الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل الثاني عشر - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

عند يزن بالحديقه بعد ما قالت سلطانه إن معتز كان هنا، ما احتاج يزن يصحّح الاسم. الاسم غلط، لكن الإحساس ما يخطئ. وقف في الحديقة، قدّام نفس المكان، نفس الشجرة، نفس الأرض اللي شهدت ضحكات قديمة ما عاد لها صوت. حاول يتحرّك… ما قدر. كأن رجوله انغرست بالأرض، مو ثقل جسد، ثقل معرفة. المعرفة إن جاسم كان قريب. قريب مره. صدره ضاق فجأة، مو كتمة، لا… شي أهدى وأقسى. ذاك الضيق اللي يجي لما تعرف إنك فوت لحظة ما تتعوّض. بلع ريقه، عدّل وقفته، لبس هدوء متعوّد عليه، هدوء تعلّمه من سنين وهو يكتم أشياء أكبر من عمره. قربت سلطانه، حس فيها قبل لا يشوفها. صوتها جا ناعم، دافي، فيه أمومة ما تنطلب: «وش فيك؟» لفّ عليها ببطء، كأنه خايف إذا لف بسرعة ينكشف كل شي بوجهه. قال: «ولا شي.» الكلمة طلعت متماسكة، بس داخلها متشقق. سلطانه ما صدقته، بس اختارت تسكّت، تعرف متى تحضن ومتى تترك. قالت وهي تبتعد: «بس لا تخبي عني مره ثانية.» خلّت المكان، وسحبت معها فهد وناصر ومؤيد وريّان. خفّ الضجيج، وبقي الصمت… الصمت اللي يزن ما يخافه، لكنه اليوم كان أثقل من أي صوت. وقف لحاله. فكره رجع خطوة ورا. خطوتين. كم خطوة كانت بينه وبين جاسم؟ ثلاث؟ أربع؟ ولا خطوة وحدة كان يقدر يكسرها لو بس عرف؟ نادى بصوت واطي، لكنه مشدود: «ناصر.» لفّ ناصر بسرعة: «نعم.» سكت يزن لحظة. مو لأنه ما يعرف السؤال… لكن لأنه خايف من الجواب. «قبل ما أجي… جاكم أحد؟» ناصر قالها ببساطة طفل: «إيه، رجال سأل عنك.» الجملة ما كانت طويلة، بس ضربت مكان حساس، مكان يعرفه يزن زين. قال وهو يحاول يثبّت صوته: «وش شكله؟» فهد تحمّس: «كان طويل.» ناصر كمل وهو يضغط حواجبه: «وجهه شاحب.» فهد قالها وهو يمد عيونه: «عيونه غرقانة، كأنه ما نام.» ناصر حاول يتذكر أدق: «مملوح… بس تعبان…» فهد ختم، يقلد نبرة الرجل بدون ما يدري وش فيها: «وقال: خالكم يزن إنسان طيب… وراح.» هنا… هنا شي انكسر. مو صوت، مو دمعة. انكسر شي داخلي، شي قديم، شي كان يزن حاطه باسم القوة. كان يسمعهم، يهز راسه، يتظاهر بالتماسك، لكن داخله كان يشوف جاسم واقف بنفس المكان، يشوف وقفته، تعبه، النظرة اللي دايم يحاول يخفيها. كان بينهم خطوات. قريبة لدرجة إن الهواء اللي تنفّسه واحد. بس الزمن خانهم. مؤيد قرب منه، مسك يده الصغيرة، وسأل: «بابا… أنت تعرفه؟» نزل يزن لمستواه، ابتسم ابتسامة ما فيها أمان، بس فيها حب: «يمكن… إذا شفته أعرفه.» رجعوا الأطفال يلعبون. الضحك رجع يملأ الحديقة. أما يزن… فبقي واقف بنفس المكان. جسده هنا. ذكرياته هناك. روحه عند شخص واحد. جاسم. اللي إذا ضاق صدر يزن، يضيق معه. اللي كان يسكنه بدون استئذان. اللي حتى أخوته ما قدروا ياخذون مكانه. رفع يزن راسه للسماء، وهو يحس إن الكلمات ما تطلع إلا كدعاء مكسور: ليش كنت قريب… وما شفتك؟ ليش ما تركت لي حتى أثر؟ والحديقة… ظلت ساكتة. بعد ما رجع الأطفال يلعبون، بقي يزن واقف بنفس المكان. نفس العشب تحت رجوله، نفس الهواء، بس الإحساس تغيّر. صار أثقل… كأنه يحمل عمر كامل على صدره. نظر قدّامه، بس عيونه ما كانت تشوف الحديقة. كانت تشوف زمان ثاني. شاف نفسه صغير… هو وجاسم بنفس الطول، بنفس الفوضى، بنفس البراءة اللي ما تعرف الخوف. تذكّر كيف كانوا يلبسون من نفس الدولاب، إذا ضاع شيء من يزن، جاسم يعرف وينه قبل لا يدور. إذا بكى واحد، الثاني يبكي قبله، حتى لو ما يعرف السبب. تذكّر لياليهم… سقف واحد، بطانية وحدة، ونفس الحلم البسيط: إنهم يكبرون سوا، مهما صار. كان يزن يزعل؟ جاسم يزعل معه. حتى لو الخطأ مو له. كان يقول: «أنا معه»، وكأن هذا كافي. تذكّر يوم توفت أمه… الناس كانوا يواسونه، بس اللي نام جنبه، وسكت معه، كان جاسم. ما تكلم، ما واسى بكلام، بس وجوده كان يقول: أنا هنا، وما بروح. ابتلع يزن غصته. اليوم، نفس الشخص… اختار يروح بدون ما يقول. مرّت صورة ثانية: أول مرة افترقوا. أول مرة حس إنهم مو دايم سوا. وقتها قال لنفسه: كبرنا، طبيعي. بس اليوم يعرف… بعض العلاقات ما تكبر، إما تبقى كاملة… أو تنكسر. شد يده بدون ما ينتبه. كأنه يمسك يد شخص مو موجود. قال بصوت واطي، يكاد ما يُسمع: «حتى زعلي… كنت تزعل معي.» رفع عيونه، حس إن المكان كله يشهد عليهم. الشجرة، الأرض، حتى الهواء يعرف قصتهم. كان بينهم خطوات. خطوات طفولة، عمر، أخوّة ما انقالت بالكلام. واليوم… الخطوات صارت مسافة. مسح على وجهه بسرعة، مو لأنه بيبكي، لكن لأنه لأول مرة يعترف بينه وبين نفسه: إن المكان اللي راح جاسم منه… ما راح يجي أحد يعبّيه. والحديقة؟ ظلت واقفة… مثل الزمن اللي رحل، وما عاد يرجع. عند جاسم في الليل، خرج جاسم يتمشى. ما كان ناوي شيء، ولا يبي وجهة. بس فجأة… تعطّلت سيارته مرة ثانية، في مكان شبه خالي، مكان يوحي له إن الهروب ما عاد خيار، كأن كل شيء حوله يقول له: وقف، واجه. لكنه ما فهم الرسالة… أو يمكن فهمها وتجاهلها. نظر للسيارة بملل وضيق، نفس العطل، نفس الإحساس بالعجز. تنفّس بعمق، وتركها وراه. قال يمشي شوي، يغيّر جو، يمكن الأفكار تتركه بحالها. في نفس الوقت، كان ماجد طالع من بيته بدون هدف واضح. اسمه… جاسم، كان يرن في رأسه بدون توقف، يلف ويدور، كأنه عتاب ما له نهاية. يحس بالحنين، بالذنب، كأنه لو ناداه بصوت أعلى بيرجع. قرر يطلع يرفّه عن نفسه، طنّش كل الاتصالات، كل الأصوات اللي تناديه، كان يبي يسكت رأسه… ولو شوي. وبالصدفة— اللي ما عاد يصدق إنها صدفة— شافه. وقف ماجد مكانه. قلبه سبق عقله. عرفه… مو بالاسم، عرفه بالإحساس. وعند جاسم— كان القهر أثقل من قدرته. كان يبكي، بس بصمت. أمه كانت عنده، بنفس لمسة الحنان، بنفس الصوت اللي دايم يطمنه. كان يبي يرتمي في حضنها، يبكي بكاء طفل تعِب، لكن فيه شيء يشدّه، شيء يقول له: مو الحين. اختنق… وقرر يطلع لمكان أقل ضجيجًا، مكان ما فيه عيون، ولا أسئلة. وصل، نزل من السيارة، ومشى بدون وعي، إلى أن سمع صوته. «معتز… أقصد جاسم.» لف جاسم فجأة. الاسم ضربه قبل الوجه. «ماجد؟» قالها باستغراب حذر. «غريبة هنا… ومن جاسم هذا؟» ماجد ما رد على السؤال. كان يناظر وجهه، يدقّق، كأنه يخاف لو رمش يختفي. شاف التعب، شاف الشحوب، شاف أخوه اللي ضيّعه الزمن. قال بصوت مبحوح: «أنا عارف إنك هو… نفس الوقفة، نفس الغضب اللي تحاول تخبيه. حاولت أرفض الفكرة، أقنع نفسي، بس مهما تغيّرت… تبقى أنت.» جاسم حس إن الهواء صار أقل. كان يبي ينسى، يبي يهرب، وفجأة يطلع له ماجد… كأنه اختبار ما كان مستعد له. رد بصوت متعب، حتى الإنكار طلع مكسور: «شكلك مشبّه.» ماجد ما قدر. خطوة وحدة كانت كافية. ضمه بقوة، كأنه يخاف يضيع مرة ثانية. شد عليه، وانهارت دموعه. «ليش مصر تنكر؟ ليش؟» جاسم حاول يبعده… لكن جسمه ما أطاعه. فيه إحساس غريب مسكه، إحساس إن فيه ناس للحين تحبه، للحين تنتظره. نزلت دمعة من عينه، خانته بدون إذن. فتح فمه، «ماجد… أدري إني أشبـ—» قاطعه ماجد بصوت موجوع: «يكفي هروب، يكفي تعذيب قلوب مالها ذنب. خمس سنوات مرت، خمس سنوات!» جاسم جمع قوته، وأبعد ماجد عنه أخيرًا. نظر له نظرة حاسمة، كأنها آخر دفاع له. «ماجد… أنا مو جاسم. أنا معتز.» وتركه… ومشى. ماجد وقف مكانه، ما لحقه، ما ناداه. انهار، لأنه عرف الحقيقة، وعرف بنفس اللحظة… إنه ما قدر يرجّعه. عند جاسم بعد ما ترك ماجد، ركب جاسم سيارته وهو مقهور… قهر مو عادي. قفل الباب بعصبية، وضرب على الدركسون بقبضته، الضربة ما كانت ألمها في يده، كانت في صدره. دموعه نزلت غصبًا عنه، مو ضعف… إنها لحظة انكشاف. قال لنفسه بصوت مخنوق: هو كشفني… وأنا ما كان عندي أي استعداد أشوفه. سكت لحظة، وبعدها طلعت الكلمة اللي حاول يدفنها سنين: بس هو أخوي الوحيد… الكلمة رجعت له صدى، أخوي الوحيد… أخوي الوحيد… تتكرر، تضغط، توجع. كانت مزعجة، لأنها الحقيقة اللي يحاول يهرب منها. وصل لشقته. طلع وهو ما يحس برجوله. مد يده يفتح الباب… وانتبه. الباب مفتوح. وقف لحظة، قلبه دق أسرع، دخل بحذر. شاف عادل. واقف عند الطاولة، منحني، يكتب ورقة بيد ترتجف. واضح إنه غارق في اللي يكتبه لدرجة ما حس فيه. جاسم تنحنح. عادل انتفض. قلبه قفز من مكانه. لف بسرعة… وتجمد. جاسم… قدامه. مو ذكرى، مو وهم، بشحمه ولحمه. ما فكر. ما حسبها. خطوتين، وضمه بقوة. قال بصوت متكسر، يطلع من صدره مو من لسانه: «آسف… والله آسف. ما كانت نيتي كذا. كنت أبي أشجعك تعترف، بس ما دريت إني قاعد أدفك لطريق