الفصل العاشر
عند ماجد
كان ماجد جالس لحاله،
القهوة قدامه من ساعة وما ذاقها.
من يوم اختفى معتز
وهو يحاول يقنع نفسه إن الموضوع بسيط،
إنه مجرد سفر مفاجئ…
لكن قلبه ما كان راضي بهالجواب.
مد يده على الطاولة
ولمس الخاتم بدون ما ينتبه.
وقف،
لف بالمكان
كأنه يدور شي ضايع وهو ما يدري وش هو.
— “ليش كل شي مرتبط ببعضه؟”
الخاتم.
الرسالة.
الاختفاء.
حس بثقل غريب على صدره،
مو خوف…
إحساس أقرب لذنب ما يدري سببه.
طلع جواله
دخل على أسماء أخواته
وتوقف.
ما اتصل.
بس حس إنهم يعرفون شي
وما قالوه.
عند نوف والجوهرة
كانت الجلسة بينهم هادية أكثر من اللازم.
لا سوالف
ولا ضحك.
الجوهره كانت تحرك الملعقة بالكوب
وتراقب السطح بدون تركيز.
نوف قطعت الصمت: — “تحسين فيه شي مو طبيعي؟”
الجوهره رفعت عيونها ببطء: — “من متى حياتنا طبيعيه؟”
سكتوا.
بعدها قالت الجوهره بصوت منخفض: — “أنا شفت شخص… بس ما أدري ليه ما قدرت أتكلم.”
نوف انتبهت: — “مين؟”
الجوهره هزت راسها: — “مو وقته.”
لكن يدها كانت ترتجف،
ونوف شافتها.
— “يعني مو أنا لحالي اللي حاسه إننا متأخرين عن الحقيقة؟”
الجوهره تنفست بعمق: — “أخاف نكون عرفنا… بس نكذب على أنفسنا.”
ولا وحدة فيهم قالت الاسم،
لكن الاسم كان حاضر بينهم
أكثر من أي كلمة.
عند عادل
عادل كان يمشي بالشارع بدون هدف.
الجوال بيده
لكن ما فيه اسم يقدر يتصل عليه.
وقف فجأة.
— “لازم أقول لأحد.”
القرار جا فجأة
لكنه كان يتخمّر من زمان.
غير اتجاهه
وتوجه مباشرة عند يزن.
عند يزن
فتح يزن الباب
وانصدم من شكل عادل.
— “وش فيك؟”
عادل دخل بدون رد
جلس
وحط كفيه على وجهه.
سكتوا.
الصمت بينهم كان أطول من اللازم.
يزن: — “عادل… خوفتني.”
رفع عادل راسه،
عيونه حمراء
مو من بكاء
من تعب.
— “أنا تعبت.”
يزن جلس قدامه: — “من وش؟”
عادل ضحك ضحكة قصيرة مكسورة: — “من الكتمان… ومن إني أحاول أصلّح شي أكبر مني.”
يزن حس إن الكلام جايه موجة وحدة: — “تكلم.”
عادل أخذ نفس طويل،
وقالها بدون تمهيد:
— “معتز… مو اسمه الحقيقي.”
يزن تصلب.
— “وش؟”
عادل: — “اسمه جاسم.”
ما قدر يكمل على طول.
يزن قام واقف.
— “لا.”
عادل: — “أقسم بالله إني ما كنت أبيك تعرف بهالطريقة.”
يزن حس الأرض تميل تحته: — “أنت قاعد تقول إن…”
وسكت.
عادل: — “إيه.”
السكوت هالمرة كان أقسى.
يزن جلس ببطء،
حط كفه على صدره
كأنه يبي يثبت قلبه بمكانه.
— “ليش تقول لي الحين؟”
عادل بصوت مبحوح: — “لأني السبب… وأنا اللي دفعتُه للهروب.”
رفع يزن عيونه: — “هرب؟”
عادل نزل راسه: — “اختفى.”
ولا كلمة بعدها.
يزن ما صرخ.
ما بكى.
بس عيونه فقدت شي
كان متمسك فيه من سنين.
قال بهدوء يخوّف: — “إذا كلامك صح… فأنا كنت قريب منه أكثر مما أتحمل.”
