الفصل الحادي عشر
في اليوم التالي
رجعت أسيل لأهلها
مو هروب
ولا ضعف
كانت حاجة.
ومازن…
لأول مرة
ما قال شي
كأنه فهم
إن بعض التعب
ما ينسحب
إلا بين أهلك.
البيت كان هادي
زيادة عن اللزوم
هدوء ثقيل
يكتم النفس.
أسيل كانت جالسة
بينهم
وجهها شاحب
بس عيونها ثابتة
أكثر من اللازم.
سطام
كان ساكت من يوم دخلت
يطالعها
يطالع يدها
ملامحها
كأنه يجمع شتات شي ضايع.
وفجأة
كسر الصمت.
قال بصوت منخفض
بس واضح: — «أسيل…
من اللي وداك المستشفى؟»
القلب
دق
لكنها ما ارتبكت.
استجمعت قوتها
مو لأن الجواب سهل
بل لأنه لازم يطلع.
رفعت راسها
وقالت بهدوء
فيه شي أقوى من البكاء: — «يبه…
اللي وداني للمستشفى
شخص
ما طاوعه قلبه
يشوف أخته مغمى عليها
وهو واقف
مكتوف اليدين.»
الكلمة الأخيرة
نزلت ثقيلة
على المكان.
سطام
لف ببطء
ناظر ماجد
نظرة تلقائية
كأن الجواب جاهز عنده.
ماجد
انتبه
وقبل لا تتعمق النظرة
قال بسرعة
لكن بصدق: — «يبه
أنا كنت نايم بهالوقت
وأنت شفتني بنفسك.»
سكت البيت مرة ثانية
لكن الصمت هالمرة
كان مختلف.
أسيل
ما زادت كلمة
ولا حاولت توضح.
لكن اللي قالته
كان كافي
عشان شي
يتحرّك داخلهم
كلهم.
وسطام
ما رجع بنظره لها
بس شد فكه
كأنه فهم
أكثر مما انقال.
وفي قلب أسيل
إحساس واحد
كان واضح:
الاسم
ما انقال
لكن وجوده
صار أوضح
من أي وقت مضى.
عند نجود
كانت نجود جالسة مع تغريد
مكان عادي
قعدة هادية
بس الكلام
ما كان بسيط.
تغريد كانت تتكلم
عن أشياء يومية
عن الوقت
عن كيف الأيام تركض
ونجود تسمع
بس مو حاضر قلبها.
وفجأة
قالت نجود
من غير مقدمات
كأنها تحكي لنفسها أكثر مما تحكي لتغريد: — «تعرفين…
الزمان اللي يروح
ما عاد يرجع.»
تغريد التفتت لها: — «كلنا نحس كذا أحيانًا.»
نجود ابتسمت
ابتسامة قصيرة
ما وصلت لعيونها.
هزّت راسها وقالت: — «مو بس وقت
ولا أيام
أقصد…
نسخة من الناس.»
سكتت شوي
ثم أضافت بصوت أخفض: — «في ناس
لو رجعوا
ما يرجعون مثل أول
لأن الزمان اللي كانوا فيه
راح…
وانتهى.»
تغريد حاولت تضحك: — «متشائمة اليوم.»
لكن نجود
ما ضحكت.
قالت بهدوء
كأنه اعتراف
بدون أسماء: — «يمكن
أقسى شي
إنك تكتشف
إنك تنتظر شي
أنت أصلاً عارف
إنه مستحيل يرجع.»
سكتت
ونزلت عيونها
على فنجانها.
وفي داخلها
اسم واحد
ما انقال.
الزمان اللي رحل
ما عاد بيرجع…
ولا حتى لو رجع الشخص نفسه.
عند يزن
كان يزن جالس بالصالة
جسده موجود
لكن فكره…
كان بمكان ثاني تمامًا.
عينه على التلفزيون
بس ما يشوف
والصمت حوله
أثقل من أي صوت.
ذوق وقفت عند باب الصالة
راقبته لحظة
تحس فيه متعب
مو تعب جسد
تعب فقد.
تقدمت بهدوء
جلست قريبة منه
وقالت بصوت ناعم: — «يزن… تبغاني أسوي لك شاي؟»
هز راسه
لا نعم
ولا لا.
مدّت يدها
لمست كتفه
تحاول تخفف
تحاول تكون الشي اللي يسنده.
— «تراك مو لحالك.»