منحدر.» شده عليه أكثر، كأنه يتمسك بفرصة أخيرة. كمل وهو يبكي: «سوي اللي تبي… وأنا أول الناس الداعمين لك.» جاسم وقف لحظة، ثم رفع يده وضمه هو بعد. ضمّه بهدوء مختلف، بثبات شخص تعِب من المقاومة. قال بصوت منخفض لكنه واضح: «سامحتك.» بهاللحظة، جاسم شاف عادل مثل ما عمره ما شافه. منهار… منكسر… مو ذاك الشخص القوي اللي دايم قدامه. وعرف إن هذا الانكسار ما كان خوفًا على نفسه، كان خوفًا عليه. عند ماجد دخل ماجد البيت بهدوء ثقيل، كأن الجدران صارت أضيق من قبل. أول ما قفل الباب وراه، خانته دمعة… نزلت بدون استئذان، مسحها بسرعة، كأنه يخاف أحد يشوف ضعفه، لكن الحنين كان أسرع منه. أخوه كان قدامه. واضح، حي، يتنفس. ومع ذلك… راح. اختفى مرة ثانية، وما قدر ياخذه معه، ولا حتى يقول له: ارجع. تقدم خطوتين، ثم وقف. صدره كان يعوره كأنه انشد من الداخل. شاف أسيل بالصالة، جالسة على الكنبة، يدها على بطنها، وتعب الحمل مرسوم على ملامحها بدون ما تتكلم. أهلها متعمدين ما يجيبون طاري جاسم، عارفين إن مجرد اسمه يرهقها، واللي فيها مكفيها. ماجد حاول يعدي، لكن صمته كان أوضح من أي كلمة. حتى السلام… نسيه. أسيل لاحظت. لاحظت الدمعه اللي ما قدر يخفيها، لاحظت الشرود اللي مو وقته. قالت بهدوء وهي تربت على المكان جنبه: «ماجد… تعال اجلس.» جلس. جنبها، قريب جسديًا، بعيد فكريًا. لفت عليه بنظرة مليانة قلق: «وش فيك؟ شكلك مو طبيعي.» سكت. تردد. الحقيقة كانت ثقيلة… وأثقل منها فكرة إنها تتعب. قرر يكذب. مو لأنه ضعيف، لكن لأنه خايف عليها. قال وهو يحاول يضبط صوته: «ولا شي… بس صداع وتعبان شوي.» أسيل ما اقتنعت. ملامحه تكذبه، لكنها سكتت. يمكن لأنها تعبت من الأسئلة، أو لأنها حسّت إن في شي أكبر من إنها تتحمله. قالت بصوت واطي: «دير بالك على نفسك.» هز راسه. وهو يعرف… إنه ما يدري كيف يدير باله وقلبه للحين واقف عند لحظة شاف فيها أخوه وضاع منه مرة ثانية. عند نجود كانت نجود جالسة على سريرها، اللمبة الجانبية منورة بنور خافت، والبيت ساكت إلا من صوت المكيف وأنفاسها الثقيلة. عيونها جاها النوم… مو نوم راحة، نوم هروب. جفونها تثقل، لكن عقلها صاحي أكثر من اللازم. كل ما قربت تغمض، ترجع لها نفس الصورة نفس الوقفة نفس الظهر نفس الاسم اللي تحاول ما تنطقه. جاسم. تحاول تقنع نفسها إن اللي شافته مجرد صدفة، وإن الماضي خلاص انتهى، بس قلبها ما يسمع. القلب ما يعرف الزمن، ولا يعترف بالقرارات اللي اتخذتها بعقلها. لفّت على جنبها، شدّت البطانية عليها كأنها تحتمي، لكن الذكريات تسربت معها تحت الغطا. تذكرت كيف كان ذكي، مو بذكائه… بذكاء الهروب. كيف قدر يخبي ملامحه، يضبط نبرته، يتحكم بوجهه لدرجة إن حتى أمها ما شكّت. همست لنفسها بصوت بالكاد يطلع: «الزمان اللي رحل… ما عاد بيرجع.» قالتها كأنها تقنع نفسها، مو لأنها متأكدة. دمعة تجمعت بطرف عينها، ما نزلت، بس حرقتها كانت كفاية. استسلمت أخيرًا للنوم، وهي تدري… إن بعض الناس حتى وهم غايبين يعرفون يوقظونك وأنت نايم. عند جاسم نزل جاسم من الشقة. خطواته كانت آلية، كأنه ما هو بكامل وعيه. فتح باب الكراج، والبرد لف جسده، فيه إحساس غريب يضغط صدره… إحساس نهاية، مو فكرة واضحة، بس شعور خانق. وقف لحظة، كأن شي داخله يقول: توقف وشي ثاني أضعف، يهمس: تعبت. مد يده… ثم فجأة— فتح عيونه. كان يتنفس بسرعة، قلبه يدق بقوة، والغرفة ساكنة إلا من صوت أنفاسه. عرفها مباشرة… مو حقيقة. بس إحساسها كان حقيقي أكثر من اللازم. جلس على السرير، مرر يده على وجهه، وقال بصوت منخفض كأنه يقنع نفسه: «لا… هذي فكرة ما تجوز.» قام ببطء، راح للنافذة. الدنيا برا كانت ظلام، سكون الليل يبتلع كل شي. توضأ، ووقف يصلي، مو لأنه متعود… لكن لأنه محتاج يرتاح. صلى قيام الليل، ركعتين ثقيلات على قلبه، خفيفات على روحه. بعدها صف السجادة، وطلع للبلكونة ومعه كوب شاي بابونج، ذاك اللي يهدّي الواحد إذا تعب. جلس هناك، والأفكار تتناوب عليه بدون ترتيب. مرة نجود… ضحكتها، وصوتها اللي كان يطمنه. مرة أهله… وجوههم اللي يشتاق لها حتى وهو بعيد. ومرة يزن… الاسم لحاله كان كفيل يربك قلبه. ما حس بالوقت. ولا انتبه متى تغير لون السماء. أشرقت الشمس بهدوء، كأنها ما تدري وش صار في