وعادل عرف
إنه ما خفف عن نفسه
قد ما فتح جرح جديد
لشخص ما كان مستعد.
جلس يزن مكانه
حتى بعد ما سكت عادل.
الدنيا حوله تمشي
وهو ثابت.
اسم جاسم
ما كان جديد عليه.
كان يعرفه…
من زمان
أكثر مما يتوقع عادل.
قام بهدوء
راح للمطبخ
صب له موية
وشربها دفعة وحدة.
عادل يراقبه بخوف: — “يزن… قل شي.”
يزن لف عليه
ونظرته ما فيها غضب
فيها خيبة.
— “تعرف وش أكثر شي موجع؟”
عادل ما رد.
— “إني كنت أشك… بس كنت أهرب من الشك.”
جلس يزن قدام الطاولة
حط كفه فوقها
وصوته صار أوضح:
— “جاسم مو غريب عني.”
عادل رفع راسه بسرعة: — “شلون؟”
يزن ابتسم ابتسامة قصيرة بدون فرح: — “تعرفت عليه قبل سنوات… باسم غير، حياة غير، حتى ملامحه كانت تحاول تهرب.”
سكت شوي
ثم قال:
— “كان دايم يختفي فجأة…
يرجع بعد شهور وكأنه ما صار شي.
وأنا كنت أقول: يمكن عنده ظروف.”
نظر لعادل: — “كنت أعذره…
لأني شفت التعب بعينه.”
عادل بصوت منخفض: — “وأنا كسرت هالشي.”
يزن هز راسه: — “إيه.”
وقف يزن
لبس ساعته
وأخذ مفاتيحه.
عادل فزع: — “وين رايح؟”
يزن بنبرة هادئة تخوف: — “أشوفه.”
عادل: — “يزن لا… معتز مو مستعد.”
يزن وقف عند الباب
ولف نصف لفه: — “هو مو مستعد…
بس أنا تعبت أكون الشخص اللي يعرف ويسكت.”
فتح الباب
لكن قبل يطلع قال:
— “إذا شفته…
ما راح أواجهه.”
عادل استغرب: — “أجل وش بتسوي؟”
يزن قالها وهو يطلع: — “بعامله كأنه ما يعرفني.”
وسكر الباب.
عند يزن
ركب سيارته
ما شغّل الموسيقى
ولا كلم أحد.
كان يفكر:
إذا واجهته، بيهرب.
إذا سكت، يمكن يرجع بنفسه.
وقف عند إشارة
شاف انعكاس وجهه بالمراية
وقال بصوت منخفض:
— “جاسم… ليه اخترت تختفي عني أنا؟”
مد يده
وطلع جواله
فتح محادثة قديمة
اسمها: J
ما كتب شي.
سكر الجوال.
قرر شي أخطر من المواجهة:
بيصير قريب… بدون ما يكشف نفسه.
راح مكان يعرف إن معتز يمره دايم
مو بيت
مو كوفي
مكان عابر…
ما يتوقع يشوف أحد يعرفه فيه.
جلس
طلب قهوة
وانتظر.
مو لأنه متأكد
لكن لأن إحساسه قال له:
الهارب دايم يرجع لنفس الأماكن.
وكان مستعد
لو شافه
يتصرف كالغريب.
وهذا أخطر شي.
عند يزن
جلس يزن بمكانه
الكوب قدامه
البخار يطلع
بس يده ما تحركت.
كان يناظر الباب
مو لأنه متأكد
بس لأنه متعوّد يصدق إحساسه.
وانفتح الباب.
دخل جاسم.
مو معتز
مو الاسم اللي يعرفه الناس
دخل ذاك الشخص اللي يعرفه هو…
بمشية أبطأ
كتفين نازلين
ووجه يحمل تعب أكثر من عمره.
يزن ما تحرك.
ولا حتى رمش.
بس صدره شد
وكأن أحد سحب الهواء منه فجأة.
هو…
صدق هو.
شافه يجلس بطاولة بعيدة
يحط المفاتيح قدامه
يمرر يده على وجهه
وكأنه يحاول يرتب نفسه.
يزن حس برجفة بيده
ضغطها تحت الطاولة.
كان يقدر يقوم
خطوتين
ويضمه
يضمه بقوة
ويقول له:
“خلاص… سامحتك، خلنا نرجع.”