يزن ابتسم ابتسامة خفيفة
بس عيونه
فضحته.
كان وده يقول لها
إن اللي يخفف عنه
مو كلام
ولا حضور
ولا حتى حب.
اللي يخفف عنه
شي واحد بس…
إنه يضم جاسم
يحضنه
كأنه يبي يثبته
كأنه خايف
لو تركه
يروح منه للأبد.
لكن يزن
سكت.
وذاك الصمت
كان أعلى من أي اعتراف.
ذوق فهمت
إن فيه وجع
ما ينقال
ولا ينشال
إلا بيد شخص واحد
غايب…
بس حضوره
عايش بقلبه.
عند جاسم
كان جاسم جالس بالحديقة
على طرف العشب
ظهره للشجرة
وعينه على الأرض أكثر من السماء.
يحاول يقنع نفسه
إنه جاي يتنفس
مو جاي يدور أخبار
بس بعض الأشياء
تلقاك بدون ما تناديها.
صوت ضحك أطفال
كسر سكونه.
— «خالــي يزن أقوى واحد!»
قالها طفل بحماس
وهو يركض.
الثاني لحقه وضحك: — «لااا، عمي يزن كان يلعب معنا كوره، بس الحين ما يلعب.»
جاسم رفع راسه فجأة.
القلب
سبق العقل.
قرب منهم بخطوات بطيئة
ما يبي يخوفهم
ولا يبي يبان متطفل.
انحنى شوي وقال بابتسامة خفيفة: — «خالكم يزن؟»
الطفل الأول رد بسرعة: — «ايه! هذا ناصر، أنا ابن أخته.»
الثاني قال وهو يعدل قبّعته: — «وأنا فهد، عمي يزن .»
جاسم بلع ريقه.
الأسماء
دخلت صدره بدون استئذان.
— «وش أخبار خالكم؟»
قالها كذا…
كأنه سؤال عابر
بس صوته خان شوي.
ناصر قطّب حواجبه الصغيره: — «تغير.»
— «ايه مره.»
قالها فهد وهو يهز راسه بثقل أكبر من عمره.
— «صار ما يضحك.»
ناصر كمل
— «يجلس كثير لحاله.»
— «وأحيانًا…»
فهد تردد
وبعدين قال: — «أسمعه بالليل يمشي بالصالة، ما ينام.»
جاسم حس بشي يشد صدره
كأن أحد ضغط على جرح قديم.
— «كان قبل؟»
سأل بهدوء.
ناصر ابتسم: — «كان يلعب معنا، ويضحك إذا فزنا عليه.»
فهد أضاف بعفوية جارحة: — «الحين إذا ناديناه، يقول بعدين… وبعدين ما يجي.»
سكتوا لحظة
وبعدين ناصر قال وهو يرسم خطوط بالأرض: — «أمي تقول خالي زعلان بس ما يقول ليش.»
جاسم ما قدر يتكلم.
الكلمات
خانته.
مد يده
ربت على راس ناصر
ثم فهد.
— «خالكم…»
صوته انكسر
— «شخص طيب.»
الأطفال ابتسموا
وكأنهم متأكدين من الشي
أكثر منه.
قام جاسم
خطوتين بعيد
وقلبه
مو معاه.
كان يبي يروح له
الحين
قبل بكرا
قبل لا يزيد التغير
قبل لا يصير الغياب عادة.
بس وقف.
لأن بعض اللقاءات
إذا صارت قبل وقتها
توجع أكثر
من إنها تداوي.
جلس جاسم مرّه ثانيه
لكن هالمرّه
اختار شجرة أبعد
ظلّها كثيف
وجذعها عريض
كأنها قادرة تخبّي إنسان
مو بس جسد… إحساسه بعد.
أسند ظهره عليها
شد قبّعته شوي
ونزّل راسه
يصير جزء من المكان
مو شخص يُلاحظ.
كان يسمع
بس ما يبي ينشاف.
وفجأة
جا الصوت.
— «ناصر… فهد…»
صوت يزن.
مو عالي
ولا واثق
صوت فيه تعب
وانكسار
واضح
حتى لو حاول يخفيه.
جاسم حس قلبه يوقف لحظة
ثم يرجع ينبض بقوة
كأنه يقول:
هذا هو… هذا اللي كنت تدور عنه.
