الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل السادس - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

في مكان اخر... كان جالس بمكان بسيط، مقهى شعبي بعيد عن الزحمة. قدامه فنجان قهوة برد من زمان… ويده تمسك جواز سفر. قلّبه بين أصابعه، فتح الصفحة الأولى، الاسم واضح: جاسم سطام الـ… ابتسم ابتسامة مائلة، مو فرح… ابتسامة شخص عرف إنه ماسك خيط يقدر يخنق فيه أكثر من واحد. قال بصوت واطي: — «غريبة… اللي يبي يهرب يضيّع أهم شي بحياته.» قفل الجواز، رفع راسه يشوف الشارع. — «ولا يمكن… ما ضاع بالغلط.» طلع جواله، فتح محادثة قديمة، آخر رسالة مرسلها من سنوات: “إذا احتجتني، بتلقاني.” كتب: — «لقيت شي يخصك.» توقف، مسح الرسالة قبل ما يرسلها. — «لا… مو الحين.» حط الجواز بجيبه، قام وهو يدفع الحساب. — «الوقت الصح دايم يجي لما الكل يكون مو مستعد.» … عند معتز كان معتز واقف عند شنطته المفتوحة. ملابس قليلة، مرتبة بعجلة. فتح الدرج… فاضي. فتح الدرج الثاني… فاضي. وقف، تنفسه تسارع. فتح الحقيبة الصغيرة اللي دايم يحط فيها أوراقه. ولا شي. جلس على السرير، حط يده على وجهه. — «لا… لا مستحيل.» قام يفتش الغرفة للمرة الثالثة. تحت السرير، داخل الخزانة، بين الكتب. ولا أثر للجواز. همس بصوت مكسور: — «حتى الهروب… انسد.» جلس، راسه بين يديه. — «إذا ما قدرت أطلع… معناه بواجههم.» رن جواله. رقم غير محفوظ. تردد… ثم رد: — «هلا.» الصوت هادي، واثق: — «جوازك عندي.» معتز وقف فجأة: — «مين أنت؟» — «شخص يعرف إنك كنت ناوي ترجع روسيا… بس الظاهر ربك كتب لك غيرها.» سكت لحظة، ثم: — «لا تدور عليه… هو اللي بيدور عليك.» قفل الخط. معتز حس لأول مرة إن الأرض ضاقت عليه. مو خوف… حصار. عند عادل كان عادل جالس لحاله بالغرفة، الإضاءة خافتة، والجوال بيده بدون ما يستخدمه فعليًا. طرق خفيف على الباب. رفع راسه: — «تفضل.» انفتح الباب، ودخل معتز. ملامحه متوترة، عيونه شاردة، واضح عليه إنه مو جاي يسولف. عادل اعتدل بجلسه: — «خير؟ ما تعودنا تجي بهالوقت.» معتز سكر الباب ووقف مكانه: — «أبي جوازي.» سكت المكان. ولا كلمة ثانية. عادل ناظر له بهدوء غريب: — «أي جواز؟» معتز شد قبضته: — «لا تستغبي… جواز السفر.» عادل ابتسم ابتسامة خفيفة، مو استفزاز… أخطر، ابتسامة شخص ماسك كل الخيوط: — «وتبي تهرب؟» معتز انفعل: — «مو هروب… ترتيب أوضاع.» عادل قام بهدوء، مشى خطوتين: — «روسيا؟» معتز تجمد مكانه. عرف… انكشف. — «من قال لك؟» عادل: — «مو مهم من قال… المهم ليه؟» معتز لف وجهه: — «ما عندي استعداد أعترف… مو الحين.» عادل قرب منه شوي: — «وتحسب الهروب بيخليك ترتاح؟» معتز بصوت مكسور بس عنيد: — «أرتاح ولا أختنق هنا؟» سكت عادل لحظة، بعدين قال بنبرة أخطر: — «تعرف وش المشكلة؟» معتز: — «وش؟» عادل: — «حتى لو طلعت… القصة بتلحقك.» طلع الجواز من الدرج وحطه على الطاولة، بدون ما يدفعه له. — «هذا جوازك.» معتز مد يده… عادل حط يده فوقه ومنعه. — «بس اسمعني زين…» رفع عينه له: — «الهروب مو حل، بس أنا مو اللي بيفضحك.» معتز بنبرة متوترة: — «يعني بتعطيني إياه؟» عادل سحب يده: — «مو اليوم.» معتز: — «ليش؟» عادل: — «لأنك إذا هربت الحين… بتكسر ناس ما لهم ذنب.» معتز انفجر: — «وانا؟! أنا وش ذنبي؟» عادل بهدوء قاتل: — «ذنبك إنك ساكت.» حمل الجواز وحطه مرة ثانية بالدرج: — «روح… فكر.» فتح الباب: — «وإذا قررت تواجه… بتلقاني أول واحد واقف.» طلع معتز وهو يحس إن الجدار يطبق عليه. مو قادر يهرب… ولا مستعد يعترف. والجواز؟ صار سلاح بيد شخص ما كان بالحسبان عند فراس كان فراس جالس لحاله بالمجلس، الإضاءة خافتة، التلفزيون شغال بدون صوت. الفنجان قدامه، القهوة بردت، وهو ما لمسها. منذ ما طلع معتز من عنده… وفي شي مو راكب. حسّة ضيق تسللت لصدره، مو خوف… قهر. تكلم مع نفسه بصوت منخفض: — «ما قال كل شي…» مرر يده على وجهه، رجع ظهره للكنب، وغمّض عيونه لحظة. الكلمات اللي قالها معتز ترجع براسه، لكن اللي بين السطور كان أوضح من الكلام نفسه. فتح عيونه فجأة: — «بس مو أنا الوحيد اللي يدري.» قالها وكأنه توصل لشي. قام من مكانه، بدأ يتمشى بالمجلس، خطواته ثقيلة. فكرة وحدة تضرب رأسه: في شخص ثاني يعرف… ويمكن يعرف أكثر منه. وقف عند الشباك، ناظر للشارع: — «مستحيل كل هالتصرفات تصير من فراغ.» تذكر: توتر معتز غير الطبيعي اختفاءه ثم ظهوره نظراته لما انفتح الموضوع وتلك الثقة الغريبة… كأنه متطمن إن أحد ثاني ماسك ظهره شد فكه: — «مين؟» القهر ارتفع أكثر لما حس إنه لأول مرة متأخر عن الصورة كاملة. هو اللي كان دايم يعرف قبل غيره… هالمرة لا. جلس مره ثانية، أخذ جواله، قلب الأسماء بدون ما يدق. وقف عند اسم عادل… تجاوزه. وقف عند راكان… تنهد. — «لا… مو هم.» سند رأسه بيده: — «بس أكيد في واحد ثالث.» واحد: قريب ذكي ويتحرك بهدوء ضرب طرف الطاولة بقبضته ضربة خفيفة: — «والقهر إنهم يتحركون بدوني.» رفع راسه وقرر: — «ما راح أسكت.» عيونه كانت ثابتة، لكن نار الشك شغالة بداخله. وهو متأكد من شي واحد: اللعبة صارت أكبر… ومو الكل يلعب بوجه مكشوف. عند يزن يزن ما كان من النوع اللي يدخل بالنص. هو دايم على الطرف… يراقب. جالس بمقهى هادئ، لابتوبه مفتوح قدامه، بس عيونه مو على الشاشة. منذ أيام وهو يسمع اسم معتز يتكرر بطريقه غريبة، ومنذ حادثة الخاتم وهو حاس إن في شي مو طبيعي. قال لنفسه بابتسامة خفيفة: — «اللي يخبي شي… دايم يطيح بأغلاطه بنفسه.» طلع جواله، فتح سجل مكالمات قديمة. اسم واحد شد انتباهه: عادل. مو لأنه قريب منه… بل لأنه دايم يطلع بالمكان الخطأ، بالوقت الصح. يزن ما راح له مباشرة. لا. راح للفندق. مو يسأل. ولا يدور. راح يسمع. جلس باللوبي، طلب قهوة، وصار يراقب الموظفين، حركة الدخول والخروج. وبعد ساعة تقريبًا، شافه. عادل. واقف عند الاستقبال، يتكلم بصوت واطي، واضح عليه توتر. يده كانت تمسك ظرف بني… مو كبير، بس مو عادي. يزن ما قرب. ولا ناظر مباشرة. قام، مر من جنبهم كأنه صدفة، وهو يمر، سمع كلمة وحدة بس: — «الجواز…» يزن كمل مشيه وكأن شي ما صار. جلس بمكان ثاني، قلب الموضوع براسه. — «جواز… معتز… توتر… صمت.» ابتسم ابتسامة ذكية: — «واضح إن اللغز مو عند اللي يهرب… اللغز عند اللي يمسك طريق