كان يقدر.
لكن رجله ما تحركت.
قال لنفسه بصمت: مو الحين… مو بهالطريقة.
راقبه
كيف يطلب قهوته
كيف صوته واطي
كيف عيونه ما تثبت بمكان.
كان واضح
واضح جدًا
إنه شخص هارب حتى من نفسه.
يزن حس بحرقة
مو دمعة
حرقة.
ليه اخترت تختفي؟
وليه كل هالتعب؟
مرّت لحظة
رفع فيها جاسم راسه
نفس الاتجاه
نفس الزاوية.
قلب يزن دق بقوة.
خفض عينه فورًا
كأنه ما شاف شي
كأنه شخص غريب
ما له أي علاقة بالماضي.
جاسم ما انتبه.
وهذا وجع أكثر.
يزن ابتسم ابتسامة خفيفة
مكسورة
وقال بصوت ما ينسمع:
— “كنت بضمك…
بس شكلك تحتاج تهرب شوي بعد.”
أخذ رشفة قهوة
طعمها مر
بس ما عبس.
جلس
راقب
وترك المسافة بينهم تحميه وتحميه هو.
إذا قربت الآن…
بينكسر.
قام يزن بعد فترة
حاسب
ومشى بدون ما يلف.
وقبل ما يطلع
وقف لحظة
قال في نفسه:
أنا موجود…
بس لما تكون مستعد تشوفني.
وطلع.
وخلى جاسم
وسط المكان
يحس بشي ناقص
ما يدري وش هو.
عند أسيل
كانت أسيل جالسة على طرف السرير
الضوء خافت
والغرفة ساكتة أكثر من اللازم.
يدها فوق بطنها
مو لأنها متأكدة من شي
بس لأنها تحس…
تحس إن داخلها شي قاعد يتغير.
نَفَسها مو منتظم
صدرها يطلع وينزل وكأنها ركضت
مع إنها من ساعة ما تحركت.
الجواز
كان قدامها.
مو مفتوح
ولا مقفل.
مجرد موجود
وهذا كان كافي يربكها.
مررت أصابعها على الغلاف
اسم جاسم محفور بعقلها
مو بالحبر.
قالت بصوت مبحوح: — “ليش كل شي يتأخر علي؟”
تذكرت نظرة مازن اليوم
مو سؤال
بس ملاحظة.
كان يناظرها وكأنه حاس إن فيه شي
بس ما يبي يضغط
ولا يجرح.
وهذا اللي تعبها أكثر.
قامت ببطء
راحت للمراية
ناظرت نفسها.
وجه شاحب
عيون فيها سهر مو من النوم
ولا من التعب
من التفكير.
حطت يدها على بطنها مرة ثانية
وهالمرة حسّت بدوخة خفيفة
مسكت حافة التسريحة بسرعة
وجلست.
— “مو وقته…
أرجوك مو وقته.”
كانت تخاف
مو على نفسها
على اللي داخلها
على البيت
على الاستقرار الهش اللي توه يتكوّن.
رن جوالها.
اسم نوف.
سكتت لحظة
قبل ما ترد.
— “هلا…”
صوتها طالع أضعف مما توقعت.
نوف انتبهت فورًا: — “أسيل؟ وش فيك؟”
أسيل حاولت تضحك
ضحكة قصيرة
ما كملت.
— “ما أدري…
أحس الدنيا كلها متشابكة.”
سكتت
وبعدين قالت بصوت أخف: — “نوف… لو فيه شي كبير…
شي ممكن يغيّر كل شي
تقولينه للحين
ولا تنتظرين؟”
نوف ما جاوبت على طول.
— “إذا كنتي لحالك…
قولي.
بس لا تواجهينه وانتِ تعبانة.”
أسيل سكرت عيونها
دمعة نزلت
وهي تقول: — “أنا تعبانة…
بس مو قادرة أوقف.”
قفلت المكالمة
رجعت تناظر الجواز
وقالت همسًا:
— “قريب…
كل شي بيطلع…
وأنا أخاف أكون أضعف وحده بينهم.”
وفي نفس اللحظة
كان قلبها يدق
مو خوف
إحساس.
إحساس أم
بدأ قبل لا تسمع كلمة مبروك.