شافه من بين الأغصان
واقف
يحاول يبتسم
بس الابتسامة متأخرة
كأنها تجي بعد التفكير مو قبله.
— «وعدتكم ألعب معكم اليوم.»
قالها يزن
وهو ينزل لمستواهم
— «ما أبي أخلف.»
ناصر قفز بفرح: — «صدق؟!»
يزن هز راسه: — «صدق.»
وبيده
كان ماسك يدين صغيرتين.
مؤيد
وريان.
عياله.
واقفهم جنبه
كأنهم سند
مو مسؤولية.
مؤيد كان هادئ
عينه تراقب أبوه
أكثر من المكان.
ريان على العكس
ضحكته سابقة خطواته
ركض قدّام وهو يقول: — «بابا! أنا أسرع واحد!»
يزن ضحك
ضحكة قصيرة
سريعة
وكأنها طلعت بالغصب
بسها كفت
توجع جاسم أكثر من الصمت.
جلسوا كلهم على العشب
يزن حاول يكون حاضر
يحرك يده
يشجع
يعد
يضحك إذا طاح واحد منهم.
بس جاسم
كان يشوف شي ثاني.
يشوف رجل
يحاول يكون قوي
عشان اللي حوله
وهو من الداخل
مكسور
بهدوء
ما يسمعه أحد.
شاف كيف يزن بين كل حركة
يلتفت
كأنه ينتظر أحد
أو يخاف يشوف أحد.
وشاف نفسه
هناك
ورا الشجرة
قريب…
وبعيد أكثر من أي وقت.
وعد الأطفال
يلعب معهم
وجاء
وفى بوعده.
بس الوعد
اللي بينهم هم الاثنين
كان أثقل
وأقدم
وأصعب من لعبة
ومن ضحكة
ومن شجرة تخبّي وجع.
وجاسم
ظل مكانه
ما تحرك
بس لأول مرة
حس إن الرجوع
صار أقرب
من الهروب.
تلثّم جاسم بوشاحه
شدّه زين
كأنه يحاول يخنق صوته قبل لا يطلع
ومشى خطوتين… ثلاث
ناوي يطلع
يختفي
كالعادة.
لكن الصوت
وقفه.
مو لأنه ناداه
بل لأنه احتواه.
— «جاسم… قصدي معتز.»
تجمّد.
كأن الأرض شدّت رجوله.
ما لف
ولا التفت
بس صدره انقبض
وحس بطاقة غريبة
توقفه عن الهروب.
خطوات هادئة قرّبت
ريحة يعرفها
حنان ما يحتاج تفسير.
سلطانه.
وقفت قدّامه
ما رفعت صوتها
ولا سألت مباشرة
قالت بهدوء يخوّف أكثر من العتاب:
— «وش عندك متغيب عن الناس؟»
سكت.
ابتسمت ابتسامة أم
مو ابتسامة سؤال.
— «لا تفهم غلط…
أنا لنا أشوفك أعتبرك ولدي
مدري ليه.»
رفع عينه لها
ولأول مرة
ما قدر يمثل.
لاحظت اللثمة
مدّت يدها
بلا تردد
بلا إذن
كأنها حق.
نزعتها.
شافَت.
وجه متعب
مو من طريق
ولا شغل
من كذب طويل
إنه بخير.
هالات سوداء
تحكي ليالٍ
ما نام فيها
إلا وهو يراقب السقف
ويفكر:
لو يعرفون؟
كان يناظرها
ثابت
ولا حاول يمنعها
كأنه تعب حتى من الدفاع عن نفسه.
سلطانه
قربت أكثر
صوتها ناعم
لكن كلمتها
دخلت مثل السكين
من غير ما تدري:
— «انت قاعد تتعب نفسك…
الباب اللي يجيك منه ريح
سدّه
واستريح.»
انحبس النفس بصدره.
لو الموضوع باب… كان سكرته من زمان.
ارتجف صوته
وهو يقول
بأقصر جملة
يقدر عليها:
— «مع السلامة.»
لف
ومشى
ثم ركض.
مو لأنه مستعجل
بل لأنه ما يبيها
تشوف
الدمعة
اللي خانته
أول مرة
من وقت طويل.
ركض
وهو يحس
إن أقسى شي بالدنيا
مو الكتمان
ولا الغياب…
أقسى شي
إنك تنجرح
من كلمة حنان
وأنت أكثر واحد محتاجه.