الهروب.» طلع جواله، أرسل رسالة قصيرة بدون اسم، بدون تعريف، رقم مؤقت: “في شي معك مو لك… وبيصير لك وجع راس لو تأخر.” أرسلها… وسكر الجوال. ما كان يبي الجواز. ولا يبي يفضح أحد. كان يبي شي أخطر: يحرك اللعبة. قال لنفسه وهو يقوم: — «الذكي ما يكشف الورق… الذكي يخلي غيره يكشفه وهو يحسب نفسه مسيطر.» وطلع من الفندق بهدوء، وهو متأكد إن من هاللحظة… كل واحد راح يبدأ يغلط عند مازن مازن كان جالس بالصالة، التلفزيون شغال… بس عيونه مو عليه. منذ أيام، أسيل مو هي أسيل. تضحك؟ إي. تسولف؟ إي. لكن ضحكتها أقصر، وسوالفها مقطوعة، ودايم—دايم—كأنها تنتبه لشي ثاني وراه. قال لنفسه: — «يمكن ضغط… يمكن تعب… يمكن أنا أتوهم.» لكن قلبه ما اقتنع. لاحظ إنها صارت: تتأخر بالرد تمسك جوالها وتسكره بسرعة تسأل أسئلة غريبة ثم تسكت فجأة حتى لما يناديها: — «أسيل؟» ترد بعد ثواني: — «ها؟» كأنها كانت بمكان ثاني. دخلت المطبخ، وهو لحقها. وقف عند الباب، ناظرها وهي ترتب نفس الكوب ثلاث مرات. — «حبيبتي… فيك شي؟» لفت له بسرعة، بابتسامة جاهزة: — «لا، ليه؟» هز راسه: — «ما أدري… بس حاسك مو معاي.» سكتت ثانيتين. ثانيتين طويلة. — «يمكن بس محتاجة أرتاح.» هز راسه، بس صدره ضاق. قال بنفسه: — «أسيل ما كانت تسكت كذا… أسيل كانت تحكي لي كل شي.» طلع من البيت بعدها، وهو يحاول يقنع نفسه إن الموضوع بسيط… بس إحساسه يقول: الهدوء هذا مو طبيعي. عند راكان راكان كان سايق، وما كان مشغل شي. حتى الأغاني اللي دايم يرفعها… مطفية. من يومين وهو يلاحظ: أبوه فراس صار شروده أطول نجود عيونها دايم حمراء حتى لو ما بكت البيت كله صاير ثقيل كأن في خبر انقال… وهو الوحيد اللي ما وصله. وقف عند إشارة، تنهد: — «وش قاعد يصير؟» تذكر يوم انطرد من المجلس. مو بقسوة… لكن بهدوء يخوف. قال بنفسه: — «أبوي إذا سواني برا، معناها السالفة كبيرة.» دخل البيت، شاف نجود بالصالة. كانت تمسك جوالها، تناظره، وتسكّره. — «نجود.» رفعت راسها: — «هلا.» — «ترى مو مرتاح… فيكم شي؟» ابتسمت ابتسامة ما وصلت لعيونها: — «لا، ليه تسأل؟» جلس مقابلها: — «لأنكم كلكم تغيرتوا… وأنا الوحيد اللي واضح آخر واحد يدري.» سكتت. ضغطت على أصابعها. — «راكـان… بعض الأشياء إذا عرفتها تتعب.» ابتسم بسخرية خفيفة: — «وأنا متى ما تعبت؟» قامت: — «خلنا بهالمرحلة أحسن.» وتركته بالصالة لحاله. راكان طالع بالسقف: — «إذا الكل ساكت… معناها في شي أكبر من السكوت.» عند يزن يزن ما كان من النوع اللي يتهور بالشكوك. دايم يقول: «الدليل قبل الإحساس.» لكن هالمرة… الإحساس كان أقوى من أي منطق. كان جالس لحاله، القهوة قدامه بردت وهو ما لمسها. من يوم شاف معتز أول مرة، وشي داخله تحرك… مو خوف، مو كره… معرفة قديمة ما لها اسم. قال بنفسه: — «ليه حسيت كأني أعرفه؟» رجع بذاكرته لأول لقاء: نبرة صوته طريقة سكوته نظراته لما ينذكر اسم جاسم كلها تفاصيل صغيرة… بس مجتمعة صارت ثقيلة. فتح جواله، دخل على صورة قديمة لجاسم. صورة من سنوات… الملامح تغيرت، الزمن لعب فيها. قارن. رجع يناظر. سكر الجوال. — «لا… مستحيل.» بس قلبه ما اقتنع. تذكر مواقف: ارتباك معتز قدام فراس اختفاؤه المفاجئ طريقته وهو يراقب من بعيد والأهم… ليش يهرب دايم؟ وقف يزن، مشى بالصالة، رجع جلس. حط يده على راسه. — «لو هو جاسم… ليه ما يرجع؟» — «ولو مو هو… ليه أحس إنه هو؟» المشكلة مو بالشك. المشكلة إن الشعور مو واحد. يحس: غضب: «لو طلع هو… ليه كل هالسنين؟» شفقة: «وش اللي خلاه يوصل لهالدرجة؟» خوف: «ولو صدق؟ وش أسوي؟» ضحك ضحكة قصيرة بدون صوت: — «حتى الشك صار ثقيل.» قرر شي واحد بس… مو مواجهة. مو سؤال مباشر. قال بهدوء: — «براقبه… وإذا هو… الحقيقة بنفسها بتطلع.» رفع فنجان القهوة أخيراً، شرب رشفة. كانت مرة. مثل الإحساس اللي قاعد يكبر داخله. يزن ما تأكد… لكن قلبه بدأ يصدق شي عقله للحين يرفضه. عند معتز كان واقف قدام سيارته، مفاتيحه بيده… بس ما قدر يفتح الباب. القهر كان أثقل من الحركة. لف ظهره، سند على السيارة، وأنزل راسه. ضحكة قصيرة طلعت منه، ضحكة شخص انلدغ من أقرب واحد توقع منه شي. — «عادل…» قالها باسمه وكأنها طلقة. كان متفق معه. كلام واضح، ما فيه لف ولا دوران. الجواز عنده، والأمر مؤقت. بس اللي صار؟ عادل لعبها صح… لعبها وسخة. شد على شعره بعصبية: — «تقول لي بعدين؟ بعدين متى؟» صوته طالع منخفض، لكنه مليان نار. لف يمين ويسار، كأنه يدور شي يكسره. رجع وقف، صدره يعلو وينزل. — «تدري وش قهرك؟» — «مو إنك خنتني… القهر إنك تعرف إني محشور.» عينيه لمعت، مو دموع… غضب ممزوج بعجز. كان يبي يهرب. مو لأنه جبان. لكن لأنه مو مستعد يواجه. مو مستعد يشوف: عيون أمه صدمة أبوه أسئلة ما لها إجابة ضرب كفه بكفه: — «لو الجواز بيدي… كان الحين بعيد.» جلس على الرصيف، وأسند راسه على ركبته. نفسه تقطع. — «كل شي جاهز… إلا أنا.» تذكر كلام فراس. نبرته الهادية، نظرته اللي كأنها تعرف أكثر مما تقول. غمض عيونه: — «حتى هو حس…» فتحها فجأة، وقف. الغضب رجع. — «بس عادل؟» — «أنت آخر واحد توقعت منك.» طلع جواله، كتب رسالة… مسحها. كتب ثانية… مسحها. وأخيراً كتب: "ترى اللي تسويه بيقلب عليك. لا تضغطني أكثر." أرسلها. جلس ينتظر الرد. ولا شي. حط الجوال بجيبه، وركب السيارة. بس ما شغلها. همس بصوت مبحوح: — «يا رب… لا تخليني أرجع بالطريقة الغلط.» السيارة واقفة. ومعتز؟ واقف بين هروب ما اكتمل وحقيقة تلاحقه. عند أسيل كانت جالسة على طرف السرير، الغرفة هادية أكثر من اللازم. الهدوء هذا يخوف. الجواز قدامها… ما مسكته، بس كانت تطالع فيه كأنه شيء حي. اسم أخوها. واضح. ما فيه مجال للشك. قربته منها شوي، أطراف أصابعها ترتجف. قلبت الصفحة الأولى، رجعت سكرتها بسرعة. — «مو وقتك…» قالتها لنفسها، بس صوتها خانها. حست إن صدرها ضاق. نفسها صار قصير. كل اللي حولها فجأة صار له معنى: نظرات معتز صمته اختفاؤه الخاتم الرسالة مسكت راسها بكلتا يدينها. — «ليش كذا؟ ليش تو الحين؟» قامت فجأة، تمشي بالغرفة، خطواتها متلخبطة. وقفت عند المراية. شافت نفسها… بس مو هي. — «لو أنت قريب لهالدرجة… ليش بعيد؟» نزلت دمعتها غصب. مسحتها بسرعة، كأن أحد يشوفها. رفعت الجواز مرة ثانية. هالمرة شدّت عليه. — «ما راح أواجهك الحين…» — «بس راح ألقى الجواب.» وفجأة… رن جوالها. اسم نجود. أسيل ما ردت. قلبها قال لها: لسا… مو الآن. عند عادل كان واقف عند الشباك، يطالع الشارع تحت. سمع صوت الباب ينفتح. ما لف. — «تأخرت.» عرف الصوت. معتز. عادل تنهد، لف عليه بهدوء: — «كنت أعرف إنك بتجي.» معتز بنبرة مشدودة: — «وين الجواز؟» عادل ما رد مباشرة. جلس، — «قبل الجواز… اسمعني.» معتز ضحك بمرارة: — «وش عندك غير الأعذار؟» عادل رفع عيونه فيه: — «أنا مو عدوك يا معتز… بس لعبت دور العدو.» معتز عقد حواجبه: — «وش تقصد؟» عادل وقف، قرب منه خطوة: — «أنت تبغى تهرب. وأنا أبغى أوقفك.» معتز بصوت مكسور: — «مو هروب… نجاة.» عادل هز راسه: — «النجاة مو بالطيران، النجاة إنك توقف و تواجه.» معتز ضغط على فكه: — «ما تفهم.» عادل بنبرة أهدى: — «أفهم أكثر مما تتوقع. بس الفرق؟ أنا اخترت أكمّل… وانت اخترت تختفي.» طلع الجواز من الدرج، حطه على الطاولة… بس ما دفعه له. — «الحياة لسا حلوة، يا معتز.» — «وأنت مو ميت عشان تعيش كذا.» معتز ناظر للجواز… ثم ناظر لعادل. — «ومن قال لك إني أقدر؟» عادل بهدوء موجع: — «لأنك لسا هنا.» سكتوا. الجواز بينهم. المسافة قصيرة… بس القرار؟ أبعد من روسيا. كان واقف قدام الطاولة، الجواز بينهم. عينه عليه، بس عقله بعيد. عادل حس بالتغيير… السكون اللي يسبق الانكسار. — «خذ الجواز وامش إذا هذا قرارك.» قالها عادل بهدوء، بدون تحدي. معتز ما تحرك. ولا خطوة. فجأة… جلس على الكرسي بقوة، كأن رجوله خانته. حط كفوفه على وجهه. وسكت. ثواني… طالت أكثر من اللازم. وبصوت مبحوح، متقطع: — «تعبت…» عادل تجمد مكانه. معتز نزل يده، عيونه حمرا، صوته مو صوته: — «تعبت أهرب.» — «تعبت أمثل إني قوي.» — «تعبت أعيش باسم مو اسمي.» ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة: — «تدري وش أصعب شي؟» عادل ما قاطعه. — «إنك تكون حي… بس عايش كأنك ميت.» صوته بدا يرجف. أنفاسه تلاحق بعض. — «كل يوم أصحى وأقول: اليوم برجع.» — «وبكل مرة… أخاف.» رفع راسه فجأة، الدموع نزلت بدون إذن: — «أخاف من نظرتهم.» — «من صمت أمي.» — «من خيبة أبوي.» قام واقف، بدأ يمشي بخطوات عشوائية: — «أنا ما هربت لأني جبان…» — «هربت لأني كنت أحس إني عبء.» ضرب صدره بقبضته: — «هنا! هنا كان الوجع.» صوته انكسر تمامًا: — «أشتاق لهم لين أختنق.» — «وأرجع أقول لنفسي: ما تستاهلهم.» وقف فجأة، جسمه كله يهتز. نزل على ركبته بدون وعي. عادل قرب بسرعة، مسكه من كتفه. معتز بصوت طفل مكسور: — «أبي أرجع…» — «بس ما أعرف كيف.» بكى. بكاء ما فيه صوت بالبداية… ثم شهقة، ثم انهيار كامل. يده تشبثت بملابس عادل: — «خلاص ما عاد أقدر.» — «سنيـن وأنا أهرب…» عادل شد عليه، لأول مرة صوته يرتجف: — «كفاية… خلاص.» معتز همس: — «أنا مو قوي مثل ما يشوفوني.» عادل رد بهدوء عميق: — «ولا لازم تكون.» سكتوا. بس لأول مرة… معتز ما كان لوحده. عند عائلة سطام البيت كان هادي أكثر من اللازم. الهدوء اللي يخليك تحس إن فيه شي ناقص… بس ما تعرف وش هو. سلطانه كانت بالمطبخ، تحرك الملعقة بالكأس، بس بالها مو مع القهوة. نفس الفكرة ترجع لها من