عند راكان
كان راكان جالس بسيارته
المكينة مطفية
والشارع قدامه شبه فاضي.
ما كان ينتظر أحد
ولا حتى يعرف ليه وقف هنا.
يده على الدركسون
يضغط بدون ما ينتبه
كأنه يحاول يثبت شي داخله قاعد يهتز.
من يومين
أبوه متغير
نجود ساكته
البيت فيه صمت مو طبيعي.
قال بصوت واطي: — “وش صاير وأنا آخر واحد يدري؟”
طلع جواله
فتح الواتس
سكره.
ما يبي يسأل
لأنه حاس إن السؤال بحد ذاته
راح يكشف شي أكبر مما يتوقع.
تذكر نظرة أبوه ذاك اليوم
مو غضب
مو حزن
نظرة واحد يحمل سر
وأثقل من إنه ينقال.
تنهد
طلع من السيارة
وسكر الباب بهدوء
وكأن أي صوت زيادة ممكن يفضح شي.
قرر يرجع
بس وهو ماشي
كان حاس إن شي قاعد ينسحب من تحت رجوله
ببطء
وبدون ما يعطيه فرصة يمسك نفسه.
عند نجود
كانت نجود جالسة على طرف السرير
ملابسها الرياضية مرمية على الكرسي
وشعرها مفكوك
كأنها ما عندها طاقة ترتبه.
قدامها فنجان قهوة
برد
وما شربت منه إلا رشفة.
عيونها على الجدار
مو تشوفه
تشوف شخص.
معتز.
مو بشكله
بإحساسه.
قالت لنفسها: — “ليه دايم يظهر لما أحاول أنساه؟”
تذكرت صوته
طريقته وهو ينكر
نظراته اللي تقول شي
وشفايفه اللي ما تنطق.
حطت يدها على صدرها
تحاول تهدي دقات قلبها
بس الغصة سبقتها.
— “أنا مو غبية…
أنا حاسّة.”
قامت
لفت الغرفة
رجعت جلست.
فتحت جوالها
دخلت اسمه
مسحته.
ضحكت ضحكة مكسورة: — “حتى الرسالة صعبه.”
مر بخاطرها سؤال
خايفه تسأله حتى لنفسها:
لو طلع هو…
هل أقدر أتحمل؟
دمعتها نزلت
مسحتها بسرعة
كأن أحد ممكن يشوفها.
سمعت صوت راكان برا
قام يدخل البيت.
شدت نفسها
مسحت وجهها
وقالت بصوت ثابت: — “عادي…
كل شي عادي.”
بس قلبها
ما كان مقتنع.
وكان واضح
إن الهدوء هذا
مجرد هدنة
قبل شي أكبر.
عند أسيل
قررت تطلع
بدون ما تقول لأحد.
لبست عبايتها
ومشت للممشى
بعيد عن الأصوات
بعيد عن الأسئلة
بعيد عن نفسها شوي.
كانت تمشي ببطء
يدها على بطنها
تحاول تقنع نفسها إن التعب عادي
وإن الضغط يروح مع الهواء.
لكن الدوخة
ما راحت.
الأرض تحتها صارت مو ثابتة
خطواتها تداخلت
وصدرها ضاق كأن النفس ثقيل.
وقفت
حاولت تاخذ نفس عميق
بس الدنيا لفت فيها.
فيه شخص كان بعيد
مو قريب كفاية يبان
ولا بعيد كفاية يختفي.
كان يراقب
مو فضول
قلق.
لاحظ مشيتها
توقفها
يدها اللي تشد العباية وكأنها تتمسك بشي مو موجود.
قال بصوت واطي: — “لا…”
خطوة
خطوتين
وبثواني…
أسيل طاحت.
عند جاسم
القلب سبقه
العقل تأخر.
ركض
بدون تفكير
بدون حساب.
— “أسيل!”
نطق اسمها
وانخنق صوته.
وقف عندها
ركع
شال وجهها بلطف
كانت باردة
أثقل من المعتاد
أضعف من أي صورة رسمها لها بباله.
قال مرة ثانية: — “أسيل… اسمعيني.”
ولا رد.
الغصة ضربته
هذي هي
قدامه
مو ذكرى
مو اسم
مو جواز سفر.
هي.
شالها
بخفة تخالف ثقل اللي داخله
وكأن جسده يحفظها من زمان.
