الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل الثامن - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن

الفصل الثامن

عند فراس – قبل الزيارة فراس كان يسوق وهو شارِد. كلام معتز، نظرات البنات، توتر نجود… كلها متراكبه براسه. قال لنفسه: "لو قلت لسطام الآن، يمكن أدمّره… ولو سكت، يمكن أضيّع عليه ولده مره ثانيه." وقف قد بيت سطام، ما نزل على طول. أخذ نفس طويل، كأنه داخل معركة مو زيارة. "بقول له جزء… مو كل شي." عند سطام – بالمجلس دخل فراس وسلم، وسلامه هالمرة كان أثقل. سطام لاحظ: "وش فيك يا فراس؟ شكلك مو على بعضك." فراس جلس، سكت شوي، وبعدين قال: "يا أبو ماجد… لو جاك إحساس إن فيه شي قريب منك… بس مو واضح… وش تسوي؟" سطام عقد حواجبه: "أدور وراه لين أعرفه." فراس نزل نظره: "حتى لو خفت تعرف؟" سطام بدون تردد: "الخوف ما يمنعني عن ولدي." هنا… فراس حس بالقهر. الكلمة طلعت منه قبل لا يوقفها: "أحيانًا القريب يخاف أكثر من البعيد." زرع الشك سطام سكت. حس إن الكلام مو عابر. "تقصد شي يا فراس؟" فراس رفع راسه، نبرته هادية بس حازمة: "أقصد… إن اللي نبحث عنه يمكن يكون أقرب مما نتخيل." سطام قام من مكانه بدون ما يحس: "أنت تعرف شي." فراس وقف بعده: "أعرف إنك قوي… بس مو مستعد أكون سبب صدمتك." سطام بصوت مبحوح: "يعني فيه أمل؟" فراس تردد… وبعدين قال القرار اللي يغيّر كل شي: "إيه. وفيه خوف بنفس الوقت." فراس طلع من البيت وقلبه أثقل من يوم دخل. أما سطام… جلس لحاله بالمجلس، عينه على الباب، وكأن شخص غايب ممكن يدخل بأي لحظة. قال بصوت خافت: "إن كان حي… والله ما أوقف لين أوصله." والشك… صار يقينًا ناقص. لكن أخطر من الجهل. بعد صلاة العشاء عند مغاسل المسجد (نفس المكان القديم…) عند معتز طلع من المسجد متأخر شوي، راسه واطي، يمشي بسرعة كأنه يبي يهرب من المكان كله. كان يحاول يقنع نفسه: "بس أطلع… بس أعدي الليلة." وقف عند المغاسل يغسل يده، رفع رأسه بالمرآة… وشاف رجل كبير واقف خلفه. وقف قلبه. مو لأنه يعرفه يقينًا… لكن لأن ملامحه مألوفة بشكل موجع. عند سطام سطام كان واقف ينتظر ماجد، عينه وقعت صدفة على شاب واقف عند المغاسل. شي شدّه. مو شكله الكامل… طريقة وقفته. انحناءة كتفه. حتى حركة يده. قال في نفسه: "ليش حسيت كذا؟" تقدم خطوة لا إراديًا. اللحظة معتز لفّ… وانتبه لعيون سطام مركزة عليه. عيون كبيرة، متفحصة، فيها حنين مو مفهوم. معتز تجمّد. الهواء اختفى من صدره. "لا… لا مو هو… لا يمكن." سطام قال بهدوء: "تعبت اليوم؟" سؤال عادي. لكن نبرته مو عادية. الصدمة لمعتز الصوت… الصوت ضربه قبل الملامح. نفس النبرة اللي كان يسمعها وهو صغير. بلع ريقه: "لا… الحمدلله." صوته طلع مبحوح، كأنه مو صوته. الغرابة لسطام سطام لاحظ: ارتباكه الزايد صوته اللي يشبه صوت يعرفه نظرة الهروب بعينه قال: "اسمك؟" معتز تراجع نص خطوة: "م… معتز." الاسم ما عطى جواب. لكن الإحساس… زاد. الانكسار الصامت ماجد نادى من بعيد: "يبه خلنا نروح." سطام ظل يناظر معتز، وبصوت واطي قال: "تشبه شخص… ضيعته من سنين." معتز حس رجوله ما عاد تشيله. حس كل شي داخله ينهار… لكن تماسك. قال بسرعة: "الله يعوضك خير." ولفّ… ومشى. بعد الصدفة معتز أول ما بعد عنهم، جلس داخل سيارته، مسك المقود بقوة. دموعه نزلت غصب: "كان يبي يعرف… كنت بقوله… بس ما قدرت." هذه أقوى لحظة ضعف له. سطام وقف مكانه، يحاول يقنع نفسه: "صدفة… بس صدفة." لكن قلبه قال غير كذا. همس: "حتى مشيته… نفسه عند معتز بعد الصدفة مع سطام رجع بيته وهو مو قادر يوقف تفكيره. كل شي صار قريب زيادة عن اللزوم. جلس على الكنبة، سحب نفس طويل، وقال بصوت مبحوح: "أنا لو ما قلت لأحد… بنفجر." ما كان يبي اعتراف كامل. يبغى يتنفس بس. مسك جواله… تردد. ثم اتصل. عند مازن رد وهو نص نايم: "هلا عزوز؟" صوت مازن الهادئ كسر شي داخل معتز. معتز: "مازن… تقدر أجيك؟ بس لا تسألني ليه." مازن بدون تردد: "بيتي بيتك." عند مازن – بالمجلس جلسوا مقابل بعض. الشاي قدامهم، لكن ما حد لمس الكاسة. معتز كان يفرك يده بعصبية. مازن حس: "هذا مو الضيق المعتاد." قال بهدوء: "تكلم… أنا معك." معتز طالع بالأرض: "يا مازن… أنا مو إنسان طبيعي مثل ما تظن." رفع مازن حاجبه، لكن سكت. معتز: "أنا من زمان عايش باسم غير اسمي الحقيقي." مازن شهق بخفة: "ليه؟" معتز ابتسم ابتسامة وجع: "لأني سويت شي غلط زمان… شي خلاني أهرب بدل ما أواجه." سكت لحظة، ثم قال: "أهلي يعتقدون إني… مو موجود." مازن قلبه نزل برجوله: "وش قصدك؟" معتز رفع عينه لأول مرة: "يحسبوني ميت." ردّة فعل مازن سكت طويل. ما صرخ. ما ضغط عليه. بس قال: "وأنت؟ حي… وتتألم." الجملة كسرت معتز. دموعه نزلت: "أنا تعبت يا مازن. كل يوم أصحى على خوف… وكل ليلة أنام على ذنب." مازن قرب منه شوي: "طيب… هم قريبين منك؟" معتز هز راسه: "قريبين مره." ما قال أسماء. ما قال تفاصيل. هذا الحد اللي وقف عنده. معتز مسح وجهه: "أنا ما قلت لك كل شي… بس اللي قلته لك صدق." مازن: "والباقي؟" معتز: "إذا قدرت… بقول. وإذا ما قدرت… سامحني." مازن قال جملة واحدة، غيرت كل شي عند معتز: "مهما كان اسمك… ومهما كان ذنبك… أنت مو لحالك." معتز لأول مرة من سنين حس صدره أخف… حتى لو الألم باقي. طلع مازن من عنده بعد ما ودّع معتز، الباب تقفل وراه بصوت خفيف… بس الصدى جلس. وقف لحظة عند المدخل، كأنه ناسي شي، أو يمكن متأكد إنه ناسي شي بس مو عارف وش هو. ركب سيارته، شغّلها، ومشى. الطريق كان فاضي، الإشارات خضرا، كل شي طبيعي… إلا أفكاره. معتز مو طبيعي اليوم. قالها بينه وبين نفسه. ما كان كلامه، كان سكوته. الطريقة اللي يمسك فيها الكوب، النظرة اللي تسرح فجأة، التوتر اللي يطلع مع كل اسم عائلة ينقال عرضًا. مازن شد على المقود شوي: — وش فيك يا معتز؟ ما كان ينتظر جواب. بس السؤال جلس. وصل بيته، طلع المفتاح، دخل، كل شي مكانه. أسيل كانت نايمة، أنفاسها هادئة، بس ملامحها مو مرتاحة. وقف يتأملها لحظة، ثم جلس على طرف السرير. الكل متغير… مو بس هو. رجع بذاكرته للجلسة. معتز لما قال: «أحيانًا الواحد يتعب من كثر ما يشيل.» الجملة بسيطة… بس اللي قالها كان متكسر. في نفس الوقت، معتز كان بسيارته، بس ما كان يسوق فعليًا. واقف عند إشارة، ناسي يطلع، والسيارات وراه تزمر. تحرك أخيرًا، وهو ما يدري وين رايح بالضبط. فكر بمازن. براحته. بثقته اللي ما يضغط. قال بصوت مبحوح: — لو تدري بس نص اللي داخلي… وسكت. عند بيت سطام، النور كان شغال بالصالة. سطام جالس لحاله، القهوة قدامه بردت. منذ الصدفة، وهو يحاول يهرب من صورة علقت براسه. الصوت… النظرة… حتى الوقفة. مسح وجهه بكفه: — يا رب لا يكون اللي في بالي. وفي مكان أبعد شوي، يزن كان يحاول ينام. تقلب أكثر من مرة. الصورة اللي شافها اليوم ما راحت. قال لنفسه: — ليه حسّيت كذا؟ ما عنده جواب… بس الإحساس ثابت. أما معتز، فكان راكن سيارته أخيرًا عند مكان مظلم شوي. طالع بالفراغ، صدره يعلو ويهبط بثقل. الجواز… الاسم… الهروب… كلها تدور حوله، وهو في النص. وفي آخر الليل، كان في شي واحد واضح: مازن طلع من عند معتز… بس معتز ما طلع من باله. كان يزن طالع من المكان وهو مو مركز، جواله بيده بس ما يطالع فيه. رأسه مليان، صدره ضيق، وكل ما حاول يقنع نفسه إن إحساسه غلط… يرجع أقوى. لف عند الموقف، يبي يركب سيارته. وفي اللحظة اللي رفع فيها عينه— تجمّد. واقف قدامه، على بعد خطوتين. نفس الطول. نفس الوقفة اللي يعرفها زين. حتى الميل الخفيف بالرأس… ما تغير. معتز. لا، مو معتز… جاسم. الزمن وقف. الهواء انقطع. يزن ما نطق. بس عيونه قالت كل شي. معتز حس فيه قبل لا يشوفه. الإحساس اللي يجيك فجأة، كأن أحد نادى اسمك من داخل صدرك. رفع عينه. وانكسر. وجه يزن قدامه… مو مستغرب. مو متسائل. كان وجه شخص يعرف. معتز حاول يتماسك، شد فكه، لف راسه بسرعة كأنه ما شافه. خطى خطوة للخلف. يزن أخيرًا تكلم، صوته طالع بصعوبة: — … معتز؟ الاسم طاح عليه مثل حجر. هنا… هنا خانته. دمعته نزلت بدون إذن. سريعة، فاضحة. مسحها بيده بعنف، صوته ارتج: — لا. كلمة وحدة. بس ما كانت كافية. يزن قرب خطوة، صوته واطي: — ليه صوتك نفس صوته؟ — ليه عيونك… نفس عيون جاسم؟ معتز حس صدره ينهار. رجف. لف بسرعة، يبي يمشي. — وقف! يزن قالها بدون شعور. معتز وقف لحظة… بس ما التفت. صوته مكسور، بالكاد مسموع: — سامحني. قالها ومشى. يزن لحقه خطوتين، بس وقف. رجوله ما شالته. شافه يركب سيارته بسرعة، يقفل الباب بقوة، يمسك المقود كأنه يتمسك بحياته. السيارة مشت… وتركت وراها سؤال ما له إجابة. يزن جلس مكانه. يدينه ترجف. قال بصوت مخنوق: — مستحيل… بس… مستحيل. أما معتز، فكان يسوق وهو ما يشوف الطريق. دموعه تنزل وهو يحاول يكتمها، صدره يطلع صوت غريب، كأنه طفل ضايع. — ليه شفتك… — ليه الحين… وقف عند إشارة، حط راسه على المقود. صوته انكسر أخيرًا: — تعبت… والله تعبت. الإشارة فتحت. بس هو تأخر. لأول مرة… ما كان الهروب كافي. يزن ظل واقف مكانه حتى اختفت السيارة عن نظره. ولا أحد كان حوله ينتبه. الناس تمر، سيارات تدخل وتطلع… والعالم ماشي طبيعي. إلا هو. رجوله ثقلت، حسها ما عاد تشيله. رجع خطوة للخلف، وأسند ظهره على سيارته. ما بكى. بس صدره كان يضيق شوي شوي، كأن أحد قاعد يعصره من الداخل. طلع الجوال، فتحه بدون وعي، دخل على الأسماء… وقف عند اسم قديم. جاسم. سكر الشاشة بسرعة، كأنه لمس شي حارق. حاول يضحك على نفسه، نفس قصير طلع منه: — لا… مستحيل. بس صوته طلع مكسور. مرر يده على وجهه بقوة، شد شعره، رفع راسه للسماء ثواني… ولا دعا. ولا تكلم. كان بس يحاول يتماسك. دخل سيارته، قفل الباب بهدوء مبالغ فيه. جلس دقيقة كاملة بدون ما يشغلها. يده على المقود، أصابعه تشد وترتخي. حس بقلبه يدق مو بسرعة… بثقل. كأنه كل دقة تقول: أنت عارف. شغل السيارة أخيرًا، ومشى. الطريق قدامه، بس عقله واقف هناك. كل تفصيلة مرت قدامه: الوقفة. النظرة. الدمعة اللي نزلت غصب. قال لنفسه بصوت منخفض، حاسم لكنه موجوع: — لو كان هو… ما راح أهرب هالمرة. وصل بيته. دخل بهدوء. سلّم على زوجته بابتسامة ناقصة، جلس مكانه كأنه طبيعي. ولا أحد انتبه. بس لما دخل غرفته، قفل الباب ووقف قدام المراية. شاف نفسه… وغصته طلعت. همس: — إن كان حي… ليه تركني أودعه ميت؟ جلس على طرف السرير، مسك رأسه بين يديه. ولا صوت. ولا دموع. بس انهيار كامل… ما سمعه إلا هو. عند نوف نوف كانت جالسة بغرفتها، النور طافي إلا من لمبة صغيرة جنب السرير. الجوال بيدها، تقلب فيه بدون ما تشوف شي. أنفاسها مو مستقرة. قامت، مشت خطوتين، رجعت. جلست. قامت مرة ثانية. همست لنفسها: — إلى متى؟ الكتمان صار يضغط على صدرها، مو خوف… تعب. تعب من السكوت، من التمثيل، من نظرات أمها اللي كل يوم تسأل بدون ما تتكلم. قامت وفتحت باب الغرفة. وقفت عند الممر. أصواتهم بالصالة… ضحكة خفيفة من سلطانة، صوت سطام وهو يقلب القنوات. كل شي طبيعي، وهذا اللي كسرها أكثر. شدت يدها، كأنها تشد شجاعتها معها. مشت خطوتين، ثم وقفت. قالت بصوت واطي: — يمه… سلطانة التفتت: — هلا يا نوف؟ نوف بلعت ريقها. الكلمات كانت جاهزة براسها، بس لما وصلت للحلق… تعثرت. جلست قدامهم. ما رفعت عينها. سطام حس بالتوتر: — خير؟ سكتت ثانيتين طويلة. بعدين قالت، بصوت فيه رجفة بس ثابت: — أنا تعبت من السكوت. سلطانة قربت منها: — سكوت عن وش يا بنتي؟ رفعت نوف راسها شوي، عيونها تلمع: — عن أشياء نحسها… ونطنشها. عن إحساس يقول إن في شي مو واضح. سطام عقد حواجبه: — وضحي. تنفست بعمق: — ما عندي دليل… ولا أبي أحرّك جراح قديمة. بس قلبي مو مرتاح، وكل يوم يثقل أكثر. سلطانة سكتت، يدها على صدرها: — تحسين بإيش؟ نوف قالت بهدوء موجوع: — أحس إننا ما نعرف كل الحقيقة. الصالة سكتت. الهواء صار ثقيل. سطام ناظرها طويلاً، ما تكلم. سلطانة شدّت على يدها. نوف كملت، دمعتها نزلت: — ما أبي شي… غير إننا نكون مع بعض، ونوقف نخبي عن نفسنا. ما قالت أسماء. ما كشفت أسرار. بس فتحت الباب. سلطانة قامت وحضنتها: — ما دامك حسيتي كذا، إحساسك ما يجي من فراغ. سطام تنهد… تنهد طويل، كأنه أول مرة يسمح لنفسه يشك بصوت عالي. تلك الليلة مرت الليلة على الكل… لكن ما مرت على أحد بنفس الشكل. في بيت سطام، الهدوء كان أعلى من أي صوت. كل واحد راح غرفته، بس الأفكار ظلت بالصالة. سلطانة تمددت على سريرها، ظهرها للوسادة ووجهها للسقف. ما كانت تبكي… لكن قلبها كان صاحي. كلام نوف ما كان صريح، بس وصل. وصل لمكان ما يوصل له الكلام المباشر. قالت لنفسها: الأم ما تحتاج دليل… الإحساس يكفي. غمضت عيونها، وشافت ملامح قديمة، طفل كان يضحك من قلبه، وشاب اختفى فجأة من حياتها وترك مكانه فراغ. يدها لا شعوريًا انحطت على صدرها. القلب دق أسرع. — يا رب… لا تخيب إحساسي. في مكان آخر، معتز كان جالس على طرف السرير، الأنوار مطفية إلا من ضوء الشارع يدخل من بين الستارة. ما قدر ينام. كل ما غمض عينه، رجعت له صورة… أم، مو بملامحها، بإحساسها. الإحساس اللي يحس فيه الطفل وهو يضيع في مكان مزدحم، مو خوف… لكن فقدان. مسح وجهه بكفه، النفس ثقيل، كأنه يحمل عمر كامل مو بس يوم. همس: — لو تعرفين وش صار… بتسامحين؟ ما كان يخاطب أحد. بس كان يعرف إن في قلب يسمعه حتى لو المسافة بعيدة. الليل طال. والتفكير ما هدأ. في الصباح كانت سلطانة واقفة عند مدخل المكان، ماسكة شنطتها بيدها، تنتظر دورها. عينها شاردة، تفكيرها بعيد، قلبها مو مرتاح من كم يوم بدون سبب واضح. أخذت نفس عميق… وفجأة انقبض صدرها. ما تدري ليه. لفّت راسها تلقائي، كأن شي ناداها من داخلها. شافت رجل يمر قدامها. مو واضح. مو قريب مره. بس خطواته… وقفته… فيها شي مألوف. تسمّرت مكانها. معتز كان ماشي، راسه منخفض، تفكيره مشتت. حس بنظرة. ثقيلة. مو أي نظرة. رفع عينه بدون ما يقصد. شافها. ثانية وحدة… بس كأنها عمر كامل. وجهها شاحب شوي. ملامحها هادية. عيونها مليانة شي ما يعرف يفسره. قلبه دق بعنف. قال بنفسه: لا… مستحيل. نزّل عينه بسرعة، لف وجهه، وكمل مشيه. سلطانة ظلت واقفة. تراقبه وهو يبعد. كل خطوة منه كأنها تسحب منها نفس. رفعت يدها على صدرها، تحاول تهدي الخفقان. همست، بصوت بالكاد يطلع: — ليه حسيت كذا؟ معتز وقف بعد كم خطوة. ظهره لها. صدره يطلع وينزل بسرعة. دمعته نزلت غصب. مسحها بكمّه بسرعة، وكأنه خايف أحد يشوف ضعفه. ما التفت. كمّل مشيه. سلطانة جلست مكانها. ما لحقت. ما نادت. بس الإحساس ظل. شي داخلها يقول: هذا مو غريب… والشي الثاني يقول: لا تتعلّقين بوهم. وانتهت الصدفة… لكن القلبين عرفوا إنهم التقوا، حتى لو ما اعترفوا. عند معتز دخل سيارته، قفل الباب بقوة أكثر من اللازم. جلس. حط يده على الدركسون. ثواني صمت. ثم… انكسر. صدره انقبض فجأة، نَفَسه اختنق، وصوته طلع بدون إذن. — يمّه… قالها، وبعدها انهار. بكى. مو بكاء عادي. بكاء واحد تعب… تعب من الهروب، من التمثيل، من القسوة على نفسه. ضرب الدركسون بيده: — ليه شفتها؟ — ليه اليوم؟ — ليه قلبي خانّي؟ مسح وجهه بعنف، بس الدموع كانت أسرع. — لو قربت… — لو شافتني زين… — لو حسّت… وقف. ما كمل. هز راسه: — لا… لا… مستحيل. شغّل السيارة، طلع بسرعة، كأنه يهرب من المكان… ومن نفسه. لكن وهو يسوق، صوتها بذاكرته، شكلها، نظرتها… قال بصوت مكسور: — سامحيني… — لو تعرفين الحقيقة، يمكن تكرهيني. وقف على جنب الطريق فجأة. نزل راسه على الدركسون. وبكى بصمت. لأول مرة… ما كان يبي يهرب من الناس، كان يبي يهرب من أمه ومن إحساسها اللي كشفه. ليلة سلطانة بعد الصدفة رجعت سلطانة للبيت، ما تكلمت كثير، ولا علّقت على شي. تعشت معهم، جلست، ابتسمت ابتسامة خفيفة… بس قلبها مو معها. لما دخلت غرفتها، سكرت الباب بهدوء. جلست على طرف السرير. سكتت. ثم فجأة… دمعتها نزلت. مو بكاء. دمعة وحده، ثقيلة، حارة. رفعت يدها تمسحها وكأنها مستغربة من نفسها. — ليه؟ قالتها بصوت منخفض. تمدّدت على السرير، تطالع السقف. صورتَه تمر قدامها بدون ملامح واضحة… بس الإحساس نفسه. قلبها يعورها. وجع غريب، مو خوف، مو حزن… حنين بلا سبب. قامت، فتحت درجها، طلعت صورة قديمة. ما ركزت فيها زين، بس مسكتها. حضنتها على صدرها. — ليه حسّيت إني أعرفه؟ — وليه قلبي خاف عليه؟ قلبها يجاوبها بدون صوت: الأم ما تحتاج دليل. قامت توضّت، صلت، وجلست تدعي وهي ما تدري تدعي على مين. — يا رب… — طمّن قلبي، أو خذ هالإحساس مني. بس الإحساس ما راح. نامت… ونفسها متقطع، ويدها على صدرها كأنها تحمي شي غالي. في نفس الليلة… عند يزن كان يزن جالس بسيارته قدّام البيت، ما نزل. المفتاح معلق، المحرك طافي، ونظره ثابت قدّامه كأنه يشوف شي ما هو موجود. من يوم شاف معتز ذاك اليوم… الإحساس ما تركه. مو يقين، مو شك كامل، شي بين الاثنين يخنق صدره. قال بصوت واطي، كأنه يخاطب نفسه: «ليش لما شفتك حسّيت إن الزمن رجع؟ وليش قلبي قال اسم… ما نطقه؟» شد على المقود، تنفّس بعمق، وكأنه يخاف لو فكر أكثر… ينهار. قرر يسكت. يزن دايم يسكت. نقطع… عند عادل عادل كان واقف بالمطبخ، الكوب بيده، القهوة بردت وهو ما انتبه. عينه على الجواز… جواز مو باسمه، بس شايل روحه. قال بهدوء قاسي: «إلى متى بتهرب؟ الجواز مو طريق نجاة… هو طريق ضياع.» كان يعرف إن معتز قريب، يعرف إنه بينهار، ويعرف إن المواجهة الجاية… مو بسيطة. مسك الجواز، حطه بالدرج، وقفله. مو لأنه يبي يؤذيه، بل لأنه يبي يوقف الهروب. نقطع بهدوء أشد… عند خوات جاسم (الجوهره ونوف) البيت ساكت، بس الصمت مو مريح. الجوهره كانت جالسة على طرف السرير، تمسك جوالها، تقلب صور قديمة. نوف جنبها، تحاول تفتح موضوع بس تتراجع. قالت الجوهره فجأة: «تحسين إن فيه شي قريب… بس ما نقدر نمسكه؟» نوف رفعت راسها، عيونها متعبة: «أحس إننا نعرف أكثر مما نقول… وأقل مما نحتاج.» ما قالوا الاسم. بس كان حاضر. نرجع… عند معتز كان يمشي بدون هدف. رجوله توديه، مو هو. الهواء ثقيل، صدره يوجعه، والنَفَس صار قصير. وقف فجأة، حط يده على صدره، الدنيا لفت فيه. جلس على الرصيف. راس بين يديه. صوت داخله يصرخ: ارجع… كفاية هروب. حاول يقوم… ما قدر. وهنا… سلطانة كانت طالعة من بيتها، ناسية شي، ما تدري ليش قلبها مشدود. خطوتين… ثلاث… وفجأة شافته. مو واضح. مو كامل. بس الإحساس ضربها قبل النظر. ولد جالس، منكسر، كتفه نازل، ونَفَسه متقطع. قربت بخطوات مترددة. قالت بصوت أمومي خالص: «يمّه… أنت زين؟» معتز رفع راسه. وهنا… العالم وقف. نظرات ما تحتاج أسماء. دمعة خانته، نزلت غصب. قام بسرعة، كأنه انكشف. قال بصوت مبحوح: «سامحيني… أنا لازم أمشي.» ركب سيارته بسرعة، سكر الباب، ومشى. سلطانة وقفت مكانها. يدها على صدرها. قلبها يخبط بقوة. قالت لنفسها بصوت مرتجف: «هذا مو غريب… هذا ولدي.» رجعت البيت، جلست، وبكت بدون دموع. الأمهات… ما يحتاجون دليل. نقطع آخر قطعـة معتز في السيارة كان يسوق، الدموع تنزل، ما يمسحها. قال بصوت مكسور: «خلاص… ما عاد أقدر.» ومشى… وترك وراه قلوب بدت تصحى عند يزن – في صباح اليوم التالي كان الصباح هادي أكثر من اللازم. الضوء داخل من الشباك، بس ما وصل لقلبه. يزن كان واقف قدّام المراية، يلبس ساعته، بس يده ترتجف شوي. وقف. نزل يده. تنفّس. من يوم الصدفة… والصورة ما تفارقه. نفس الوقفة. نفس الانكسار الخفيف بالكتف. حتى طريقته وهو يلف وجهه… كأنها محفوظة بذاكرته من سنين. قال لنفسه بصوت منخفض: «مو معقول… أكيد أتوهّم.» طلع من البيت، ركب سيارته، وساق بدون موسيقى. الطريق طويل، بس تفكيره أطول. وقف عند إشارة. لف بعينه… وشافه. مو قريب. مو واضح. بس كفاية. القلب دق بقوة. اسمه طلع على طرف لسانه… وتجمّد. لو نزل؟ لو ناداه؟ لو طلع صدق؟ الفكرة وحدها خوّفته. قال داخله: «وإذا طلع مو هو؟ وإذا جرحت نفسي؟ وإذا فتحت باب… ما أقدر أسكره؟» الإشارة فتحت. السيارات تحركت. يزن كان يقدر يلف. كان يقدر يوقف. كان يقدر ينهي الشك. بس… دعس بنزينه. ومشى. بعد دقائق وقف على جنب الطريق. طالع يده، لاحظ إنها تعرق. ضحك ضحكة قصيرة، موجوعة: «حتى الشك صاير يخوف.» مسك جواله، فتح الأسماء، وقف عند اسم… وسكره. قرر التراجع. مو لأنه ما يبي الحقيقة، لكن لأنه مو مستعد لها. رجع يسوق، بس هالمرة أبطأ. وكأنه يبي الوقت يرجع… أو يبي يوصل متأخر. في كوفي هادئ – آخر النهار الكوفي شبه فاضي. موسيقى خفيفة بالكاد تنسمع. طاولتين بس مشغولات… وحدة منهم عادل ومعتز. معتز كان جالس بس جسده مشدود، فكه مقفول، وعينه ما تترك عادل. عادل بهدوء متعمد، يقلب فنجان القهوة، كأنه جاي يتمشى مو يواجه إعصار. فجأة… معتز دفع الكرسي وقام. صوته نازل… بس فيه نار: «وقف.» عادل رفع عينه ببطء: «وش؟» معتز قرب خطوة: «وقف تدخل بحياتي. لا تلمّح، لا تحرّك شي، ولا تنطق الاسم.» عادل ابتسم ابتسامة قصيرة: «أي اسم؟» معتز انفجر: «جاسم.» الاسم نزل ثقيل على الطاولة. حتى الملعقة طاحت. عادل تغيّر وجهه لأول مرة. لكن حاول يمسك نفسه: «أنا ما أتدخل، أنا أحاول أوقفك من الهروب.» معتز ضحك ضحكة مكسورة: «تهرب؟ تهرب إني أتنفس؟ تهرب إني أعيش؟» قرب أكثر، صوته ارتفع غصب عنه: «أنت مو وصيي، ولا أنت اللي تقرر متى أرجع ولا متى أتكلم.» عادل شد صوته: «وأنت تحسب الكتمان بطولة؟ تحسب إنك تختفي وتترك الناس تحترق؟» معتز ضرب الطاولة بكفه. الفنجان اهتز. «لا تجيب طاريهم! ولا تحسب إنك فاهم شي!» خلف الجدار… عند دورة المياه يزن كان واقف يغسل يده. تعبان. راسُه مليان. فجأة… سمع الاسم. جاسم. وقف. الموية نازلة… بس هو ما حس فيها. الصوت جا واضح، قريب… قريب جدًا. سمع معتز وهو يقول، بصوت مبحوح: «أنا مو مستعد أرجع… مو مستعد أشوف نظراتهم… ولا أسمع كلمة ليش مرة ثانية.» يزن حط يده على المغسلة. تنفّسه ثقل. همس لنفسه: «لا… لا…» سمع عادل يرد: «بس الحقيقة ما تنطمس. حتى لو ركضت لآخر الدنيا.» يزن رجع خطوة ورا. قلبه يضرب صدره. الصوت… الصوت هو نفسه. النبرة. الانكسار. حتى طريقة الغضب. كل شي قال له: هذا هو. لكن عقله صرخ: لا تصدق. نرجع للطاولة معتز لف كأنه بيطلع. عادل ناداه: «الهروب ما راح يغيّر اسمك.» معتز وقف، ظهره له، وصوته رجف: «اسمي مات هناك… لا تحاول تحييه.» وسحب الكرسي ومشى. عند دورة المياه يزن كان لسه واقف. ما قدر يتحرك. الاسم تردد براسه. الصوت. الهوشة. طلع معتز من الكوفي… مر قريب. يزن لف وجهه بالثانية الأخيرة. ما شافه… بس حس فيه. أول مرة الحقيقة تصير قريبة جدًا لدرجة تخوف. يزن ما لحقه. ما ناداه. بس عينه دمعت… وهو واقف لحاله. ببيت سطام – آخر الليل البيت ساكن، اللمبات خفيفة، وهدوء غريب كأنه مو طبيعي. سلطانه كانت جالسة بالصالة، المسباح بيدها، تلفه بدون وعي. ما كانت تفكر بشي واضح… بس قلبها مو مرتاح. سطام دخل من عند الباب، مشى شوي ووقف، لاحظها ساكتة. «وش فيك يا سلطانه؟» رفعت عيونها له، فيها لمعة خوف ما تعود عليها. «ما أدري… قلبي مو بمكانه.» سطام جلس قبالها، تنهد: «من يوم سالفة الخاتم وأنا حاس إن فيه شي ناقص.» سلطانه ضغطت على المسباح، صوت الحبات كان أعلى من كلامها: «مو الخاتم بس… فيه روح ضايعة.» سطام ناظرها باستغراب: «وش تقصدين؟» هزّت راسها: «ما أدري… بس أحس إن ولدي قريب… قريب لدرجة أخاف أطلع للشارع وأشوفه.» سطام سكت. الكلمة ضربته. «قريب؟» سلطانه غمضت عيونها، ونزل صوتها: «إي… وأحس إنه تعبان.» الصمت نزل عليهم ثقيل. سطام قام وقف عند الشباك، فتح الستارة شوي. الشارع فاضي… لكن قلبه مو. قال وهو ظهره لها: «فراس يعرف أكثر مما يقول.» سلطانه رفعت راسها بسرعة: «يعني حي؟» سطام ما رد مباشرة. بس قال: «ما في شي بهالدنيا يضيع بدون أثر… وأثره قاعد يبان.» سلطانه قامت، قربت منه، صوتها مكسور: «أنا ما أبي أعرف القصة كلها… أنا أبي أشوفه.» سطام لف عليها، حط يده على كتفها: «وأنا أبي أرجعه بدون ما ينكسر أكثر.» سلطانه لأول مرة تبكي بصوت. مو صراخ… بكاء أم حست إن ولدها عاش عمر كامل بعيد عنها. في نفس اللحظة – بدون ما يدرون برّا… سيارة تمشي ببطء من قدام البيت. السواق واقف لحظة… يناظر البيت. أنوار الصالة شغالة. قلبه يخونه. يده ترتجف على الدركسون. همس لنفسه: «لو دروا إني هنا… ما قدرت أهرب.» ودعس البنزين… واختفى. الليل مرّ… ثم الليل اللي بعده. ولا صوت. ولا إشعار. الجوال يرن عندهم وهميًّا، بس كل مرة يطلع الصمت. معتز ما ترك أثره حتى بالغلط. كأن الأرض ابتلعته وهو واقف. عند يزن يزن كان جالس يسوي قهوته. حركة معتادة، يحفظها بدون تفكير. حط الفنجان… وتوقف. ما رفعه. ظل يناظر البخار وهو يطلع ويختفي. حس الإحساس نفسه يطلع من صدره. شي ثقيل. شي ناقص. قال لنفسه: «يمكن إرهاق… يمكن تفكير زايد.» بس يده ارتجفت. القهوة انسكبت شوي. حس بخسارة… من غير اسم، من غير سبب. جلس. وسكت. وهو لأول مرة ما قدر يهرب من إحساسه. عند سلطانه سلطانه قامت قبل الأذان. مو لأنها نايمة… لأن النوم ما جاها أصلًا. صلّت. طوّلت بالدعاء. كل ما قالت: يا رب حست قلبها يشد أكثر. جلست على السجادة بعد الصلاة. ما قامت. كأنها تنتظر أحد يدخل عليها. قالت بصوت واطي: «ليش قلبي مو مرتاح؟ ليش أحس إني متأخرة على شي؟» مسحت دمعتها بسرعة، كأنها تخاف أحد يشوفها… حتى ربها. جلسوا حول الطاولة، مو متقابلين فعليًا… كل واحد ملتفت شوي، كأنه ما يبي يواجه الثاني. الساعة على الجدار كانت واضحة أكثر من وجيههم. تك… تك… عادل كسر الصمت أولًا، بس صوته ما كان واثق: «له كم ساعة ما يرد؟» راكان ما رفع راسه. قال: «من أمس.» مازن شبك أصابعه ببعض، شدها، ثم فكها. ولا كلمة. عادل حاول يضحك ضحكة خفيفة، فشلت قبل ما تطلع: «يمكن جواله طافي… تعرفونه.» مازن رفع عيونه له ببطء. نظرة طويلة، ساكنة، ما فيها اتهام… بس فيها شك. «معتز ما يطفي جواله بدون ما يقول.» راكان تنفس بقوة، كأنه كان حابس النفس من بدري: «حتى لو زعلان… دايم يرسل شي. حتى نقطة.» سكتوا. الصمت هنا كان مختلف. مو صمت انتظار. صمت اعتراف إن فيه شي غلط. عادل لف الكوب مرة ثانية، لكن هالمرة يده رجفت. حط الكوب بسرعة، كأنه انفضح. قال بنبرة أخف من اللازم: «طيب… آخر مرة شفتوه متى؟» مازن رد بدون ما يفكر: «البارح.» ثم سكت. ثواني. كأن الكلمة ندمت إنها طلعت. راكان رفع راسه بسرعة: «وش كان شكله؟» مازن حاول يسترجع الصورة… بس اللي جاه مو صورة، إحساس. «كان يضحك… بس مو حاضر.» عادل شد حاجبه: «شلون يعني؟» مازن ضغط على فكه: «كأنه يودّع بدون ما يقول وداع.» هنا… الجو تغيّر. راكان حسها. عادل حسها. حتى الجدار حسها. راكان قال بصوت منخفض: «تحسون إننا فوّتنا شي؟» ولا واحد رد. لأن الجواب كان واضح وما يحتاج ينقال. مرت لحظة طويلة، طويلة لدرجة إن الصوت الوحيد كان النفس. مازن فجأة قام. الكرسي تحرك بصوت خفيف بس كأنه دوّى. وقف، عدل جاكيته، وقال بهدوء ما يشبه الهدوء: «أنا بروح له.» عادل رفع راسه بسرعة: «الحين؟» مازن ناظر فيهم واحد واحد. نظرة تحمل قرار ما فيه رجعة. «اي. الحين.» راكان وقف نص وقفة: «أجي معك؟» مازن هز راسه: «خلّك هنا… لو رد.» ثم لف على الباب، وقبل لا يطلع قال: «إذا لقيته… ما أبي نكون متأخرين أكثر.» وطلع. وخلفه جلس ثلاث رجال يحسون لأول مرة إن الغياب صار أقرب من أي وقت. يزن داخل سيارته، صامت. والحقيقة كانت قريبة لدرجة… لو مد يده لمسها. لكن بعض الناس لما يقربون من اللي ضيعوه يخافون يلقونه. شقة معتز مازن فتح الباب ببطء. كأنه خايف يزعج أحد… مع إنه متأكد إن ما فيه أحد. الرائحة نفسها. الهدوء نفسه. بس المكان كان فاضي بطريقة موجعة. خطى مازن كانت بطيئة. مرّة يوقف. مرّة يرجع خطوتين. عينه وقعت على الورقة. ما لمسها على طول. جلس. تنفس. ثم مد يده. الرسالة فتح الورقة. قرا السطر الأول. توقف. قراه مرة ثانية. مع كل سطر كان صدره يضيق أكثر. ما قرأ الرسالة كرسالة… قرأها كوداع. جلس طويلًا بعدها. ما طوا الورقة مباشرة. خلّاها مفتوحة. كأنها آخر شي يربطه فيه. قال بصوت مكسور: «ليه دايم ننتبه متأخر؟» برّا الشمس طلعت. الناس رايحة أشغالها. الحياة ماشية. بس عندهم… الزمن وقف عند لحظة وحدة: لحظة إنسان اختفى وترك قلبه خلفه. عند مازن وعادل وراكان اندفع مازن داخل المجلس بدون ما يطرق، ولا حتى يستأذن. الباب انفتح بقوة، والهواء اللي دخل معه كان ثقيل… كأنه جايب خبر مو زين. الكل التفت بنفس اللحظة. مازن كان يلهث. صدره يطلع وينزل بسرعة، عيونه مو ثابتة، وفي يده ورقة… مكرمشة شوي، واضح إنها انمسكت بقوة. راكان قام واقف: «مازن؟ وش في؟» مازن ما رد. تقدم خطوتين، مد يده، وحط الورقة قدامهم على الطاولة. صوته طلع مبحوح: «لقيتها… بالشقة.» سكت. ولا كلمة زيادة. عادل أول واحد مد يده، بس قبل لا يلمس الورقة تردد. كأنه يحس إن لمسها بيعترف بشي. فتحها ببطء. الخط كان معروف… واضح إنه مستعجل، بس مقصود. (الورقة) لا تدورون علي. أنا مو ضايع… أنا متعب. التعب اللي ما ينشاف، والوجع اللي كل ما كتمته كبر. يمكن تشوفون غيابي هروب، بس هو آخر محاولة لي إني أبقى واقف. في أشياء لو انقالت بتكسر ناس ما يستاهلون ينكسرون، وأنا تعبت أكون سبب كسر. سامحوني إذا خذلتكم، وسامحوني أكثر لأني ما قدرت أكون الشجاع اللي تتوقعونه. إذا رجعت… بيكون لأني قدرت أواجه نفسي أول. الصمت نزل عليهم كأنه سقف. راكان كان يقرأ السطور بعينه، لكن ملامحه تقول إنه ما كان يشوف الكلمات… كان يشوف صاحبه وهو يختفي. مازن حط يده على الطاولة، ضغطها بقوة كأنه يبي يثبت نفسه. «هذا مو كلام واحد بيمشي ويرجع بكرا.» عادل كان ساكت. يده ماسكة الورقة، وترتجف. فجأة طواها، وحط كفه على وجهه بكل ثقله. صوته طلع مكسور، مو صراخ… ولا بكاء… شي بينهم. «أنا…» سكت. أخذ نفس، وكمل: «أنا اللي حديته.» رفع راسه، وعينه محمرة. «أنا ضغطت عليه… قلت له كلام ما كان لازم ينقال.» نزل نظره للأرض: «كنت أحسبه يتحمل… نسيت إن بعض الناس قوتهم هي أكثر شي يجرحهم.» مازن لف عليه ببطء. ما كان فيه غضب. كان فيه خيبة. راكان جلس، وحط يده على راسه، كأن الفكرة ثقيلة عليه: «يعني… هو راح وما يدري أحد وينه؟» مازن هز راسه: «جواله مقفل. الشقة فاضية. حتى ملابسه… ناقصة.» اللحظة تمددت. طالت. وكل واحد فيهم حس بنفس الإحساس بس باسم مختلف: الخوف. الخوف إن المرة هذي ما يكون الغياب مؤقت. راكان كان أول واحد لاحظ. مو لأن عادل تكلم، ولا لأنه بكى… لكن لأنه سكت زيادة عن اللزوم. عادل جلس على طرف المجلس، كتوفه مائلة لقدّام، يدينه مشبوكة ببعض كأنه يحاول يمسك نفسه لا يطيح. راكان قرب منه شوي، صوته هادي بس مشدود: «عادل… وش فيك؟» عادل ما رد. بس بلع ريقه، وناظر للفراغ قدامه. مازن كان واقف، مستند على الجدار، وعينه ما فارقته من لحظة اعترف. لاحظ كيف نفسه مو منتظم، وكيف كل ما أحد يذكر اسم معتز تشد عضلات فكه. قال مازن بهدوء يخوف أكثر من العصبية: «عادل… في شي مو قاعد تقوله.» عادل ضحك ضحكة قصيرة، فارغة. «وش بقى ما انقال؟ الرجال راح… وانا قلت لكم أنا السبب.» مازن قرب خطوة. «لا. مو كذا. هذا مو إحساس واحد ضغط على صاحبه شوي.» راكان رفع راسه، عيونه ثابته بعادل: «انت تعرف شي أكثر… صح؟» السكوت رجع. أثقل من أول. عادل شبك أصابعه بقوة لين ابيضّت مفاصله. صوته طلع منخفض، كأنه يخاف يسمعه هو بنفسه: «تغير… من بعد اللي صار بالكوفي.» مازن انتبه فورًا. «وش اللي صار بالكوفي؟» عادل تردد، مسح وجهه بيده، وبعدها قال: «تشاكلنا… مو هوشة، بس كلام. كلام أقسى من الضرب.» راكان حس بشي ينقبض بصدره. «عن وش؟» عادل رفع عينه لهم لأول مرة، ونظره كان مليان تعب: «عن اسمه.» مازن شد على أسنانه. «أي اسم؟» عادل ما قاله. بس قال: «عن شي حاول ينساه سنين، وأنا… غلطت لما فتحت الجرح.» راكان وقف. صوته صار أوضح، أقرب للرجاء: «عادل… معتز مو بس خوي. هو أخ. إذا تعرف شي ممكن يدلنا عليه لا تكتمه.» عادل تنفس بعمق. نفس طويل، ثقيل. «ما أعرف وينه، بس أعرف شي واحد…» سكت ثانية. مازن قرب أكثر، صوته واطي بس حازم: «قول.» عادل قالها أخيرًا: «هو كان يفكر يختفي من زمان، مو اليوم. الرسالة هذي… مو قرار لحظة. هذي نهاية صبر.» راكان حس الأرض تميل تحته. جلس مرة ثانية، وهمس: «يعني كان معنا… واحنا نحسبه بخير.» مازن لف وجهه بعيد، ضغط على عينه بإبهامه كأنه يمنع شي ينزل. «لا. كان معنا… واحنا ما انتبهنا.» عادل قام واقف. صوته صار أضعف: «أنا لازم أطلع.» راكان: «وين؟» عادل لبس ساعته، وتجنب عيونهم: «أدور… حتى لو ما أدري على وش.» طلع. الباب انسد وراه بهدوء، بس الصدى اللي تركه كان عالي. مازن التفت لراكان. نظرة تفاهم بدون كلام. قال مازن أخيرًا: «عادل مو بس متغير… هو خسر شي.» راكان هز راسه ببطء: «وأخاف… إن اللي خسره هو آخر خيط يوصلنا لمعتز.»