الليل. قام صلى الفجر، رجع، وحاول ينام… بس شي داخله كان يعرف إن هذا الليل مو آخر ليل ثقيل يمر عليه عند ماجد جلس ماجد مكانه، والليل يمر عليه بطيء كأنه يتعمد يطوّل. النوم ما قرب، ولا حتى غفا لحظة؛ عيونه كانت مفتوحة… لكن غرقانة. دخلت سلطانه عليه بهدوء، نفس المكان، نفس الوضع، حتى الأكل اللي حطّته له قبل ساعات مثل ما هو… ما مد يده له. وقفت عند الباب ثواني، تطالع ظهره المنحني وتعرف إن الوجع أكبر من كلمة. قربت وجلست قدامه، صوتها واطي وفيه حنية ما تطلب إذن: «ماجد… ليه ما أكلت؟» رفع عيونه ببطء، كانت محمّلة بدموع ما نزلت كأنها تعبت حتى من النزول. قال بصوت خالي من الروح: «ما فيني شي.» سلطانه ما ردت على الكلمة، لأنها عارفة… هو ما يكذب عليها، هو يكذب على نفسه. مدّت يدها ولمست يده برفق، لمسة أم تعرف متى تسكت ومتى تحاصر الوجع بدون أسئلة. قالت: «اللي فيك مو بسيط… وأنا مو مستعجلة أعرفه. بس لا تقعد لحالك كذا.» بلع ماجد غصته، والمرة هذي الدمعة خانته ونزلت، مسحها بسرعة كأنه يعتذر عنها. قال: «كنت قريب منه… قريب مره، وبعدها اختفى.» سلطانه شدّت على يده أكثر، وقالت بحزم حنون: «اللي يختفي مو دايمًا هارب، أحيانًا يكون ضايع.» سكت ماجد، وترك رأسه ينحني للأمام، كأن التعب أخيرًا لقى مكانه. سلطانه ما قالت شي بعدها، بس جلست جنبه وتقاسمته الصمت… والصمت هالمرّة كان أصدق من أي كلامبقيت سلطانه جنبه، ما استعجلته بالكلام، لين حسّت إن أنفاسه صارت أهدى شوي… مو مرتاحة، بس أقل اختناق. قالت بصوت واطي كأنه دعاء: «ماجد… قم صلِّ الفجر.» رفع عيونه لها باستغراب خفيف، مو لأنه ما يبي، لكن لأن التعب كان ماسكه من كل جهة. قال: «يمه… ما فيني قوّة.» ابتسمت ابتسامة أم تعرف إن القوّة مو دايم من الجسد، وقالت وهي تمسح على كتفه: «ما نبي قوّة، نبي صدق. وقف قدام ربك وقل له كل اللي ما قدرت تقوله لي ولا لنفسك.» سكت، الكلام دخل فيه من مكان ما كان متوقعه. قام ببطء، كأن كل خطوة تحتاج إذن من قلبه قبل رجوله. وقف على السجادة، وصوت الأذان كان لسه يتردد، أحس إن اللحظة هذي مو وقت صلاة وبس… وقت اعتراف. سلطانه وقفت بعيد شوي، ما تحب تزاحم أحد بينه وبين ربه. شافته وهو يرفع يده، ولأول مرة من الليلة انكسر ظهره بالبكاء. كان يدعي بدون صوت، بس دموعه كانت تحكي كل شي: الحنين، العجز، الوجع اللي ما لقى له اسم. بعد ما سلّم، جلس مكانه، راسـه مطأطأ، لكن صدره أخف… ولو شوي. قربت منه سلطانه وقالت بهدوء: «شفـت؟ مو كل شي ينحل، بس كل شي يهون لما تفضي قلبك للي ما يضيع ودائع.» هز راسه، ولأول مرة من ساعات ما قال: «ما فيني شي». بس قال: «الله كريم.» وكانت هالكلمة أقرب اعتراف منه إنه تعبان… بس مو لحاله. عند الجوهره ونوف كانت نوف والجوهرة بالمطبخ، صوت الصحون الخفيف، ورائحة القهوة اللي بدت تنتشر، كل شي يوحي بصباح عادي… بس الحديث ما كان عادي أبدًا. الساعة قرّبت على العشر، وأمهم كانت بغرفتها، وهن قررن يسبقنها بالفطور، يمكن لأن المطبخ دايم المكان اللي تطلع فيه الأشياء بدون ترتيب. قالت نوف وهي تقلب البيض: «تحسين… إن في شخص مهما غاب، وجوده يظل حاضر؟» الجوهره ما التفتت لها على طول، كانت تحط الخبز بالصحن، لكن يدها وقفت لحظة قبل ما تكمل. قالت: «إيه… وفيه أشخاص ما نقدر نجيب اسمهم، مو خوف… بس لأن الاسم يوجع.» نوف ابتسمت ابتسامة باهته، وقالت: «الغايب هذا… تحسينه يختفي لأنه يبي يختفي؟ ولا لأنه يعتقد إن وجوده متعب لغيره؟» الجوهره تنهدت، تنهدة طويلة كأنها طالعة من سنين مو من صدرها: «أحيانًا الواحد يختار الغياب مو لأنه ما ينحب، بل لأنه يحسب إن حبه مؤذي.» سكتن شوي، صوت الملعقة وهي تضرب طرف الكوب كان أوضح من الكلام. قالت نوف بهدوء: «أنا أخاف… إننا كلنا قاعدين نتكلم عنه وهو لحاله، يمكن أقرب لنا مما نتخيل، بس ما عنده شجاعة يقول: أنا هنا.» الجوهره رفعت نظرها لها، وعيونها كانت ممتلئة بأسئلة ما لها إجابة: «وأخوف شي… إنه يظن إن ما عاد له مكان، مع إن المكان لسه ينتظره.» دخلت الشمس من شباك المطبخ، نورت المكان، لكن الكلام ظل معلق… ما له اسم، ولا له نهاية. عند اسيل كانت أسيل جالسة تحاول تتماسك، المغص يلف بطنها على دفعات، مرّة يهدأ ومرّة يرجع أقسى، تحط يدها على