ما فكر
وين
كيف
ليش.
بس المستشفى.
بالمستشفى
كان واقف
ظهره للجدار
يده ترجف
وعينه على باب الطوارئ.
كل ثانية تمر
كانت أطول من اللي قبلها.
يفكر: لو صحيت…
وش بقول؟
لو ما صحيت…
وقف التفكير.
طلع صوت باب
الدكتورة طلعت.
قالت بهدوء: — “الحمد لله، الإغماء بسبب إجهاد وضغط قوي، وهي حامل وتحمّلت فوق طاقتها الفترة اللي راحت.”
تنفس
أول نفس حقيقي.
كملت: — “بس لازم ترتاح…
وأحب أسألك…”
ناظرت فيه: — “أنت وش تقرب لها؟”
الكلمة طلعت
قبل ما يفكر
قبل ما يمنعها
قبل ما يكذب.
— “أخوها.”
سكت.
حس الغصة
رجعت أقوى
كأن الكلمة سحبت روحه معها.
لف وجهه شوي
بلع ريقه
وقال بصوت مكسور: — “أخوها…”
وكان يعرف
إن هالكلمة
صادقة أكثر
من أي شي قاله بحياته.
عند يزن
من يوم شافه
والقلب مو مرتاح.
مو شك
ولا خوف
إحساس يشبه الوخز
كل ما حاول يتجاهله رجع أقوى.
كان يلف بالمكان
يجلس
يقوم
يرجع يجلس.
والصورة قدامه
ما تروح.
جاسم.
قالها بقلبه
مو بلسانه.
وده يصرخ
وده يمسكه
وده يقول له:
تعال…
أنا محتاجك.
أكذب عليك لو قلت إني مو مسامحك.
بالعكس…
وجودك راحة.
وإذا رحت
ما فيه أحد
ياخذ مكانك.
بس ما قال شي.
رجع البيت
ودخل الغرفة
بدون كلام.
جلس على طرف السرير
ثم استلقى
وحط راسه على المخدة.
هنا
بس هنا
انهار.
ما فيه صوت
ما فيه شهقة
بس دموع تنزل
وتبلل الوسادة
وهو يعض على شفته
عشان ما يطلع شي.
أول مرة
يحس إن الفقد
مو غياب
الفقد وجود
قدامك
وما تقدر تمسكه.
عند ذوق
كانت واقفة عند الباب
تشوف ظهره يهتز بخفة
وتسمع النفس
مو منتظم.
قربت خطوة
ثم وقفت.
كانت تقدر تحضنه
وتسأله
وتخفف عنه.
بسها عرفت
إن بعض الأوجاع
تحتاج عزلة
مو مواساة.
سحبت الباب بهدوء
وتركت له المساحة
اللي محتاجها.
وهو
بقي هناك
راس على السرير
وقلبه معلق
باسم ما قاله
بس عاشه.
عند عادل
كل يوم
نفس النار.
ما تطفي
ولا تخف.
يقوم من نومه
ويحس بالثقل نفسه
كأن الضمير جالس على صدره
ما يبي يقوم.
يحاول يقنع نفسه:
أنا سويت الصح.
أنا بس كنت أبي أنهي هالدوامة.
بس الصوت اللي داخله
ما يسكت.
—
أنت اللي دفعته.
أنت اللي فتحت له باب الهروب مره ثانية.
وقف فجأة
كأنه تذكر شي كان يهرب منه.
لا…
مو معتز.
جاسم.
قال الاسم بصوت واطي
وكأن الكلمة نفسها تحرق.
تنهد
وأخذ مفاتيحه
وطلع.
عند شقة جاسم
الطريق قصير
بس أفكاره كانت أطول من المسافة.
دخل الشقة
وكان المكان صامت
زيادة عن اللزوم.
شم ريحة الوحدة.
مشى بخطوات بطيئة
كأنه يخاف
يلمس شي
ويتكسر.
طلع الجواز من جيبه
مسكه شوي
وطالع اسمه.
جاسم سطام…
ضغط على الجواز بيده
كأنها حركة اعتذار متأخرة.
حطه على الطاولة
وبجانبه ورقة
كان كاتبها قبل
ومزقها
ثم كتب من جديد.
