الفصل الخامس
ماجد
ماجد وهو ما زال ماسك الخاتم، قال بهدوء يخالطه تعب:
ماجد: بكرا إن شاء الله يستلمها.
سلطانه، تحاول تطمّنه:
سلطانه: على خير إن شاء الله.
عند معتز
سكر الخط وهو يحس إن قلبه كان بيطيح من مكانه. تنفّس براحة وقال بينه وبين نفسه:
كنت على وشك أفضح نفسي… زين لقيت مخرج.
دخل غرفته، طفى النور بدون ما يغير ملابسه، وارتمى على السرير. النوم أخذه بسرعة، كأنه يبي يهرب من التفكير.
في اليوم التالي – عند معتز
فتح عيونه مفزوع شوي، لفّ على الجوال وشاف الساعة: وحدة الظهر.
معتز: يوه… راحت عليّ نومة محترمة.
قام بتكاسل، توضّى وصلى، وبعدها أرسل لماجد إنه يبي يجي ياخذ الساعة. الرد جا سريع: تعال خذها.
لبس هودي أسود بنقوش رمادية، جينز كحلي، رش عطره، أخذ المفاتيح وطلع وهو يحاول يكون طبيعي، بس داخله مشدود.
عند أهل ماجد
أسيل ونوف والجوهرة كانوا بالغرفة، ضحكهم خفيف وهم يختارون فساتين وأساليب تناسب أسيل.
أما سلطانه فكانت جالسة بالصالة، مسترخية قدام مسلسلها.
رن جوالها.
سلطانه بابتسامة: هلا بفلذة كبدي.
ماجد (صوته فيه توتر): هلابك يمه، حبيت أقول لك إني بالطريق بس تعطلت سيارتي… والرجال جاي ياخذ ساعته، ومدري وش أسوي.
سلطانه بسرعة وحسم: بسم الله عليك، خلاص أنا أعطيه إياها، ما نحرجه.
ماجد: تمام.
قفلت الخط، قامت لغرفة ماجد، أخذت الساعة، تلثمت بالطرحة ووقفت تنتظر بالحوش.
عند معتز
وصل البيت واستغرب… ما فيه ولا سيارة. دق الباب، وجاه صوت حرمة:
– ادخل.
دخل، وانشدّ شوي لما شاف حرمة كبيرة بالعمر، ملامحها كلها أمومة وهيبة.
معتز باحترام: السلام عليكم يا خالتي، وين ماجد؟
سلطانه: وعليكم السلام… تعطلت سيارته، وأنا بعطيك الساعة.
مدّت له الساعة.
معتز أخذها وهو يحاول ما يطالع كثير: مشكورة.
طلع بهدوء.
سلطانه ظلت تناظره، نظرة طويلة فيها شي ما قدرت تفسره.
ومن شباك مجلس الرجال، البنات كانوا يتابعونه بصمت.
دخلت سلطانه الصالة وهي ساكته.
نوف: يمه وش فيك؟
سلطانه: ولا شي…
لكن قلبها ما كان مقتنع.
عند معتز
ركب سيارته وتوجه لمطعم، الجوع موجود بس التفكير أقوى.
قال لنفسه:
لقيتهم صدفة… ما كنت متوقع. بس تعبت… تعبت من هالحالة، من الهروب.
دخل المطعم، بس الأفكار ظلت معه.
عند مازن
كان يعيش فرحة ما بعدها فرحة، يجهز شقته بحماس.
أمه معه، تضحك من قلبها.
أمه: وأخيرًا يا ولدي شفتك عريس.
مازن: إي والله، مليت من العزوبية.
ضحكت وهي تدعي له.
وتمر الشهور بسرعة
وكل يوم عن يوم، سؤال الخاتم ما يفارق بيت ماجد: لمن؟ وكيف جاء؟
لين جاء اليوم المنتظر… عرس مازن وأسـيل.
عند أسيل
الكوافيرة تشتغل بهدوء.
أسيل: أبي ميكب خفيف… مو أوفر.
الكوافيرة: تمام، على ذوقك.
خواتها حولها، كل وحدة تجهز نفسها وهي تبتسم بفخر.
في الليل – بالقاعـة
القاعه كانت لوحة. كل وحدة تقول: الزين عندي.
الجوهرة لبست فستان بني ضيق يلمع بخفة، كتف مغطى والثاني طالع، حزام أسود، كعب أسود، ورفعت شعرها كعكة أنيقة.
نوف لبست فستان بنفسجي غامق، ماسك من فوق وواسع من تحت على موديل السمكة، أكمامه واسعة شبه شفافة، شعرها ناعم ومرتب.
نجود اختارت فستان أزرق فاتح، ماسك عند الخصر والصدر، واسع براحة، وشعرها ستريت بسيط.
أما أسيل… فكانت غير.
فستانها وردي فاتح جدًا، يكاد يكون أبيض، عاري الأكتاف. شعرها بتسريحة تبرز طوله، وميكب عرايس ناعم يبرز ملامحها الرقيقة. كانت هادية… بس تشع جمال.
عند الحريم
القاعه واسعة وفخمة، ألوانها ذهبي وأبيض.
بالوسط نافورة كبيرة وحولها نوافير صغيرة ترقص على الموسيقى.
طاولة حلويات تفتح النفس، ومنصة وفرقة حفلات جاهزة.
دخلت نجود والبنات وجلسوا مع بعض.
نجود: والله القاعة تجنن.
نوف: إي والله.
الجوهرة قربت من نجود وهمست:
الجوهرة: نجود بقول لك سالفة…
وحكت لها سالفة الخاتم.
نجود، عيونها توسعت:
نجود: مات؟ طيب والرسالة؟ وش كان يقصد اللي مرسلها؟
الجوهرة: مدري…
والسؤال بقى معلّق، مثل الخاتم… بدون جواب
عند الرجال
كانوا الضيوف يتوافدون واحد ورا الثاني، يسلمون على العريس ويباركون له. مازن جلس بمكانه، جنبه عمه، وعلى الجهة الثانية أبو أسيل. كان يحاول يبتسم للجميع، بس داخله شي ناقص.
قرب راكان منه وقال بصوت واطي:
راكان: مازن، معتز بيجي؟
مازن هز راسه بنفي: لا.
راكان باستغراب: ليه؟
مازن: مدري… يقول حضر الملكة وخلاص، العرس ما يبي.
الكلام وصل لسطام، قرب منهم وملامحه جدية:
سطام: ليه مو جاي؟
مازن: يا عمي اعتذر، يقول عنده ظرف طارئ.
سطام عقد حواجبه، واضح إنه مو مقتنع:
سطام: خويك، ليه ما يفضي نفسه لهاليوم؟
مازن تنهد: الصراحة يا عمي حتى أنا ما أدري وش سبب تغيره المفاجئ.
كان فراس يسمع، تدخل بهدوء:
فراس: مع الوقت بتعرفون.
سطام لف له: وش تقصد يا بو عادل؟
فراس: ما أقدر أقول… لأني أظن إنك ما عندك استعداد تنصدم.
سطام سكت: طيب.
وبعد دقائق، بدأت الزفة.
مازن قام وتوجه للفندق، قلبه يدق بسرعة غير طبيعية. فتح باب الشقة وهو مطأطئ راسه، أول ما رفعه… ما شاف إنسانة، شاف شي خطف عقله.
وقف مكانه ثواني، كأنه نسي كيف يتنفس. قرب منها، سلم عليها، وباس جبينها:
مازن: مبروك.
اسيل بصوت خافت بالكاد يُسمع: الله يبارك بعمرك.
ضمها له بابتسامة: يا عيني على المستحين.