بطنها وتتنفس بعمق كأنها تساوم الألم. دواها خلص، والتعب باين بوجهها مهما حاولت تخفيه. الجوهرة انتبهت لها، نظرة وحدة كانت كافية تفهم إن الوضع ما ينمزح فيه. لفت تشوف البيت… ماجد مكانه من أمس، عيونه حمرا، ملامحه مكسورة، واضح إنه ما نام ولا ذاق لقمة، حتى سكوته كان يبكي. ترددت الجوهرة، قلبها ما طاوعها ترسله، هو بالكاد واقف على رجوله. لفت على ولدها فهد، ست سنوات… صغير، بس قلبه أكبر من عمره. قالت له بهدوء تخفي وراه خوفها: «فهد… تقدر تروح الصيدلية القريبة؟» هز راسه بحماس طفل يبي يسوي شي مهم، أعطته الفلوس، وهي تدعي بقلبها قبل لسانها. وصل فهد الصيدلية، مد الفلوس للصيدلي، لكن المبلغ ما كفى. وقف محتار، ناظر للكيس، ثم للصيدلي، وعينه بدت تلمع. قال بصوت مكسور ما يشبه أصوات الأطفال: «تكفى… خالتي تعبانة، وخالي تعبان، وأنا الوحيد اللي قدرت أجي… وجدي له أيام طريح الفراش.» الصيدلي تردد، الكلام ثقيل، بس النظام أقسى. بهاللحظة… كان جاسم واقف قريب، ما كان ناوي يسمع، لكن الكلمات وصلت له بدون إذن. تجمد مكانه. خالتي… خالي… وجدي طريح الفراش. عرفهم. عرف التعب اللي بينهم. وعرف أكثر شي… عرف إن أبوه بينهم. تقدم بدون ما يفكر، ركع قدام فهد، شاف الانهيار بعين طفل ما يفهم ليه الدنيا تضيق فجأة. مد له العلاج وقال بهدوء: «خذه… هذا لخالتك.» فهد عيونه وسعت، الفرحة نزلت دموع، وضمه بقوة، ضمّة صادقة، بلا حساب. قال وهو يبكي من الفرح: «أنت بطيبتك تذكرني بخالي… الله يرحمه، كان زيك.» الكلمة ضربت جاسم بعمق، لكن ما قال شي. بس ابتسم ابتسامة موجوعة. راح فهد يركض، وترك وراه شخص كان يظن إن وجوده ما عاد له أثر… واكتشف للتو العكس. وصل فهد البيت، ناول أمه العلاج، وأسيل تنفست بارتياح. سألت الجوهرة باستغراب: «من وين جبته؟ الفلوس كانت ما تكفي.» فهد تردد لحظة، ثم قال ببساطة: «رجال طيب عطاني إياه.» ماجد رفع عيونه لأول مرة من الليل، قلبه انقبض بدون سبب واضح، كأن الاسم ناوي يطلع… لكن فهد كمل: «قال خذه لخالتك.» وسكت. والصمت اللي نزل بعدها كان أثقل من أي اعتراف. عند جاسم تركه فهد ومشى، وظل جاسم واقف مكانه، كأن الصيدلية فرغت فجأة إلا منه ومن صدى الكلمات اللي انقالت. «تذكرني بخالي… الله يرحمه.» الجملة علّقت فيه، ما راحت مع خطى الطفل، بقيت تلف حوله، ترجع وتدق على قلبه بهدوء موجع. حس بثقل غريب على صدره، مو حزن صريح، ولا فرح كامل، شي بين الاثنين… شي اسمه حنين ما له طريق. لف وجهه بعيد، كأنه يخاف أحد يشوف عينه كيف لمعت، مو من دمعة نزلت، بل من دمعة توقفت بنص الطريق. قال لنفسه بصوت واطي: حتى وانت مختفي… لسه أثرك باقي. مشى ببطء، كل خطوة تحسسه إن رجوله أثقل من قبل، مو من التعب، من الإحساس إنه قريب منهم أكثر مما يتخيل، وبنفس الوقت أبعد ما يكون. تذكر أبوه، تذكر البيت، تذكر كيف كان وجوده دايم يسبق اسمه، واليوم صار اسمه ممنوع، ووجوده ظل. وقف عند طرف الشارع، شاف الشمس طالعة بهدوء، ولا كأن شي انكسر الليلة. الدنيا تمشي… وهو الوحيد اللي واقف يحاول يلملم نفسه. قال داخله: يمكن هذا قدري… أكون قريب بدون ما أرجع، وأعطي بدون ما أنكشف. تنفس بعمق، شد نفسه، وكمل مشيه… وهو ما يدري إن هاللحظة الصغيرة كانت بداية شي أكبر قاعد يتحرك من غير ما يحس. شافه… يزن شافه بوضوح وهو يركب السيارة. مو ظل، مو وهم، جاسم بشحمه ولحمه، نفس الوقفة، نفس الحركة اللي يحفظها يزن أكثر من اسمه. تحرك بدون وعي، خطوة… خطوتين، كأنه بيصرخ، كأنه بيكسر الصمت باسمه، لكن شي ثقيل مسك لسانه. مو خوف… ولا تردد… شي أعمق، شي يشبه الإحساس إن اللحظة هذي أكبر من صوته. السيارة مشت، والمسافة كبرت، ويزن وقف مكانه كأن الأرض سحبت قوته فجأة. جلس على الأرض، أنزل راسه، وصدَره يطلع وينزل بصعوبة، مشاعره متشابكة لدرجة ما قدر يميزها: فرح لأنه شافه؟ قهر لأنه راح؟ ولا وجع لأنه ما قدر يناديه؟ جا ذوق عنده بسرعة، حاول يهدّيه، يحكي، يمسكه من كتفه، لكن يزن كان بعيد، بعيد لدرجة حتى التهديد ما وصله. ركبوا السيارة، وهو ساكت، ناظر للطريق بدون ما يشوفه، جسمه موجود… لكن فكره معلق عند تلك الثواني اللي راحت. قالها داخله للمرة الألف: المرة الجاية بواجهه. لكن يعرف نفسه… كل مرة يوصل لهالحافة يفشل. مو لأنه ضعيف، بل لأن مشاعره تتلخبط، لأن جاسم مو شخص عادي، جاسم قطعة منه، ومواجهة القطعة هذي تحتاج قوة ما يعرف من وين يجيبها. وصلوا البيت، نزل ببطء، تعبان… مو من اليوم، من سنوات وهو يحمل نفس السؤال: *كيف أواجه شخص قلبي يسبقني جاء وقت صلاة الظهر، والبيت كان هادي بس الهدوء هذا ما كان مريح… كان ثقيل. سطام حس إن صدره مو مرتاح، شي داخله قال له: لازم أصلي بالمسجد. مو لأن الصلاة ما تصح بالبيت، لكن لأنه محتاج يطلع، يغير الجو، يكسر الإحساس اللي كان جالس يضغط عليه من الصباح. سلطانه والجوهره حاولوا فيه: – ما ينفع يا سطام، تعبان، صل هنا. – جسمك مو مساعدك. بس سطام… إذا قرر، قرر. راسـه إذا حط شي فيه، ما يرجع خطوة. طلع، راح المسجد، صلى… وصوته بالدعاء كان أوطى من العادة، وكأنه يدعي وهو مو متأكد وش يبي بالضبط، غير إن الله يخفف. طلع من المسجد، والشمس كانت قاسية، والأرض دارت فيه لحظة، رجله خانته، وكان على وشك يطيح. يد شدته قبل ما يلامس الأرض. سطام تماسك، رفع راسه يشكر… وشاف رجل متلثم، ملامحه مخفية، لكن وقفته مألوفة بشكل غريب. جاسم كان مو قادر يشوفه بعينه، ولا يتحمل إن سطام يعرفه، مو الآن… مو وهو لسه مو قادر يواجه نفسه. اكتفى بالمساعدة، وصوته طالع واطي لكنه ثابت: «يا عم… وين بيتكم؟» سطام انشد، هالنبرة… شي فيها خلى قلبه ينقبض، حس إنه يعرفها، بس عقله قال: يمكن تتوهم. أشار بيده: «هناك… آخر الشارع.» جاسم التفت، ومشى جنبه. كل خطوة كانت تعيده سنين، هذا الشارع حفظه طفل، وهذا البيت… بيته، المكان اللي عاش فيه، ضحك فيه، وتعلم أول معنى للأمان. وصلوا عند الباب. سطام التفت يبي يشكره، لكن الرجل كان سبق بخطوة، راجع ظهره، ما أعطى فرصة لكلمة. دخل سطام البيت، وهو للحظة وقف، يحس بشي ناقص، باسم على طرف لسانه ما قدر ينطقه. أما جاسم… فمشى، وقلبه يرجع ثقيل، لأنه أول مرة يكون قريب لهالدرجة… ويروح. كان البيت ساكت… ذاك السكون اللي ما يريح، السكون اللي يخليك تسمع أفكارك أوضح من أي صوت. يزن جلس على طرف السرير، مو قادر يمدد رجوله ولا يضمها. وضعه كان غريب، كأنه واقف بين قرارين وما يقدر يختار أيهم أثقل. عيونه معلقة بنقطة فاضية بالجدار، بس عقله هناك… عند الباب، عند الخطوة اللي شافها، عند الظهر اللي اختفى. حاول يقنع نفسه إن اللي شافه مجرد تشابه. مو أول مرة يشوف شخص يشبه جاسم. قالها لنفسه كثير… بس هالمرة الكذبة ما ضبطت. فيه شي صغير، تفصيلة تافهة لو قالها بصوت عالي بتضحك الناس، لكنها كانت كافية تكسر كل دفاعاته. طريقة الوقفة. مو الطول، مو الجسم… الوقفة اللي كأنها دايم مستعدة تهرب. يزن غمض عيونه بقوة، وكأنه يبي يمسح الصورة. رجعت له صورة ثانية، قديمة، مطمورة تحت سنين. جاسم وهو طفل… واقف بنفس الطريقة قدام باب الغرفة، إذا حس إن فيه هوشة جاية. ما كان يهرب، بس كان مستعد. فتح يزن عيونه فجأة، نفسه ثقيل. حط كفه على صدره، يحس بدقات قلبه مو منتظمة، كأنها تتلخبط زيه. قال بصوت واطي، ما يسمعه إلا هو: «لو أنت… ليه؟» ما كان ينتظر جواب، بس السؤال ظل معلق، يضغط. وقر انه يروح لسلطانه خالته اللي يعتبرها امه بالصالة، سلطانه كانت ترتب شي مو محتاج ترتيب. تحرك أشياء، ترجعها مكانها، بس بالها مو مع يدينها. رفعت رأسها تشوف يزن، شافته واقف، لا رايح ولا جاي. عرفت النظرة… هذي مو نظرة تعب جسدي، هذي نظرة شي أعمق. قالت بهدوء مقصود: «تعال اجلس.» يزن ما رد، بس مشى وجلس قريب منها. قريب زيادة عن العادة، كأنه طفل يحتاج حضن بس مو قادر يطلبه. مدت يدها، ما لمسته على طول. ترددت ثانية، وبعدين حطت يدها على كتفه. اللمسة كانت خفيفة… بس نزلت عليه ثقل سنين. شد كتفه لا إرادي، أنفاسه خانته للحظة. سلطانه ما سألت. كانت تعرف إن بعض الأسئلة إذا انقالت بدري تكسر أكثر مما تصلح. قالت: «الدنيا أحياناً ترجع لنا أشياء حسبناها انتهت… مو عشان تعذبنا، يمكن عشان نصلح شي ما قدرنا قبل.» يزن بلع ريقه. كلامها جا قريب مرة من الجرح. قال بصوت متحشرج: «وأحياناً ترجع بس عشان تذكرنا إننا فشلنا.» سلطانه هزت رأسها ببطء: «لا… الفشل إنك تشوف وترفض تشوف.» وسكتت. الصمت بينهم صار أثقل من الكلام. في نفس الوقت، بعيد عنهم، جاسم كان يمشي بدون وجهة واضحة. خطواته بطيئة، مو