الرسالة
سامحني…
أنا آسف أكثر مما أقدر أشرح.
ندمت… وندمي مو كلام.
إذا كنت ناوي تسافر
وإذا تشوف إن الهروب يريحك
سوي اللي يريحك.
ما راح أوقفك
ولا أكون سبب مره ثانية.
بس…
تذكر
إن فيه عيون متلهفة تشوفك.
قلوب
ما نسيتك
ولا بطلت تنتظر.
ومنهم…
أمك
وأبوك.
وقف
قراها مره
مرتين
ثم ترك القلم.
نظر للجواز
ثم للرسالة
كأنه يترك جزء منه هناك.
طلع
وسكر الباب وراه بهدوء.
وهو ينزل الدرج
حس بشي غريب
كأن القرار هذا
ما ريحه
بل زاد النار.
عرف
إن اللي جا
أصعب.
عند جاسم – غرفة الانتظار
كان جالس
بس جسده مو معه.
الكرسي قاسي
والإضاءة البيضاء تزيد توتره
وكل صوت باب ينفتح
يدق بقلبه دقة أقوى من اللي قبلها.
عيونه معلّقة
على باب الطوارئ.
مو لأنه ينتظر دكتور بس…
ينتظر طمأنينة
ينتظر كلمة
تقول له إن اسيل بخير
إنه ما تأذّت
إن الجنين بخير.
لكن الخوف
كان ماسكه من الداخل.
مو خوف المستشفى
ولا خوف النتائج…
خوف المواجهة.
وش بقول لها لو شافتني؟
وش بقول لما تعرف إني أنا؟
هل بتشوفني أخوها؟
ولا الغريب اللي اختفى؟
شد على يده
ولاحظ إنها ترجف.
أنزل راسه
كأنه يبي يختفي
عن كل اللي حوله.
مرّت ممرضة
ناظرت له
ثم كملت طريقها
وهو حس وكأن نظرتها
كانت سؤال
ما عنده جواب له.
رفع عيونه مرة ثانية للباب
وتمنى
لأول مرة بحياته
إنه ما ينفتح.
مو لأنه ما يبي يشوفها…
لكن لأنه
ما يعرف
كيف يوقف قدامها
وهو شايل كل هالسنين
من الغياب
والذنب
والاشتياق.
همس بصوت بالكاد ينسمع:
«يا رب… بس طمّني عليها.»
وسكت.
ينتظر.
عند ماجد
الغرفة نفسها
الجدران نفسها
حتى الساعة المعلّقة ما تغيّر صوتها…
لكن ماجد
كان كل دورة يمشيها ذهاب وإياب
تحسها تاخذ منه شي.
خطوتين قدّام
توقف
يلف
ويرجع.
يحط يده على خصره
ثم يفرك جبينه
وكأن الأفكار ثقيلة
أثقل من إنه يشيلها لحاله.
معتز…
الاسم يطلع براسه
ثم يرجع
ويلتصق باسم ثاني.
جاسم.
وقف فجأة.
رجع بذاكرته
لمواقف كان دايم يتجاهلها
لأنه ما كان يبي يصدقها.
الخاتم.
ذاك الخاتم اللي شافه بيد معتز
مرّة
وابتسم وقال لنفسه:
تشابه… مجرد تشابه.
بس ليه
نفس الخاتم
كان بيد جاسم
قبل سنين؟
وليه معتز
كان دايم يتحاشى الكلام عن ماضيه؟
وليه
لما ينذكر اسم جاسم
تتغير ملامحه
كأنه انضرب بشي ما ينشاف؟
وقف قدام الشباك
وسحب الستارة شوي
الضوء دخل
وكشف تعبه.
ليش كنت أحس فيه؟
ليش كنت أرتاح له؟
مو بس ارتياح
كان إحساس
كأن فيه شي مألوف
كأن الشخص هذا
مو غريب.
رجع يمشي
بس أبطأ.
تذكّر مواقف
صمت معتز
تهرّبه
نظراته اللي دايم فيها حذر
وكأنه عايش بدور
مو له.
بلع ريقه.
الفكرة
كانت ثقيلة
مرة ثقيلة.
لا…
قالها لنفسه
وكأنه يطردها.
لكنها رجعت
أوضح
وأقرب.