اسيل احمر وجهها أكثر، واستحت من قربه.
عند معتز
كان جالس بحديقة، الهوا ساكن، والليل هادي، بس داخله عاصفة.
يفكر بمازن، ويكلم نفسه:
أنا آسف إني ما حضرت عرسك يا مازن… بس ما أقدر. فيه سبب أتمنى أنساه، أتمنى إني مت ولا سويته. مدري وين كان عقلي وقتها.
وسكت شوي، وصوته اختنق:
وآسف يا أسيل… آسف إني ما حضرت عرسك.
نزلت دمعة بدون ما يحس، مسحها بسرعة، ورفع راسه يتأمل النجوم، كأنه يدور بينها عن غفران.
عند البنات
كانوا جالسات على نفس الطاولة.
نوف: بنات؟
البنات مع بعض: نعم؟
نوف بابتسامة: وش رايكن نقوم نرقص؟
نجود بتعب: والله مالي خلق.
الجوهرة: يلا.
قامت الجوهرة مع نوف، وبدأن يرقصن بفرح، أما نجود ظلت جالسة، شاردة، تفكر بحياتها وكل اللي مرّ فيها.
مرت أحلى ليلة، كانت مختلفة على الجميع…
إلا شخص واحد، كانت ثقيلة عليه.
عند نجود – اليوم التالي
قامت بدري، سوت قهوة وشاي، ورتبتهم بالصالة. جلست تنتظر أبوها يصحى، قلبها يدق لأنها ناوية تفتح موضوع ما تدري إذا بيوافق عليه أو لا.
قام فراس، صلى، وبعدها جلس بالصالة:
فراس: صباح الخير.
نجود بابتسامة: صباح النور والسرور.
جلس يتقهوى، نجود أخذت نفس عميق:
نجود: يبه…
فراس: هلا.
نجود: خويتي من زمان ما شفتها، وعازمتني بالفندق أنا وكم وحدة من البنات.
فراس ابتسم: وكل هالتجهيز عشان أقتنع؟
نجود ضحكت: هه يبه الله يهديك، لا مو عشان كذا.
فراس: طيب، متى بتروحين؟
نجود: الساعة 12 الظهر، لأنها ما تقدر العصر.
فراس باستغراب: ومن يسوي عزايم الظهر؟
نجود: يبه تكفى، بس بكون عندها ساعة ونص بالكثير.
فراس: طيب.
فرحتها ما تنوصف، قامت على طول تتجهز. الساعة كانت 10، وهي تعرف إن تجهيزها أقل شي ساعتين.
عند معتز
صحى وهو حاس بتعب غريب. توضأ وصلى، بعدها فطر وأخذ بنادول. تذكر إن الثلاجة شبه فاضية، راح للسوبرماركت وصار يتقضى، بس تفكيره مو مع اللي بيده.
عند مازن
اسيل حاولت تقوم من السرير، بس مازن كان ماسكها، كأنه يخاف تهرب. بعد محاولات قدرت تقوم.
توضت وصلت، وبعدها وقفت قدام الثلاجة تفكر بالفطور. فجأة حسّت بذراعين يلفون خصرها من ورا، ورأس ينحط على كتفها. عرفت إنه مازن.
لفت له، مسكت يديه:
اسيل: وش مشتهي فطور؟
مازن مبتسم: إنتِ عروس، أنا بدلعك شهر كامل. لا مطبخ ولا شي. طلبت فطور من برا.
ابتسمت.
رفع دقنها وباس خدها:
مازن: بس بعد الفطور بنروح لشقتنا، أوكي؟
اسيل: أوكي.
راحت تجهز نفسها، وهو بعد.
لبست بنطلون أسود ضيق، وبلوزة أوفر سايز حمراء غامقة نص كم. سوت تسريحة ناعمة، قلوس شفاف، آيلاينر القطة، لبست نظارتها وطلعت.
مازن كان لابس جينز واسع شوي لونه زيتي، بلوزة سوداء ضيقة نص كم، وفوقها جاكيت بني، ومرجع شعره لورا.
أول ما شافها، انبهر، شالها على طول:
مازن: الله يحفظك من العين والحسد، ما شاء الله… تاخذين العقل.
اسيل بابتسامة: وإنت بعد.
مازن: الفطور وصل، وبعده بنروح لأمي نسلم عليها.
اسيل: طيب.
عند نجود
كانت بالطريق متجهة للفندق عند خويتها، جالسة مع راكان بالسيارة، تفكيرها مشتت بين الحماس والقلق.
راكان وهو يطالع الطريق: متى بترجعين؟
نجود بهدوء: ساعة ونص إن شاء الله.
راكان: طيب وصلنا.
نزلت نجود، ومشت بخطوات سريعة للمصعد. ضغطت الزر، وجا المصعد وكان فيه شخص داخل. دخلت ووقفت قريب الباب، تنتظر يوصل. فجأة توقف المصعد، وصار فيه هدوء ثقيل. انتظرت شوي، بس فريق الصيانة تأخر.
لفّت بدون قصد تشوف من معها… أول ما طاحت عيونها عليه حسّت بشي غريب، كأنها تعرفه، قلبها دق شوي، لكنها طنّشت وحاولت تتجاهل الإحساس.
عند معتز
كان بنفس المصعد. أول ما تعطل حس برجوله ما عاد تشيله. جلس على الأرض وأسند راسه، أنفاسه ثقيلة.
نجود التفتت له، وبدون ما تحس قالت: وش فيك؟
استوعبت نفسها بسرعة ولفّت وجهها.
معتز بصوت متعب: ما فيني شي.
حاول يقوم لأن الجلسة مو مريحة، بس فجأة اختل توازنه. فتح عيونه وتلاقت بنظرات نجود، كانت ماسكته ومسندته بدون تفكير.
معتز بسرعة: مشكورة… أقدر أمشي.
نجود بنبرة قلق: معتز، أنت ما تقدر. حرارتك مرتفعة، أتوقع معك حمى.
معتز بعناد: لا، بعيد الشر عني.
نجود: طيب، كم رقم شقتك؟
معتز: يا بنت الحلال أقدر أروح لحالي.
نجود بإصرار: أنا بوصلك.
تنهد معتز، حس إنه ما عنده طاقة يعاند: طيب… 114.
انفتح باب المصعد، وساعدته لين وصلته لشقته. وقفت شوي تتأكد إنه دخل، وبعدها راحت لشقة خويتها، بس بالها كله معه.
عند معتز
دخل الشقة ورمى نفسه على الكنب، ما عنده حيل حتى يوصل للسرير. انسدح وهو يحس بتعب مو طبيعي، جسمه ثقيل كأنه حجر. من كثر التعب غلبه النوم.
صحاه صوت جواله. رد بصوت مبحوح: هلا.
مازن بقلق واضح: وش فيك صوتك كذا؟
معتز: أنا تعبان.
مازن: طيب بجي عندك.
معتز بسرعة: لا ما يحتاج، خلك عند زوجتك… انتعر— كح كح.
مازن بحزم: لا، بجيك. واضح إنك تعبان.
معتز: مشكور.
وسكر الخط.
عند مازن
سلّم على أمه، وبعدها طلع لشقته ومعه أسيل.
مسكت يده: وين رايح؟
مازن: خويي تعبان، بروح أشوفه.
اسيل باستغراب: تروح ويدينك فاضية؟
مازن: إي.
اسيل بابتسامة: اجلس شوي، بسوي له شوربة.
مازن: طيب يلا.
راحت وسوت الشوربة، وأخذها معه. دخلوا عند معتز، وكان منسدح على الكنب. مازن قرب ولمس جبينه، حس بحرارته.