لأنه متعب جسدياً، لكن لأن روحه كانت مثقلة. كل موقف صار يجر موقف. كل وجه صار يذكره بوجه. ضم قبضته، حس بآثار البنزين اللي ما كان موجود… بس الإحساس باقي. هز رأسه كأنه يبي يطرده. وقف فجأة، رفع رأسه، شاف انعكاسه بزجاج سيارة. ما عرف نفسه للحظة. قال لنفسه: «لين متى؟» ما كان السؤال عن الهروب… كان عن التحمل. وفي مكان ثالث، مازن كان جالس لحاله. الأدلة مبعثرة براسه، مو ناقصة… بس يخاف يجمعها. كل ما ربط خيط، يوقف. كأنه خايف يوصل للنهاية. تذكر ابتسامة جاسم بروسيا. الابتسامة اللي كانت أوسع من الوجع. همس: «أقوى ناس… هم أكثرهم تعبانين.» اللحظات تمشي، بطيئة، متوترة. ولا أحد يعرف إنهم كلهم، بنفس الوقت، واقفـين على حافة شي كبير. شي إذا صار… ما راح يقدر أحد يرجع ورا. عند فهد فهد كان يلعب بالسيارة الصغيرة عند مدخل البيت. يمشيها ويرجعها، ويصدمها بالجدار خفيف، عشان ما تصيح أمه. كان يسمع أصوات من داخل البيت، بس ما يفهمها. أصوات كبار دايم تكون كذا… تطلع وتنزل، وبعدين تسكت فجأة. شاف رجل واقف بعيد. مو قريب مرة، ولا بعيد مرة. واقف عند نفس المكان من بدري. فهد انتبه له لأن الرجل ما كان يتحرك. ولا يسوي شي. بس واقف. فهد ما يحب الناس اللي توقف بدون سبب. يحسهم ضايعين. قام شوي، وهو ماسك سيارته، وتقدم خطوتين. الرجل كان طويل. ملابسه غامقة. وجهه مو واضح. فهد حس بشي غريب… شي يخليه ما يخاف، بس يخليه ينتبه. الرجل ناظر للأرض. كأنه يتجنب يشوف أحد. فهد بدون تفكير قال بصوته الطفولي: – عمو؟ الرجل رفع راسه فجأة. كأنه انمسك. فهد شاف عيونه. عيون مو حق واحد شرير. ولا حق واحد غريب. عيون واحد تعبان. فهد قرب خطوة. – أنت تنتظر أحد؟ الرجل تردد. ثم هز راسه: – إيه. – مين؟ الرجل سكت. سكوت طويل. بعدين قال: – ناس… ما يدرون إني هنا. فهد فكر شوي. ثم قال بمنتهى البساطة: – طيب ليش ما تدخل؟ الرجل ضحك ضحكة خفيفة. مو ضحكة فرح. ضحكة واحد يحاول. – مو كل الناس تقدر تدخل. فهد ما فهم. بس حس بالحزن. قال وهو يرفع سيارته: – ترى ماما تقول اللي يتعب لازم يرتاح. الرجل ناظر للسيارة. ثم لف وجهه بسرعة، كأنه يخاف عيونه تفضحه. – أنت ذكي. فهد ابتسم. – أعرف. بعدين سأل، بدون قصد، السؤال اللي كسر كل شي: – أنت تبكي؟ الرجل شد نفسه. – لا. فهد ناظر زين. – بس صوتك كذا. سكت الرجل. طول. بعدين قال بصوت مبحوح: – أحيانًا الصوت يسبق الواحد. فهد ما فهم الجملة. بس حسها. مد سيارته للرجل. – تبي تلعب؟ الرجل ناظر للسيارة. يده ارتجفت شوي. ثم رجعها ورا. – لا… بس شكراً. فهد ناظر له باستغراب. – أنت تشبه واحد نعرفه. الرجل تجمد. – مين؟ – واحد طيب… بس ما يجي كثير. الرجل بلع ريقه. – وش اسمه؟ فهد قالها عادي، بدون وزن، بدون ألم: – جاسم. الاسم وقع كأنه حجر بس ما سمعه غير الرجل. فهد شاف الرجل يلف بسرعة. – عمو؟ بس الرجل كان يمشي. مو ركض. بس يمشي كأنه لو وقف، راح يطيح. فهد وقف مكانه. ما فهم ليش قلبه دق. ولا ليش حس إنه قال شي غلط. دخل البيت. رجع يلعب بسيارته. بس لأول مرة… ما صدمت الجدار. كان يمشيها بهدوء. وهو ما يدري إنه قال اسم كان كافي يهز رجل واقف على آخر خيط. عند جاسم كان جاسم واقف عند سيارته، المفاتيح بيده، بس ما ركب. واقف كأن الأرض ماسكته من رجوله. الهواء كان ثقيل، مو برد ولا حر، ثِقل فكرة ما لقت طريق تطلع منه. مد يده على وجهه، مسح تعبه، وزفر زفرة طويلة كأنها طالعة من خمس سنين مو من صدره. وراه، كان مؤيد. طفل صغير، لسه ما يعرف يفرق بين الكذب والوجع، كان يلعب بحصاة، يدحرجها وراها يركض، يوقف، يرجع. شاف الرجل واقف، ساكت، ما يتحرك. تقدم خطوتين، فضول طفل ما يعرف الخوف. جاسم تكلم… مو بصوت عالي، ولا كأنه يكلم أحد. كلام طاح منه بالغلط. — «لو عرفوا إني جاسم…» سكت. بلع باقي الجملة. لكن اللي بعدها طلعت غصب. — «…ما راح يتركوني أهرب.» شد المفاتيح بيده، صوتها طلع أعلى من صوته. حس إن صدره ضاق، التف بسرعة، كأنه استوعب متأخر إن فيه أحد. لكن مؤيد كان واقف. يناظره ببراءة. ما سأل، ما تكلم، بس حفظ الكلمة مثل ما هي. جاسم. ركب السيارة بسرعة، شغّلها، ومشى. ولا درى إن كلمة وحدة طاحت وراه… وما راح توقف عند طفل. بعدها بساعتين، مؤيد كان يلعب بالصالة. التفت على يزن