لو كان…
لو كان معتز هو جاسم…
وقف
وانحبس نفسه.
مو لأنه خاف من الحقيقة
لكن لأنه خاف
من اللي بعدها.
من الوجع
من العتب
من الأسئلة اللي ما لها جواب.
جلس على طرف السرير
وحط كوعه على ركبته
وسند راسه بكفه.
همس:
«وينك يا جاسم…
ليش رجعت بهالشكل؟»
وسكت.
الغرفة
كانت ساكنة
بس داخله
كان في حرب
توّه تبدأ.
رفع راسه فجأة
كأن شي ضرب ذاكرته بقوة.
ذاك اليوم…
اليوم اللي ما نسيه
حتى وهو يحاول.
تذكّر لنا
وتذكّر كيف وقف معتز قدّامه
مو كطرف ثالث
ولا مجرد شخص يدافع عن غيره…
كان يدافع
عن نفسه.
تذكّر صوته
مو العالي
لكن المشحون.
وتذكّر عيونه
ذاك الغضب
اللي ما كان غضب شخص متدخل
كان غضب واحد
انجرح.
وقتها استغرب
ليش كل هالحدّة؟
ليش كل هالتوتر
على موقف
ما يخصه؟
لكن الآن…
كل شي بدأ يركب.
الغضب
ما كان على الموقف
كان على الذاكرة.
كأن شي انفتح داخله
شي قديم
شي كان مدفون
وانفجر.
تذكّر كيف قبض معتز يده
كيف فكه بسرعة
كأنه انتبه على نفسه
كأنه قال:
لا… لا تبين.
وتذكّر نظرته له بعدها
نظرة مختلطة
بين تحدي
وخوف
واعتذار صامت.
وقتها
ماجد قال لنفسه:
هذا شخص ما يتحكم بأعصابه.
لكن الآن
عرف الحقيقة المؤلمة.
هذا شخص
كان يحارب
نفسه.
قام من مكانه
يمشي بخطوات بطيئة
لكن هذه المرة
مو ضايع.
الأفكار
بدأت تتصفّى
لكن الوجع
زاد.
همس:
«ما كنت تدافع عنها…
كنت تدافع عن اسمك…
عن وجودك.»
وقف قدام المراية
ناظر نفسه
وقال بصوت مكسور:
«لو طلع اللي أفكر فيه صح…
كم مرّة كنت قريب منك
وأنا ما دريت؟»
سكت.
ثم أخذ نفس عميق
كأنه يستعد
لحقيقة
ما عاد يقدر يهرب منها.
عند جاسم
فتح باب الشقة
بهدوء زايد
كأن المكان ممكن يسمعه.
أول خطوة
كانت مترددة
مو خوف…
ثِقل.
الشقة فاضية
لكنها مو ساكنة.
فيها أثر
فيها بقايا وجود
كأن أحد كان هنا
وقرر يختفي
بس نسى يطفي نفسه.
دخل أكثر
خلع حذاءه بدون ما ينتبه
ووقف.
الطاولة.
عينه راحت لها مباشرة
كأن شي داخله كان يعرف.
جواز السفر.
موضوع بزاوية
مو مهمل
ولا مرتب بزيادة
كأنه انحط هناك
عن قصد
وبتأنّي.
قرب خطوة
ثم وقف.
صدره ضاق
نفسه قصر
كأن الهواء صار أثقل فجأة.
مد يده
لكن سحبها
ثم مدها مرة ثانية.
لمس الجواز
بارد
ثقيل
أثقل مما توقّع.
وتحت الجواز
كانت الورقة.
بيضاء
بسيطة
لكنها صرخت قبل لا ينطق حرف.
جلس على الكرسي
ما كان يقدر يقرا وهو واقف
رجوله ما شالته.
رفع الورقة
وفتحها ببطء
كأنه يخاف
من الكلمة الجاية
أكثر من اللي قبلها.
"ما كنت ناوي أترك أثر
بس واضح إن الأثر أقوى مني."
وقف
قرأها مرة ثانية
ثم كمل.
"أنا تعبت أحاول أكون شي
وأهرب من شي ثاني.
كل مرة أقول خلاص
ألقى نفسي أرجع لنفس النقطة."
بلع ريقه
عيونه بدأت تحرق
لكن ما نزلت دمعة.