مازن: شكلك أمس طولت وانت طالع برا؟
معتز بتعب: إي والله طولت.
مازن: طيب كل من هالشوربة.
معتز: مالي نفس.
مازن: عشاني، إذا لي خاطر عندك.
معتز استسلم: طيب.
عدل جلسته وبدأ ياكل. فجأة ابتسم وقال:
معتز: مازن… هذي زوجتك اللي طبختها صح؟
مازن استغرب، خصوصًا من تغير مزاج خويه: إي، بس شلون عرفت؟
معتز: خمنت… لأن هالطبخ مستحيل يكون من برا.
مازن اقتنع، وهو يحس بالراحة إن خويه بدأ يتحسن شوي.
عند أسيل
كانت جالسة بغرفتها، الملل أخذها، وصارت تفكر بمازن ووين راح. وهي تفكر جاها اتصال من أمها.
اسيل بابتسامة: هلا بالغالية.
سلطانه: ياهلا يا بنتي، كيف شفتي مازن؟ عسى ما سوى لك شي.
اسيل بهدوء: لا يا يمه، تو ما صار شي، وما شفت منه إلا كل خير.
سلطانه: الحمد لله.
اسيل: يمه، عرفتوا شي عن سالفة الخاتم؟
سلطانه نزلت راسها: لا والله، ما لقينا صاحبه ولا خيط يوصلنا له.
اسيل: إن شاء الله تلقونه.
سلطانه: إن شاء الله.
قفلت الخط، وانسدحت أسيل على السرير، تفكيرها متشابك.
عند أهل أسيل
كانت سلطانه جالسة لحالها بالبيت. نوف والجوهرة أزواجهم أخذوهم، والبيت هادي.
دخل سطام وجلس جنبها:
سطام: يا سلطانه، أنتِ شفتي معتز ذاك اليوم اللي أعطيتيه الساعه صح؟
سلطانه باستغراب: إي، بس ليه تسأل؟
سطام: لأني حسّيته شخص غريب. يوم سلمت عليه بالملكة كان متوتر مرة، كأنه ما يبي يقابلني… أو بالأصح ما يبي يقابل أحد. والأغرب إن فراس يقول كلام غريب.
سلطانه: مثل وش؟
سطام: كنت أسأل مازن عنه، ومازن قال إن معتز تغير فجأة. وفراس سمعنا وقال: مع الوقت تعرفون… كأنه يعرف شي وما يبي يقوله.
سلطانه: والله حاجة غريبة. طيب، معتز ما حضر العرس؟
سطام: لا، بحجة إنه ما يبي… أو يقول مازن عنده ظرف طارئ.
سلطانه: يمكن صدق عنده ظرف.
سطام: مو مستنكر، بس ودي أعرف عنه أكثر… مدري ليه.
سلطانه تنهدت، وأسندت ظهرها: لأكون صريحة، يوم شفته حسّيت إني أبي أعرف من هو.
سطام: شفتي؟ مو بس أنا.
عند معتز
كان منسدح على الكنبة، جسمه ثقيل وكأن التعب مغروس فيه. أنفاسه متقطعة، وعيونه شبه مغمضة. مازن جالس جنبه، عيونه ما تفارقه، القلق واضح بكل حركة يسويها.
معتز بصوت واطي ومبحوح: يا مازن… خلاص روح، أقدر أقعد لحالي، لا تشقي نفسك عشاني.
مازن ناظر فيه بحدة ممزوجة خوف: وأخليك وانت كذا؟ معك حمى، شلون أتركك؟
معتز حاول يخفف الجو بابتسامة باهتة: ما عليك، بكرا تجي عندي إن شاء الله.
مازن تنهد، صدره ثقيل: بس قلبي ما يطاوعني.
معتز بنبرة حازمة رغم تعبه: ياخي أقدر أقعد لحالي.
مازن بعد صمت قصير: أكيد؟
معتز: إي.
مازن وهو يقوم: طيب… بس إذا احتجت شي أو حسيت بأي شي، اتصل علي فورًا.
معتز: إن شاء الله.
طلع مازن، وبقى معتز لحاله. حاول ينام، بس جسمه يرفض الراحة.
عند مازن
وصل البيت وسلم على أمه، جلس وهو شارد.
أمه لاحظت الشرود: يا ولدي وش فيك؟
مازن زفر: والله يا يمه خايف على خويي.
أمه قربت منه: وش فيه؟
مازن: تعبان… وما عنده أحد، لا أم ولا أب ولا حتى أخ.
أمه: تقصد معتز؟
مازن: إي.
أمه باستغراب: طيب وين أهله؟
مازن: يقول ماتوا… وكل ما حاولت أفتح الموضوع يتهرب ويسكر السالفة.
أمه بحنان: بعض الناس أوجاعهم أعمق من الكلام، لا تضغط عليه.
مازن: إن شاء الله.
راح لشقته. شاف أسيل نايمة قدام التلفزيون، الفيلم شغال والفشار مبعثر. ابتسم رغم قلقه. طفى التلفزيون بهدوء، شالها بحذر، حطها على السرير، شال نظارتها وغطاها. انسدح جنبها، بس النوم جافاه… تفكيره كله عند معتز، لين غلبه التعب.
في اليوم التالي – عند راكان وأهله
الفطور مجتمع، الجو عادي، بس سؤال فجائي قلب الجو.
فراس: يا راكان، وش تعرف عن معتز؟
راكان استغرب، نزل الأكل من يده: ليه تسأل عنه؟
فراس ببرود: لازم أبرر؟
راكان: لا، بس اللي أعرفه اسمه معتز، عمره تقريبًا 30 أو 31، وتعرفت عليه بالصدفة.
فراس: آها.
لف على صيته: وأنتِ شفتيه؟
صيته بكذب ثابت: لا.
قام فراس بدون تعليق، وترك وراه جو مشحون.
عند معتز
صحى وهو أسوأ من أمس. تعب مضاعف، جسده كأنه ينهار. توضأ وصلى، وبعدها رجع للسرير. فجأة ضربه ألم قوي بالبطن، مغص غير طبيعي، كأنه نار داخله. أنفاسه تسارعت، العرق تفجر، وحس إن روحه تطلع.
مسك جواله، يده ترتجف. اتصل… بدون ما يركز.
معتز بصوت متقطع: الحقني… أحس بموت… تعال.
الرد: طيب، وينك؟
معتز: تستغبي علي؟ أنا بالفندق الـ… تعا—
وسكت، الجوال طاح من يده.
عند ماجد
هو اللي انطلب بالغلط. قام بسرعة، قلبه انقبض. وهو طالع، أمه نادته.
سلطانه: وين رايح؟
ماجد: شوي وأرجع.
وصل الفندق، سأل عن الغرفة. فتح الباب ونادى: معتز؟
ما فيه رد. دخل، وشافه منسدح بلا حراك.
ماجد بخوف حقيقي: معتز!
قرب، ضرب خده بخفة: تسمعني؟
ولا حركة.
الخوف شلّه، بس تحرك بسرعة. شاله بصعوبة، جسمه ثقيل، أنفاسه ضعيفة. نزل فيه وطار على المستشفى. دخل الطوارئ، وجلس ينتظر، كل ثانية تمر عليه كأنها ساعة.
طلع الدكتور أخيرًا.
ماجد: طمني؟
الدكتور بجدية: كان بينه وبين الموت شعرة. تسمم، وجبتوه بالوقت المناسب. تعرف وش أكل أو شرب؟
ماجد: والله ما أدري.
الدكتور: هذا أخوك؟
ماجد كذب بدون تفكير: إي.
الدكتور: الله يخليكم لبعض.