بالحديقة نفسها…
الهواء ما تغيّر، نفس النسمة الخفيفة، نفس لعب الأطفال اللي يضحك ويركض، لكن يزن حس إن الأرض صارت أضيق.
وقف قدّام سلطانة، عيونه ما راحت بعيد عنها، كأنه يخاف لو لفّ يفوته شيء… شيء كان قريب جدًا وراح.
قال بصوت منخفض، مو قادر يرفعه:
«كان هنا…؟»
سلطانة هزّت راسها ببطء.
ما قالت اسم، بس النظرة قالت كل شيء. نظرة أم تعرف، وتحس، حتى لو ما عندها دليل.
يزن شدّ يده على صدره بدون ما ينتبه. النفس ثقيل.
نظر حوله الحديقة… الشجرة اللي كان الأطفال عندها، الممر، المقاعد.
كل مكان صار احتمال.
كل ظل صار سؤال.
«وين راح؟»
سؤال طلع منه قبل ما يفكر، كأنه طفل ضيّع أخوه بالسوق.
سلطانة سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«ركض… كأنه يهرب من نفسه.»
الكلمة ضربته.
هرب.
يزن ابتسم ابتسامة مكسورة، مو فرح، ابتسامة واحد فهم متأخر.
قال بهمس، كأنه يكلم نفسه أكثر منها:
«دومه كذا… إذا حس إن وجوده يوجع اللي حوله، يختفي.»
سلطانة قربت خطوة، حطت يدها على ذراعه.
لم تضغط، بس وجودها كان ثقل يثبّت.
«يزن…»
نادته باسمه، الاسم اللي ربّته عليه.
«بعض الغياب مو هروب، بعضه تضحية.»
يزن لفّ وجهه عنها، عيونه علقت عند جذع الشجرة.
هناك… بالضبط هناك.
حس بشي ناقص.
فراغ ما له شكل، بس له ألم.
«كنت قريب.»
قالها فجأة.
«كنت هنا، أتنفس نفس الهوا… ولو التفت بس، كان شفته.»
صوته خانَه.
ما بكى.
بس الحروف طلعت مكسورة.
سلطانة ما ردت مباشرة.
رفعت عينها للسماء، كأنها تدعي بدون صوت.
وبعدين قالت:
«الزمان اللي يرحل… ما عاد يرجع بنفسه، يا يزن.
بس بعض الناس… يرجعون إذا حسّوا إن أحد لسه ينتظرهم.»
يزن سكت.
الكلام دخل فيه، جلس، ثقل، استقر.
الأطفال ضحكوا بعيد.
مؤيد نادى أبوه.
الحياة مكملة.
أما يزن…
واقف في نفس الحديقة،
لكن لأول مرة يحس إن أخوه مرّ من هنا
وترك قلبه معلّق بين خطوة ما انخطت
ونظرة ما انسرقت.
عند عادل
كان عادل جالس في الصالة، جسده حاضر لكن ذهنه غارق في دوّامة أفكار ما لها قرار. عيونه ثابتة على نقطة ما، كأنه يحاول يشوف شيء مو موجود، أو يمكن يخاف يشوف الحقيقة لو ركّز أكثر.
دخلت نوير بهدوء، من أوّل نظرة عرفت إن التفكير عند عادل تعدّى حدّه الطبيعي.
قالت بصوت خفيف، كأنها ما تبي تفزعه:
«عادل.»
رفع راسه شوي، ميلته تعب أكثر من إنها حركة. الإرهاق كان واضح حتى في صوته، خصوصًا وهو يحاول يرد على السؤال اللي يطارده من الداخل: هل جاسم سامحني؟
قال:
«نعم.»
الكلمة طلعت ثقيلة، متكسّرة، كأنها طالعة بالعافية من صدره.
نوير فهمت إن عادل وصل مرحلة الإنهاك، المرحلة اللي ما عاد فيها نصيحة عابرة تكفي. قربت منه أكثر وقالت بحزم ممزوج بحنان:
«عادل، أنت قاعد تتعب نفسك… لا أكثر ولا أقل.»
تنفّس بعمق، وكأن الكلام اللي في صدره له فترة ينتظر فرصة يطلع.
قال بصوت فيه قهر وندم:
«نوير، أنت ما جرّبتي شعور إنك تبين تساعدين شخص، ونيتك تكون صافية… وبالأخير تكتشفين إنك قاعده تأذينه، وإنك حديتيه على شي ما كان المفروض ينوحط فيه.»