"اللي صار ما كان تهوّر
كان انفجار.
وانت تعرف
إني إذا انفجرت
أحرق نفسي قبل غيري."
شد الورقة بيده
انكمشت شوي
بس ما انتبه.
"سامحني
لو خليتك تحمل شي مو لك
وسامحني
لو كنت السبب إنك تشوفني ضعيف."
ضحكة قصيرة
مكسورة
طلعت منه بدون إذن.
قال بصوت واطي:
«ضعيف؟… لو تدري.»
كمل.
"إذا قررت أروح
مو هروب
يمكن محاولة أخيرة أعيش
بدون ما أوجع أحد."
هنا
وقف.
رفع راسه
ناظر الفراغ
كأنه يشوفه قدامه.
ثم قرأ السطر الأخير.
"بس تذكّر
فيه عيون تنتظرك
مو لأنك قوي
لكن لأنك موجود.
أمك… أبوك…
وأنت."
سكت.
الورقة طاحت من يده
نزلت على الطاولة
جنب الجواز.
حط كفه على وجهه
ضغط بقوة
كأنه يبي يسكّت كل شي داخله.
أول نفس
طلع متقطع.
ثاني نفس
كان أثقل.
قال بصوت مبحوح
مخنوق
وكأنه يكلمه وهو مو موجود:
«ليش دايم تحاول تعيش لحالك؟
ليش ما خليتني معك؟»
قام ببطء
لف حول الطاولة
وقف عند الجواز
مسكه
وقربه من صدره.
مو لأنه ناوي يسافر
لكن لأنه
كان آخر شي
لمسه.
جلس مرة ثانية
البيت حوله صامت
بس داخله
كان ضجيج
ما يهدأ.
ولأول مرة
حس
إنه ممكن
يوصل له
لكن الوقت
قاعد يسبقهم الاثنين
عند أسيل
سكتت لحظة
ثم التفتت للممرضة بنظرة مترددة
كأنها تخاف من الجواب.
قالت بصوت واطي: — «وش قال لك؟»
الممرضة فكّرت شوي
ثم قالت: — «قال… إنه أخوك.»
توقفت
ثم أضافت بنبرة لاحظتها أسيل: — «بس… كأنه تردد لما قالها.»
القلب
دق دقة مختلفة.
أسيل ما ردّت مباشرة
بس عقلها بدأ يشتغل بسرعة
أسرع من قدرتها على إيقافه.
أخوي؟
ماجد؟
لا.
هزّت راسها بخفة
وكأنها تطرد الفكرة.
ماجد
نبرته معروفة
حضوره معروف
وهو بهالوقت
يا نايم
يا رافض يطلع
خصوصًا بهالساعة.
وهذا الصوت…
لا.
سكتت
وعينها علّقت في السقف
ثم جاءت الفكرة
ثقيلة
مباغتة.
معتز؟
قلبها انقبض
ثم تراجعت بسرعة.
لا
مو معتز.
الاسم الثاني
طلع بدون استئذان.
جاسم.
شدّت الغطاء بيدها
كأنها تحمي نفسها من الفكرة.
بس ليه؟
ليش يكون هو؟
وليش… ما قرر يتطمن علي؟
الأسئلة
تزاحمت
ولا واحد منها لقى جواب.
إذا كان هو
ليش ما جلس؟
ليش ما انتظر؟
ليش اختفى
كعادته؟
بلعت ريقها
وحسّت بغصة
مو ألم
ولا خوف…
خيبة.
قالت بصوت بالكاد ينسمع: — «طيب… وين راح؟»
الممرضة هزت كتوفها: — «طلع بسرعة بعد ما طمّنا عليه، شكله ما كان يبي أحد يشوفه.»
نزلت عيون أسيل
على يدها
على بطنها
ثم أغمضتها.
حتى وأنت قريب…
لسه تختار الغياب؟
تنفست بعمق
تحاول تهدّي قلبها
لكن الإحساس
كان واضح.
هو كان هنا.
اختار
يطمن
ويمشي.
وتركها
مع الصوت
بس.
وكانت متأكدة من شيء واحد فقط…
اللي اختفى هذه المرة، ما راح يقدر يهرب كثير،
لأن كل الطرق بدأت تقوده للحقيقة.