راح الدكتور، وماجد تمتم: غبي… ليه قلت كذا؟
دخل عليه، وهو طالع سمع حركة. شاف معتز فتح عيونه.
معتز بصوت ضعيف: وين مازن؟
ماجد: مو موجود.
معتز: شكلي دقيت عليك بالغلط؟
ماجد: إي.
معتز: يعطيك العافية.
ماجد: الله يعافيك.
وقف، وبنبرة حريصة:
ماجد: أكلت أو شربت شي أمس؟
معتز: طلبت أكل، وجابه لي موظف الفندق.
ماجد: طيب.
طلع.
معتز انسدح، يفكر فيه، وقال بصمت: والله إنه كفو.
عند ماجد
طلع من المستشفى، رجع للفندق، وفجأة شاف رافع طالع. الدم غلى بعروقه.
ماجد بنبرة مشدودة: وش سويت لمعتز؟
رافع بسخرية: وانت من؟
ماجد: ما عرفتني؟
رافع: إي، اللي دافع عنه، والحين ترد المعروف.
ماجد مسكه من ياقته، صوته يرتجف غضب: أنت اللي سممته؟
رافع ببرود: إي.
ماجد ضربه بقوة، طيحه أرض.
رافع مسك خده: وانت من عشان تساعده؟
ماجد بتهديد صادق: هالمرة بخليك، بس لو قربت له مرة ثانية… أنت بنفسك بتعلن نهايتك.
مشى.
رافع تمتم: تساعده وانت ما تدري من هو… مسكين.
عند ماجد – بالطريق
يسوق وهو ضايع. صدره مشدود، أفكاره متشابكة.
قال لنفسه: ليه عصبت؟ عشان أرد معروف؟
وسكت لحظة…
ولا عشان شي ثاني ما له تفسير؟
عند مازن
صحى من النوم، جسمه مرتاح لكن باله مشغول. قام توضأ وصلى، وبعدها راح للصالة. شاف أسيل قدامه، كانت توها مخلصة تجهيز الفطور، ريحة القهوة تملأ المكان. جلس عندها وبدأ يفطر بهدوء.
أسيل بعد تردد: مازن… بقول لك شي.
مازن رفع عيونه لها بابتسامة هادية: تفضلي.
أسيل أخذت نفس طويل، كأنها ترتب الكلام داخلها: تدري إن عندي أخ غير ماجد؟
مازن وقف لقمة الفطور، رفع راسه مستغرب: صدق؟ وينه؟
أسيل تنهدت، التنهد كان ثقيل: طيب… بقول لك سالفته.
وبدأت تحكي له قصة جاسم من البداية للنهاية، كل التفاصيل، كل الوجع، حتى سالفة الرسالة.
مازن بعد ما خلصت: آها…
أسيل بنبرة فيها حسرة: تدري؟ كنت أتمنى يحضر عرسي وملكتي.
مازن: طيب… كيف صرتوا بعد ما راح عنكم؟
أسيل نزلت عيونها: كل واحد كان له حاله. أنا كنت مقهورة من اللي سواه، لدرجة كان ودي أقتله. أمي قالت له ما راح تسامحه، وأبوي كان يعصب لو أحد جاب طاريه.
سكتت لحظة، ثم كملت بصوت أخف:
أما ماجد… حالته كانت غير. كان يعصب بس مجرد يتذكره أو يشوف شي له.
أخذت نفس عميق: وبعد سنتين… لما جتنا الرسالة، كلنا انصدمنا. كل واحد فينا رجع له وجعه. أمي صارت تسهر الليل من الحزن وتدعي له، أبوي ترك الأكل والشرب، وحنا نغصبه غصب. ماجد انصدم لدرجة إنه أجّل عرسه، والرسالة كانت قبل عرسه بأسبوع. وأنا وخواتي عفنا الطلعات… وكل تفكيرنا فيه.
مازن بصوت حزين: الله يرحمه.
أسيل ما قدرت تمسك دموعها، نزلت على خدها ومسحتها بسرعة.
مازن قام وقرب منها ومسح دمعتها بحنان: لا تكبين دموعك… غالية عندي.
أسيل استحت، نزلت راسها.
مازن: والحين خلاص، ادعي له بالرحمة.
أسيل: طيب.
مازن بابتسامة: يا حبيبتي، أنا بروح شوي وأرجع إن شاء الله.
أسيل بدلع خفيف: بس لا تتطول علي.
مازن: لا إن شاء الله.
طلع، وأسـيل جلست ترتب وتسلّي نفسها، بس عقلها ما وقف.
عند معتز
طلع من المستشفى، راح للفندق. أول ما دخل راح للاستقبال ودفع زيادة عشان يمدد جلسته بالشقة. طلع لها، دخل، وأقفل الباب.
صار حذر بشكل مبالغ فيه. ما عاد يطلب أكل من برا. صار يطبخ لنفسه. وهو واقف بالمطبخ، يقلب القدر، أفكاره تقلب أكثر.
قال لنفسه:
تعبت من إني مختفي… متى أعترف بالحقيقة؟ إلى متى وأنا كاتمها؟ والله ما عندي استعداد أقول لهم… بس وشلون أصارحهم؟
وقف، حس بثقل في صدره، وكمل طبخه بصمت.
عند ماجد
كان جالس بكوفي هادي، يرتب أفكاره، وبالصدفة شاف راكان داخل. تلاقوا، وجا راكان وجلس عنده.
ماجد: يالله حيه.
راكان: الله يحييك.
ماجد بعد تردد: بما إنك جيت… بسألك.
راكان: هلا.
ماجد طلع الخاتم، مدّه له: تعرفه؟
راكان قلبه بين أصابعه، ناظر فيه بتركيز: لا والله… ما عندي أدنى فكرة. اللي أعرفه إنه خاتم، بس لمن؟ مدري.
ماجد أخذه منه: تذكر يوم ملكة مازن؟
راكان: إي.
ماجد: لقاه يزن… وهذا الخاتم لجاسم.
راكان انصدم: يعني هو حي؟
ماجد: عن هذي ما أدري، بس الخاتم يثبت إنه حضر العزيمة، ومحد عرفه.
راكان: كلامك منطقي… بس تتوقع من هو؟
ماجد: وهذا اللي مخليني ضايع، ما لقيت جواب.
راكان مسح على دقنه: يعني كان بيننا… لا تكلم، ولا شكك بنفسه.
ماجد بصوت منخفض: تدري وش أكثر شي مخوفني؟
راكان: وش؟
ماجد أخذ نفس طويل: خايف إنه… مازن.
راكان بفزع: لا، طول بالك! مستحيل! شلون يتزوج أخته؟
ماجد: وهذا خوفي… إنه احتمال ما عرفنا.
راكان: ماجد، تستهبل؟
ماجد: لا والله.
راكان: لا إن شاء الله.
ماجد: الله يسمع منك.
عند نجود
كانت جالسة بغرفتها، جنبها تغريد، يسولفن وهم يرتبون.
تغريد: نجود، وش تفكرين فيه؟
نجود: أفكر بجاسم.
تغريد باستغراب: غريبة… ما كرهتيه؟
نجود أخذت نفس طويل: بالبداية زعلت عليه، بس لما وصلت الرسالة حسّيت بطعم الفقد. حاولت أنساه، بس ما قدرت. اكتشفت إني ما أحبه بس… أنا مغرمة فيه.
تغريد: يعني لو جاك وقال ندمان، تسامحينه؟
نجود بدون تردد: أكيد. أنا مسامحته قبل يقول آسف.
تغريد: بس الله يرحمه.