العصر، نفس الشعور الثقيل. سطام دخل وجلس بالصالة، قلب بالجوال، وقف فجأة عند صورة قديمة. صورة جماعية… قديمة شوي. قرب الجوال من عينه. كبر الصورة. وقف عند وجه واحد. تجعد جبينه. — «غريب…» سلطانه طلعت من المطبخ: — «وش الغريب؟» سطام ما رد على طول. قفل الجوال وحطه مقلوب. — «تحسين إن فيه أشياء تصير حولنا… بدون ما نفهمها؟» سلطانه جلست قدامه، نبرتها مترددة: — «من زمان وأنا أحس كذا.» سكتوا شوي. ثم قالت: — «تذكر يوم الملكة؟» رفع راسه فورًا. — «يوم الخاتم؟» هزت راسها: — «مو بس الخاتم…» شدت على يدها: — «فيه شي بعيني ما ارتاح له.» سطام تنفس بعمق: — «فراس قال لي شي…» — «وكل ما أحاول أفسره، أحس قلبي يدق أسرع.» سلطانه بصوت واطي: — «تحس إنه قريب؟» سكت. سكون ثقيل. ثم قال: — «أحس إن اللي نبحث عنه… مو بعيد.» فجأة دخل ماجد، وجهه شاحب: — «يمه…» الاثنين لفوا عليه بنفس اللحظة. — «لقيت شي.» طلع من جيبه ورقة مطوية. — «كانت مع أغراض قديمة… داخل درج ما أحد يفتحه.» سطام فتحها. خط قديم. اسم… وتاريخ. تغير وجهه. سلطانه قربت: — «وش فيها؟» سطام بلع ريقه: — «هذي الورقة ما كان المفروض تطلع الآن.» سلطانه عيونها امتلأت: — «يعني إحساسنا مو غلط؟» سطام سكر الورقة بهدوء… بس يده كانت ترجف: — «لا…» رفع نظره: — «إحنا بس بدأنا نمسك أول خيط.» والبيت… رغم هدوءه، صار يحس بثقل الحقيقة وهو يقترب. عند الجوهرة ونوف كانت الجوهرة جالسة بالصالة، طفلها يلعب قدامها، لكن عيونها مو معه. من العصر وهي ساكتة أكثر من المعتاد. نوف دخلت وجلسـت جنبها: — «وش فيك؟ من يوم رجعنا من المشوار وأنتِ مو على بعضك.» الجوهرة حاولت تبتسم: — «ما فيني شي… يمكن تعب.» نوف ما اقتنعت. قربت شوي: — «لا تكذبين علي، أعرفك.» الجوهرة تنهدت، وكأنها كانت تنتظر أحد يفتح الموضوع: — «تذكرين الرجال اللي قابلناه بالحديقة؟» نوف رفعت حاجبها: — «اللي فهد قال يشبه خاله؟» الجوهرة شدّت يدها بدون وعي: — «إيه.» سكتت لحظة، ثم قالت: — «من وقتها وأنا مو مرتاحة.» نوف باستغراب: — «ليه؟ طفل وكلام أطفال.» الجوهرة هزت راسها: — «لا… مو كلام فهد.» قامت، راحت للمرآة، وقفت قدامها: — «الشبه…» لفّت لنوف: — «كان قوي. مو بس ملامح… إحساس.» نوف جلست معتدلة: — «إحساس وش؟» الجوهرة بصوت أوطى: — «كأني شفت شخص أعرفه… بس مو قادرة أحدده.» نوف سكتت، ثم قالت: — «الغريب… إن أسيل من كم يوم نفس الشي.» الجوهرة انتبهت: — «وش قالت؟» نوف: — «قالت لي تحس إن فيه شي قريب… بس كل ما تمد يدها له يختفي.» تبادلوا نظرة طويلة. الجوهرة: — «يمكن كلنا نحس بنفس الشي…» نوف: — «أو يمكن لأننا أخوات.» الجوهرة رجعت جلست، وعيونها تراقب طفلها: — «أحيانًا أحس إن فيه شي كبير… قاعد يصير بدون ما أحد يعلمنا.» نوف: — «والأخطر؟» الجوهرة: — «إننا جزء منه… غصب.» في هاللحظة، دخل فهد يضحك: — «ماما!» ابتسمت له… لكن قلبها كان مو مع الابتسامة. لأن أول مرة تحس إن الماضي مو بس ذكرى… يمكن يكون واقف قريب، ينتظر أحد ينتبه له. ومرت الليله وكانت من اطول الليالي بالنسبه لأبطالنا عند يزن كان يزن راجع من مشوار طويل، مزاجه مو