فجأة، بدون مقدمات، بنفس العفوية: — «بابا… اليوم شفت واحد يقول لو عرفوا إنه جاسم ما يقدر يهرب.» يزن ما رد. ولا سأل. ولا حتى تنفس. بس الاسم… وقع بمكانه الصح. يزن ما رد على مؤيد. مو لأنه ما سمعه… بل لأنه سمعه زيادة عن اللزوم. الكلمة دخلت أذنه، نزلت صدره، واستقرت بمكان يعرفه زين. مكان كان يحاول يقفله من سنين. جاسم. حس برجفة خفيفة بطرف أصابعه، قبض يده لا إراديًا، كأنه يخاف الكلمة تطلع من فمه لو تركها. ناظر مؤيد، الطفل اللي قالها وهو يلعب، بنفس البراءة اللي يقول فيها: عطشان. — «وين شفته؟» صوته طلع ثابت… أكثر من اللازم. مؤيد هز كتوفه: — «جنب السيارة… كان زعلان.» يزن وقف. وقف فجأة لدرجة إن الكرسي وراه طاح. ما انتبه له، ولا لأصوات اللي حوله. مشهد الحديقة رجع. سلطانة. وصف الأطفال. الخطوات القريبة اللي ما شافها. والآن… كلمة طاحت من فم غريب لطفل صغير. ما كان هذا دليل. كان اعتراف مكسور. طلع من الصالة، دخل غرفته، قفل الباب. جلس على طرف السرير، وأسند رأسه على يده. — «ليش الحين؟» قالها بصوت واطي، كأنه يخاطب شخص قدامه. أخذ جواله. وقف لحظة. ثم كتب رسالة… ومسحها. كتب مرة ثانية… ومسحها. ما أرسل شي. لكن القرار اتخذ. في الجهة الثانية من المدينة، جاسم كان يسوق، والطريق قدامه مفتوح… بس صدره لا. من يوم الصيدلية وهو حاس بشي غلط. مو حدث، مو موقف… إحساس. كأن فيه شي تحرّك من مكانه. وقف عند الإشارة، ناظر بالمراية. ولا أحد وراه. بس قلبه يدق بسرعة ما لها سبب. تذكر الطفل. تذكر الكلمة اللي طلعت منه بدون حساب. تذكر كيف لف بسرعة. قال لنفسه: — «مستحيل… طفل.» لكن عقله رد عليه بهدوء موجع: — «الأطفال ما ينسون الأسماء.» كمل طريقه، بس لأول مرة من سنين… ما حس إنه متخفي. حس إنه مكشوف شوي. وصل شقته، دخل، قفل الباب، وأسند ظهره عليه. مرر يده على وجهه بقهر. — «أنا وعدت نفسي ما أرجع.» قالها وكأنه يذكّر نفسه مو يقنعها. لكن عقله كان سبق قلبه بخطوة. والسؤال اللي ما يبي يسمعه طلع: «طيب لو هم رجعوا لك؟» رفع رأسه، ناظر المكان. كل شي هادي… زيادة عن اللزوم. ولأول مرة، فكرة الهروب ما كانت مريحة. كانت متأخرة. عند يزن يزن ما نام. مو لأن النوم جافاه… بل لأنه كل ما غمّض عينه، يجيه وجه واحد، واسم واحد، وذكرى وحدة تكبر بدل ما تهدأ. جلس للفجر، ثم للضحى، وهو يقلب الموضوع من كل جهة: لو واجه جاسم؟ ينهدم. لو سكت؟ يضيع. لو قال لسلطانه؟ تكسر. ما بقى إلا معاذ. الأخ الكبير. اللي إذا عرف… يعرف كيف يسكت، وكيف يتصرف، وكيف يحمي بدون فضيحة. لبس يزن، طلع، والطريق لمعاذ أطول من مسافته. كل إشارة توقفه، كأنها تسأله: متأكد؟ بيت معاذ كان هادي. النوع من الهدوء اللي يخليك تحس إنك داخل مكان ما ينفع تكذب فيه. فتح معاذ الباب. شاف يزن. وقف ثانية أطول من العادة. — «خير؟» قالها بهدوء… بس عينه تقرأ. يزن دخل. جلس. ما قدر يبدأ. معاذ ما استعجله. صب قهوة. حطها قدامه. جلس مقابله. — «تكلم،» قالها أخيرًا، — «وشايل بقلبك أثقل من الصمت.» يزن رفع عينه. وتكلم… بس بحذر. — «فيه شخص…» توقف. — «أشوفه، أسمعه، أحسه… وكل شي فيه يقول إنه واحد نعرفه.» معاذ شبك أصابعه. ما قاطعه. — «مو إحساس عابر.» كمل يزن. — «تفاصيل. أشياء ما يعرفها إلا هو. نظرات… سكوت… حتى أخطاؤه.» سكت لحظة، ثم قال الجملة اللي كسرت الجو: — «أنا أخاف يكون جاسم.» القهوة بردت. معاذ ما تحرك. بس صدره ارتفع، ثم نزل ببطء. — «كمل.» قالها… بس نبرته تغيرت. يزن بلع ريقه. — «ما عندي دليل. بس عندي شي أسوأ… إحساس إنه لو واجهته، يضيع مني للأبد.» هنا، معاذ غمض عينه لحظة. وكأنه يرجع سنوات. — «إذا كان هو…» فتح عينه، — «فهو ما اختفى عبث.» وقف. مشى خطوتين. رجع. — «وأنت سويت الصح إنك جيت لي.» يزن رفع راسه بسرعة. — «يعني تصدقني؟» معاذ ما جاوب مباشرة. قال بهدوء ثقيل: — «أصدق إنك ما تجي بهالوجه إلا إذا الموضوع حقيقي.» ثم أضاف: — «بس من الآن… ولا حرف يطلع لغيري. ولا خطوة بدون ما أعرف.» يزن حس بشي غريب. مو راحة… بل بداية شي كبير. وفي مكان ثاني، جاسم كان يحس بضيق بدون سبب واضح. تلفته أطول من العادة. انتبه لأشياء كان يتجاهلها. قال لنفسه: — «فيه شي تغيّر.» ما يعرف وش هو. بس يعرف إحساس واحد: الدائره تضيق