نجود مسحت دمعتها: تغريد… حسّيت معتز يشبهه، وقلت ممكن نتوافق، بس للأسف رفض الزواج. ما ألومه… أكيد متعلق بزوجته الأولى.
تغريد بابتسامة حزينة: خلاص… بكيتيني معاك.
عند أسيل ومازن
وصل مازن للشقة بهدوء، دخل وكانت الشقة ساكنة. لمح باب الغرفة مفتوح شوي، عرف إن أسيل نايمة. دخل الغرفة بهدوء وهو يدور على شي، عيونه تمسح المكان بقلق واضح.
أسيل تحركت وصحت من النوم، بصوت ناعس: متى جيت؟
مازن: توني… بس يا حبيبتي شفتي خاتمي وينه؟
أسيل فتحت عيونها على آخرها، النوم طار فجأة: خاتمك؟ ومن متى وهو ضايع؟
مازن بضيق: أفف… مدري وينه، إلا أنا ضيعته يوم ملكتنا.
الكلمة نزلت على أسيل مثل الصدمة. ما علّقت، قامت بسرعة وطلعت من الغرفة، دخلت غرفة ثانية تحاول تستوعب اللي سمعته، عقلها يدور، وقلبها يخفق بقوة.
أما مازن فبقى يدور، يقلب الأدراج، يفتح الخزائن، وكل دقيقة يزيد توتره.
أسيل مسكت جوالها، يدها ترتجف، واتصلت على أمها.
سلطانه: هلا.
أسيل بتلعثم: يـمـه… الخـاتـم… مازن يدور عليه.
سلطانه بفزع: بسم الله عليك يا بنتي، أي خاتم؟ وشلون ضاع؟
أسيل: يقول فاقده من يوم ملكتنا.
سلطانه بنبرة مصدومة: نعم؟! تمزحين؟
أسيل: لا يا يمه، ما أمزح… أنا مصدومة أكثر منك.
سكتت سلطانه لحظة ثم قالت بحزم: ما ينفع تقعدين معاه، لمّي أغراضك، وماجد الحين يجي ياخذك.
أسيل: طيب.
قفلت المكالمة، دخلت بدلت ملابسها بسرعة، لبست فستان واسع، دخلت الغرفة.
مازن شافها، قرب منها يبي يضمها، لكن أسيل دفّته عنها بقوة: ابعد عني، ما يصلح تسوي كذا.
مازن باستغراب: وش قصدك؟
أسيل بنبرة حادة: تستغبي؟ مسوي نفسك ما تدري؟ أقول أنا مالي جلسة بالبيت ذا.
مازن مسك يدها بقلق: أسيل فهميني، وش فيك؟ وش السالفة؟
أسيل سحبت يدها بقوة، وحطت أغراضها بالشنطة، ومازن واقف مكانه، مصدوم، يحاول يفهم وش قاعد يصير.
عند سلطانه
راحت للصالة، كان موجود سطام وماجد. جلست وهي متوترة.
سلطانه: سطام.
سطام: هلا.
سلطانه: أسيل تقول مازن يدور خاتمه اللي ضاع يوم ملكتهم.
سطام عدل جلسته بصدمة: نعم؟!
ماجد لنفسه، بصوت منخفض: لا… اللي كنت خايف منه صار.
ماجد: يمه، وأسـيل وش فيها؟
سلطانه: روح جبها من عنده.
ماجد فز على طول وطلع.
سطام: سلطانه فهميني.
سلطانه: تقول ضاع منه من يوم الملكة، وإلى الحين يدور عليه.
سطام بانفعال: وأنا زوجت بنتي أخوها؟ لا… لا مستحيل.
سلطانه بحيرة: والله مدري كيف صار كذا.
عند معتز
كان يتغدى، باله مرتاح، ولا على باله شي. فجأة جا اتصال.
معتز: هلا مازن.
مازن بصوت متوتر: معتز الحق علي.
معتز بفزع: بسم الله، وش فيك؟
مازن: زوجتي فجأة وبدون سبب واضح قررت ترجع بيت أهلها… وش أسوي؟
معتز: اسمع، أنا جايك بالطريق، خلني أفهم منك السالفة.
مازن: إي بالله تعال.
قفل معتز، قام بسرعة، بدّل ملابسه، أخذ مفاتيح سيارته وتوجه لبيت مازن.
وصل وسمع صوتهم وهم يتكلمون.
مازن: يا ماجد وش فيك؟ وش السالفة؟
ماجد بعصبية: تفهم بعدين! إلا أنت شلون تخطبها؟ شلون ما يجوز يا مازن… أو يا صاحب الاسم الجديد.
مازن باستغراب: ماجد، وش قاعد تقول؟
ماجد: فيه أحد يتزوج أخته؟
مازن فتح عيونه بذهول: ها؟ أخته؟ أنا ما عندي خوات أصلاً.
ماجد بانفعال: تستغبي؟ جايب وحدة من مدري وين، وقلت لها تسوي نفسها أمك عشان تلعب لعبة وسخة زي وجهك.
مازن بانفعال صادق: يا ماجد، أقسم بالله العظيم إني ما سويت الحركة البايخة هذي.
دخل معتز بسرعة: ماجد، ليه تتسرع؟ ما فهمت سالفة الخاتم اللي ضيعه.
مازن وماجد بنفس الوقت: وانت وش عرفك عن الخاتم؟
معتز توهق لحظة، ثم قال بثبات: لأن مو لازم. مازن خاتمه ضاع بشقته يوم كان يأثثها. لو كان ضاع عندكم، ما تعب نفسه ولا راح يدور، كان على طول اتصل عليك وسألك.
ماجد وقف يفكر، الكلام دخل راسه، وكان منطقي.
ماجد: صح… معك حق.
مازن برجاء: ماجد، أقنعها بالله عليك.
ماجد: ما عليك، دقايق وأقنعها إن شاء الله.
ركب سيارته وراح عند أسيل.
مازن التفت لمعتز بامتنان: الله يفرج عليك زي ما فرجت عني.
معتز: آمين.
عند ماجد
ركب السيارة وهو يحاول يهدي نفسه، ناظر أسيل وقال بنبرة هادئة: سوسو، افهمي مني الكلام.
أسيل: هلا.
بدأ ماجد يشرح لها نفس الكلام اللي قاله معتز، كلمة كلمة، وهو يراقب ملامحها. مع كل جملة، التوتر اللي كان بداخلها يخف شوي شوي.
أسيل بتنهد: إي والله صدق… أجل أنا تسرعت.
ماجد: زين إن معتز جا بالوقت المناسب وقال لنا هالكلام، ولا لا سمح الله كان صارت مشكلة كبيرة.
أسيل: طيب… بودي أغراضي للشقة.
رجعت أسيل للشقة، ومازن ساعدها يرجعون أغراضها، وكلهم يحسون بثقل الموقف اللي صار وكيف كان ممكن يكبر أكثر.
ماجد التفت، شاف معتز يبي يروح، ناداه.
معتز لف عليه: هلا.
ماجد: بسألك.
معتز: ها؟
طلع له الخاتم ومده له: مرّ عليك؟
معتز ناظره شوي ثم قال: لا… بس انت من وين جبته؟
ماجد: لقيته طايح عند المغاسل.
معتز: آها.
سكت ماجد لحظة، ثم قال بنبرة فيها حيرة حقيقية: بس عندي سؤال محيرني.
معتز: تفضل.
ماجد: شلون عرفت بسالفة الخاتم اللي لقيناه عند المغاسل؟
معتز شبك يده على صدره وقال بصراحة: سمعتك يوم كنت تكلم راكان بالكوفي. مريت من عندكم، وأنتم ما انتبهتوا لي لأني كنت لابس قبعة وبلفر.