على بعضه. من يوم الخاتم وهو يحس إن السالفة ما انتهت، بالعكس… توها تبدأ. وقف عند المغاسل بالغلط، نفس المكان. تأمل الأرض، كأنه ينتظر شي يطلع من الفراغ. قال بنفسه: — «غريب… ليه للحين أفكر فيه؟» الخاتم. الوجه اللي لمحَه ذاك اليوم. الإحساس اللي ما قدر يفسّره. طلع جواله، قلب بالصور القديمة بدون سبب واضح، وقف عند صورة قديمة جدًا… صورة جماعية من سنين. قرّب الصورة. حدّق. — «لا…» سكّر الجوال بسرعة، كأنه خاف من الفكرة نفسها. — «مستحيل.» لكن قلبه ما اقتنع. الإحساس رجع يضغط عليه. قال وهو يطلع: — «لو طلع اللي براسي صح… بتكون مصيبة.» ومشى… وهو أول مرة يحس إن الحقيقة قريبة أكثر من اللازم. بعده مباشرة عند الجوهرة كانت الجوهرة طالعة مع ذياب تقضي غرض بسيط. نزلت من السيارة تنتظره، والجو حار، والشارع شبه فاضي. وبين ما هي ترفع عيونها… شافته. واقف بعيد شوي. متكي على سور. وجهه شاحب، كتافه نازلة، ونَفَسه واضح إنه متعب. قلبها دق فجأة. — «لا… مو معقول.» نفس الشخص. نفس الملامح. بس هالمرة… مكسور. مشَت خطوتين بدون وعي، ثم وقفت. تحاول تقنع نفسها: — «يمكن أتوهّم.» لكنه لف شوي… وشافت عيونه. عيون شخص شايل أكثر مما يحتمل. شدّت شنطتها بقوة. حست بغصّة. — «ليش شكلك كذا؟» ما سمعت صوتها، بس السؤال كان واضح داخلها. هو حاول يمشي… تعثر شوي. قلبها وقع. — «تعبان…» هالمرّة ما كانت مجرد شبه. كان إحساس قوي، موجع، كأنه واحد من أهلها. رجع ذياب من بعيد: — «جاهزة؟» التفتت له، وبعدين رجعت بنظرها للمكان… فاضي. اختفى. وقفت مكانها، أنفاسها متلخبطة. ركبت السيارة وهي ساكتة. ذياب لاحظ: — «خير؟» هزت راسها: — «لا… بس حسّيت بشي.» لكن داخلها كانت تعرف: هذا مو إحساس عابر. هذا شخص يتألم بصمت، وقريب منهم أكثر مما يتصورون. عند أسيل كانت أسيل جالسة على طرف السرير، ضامّة ركبتها لصدرها، والهدوء حولها أثقل من الضجيج. يدها فوق بطنها بدون وعي، تحاول تهدّي الإحساس الغريب اللي صار يلازمها هالأيام. غثيان خفيف. صداع. تعب مو طبيعي. والأثقل من هذا كله… التفكير. من يوم شافت الجواز، وهي مو على بعضِها. تحاول تقنع نفسها إن الموضوع بسيط، بس قلبها ما يطاوعها. قالت بصوت منخفض: — «وش دخلني بكل هذا وأنا بهالحالة…» قامت بتعب، راحت للمطبخ، بس مجرد ريحة القهوة خلّت معدتها تنقلب. حطت يدها على فمها ورجعت بسرعة للحمام. جلست على الأرض، ظهرها على الجدار، أنفاسها متقطعة. دمعتها نزلت بدون ما تحس. — «يا رب…» مو بس تعب حمل. هذا تعب خوف. خوف على اللي في بطنها. وخوف من الحقيقة اللي تقترب منها غصب. رجعت للغرفة، انسدحت، وحاولت تنام. بس عقلها ما سكت. جاسم. الجواز. معتز. الأسماء تتلخبط براسها، وكل مرة تحاول توقف التفكير، يزيد. دخل مازن بهدوء، شافها بهالحالة. وقف عند الباب، صوته صار أهدى من العادة: — «أسيل… وش فيك؟» ما ردت على طول. بس دمعتها خانتها. قرب منها، جلس عندها: — «تعبانه؟» هزّت راسها: — «من كل شي… مو بس الحمل.» لاحظ يدها على بطنها، شدّ عليها بلطف. صوته فيه قلق واضح: — «لا تشيلين نفسك فوق طاقتها، أي شي مو واضح خلّيه لبعدين.» سكتت شوي، بعدين قالت: — «مازن… أحس إني قاعده أعرف شي مو مفروض أعرفه بهالوقت.» ناظرها، ما فهم، بس حس بثقل كلامها. — «أهم شي أنتِ والبيبي بخير.» ابتسمت ابتسامة ضعيفة. رجعت تحط يدها على بطنها وهمست: — «عشانك… لازم أكون أقوى.» لكن الحقيقة؟ أسيل كانت تحس إن العاصفة جاية، وهي واقفة بنصها… حامل، تعبانة، وقلبها مو مستعد يشيل صدمة ثانية. عند معتز كان معتز جالس بسيارته قدّام العمارة، المحرّك طافي، والليل يضغط عليه بثقله. عيونه معلّقة قدّامه بس فعليًا… ما كان يشوف شي. مدّ يده للدرج الجانبي مرة ثانية. فتح. فضى. سكّره بعصبية وفتح شنطته، قلبها قطعة قطعة، كأنه يدور على نفسه مو على جواز. — «مو معقول…» نزل من السيارة، رجع للشقة بخطوات سريعة، قلب المكان رأسًا على عقب. الكنب. الدرج. الملابس. حتى تحت السرير. ولا شي. وقف بنص الغرفة، صدرة يعلو ويهبط بقوة. إيده كانت ترجف. — «يعني حتى هذا… حتى الهروب ما قدرت عليه؟» ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة، ما فيها ذرة فرح. جلس على الأرض، ظهره على الجدار، ودفن وجهه بكفوفه. كان ناوي يهرب. مو لأنه جبان… بس لأنه ما عاد يقدر. كل طريق قدّامه ينتهي بنفس الشي: اعتراف. وجوه. أسئلة. خذلان. وفجأة، اسم واحد طرى على باله. عادل. شدّ نفسه وقام، مسح وجهه بيده كأنه يمسح تعب سنين. ركب السيارة وهو يقول بينه وبين نفسه: — «إذا الجواز مو عندي… ما فيه إلا هو.» عند عادل فتح عادل الباب وهو مستغرب، أول ما شاف معتز قدّامه بهالشكل فهم إن الموضوع مو بسيط. — «وش فيك؟ شكلك مو طبيعي.» ما رد معتز. دخل بخطوات ثقيلة، جلس، وبعد ثواني… انهار. انهار صدق. صوته طلع مبحوح: — «تعبت يا عادل… تعبت.» وقف عادل قدّامه، لأول مرة يشوفه بهالضعف: — «وش صاير؟» رفع معتز راسه، عيونه حمراء: — «جوازي… وينه؟» سكت عادل لحظة. هالسكوت كان كافي يوجّع. — «عندك، صح؟» تنهد عادل: — «إيه… عندي.» وقف معتز فجأة: — «عطني إياه.» عادل بثبات: — «لا.» هنا… انفجر. — «وش يعني لا؟! هذا حقي! أنا أبي أمشي! أبي أهرب!» قرب عادل منه، صوته قوي بس مو قاسي: — «وإلى متى؟ لروسيا؟ وبعدين؟ تهرب عشر سنين؟ عشرين؟ وتموت وانت مختفي؟» صرخ معتز: — «أهون من إني أوقف قدّامهم!» صوته انكسر فجأة. جلس مرة ثانية، ودفن راسه بين يدينه. — «أنا مو قوي مثل ما تتوقع… أنا كل يوم أمثل.» عادل جلس قدّامه: — «أنا مو عدوك يا معتز… أنا أبي أوقف هالهروب.» رفع معتز راسه، عيونه مليانة دموع: — «ما تفهم… لو عرفوا… لو شافوني…» — «وش أسوأ شي يصير؟» سكت. همس: — «إني أضيعهم مرة ثانية.» سكت عادل، وبصوت أهدى: — «يمكن… ويمكن تلقى نفسك.» مدّ عادل الجواز، حطه على الطاولة بس ما سلّمه. — «الجواز هنا… بس ما راح أعطيك إياه إلا لما تفكر بهدوء. مو وانت مكسور.» معتز ناظر للجواز، كأنه يناظر خلاصه ونهايته بنفس الوقت. دمعته نزلت، قال بصوت شبه مبحوح: — «أول مرة بحياتي… أحس إني تعبان لهالدرجة.» عادل بهدوء: — «لأنك طول عمرك تهرب… مو تعيش.» سكت معتز. والليل برا كان أطول من أي ليلة عاشها. وهو يدري… إن كل دقيقة تمر، تقرّبه من المواجهة اللي يخافها.