بدون ما تقاطعه، سحبت رأسه بهدوء وحطّته في حضنها. يدها كانت تمسح على شعره بحنان صادق، كأنها تحاول تهدّي فوضى ما تنشاف.
قالت له:
«عادل، أهم شي إن نيتك كانت صادقة. إذا لقيته، روح وصارحه. قول له أنا كنت أبي كذا، بس اللي صار صار.»
رفع عادل صوته شوي، وفيه خوف قد ما فيه حزن:
«بس يا نوير… أنا ما أدري وينه. اختفى بدون ما يترك أي أثر. نفس طبعه من يوم كان صغير. تتذكرين لما كنا نلعب غميضة؟ كان يختفي بهالشكل، ما يخلّي وراه شي. كنا نضحك ونقول لعب… بس لما كبرنا، صارت مو لعب. صارت حقيقة.»
سكت لحظة، كأن الذكريات ضغطت على صدره أكثر.
نوير ترددت شوي، بعدها قالت:
«عادل… ممكن أطلب منك طلب؟»
ردّ وهو ما زال مستسلم لتعبه:
«إيه… بس على حسب الطلب.»
قالت بهدوء:
«عشاني، تعال معي للغرفة. نام شوي، وريح راسك من هالأفكار اللي قاعده توجعك.»
قال:
«طيب.»
لكن حتى هو كان يعرف إن الكلمة ما كانت وعد حقيقي. كانت هروب مؤقت… محاولة بسيطة يسكّت فيها التفكير، ولو لساعات قليلة.
عند نجود
كانت تغسل الملابس، حركة يديها آلية وكأن عقلها في مكانٍ آخر. حملت السلة وتوجّهت للبلكونة، نشرت قطعة… ثم أخرى، إلى أن رفعت رأسها بلا سبب واضح.
من هناك، وقعت عيناها على سيارة ما كانت غريبة عليها. مو السيارة نفسها، لكن الإحساس اللي ضرب صدرها فجأة قال إن صاحبها معروف… معروف أكثر مما تتمنى.
السيارة كانت متوقفة وكأنها أُجبرت على التوقف، رسالة صامتة تقول لصاحبها: لا تهرب.
نزل الرجل، وبدأ يتفقدها بامتعاض.
في تلك اللحظة، تجمّدت نجود في مكانها.
هو.
جاسم… مو معتز.
شافَته على حقيقته، بدون أسماء مستعارة ولا مسافات آمنة. نفس الوقفة، نفس الحركات العصبية، نفس الضجر اللي يطلع منه لما تتعقّد الأمور. حتى انحناءته وهو يصلّح السيارة، حتى تنهيدته القصيرة، كلها أشياء تعرفها أكثر مما تحب تعترف.
أنهى التصليح، مسح يده، ركب سيارته ومشى.
وبقيت نجود واقفة، وكأنها ما زالت تشوفه.
همست لنفسها، بصوت بالكاد يُسمع:
الحين عرفت ليه ما كان يبي يتزوجني… لأني طليقته. كيف يرجع يخطبني؟
ضحكة مرّة عبرت خاطرها.
كان ذكي بالبداية… لما أمي حكت له قصة جاسم، سوى نفسه ما يعرفها. وهو أكثر واحد يعرف تفاصيلها. يتحكّم بملامح وجهه باحتراف، لا فضول، لا ارتباك، ولا شي يفضحه.
كانت الأفكار تجرّ بعضها، إلى أن انقطع خيطها بصوت تغريد وهي داخلة:
«لك ساعة تقريبًا… وما نشرتِ غير قطعة وحدة؟»
التفتت نجود، رسمت ابتسامة مصطنعة، ابتسامة تخبي تحتها ألف حكاية ما انقالت.
قالت:
«إيه… كنت أفكّر وش أتمرّن بكرا.»
تغريد ما احتاجت تفكير، التقطت المعنى على طول وقالت:
«أنا أعرف وش تمرينك.»
نجود حاولت تكون هادئة:
«وش؟»
ابتسمت تغريد ابتسامة العارف وقالت:
«التحكم بمشاعرك تجاهه.»
مهما حاولت نجود تخبي، كانت الحقيقة دايم تطلّ من ملامحها.
تغريد تعرف… ووجه نجود، بدون ما يقصد، كان دايم يفضحها.