ماجد: آها… خلاص، ما أبي أطول عليك. مع السلامة.
راح كل واحد بطريقه.
معتز ساق سيارته بهدوء، أفكاره تتصارع براسه: كل ما سكت، تكبر السالفة… ويبدون يشكون باللي حولهم. بس شلون أقول لهم؟ شلون أواجههم بالحقيقة؟
وقف عند أقرب حديقة، نزل وجلس بين الأشجار. كان يحب هالأماكن، يحس إنها تعطيه نفس عميق وراحة مؤقتة يفكر فيها بعيد عن الناس.
عند مازن وأسـيل
مازن: يا أسيل ليش ما قلتي لي السالفة؟
أسيل: لأني انصدمت… ما قدرت أفكر.
مازن: يعني بالمنطق، فيه أحد يتزوج أخته؟ كان فكرتي فيها شوي.
أسيل بخجل: صراحة إي… أنا تسرعت. بس هالخاتم وش سالفته؟
مازن: اسمعي مني للنهاية، تمام؟
أسيل: أوكي.
مازن: الصراحة الخاتم أنا ضيعته عند أمي، ولما سألتها عنه قالت حطته بالشقة. وأنا تعجزت أدوره، واليوم طرا على بالي.
أسيل: يعني الخاتم اللي عند المغاسل ما تدري وش سالفته؟
مازن: لا والله… أصلاً أول مرة أسمع فيه.
أسيل: آها… أنا آسفة.
مازن باستغراب لطيف: على وش؟
أسيل: على إني تسرعت وكدت أخرب علاقتنا.
قرب منها، جلس جنبها ومسك يدها بلطف: يعني تتوقعين إني زعلت منك؟ شلون أزعل من وردتي؟
أسيل استحت ونزلت راسها: خلاص، كلام غزل… والله أستحي.
مازن بابتسامة: يا عيني على اللي يستحون.
عند ماجد
وصل عند أهله، وجلس يشرح لهم كل اللي صار.
سلطانه براحة: آها، الحمد لله عدّت على خير.
سطام: طيب يا سلطانه، أنا بعزم أخوي أبو عادل العصر، أبي أفهم منه شي.
سلطانه: على راحتك.
وبالفعل، عزم سطام فراس للعصر.
عند معتز
كان جالس بالحديقة، مستغرق بأفكاره، فجأة سمع صوت طفل يلعب وراه. لف، وشاف طفل عيونه مليانة دموع.
الطفل بصوت مكسور: وين ماما؟
معتز: والله ما أدري وينها.
الطفل: أبي ماما…
وبكى.
معتز شاله بدون تفكير، وصار يدور فيه بالحديقة، ينادي، يلف المكان. بعد فترة تعب وجلس.
فجأة سمع صوت امرأة: يا ولدي تعال.
الطفل نزل من حضنه وركض لها: ماما!
معتز ارتاح قلبه، توجه لسيارته.
وقبل يركب، سمع الطفل يناديه.
معتز رجع وجلس عنده: ها؟
الطفل: ماما تقول لك شكراً.
معتز بابتسامة هادئة: العفو يا حبيبي.
الطفل: انت تشبه خالي اللي مدري وين راح.
معتز باستغراب: أنا؟
الطفل: إي… بس خالي هذاك مات.
معتز حس بوخزة بقلبه، لكنه تمالك نفسه: طيب روح عند أمك، أنا بروح.
وتفرقوا.
عند عائلة الطفل
وبالصدفة، كانوا الجوهره وذياب وابنهم فهد.
الجوهره تمشي جنب فهد، وذياب قدامهم.
الجوهره: فهودي، وش قلت لذاك الرجال؟
فهد: قلت له ماما تقول لك شكراً، وبعدين قلت له يشبه خالي اللي راح مدري وين.
الجوهره: آها… بس يا حبيبي مرة ثانية تقول شكراً وبس.
فهد: طيب.
كملوا مشيهم، أخذوا عصير وشيبسات، جلسوا. فهد يلعب، والجوهره عقلها بعيد، وكأن كلمة الطفل علقت براسها.
عند مازن
كان بالمطبخ يطبخ لأنه مشتاق يطبخ بنفسه.
أسيل كانت واقفة تراقبه. انتبهت إن أزرار بلوزته الثلاثة الأولى مفتوحة، وصدره باين. استحت، لكن عيونها خانتها.
بدأت تتأمله بدون ما تحس: جسمه المرتب، شعره غير المرتب لكنه طالع عليه بشكل جذاب، أنفه المحدد، دقنه البارزة، والعوارض اللي توها طالعة.
قطع تأملها صوته: حبيبتي بالله جيبي الملح.
حست كأن أحد كب عليها موية باردة. راحت بسرعة، جابت الملح ومدته له.
مازن: وش فيك؟ ساكتة. بالعاده تسولفين.
أسيل: صح… بس خلصت سوالفي.
مازن بابتسامة: آها… عشان كذا.
العصر – بيت سطام
وصل فراس، سلم وجلس بالمجلس. الجو كان هادئ ظاهريًا، لكن تحته توتر خفيف. ماجد قام يقهوي عمه ويرحب فيه، يحاول يكسر الجمود.
سطام بابتسامة رسمية: يا هلا بأبو عادل.
فراس: يا هلا بك، شخبارك؟
سطام: الحمد لله بخير… دامك بخير. انت شلونك؟
فراس: بخير دامك بخير.
سكتوا لحظة، ما يُسمع غير صوت الفناجين.
سطام تنهد بعمق، واضح إنه متردد كيف يفتح الموضوع: يا فراس… ودي أسألك عن شي، بس أتمنى ما تجاوبني بألغاز.
فراس حط الفنجان بهدوء، نزل صوته شوي: إن شاء الله.
سطام: ذاك اليوم بعرس مازن… وش كنت تقصد؟ للحين ما فهمت عليك.
فراس ابتسم ابتسامة خفيفة، وناظر للجدار كأنه يهرب من العيون: والله يا أبو ماجد… ما أتوقع إنك مستعد تعرف.
سطام شد جلسته، نبرته صارت أثقل: لا… مستعد.
فراس: طيب، أنا ما راح أقولك مباشرة، بس بقولك بطريقة… وإن شاء الله تفهم.
سطام تنهد، واضح عليه الضيق من هالأسلوب: طيب.
فراس: الخاتم اللي عند المغاسل… أنا شفت صاحبه بنفسه يطيحه هناك. وأتوقع إن بحركته كان يقصد يوصل لكم رسالة، إنه بينكم… أو موجود غصبًا عنه.
سطام ناظر له بحدة: أفهم من كلامك إنك تعرفه؟ وما تبي تعلّم؟
فراس بدون تردد: بالضبط. أنا أبيه هو اللي يجي ويعترف لكم.
سطام: طيب… أنا سلمت عليه؟
فراس بنبرة غامضة: الله أعلم. أنا ما أبي ألمّح من هو.
سطام حط يده على ركبته، يكتم عصبيته: يا ربي… كل مرة لغز أصعب من الثاني.
ثم قال: طيب يا فراس، أبي منك تكلمه وتقول له إن أهله مسامحينه، ومستعدين يستقبلونه.
فراس بعد صمت قصير: إن شاء الله.
عند نجود
كانت تسوي قهوتها، عقلها مو معها. تفكيرها كله بمعتز.
ليش ما يبي يتزوجني؟ أنا مستعدة… ليه هو لا؟ أكيد عنده سبب، بس وش؟
حاولت تقنع نفسها: يمكن المهر؟ لا… مو سبب منطقي.
