «وانهار.»
الكلمة كسرت شي داخلهم.
سلطانه جلست ببطء،
مو ضعف… ثقل.
قالت وكأنها تكلم نفسها: — «قلت… قلت ما فيه شي يعدي كذا.»
الوقت مر وهم على أعصابهم.
جوالات بيدين مرتجفة.
كل رنة تخوّف.
وأخيرًا…
رن جوال ماجد.
الكل التفت له.
رد.
ما تكلم كثير، بس ملامحه تغيرت.
قفل.
ناظرهم: — «هو بالحياة.»
تنفّس جماعي،
بس ما كان ارتياح… كان انتظار.
— «بس حالته حرجة.»
سلطانه غمضت عيونها،
رفعت يدها للسماء: — «يا رب.»
وهم بهاللحظة
ما كانوا يعرفون
إن اللي صار مو نهاية فصل…
بل بداية انكشاف
ما راح يقدر أحد يوقفه.