خلصت قهوتها، شربتها، لبست ملابس الرياضة كنوع من الهروب. رفعت شعرها ذيل حصان، حطت ربطة، اكتفت بروج خفيف.
لبست عبايتها وراحت للنادي، تحاول تطلع اللي بقلبها بالتمرين.
عند معتز
كان منسدح، قميصه مفتوح، عضلاته باينة، لكن باله بعيد جدًا.
تعبت من كتم الحقيقة… أشوف الناس تفرح بأهلها وأنا أعرف وينهم، بس ما أقدر أروح.
بدأ الصراع داخله يزيد:
أحس إني سويت ذنب كبير… شلون يستقبلوني؟ ببرود؟ بطرد؟ بإهانة؟
غمض عيونه: بس اشتقت لهم… اشتقت لأمي، لحضنها، لضحكتها.
أبي أروح لأبوي وأقول له إني كنت أبي أمان… أبي أخوي يكون سندي، أبي خواتي، الضحك، السهر، كل شي… بس كل شي تغير.
نزلت دمعة، مسحها بسرعة، عدل نفسه وقام يسوي أكل.
وهو يطبخ، جاء اتصال، حطه على مكبر الصوت:
معتز: هلا راكان.
راكان: معتز فاضي؟
معتز وهو يدور القدر: تقريبًا.
راكان: تقدر تجي بعد المغرب؟
معتز بعد ما حط القدر على النار: إي إن شاء الله… بس ليه؟
راكان بعد نفس عميق: الصراحة… أبوي يبي يتكلم معاك شخصيًا.
معتز وقف مكانه، ناظر الجوال: نعم؟ عد كلامك، ما سمعتك.
راكان: أبوي يبي يتكلم معاك شخصيًا.
معتز داخله صرخ: لا يا ربي لا.
قال: طيب… بس ليه؟
راكان: والله مدري، قالي أكلمك وما سألته.
معتز تردد، الفضول غلبه: طيب إن شاء الله أجي.
سكر الخط، تمتم: أنا وش سويت؟ ليه وافقت؟ يا ربي إن شاء الله خير.
كمل أكله وهو كل شوي يناظر الساعة. الوقت يركض.
أخذ شور، لبس سروال جلد أسود، بلوزة بيضا أنيقة، جكيت بني غامق، مشط شعره ورش عطره.
ناظر نفسه بالمراية بإعجاب خفيف، ثم طلع صلى المغرب، بعدها توجه لراكان.
بيت سطام
بعد صلاة المغرب، رجع سطام وماجد للبيت.
سلطانه وهي تصب القهوة: وش قال لك فراس؟
سطام أخذ الفنجان وتنهد: والله… قال لغز ثاني زاد حيرتي.
سلطانه: وش هو؟
سطام: اسمعي…
بيت فراس
وصل معتز، دخل وهو متردد. جلس بالمجلس بعد ما سلم.
فراس: يا هلا بمعتز.
معتز: يا هلا.
فراس ناظره نظرة طويلة، خلت معتز ما يرتاح.
فراس: بسألك، وأتمنى تكون صريح معي.
معتز حس برجفة بيده: طيب… إن شاء الله.
بيت سطام
سلطانه بقلق: يعني هو يعرفه؟
سطام: إي… ولدي كان موجود، مو ميت، وأنا ما عرفته. معقولة تغيّر لهالدرجة؟
عيون سلطانه لمعت بالدموع: يعني الرسالة كانت كذب؟ وولدنا حي؟
سطام بصوت منخفض: إي يا سلطانه… وأنا نفسي مو مصدق.
سلطانه رفعت يدينها وتدعي بحرقة:
يارب رد لي ضناي، وأشوفه بأقرب وقت، ويكون معافى، ما فيه شي.
بيت فراس
قال فراس بهدوء ثقيل:
فراس: ها… جاوب.
(قال له جملة قصيرة، معناها كبير، لكنها كانت مبهمة كأنها سهم دخل صدر معتز بدون صوت)
معتز ارتبك، عيونه اتسعت:
معتز: لا يا عمي… انت وش قاعد تقول؟
فراس قرب بجسمه للأمام، نبرته صارت أعمق:
فراس: إلى متى وانت كذا؟ مختفي… وهربان لروسيا؟
معتز لف بوجهه لا شعوريًا على راكان، اللي كان مصدوم، عيونه بين الاثنين، حاول معتز يبرر بسرعة:
معتز: يا عمي أنا مو هربان بالعكـ…
قاطعه فراس بحدة مكبوتة:
فراس: لا تكذب علي، أنا عارفك زين.
معتز حس إن صدره ضاق، أنفاسه صارت ثقيلة:
معتز: يا عمي… أنا مدري وش تقول ولا مدري وش تقصد بسؤالك.
فراس:
فراس: طيب… تبيني أقول لك وش عندي؟
معتز خاف… مو على نفسه، على الحقيقة إذا طلعت قدام راكان:
معتز: يا عمي… ودي إننا نسولف بيننا.
راكان فهم، قام بهدوء احترامًا، وطلع من المجلس وهو للحين مو مستوعب اللي قاعد يصير.
جلس فراس ومعتز لحالهم.
فراس:
فراس: ها… للحين ما تبي تقول؟
معتز حس إن الجدار اللي بناه حول نفسه انهار، تنهد بعمق، وصوته طلع مكسور:
معتز: يا عمي… انت صدقت بكل كلمة قلتها قبل شوي… بس أنا مدري كيف أصارحهم، شلون أقول لهم؟
فراس ارتخى لأول مرة، نبرته هدّت:
فراس: أخيرًا اعترفت.
معتز:
معتز: إي… من زمان وأنا كاتم هالشي بداخلي. انت كشفتني مدري كيف… بس أمنتك، لا تقول لأحد. أنا أبي أختار الوقت المناسب.
فراس ابتسم ابتسامة فيها فهم أكثر من حكم:
فراس: طيب… على راحتك.
عند نجود
رجعت من النادي، جسدها متعب وقلبها أثقل.
دخلت غرفتها، أخذت شور سريع، تطفي حرارة جسمها وتفكيرها.
طلعت والمنشفة على راسها، شافت راكان جالس بالصالة.
استغربت:
نجود: راكان؟ مو المفروض تكون عند الرجال؟
راكان متكتف، ملامحه مشدودة:
راكان: ببساطة… انطردت بطريقة محترمة.
نجود حاولت تكتم ضحكتها:
نجود: طيب عادي، طول بالك. من اللي جاي؟
راكان:
راكان: معتز.
نجود رفعت حاجبها باستغراب:
نجود: وابوي يسولف معاه؟
راكان:
راكان: إي… وهو اللي طلب مني أعزمه. وآخرتها أنا اللي طلعت. مدري ليه.
نجود سكتت، بس قلبها دق أسرع.
بيت سطام
سطام كان يمشي بالمجلس، تفكيره مشتت.
هل فراس بيكلمه؟ ولا لا؟
أذن العشاء، صلى، رجع واتصل.
فراس: هلا.
سطام: كلمته؟
فراس: لا… بس بكلمه بعد شوي إن شاء الله.
سطام: وليه التأخير؟
فراس: وش فيك مستعجل؟ العجلة من الشيطان.
سطام: بس أنا مشتاق له… عشان كذا.
فراس: طيب، توصي على شي؟
سطام: لا، سلامتك.
سكر، وقلبه ما هدأ.
بيت مازن وأسـيل (البيت الدافئ)
بعد عشا هادي، وضحك خفيف.
مازن: حبيبتي، كم تقيمين الطبخة؟
أسيل: عشرة من عشرة، تجنن.
قبل ما يكمل كلامه، جاه اتصال.
مازن: هلا عزوز.
معتز: مازن… ودي أجي عندك، متضايق وأبي أفرفش إذا فاضي.
مازن: أبد، حياك الله.
معتز: مسافة الطريق وأكون عندك.
مازن لف على أسيل:
مازن: خويي بيجي، ودّي تسوين شاي.
أسيل: أبشر.
عند معتز
كان يسوق، الدموع تنزل غصب.
كل ما حاول يمنعها، العبرة تخنقه أكثر.
وصل، مسح وجهه بسرعة، وقف قدام الباب ورن.
دخل، جلس ساكت.
مازن صب له شاي ومده له، بس معتز كان بعالم ثاني.
مازن: تفضل.
انتبه معتز متأخر، أخذ الكاسة.
مازن لاحظ ثقل الصمت:
مازن: وش فيك؟
معتز بصوت مكسور:
معتز: يا مازن… أنا أذنبت ذنب كبير. كيف أصارح أهل ماجد؟ خصوصًا الأم والأب؟
مازن:
مازن: وش هو؟
معتز:
معتز: بعدين… الحين أبي أنسى.
مازن احترم رغبته:
مازن: طيب، على راحتك.
بيت فراس – عند نجود
كانت تطبخ عشاها الخاص بالدايت، الأغنية شغالة: «آه يا لندن»
وصلت عند:
«ما وحشته؟ ما طرى اسمي بباله»
وقفت.
الكلمة ضربتها.
كأنها أنا…
أنا كل يوم أشتاق له أكثر… وأتألم أكثر.
كملت طبخها، صوت الأغنية مع قلبها.
بيت مازن
كانت الشقة ساكنة… سكون غريب يضغط على الصدر.
أسيل واقفة بنص المجلس، المكنسة بيدها، لكن عيونها ما كانت تشوف الأرض.
شي على السجاد شد انتباهها.
انحنت بهدوء…
جواز سفر.
مسكته وهي تضحك ضحكة خفيفة، ضحكة استغراب:
«أكيد حق واحد من الشباب…»
فتحته بلا تفكير.
أول صفحة.
الاسم ضربها مثل الصفعة.
جاسم سطام الـ…
اختفى الصوت من حولها.
حتى أنفاسها صارت ثقيلة، متقطعة.
جلست على الأرض بدون ما تحس، ظهرها لاصق بالكنب، والجواز بين يدينها كأنه شي يحرق.
مو معقول…
هذا اسم أخوي…
قلبها دق بقوة، مرة وحدة، بعدها صار يضرب بلا نظام.
فتحت الصفحة الثانية، تدور على شي ينقذها من اللي قاعد يصير… تاريخ، صورة، أي شي يكذب الاسم.
لكن الحقيقة كانت هناك، واضحة، ما تحاول تختبئ.
مدّت يدها وضربت خدها بخفة. مرة. مرتين.
يمكن أحلم…
لا شيء تغير.
الاسم باقي.
الحروف نفسها.
النقطة نفسها.
دمعتها نزلت غصب عنها، مسحتها بسرعة، كأنها تخاف أحد يشوف ضعفها حتى وهي لحالها.
فرحة صغيرة حاولت تطلع…
قريب… أخوي كان قريب مني…
لكن الفرح انكسر بخوف أكبر.
ليش الجواز هنا؟
ليش مازن ما استغرب؟
ليش معتز؟
شدّت الجواز على صدرها، حسّت بثقل مو طبيعي. مو ثقل ورق…
ثقل حقيقة.
قامت ببطء، رجولها ترتجف، ومشت لغرفة النوم.
مازن كان نص نايم.
هزّته بخفة: — مازن…
فتح عيونه بنعاس: — وش فيه؟
مدّت له الجواز بدون كلام.
أخذَه، قرأ الاسم، عقد حواجبه. — وين لقيتيه؟
— بالمجلس… طايح.
سكت.
— غريب… بكرا أسأل صاحبه.
كلمة «صاحبه» علّقت في صدرها.
يعني يعرف صاحبه…
يعني مو غلط…
يعني الحقيقة أقرب مما تتخيل.
هزّت راسها بهدوء: — نوم العوافي.
رجعت للمجلس.
جلست، والجواز بحضنها، تفتحه وتسكره، تلمس الصفحات كأنها تلمس وجه غايب.
فرحها كان ناقص…
وحزنها كان كامل.
أخوها كان قريب.
قريب لدرجة إنها كانت تشوفه…
وما تعرفه.
أسيل همست بصوت مكسور:
«ليش ما جيتني؟»
وسكت البيت…
لكن قلبها ما سكت.
كانت أسيل جالسة على طرف السرير،
الجواز بين يدينها، مفتوح…
الاسم يطالعها كأنه يعاتبها.
تنفست بعمق،
مدّت يدها للجوال،
ترددت ثواني… ثم اتصلت.
— هلا؟
صوت نجود كان هادي… أكثر من اللازم.
أسيل بلعت ريقها: — نجود… أنا أسيل.
— أعرفك، وش فيك صوتك غريب؟
سكتت أسيل لحظة،
تحاول تختار كلمات ما تهدمها قبل ما توصل.
— أقدر أجيك شوي؟ أبيك بموضوع مهم.
— الحين؟
— اي… لو تقدرين.
سكتت نجود ثواني: — تعالي.
سكر الخط.
أسيل قامت،
لبست عباءتها،
أخذت الجواز وحطته داخل شنطتها،
وكأنها تشيل قلبها معها.
عند بيت فراس – الصباح
فتحت نجود الباب بنفسها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة…
بس عيونها كانت تقول: أنا مو جاهزة.
— تفضلي.
دخلت أسيل،
جلست بدون ما تتكلم.
نجود سوت قهوتين،
حطّت الكوبين قدامهم.
— وش الموضوع؟
أسيل طلعت الجواز بهدوء،
حطته على الطاولة،
ودفعته باتجاهها.
— أبغى منك شي واحد… الصدق.
نجود ناظرت الغلاف: — جواز؟
— افتحيه.
فتحت الصفحة الأولى…
وسكتت.
ثواني مرت،
صوت الساعة كان أوضح من أنفاسهم.
— ليش الاسم هذا؟
أسيل صوتها كان مكسور بس ثابت: — قولي لي… من هو معتز؟
نجود رفعت نظرها ببطء: — وش دخل معتز؟
أسيل: — لأن الجواز هذا كان بمجلسي… بعد ما طلع.
نجود شدّت الكوب بيدها،
حرارته حرقت أصابعها بس ما تركته.
— أسيل… لا تروحين بعيد.
أسيل اقتربت شوي: — أنا أبعد عن الحقيقة من زمان.
نجود قامت ولفّت ظهرها: — أنا ما كنت متأكدة…
أسيل: — بس كنتِ حاسّة.
نجود صوتها ارتجف: — اي… كنت حاسّة.
لفّت لها،
الدموع متجمعة بعيونها.
— حسّيت إنه يشبه شخص فقدته… قبل لا أعرفه.
أسيل همست: — جاسم؟
نجود ما ردّت…
لكن دمعتها نزلت.
أسيل جلست،
كأن رجولها خانتها.
— يعني كنتِ تحسين… وأنا أعيش معاه وما أدري؟
نجود قربت منها: — ولا واحدة فينا كانت جاهزة للحقيقة.
أسيل مسكت الجواز بقوة: — بس الحقيقة قررت تطلع.
نجود: — وإذا طلع هو؟
أسيل قامت: — بسأله ليه رجع بكل الأسماء… إلا اسمه.
ناظرت نجود: — وأنتِ؟
نجود مسحت دموعها: — أنا بخاف… بس بوقف.
أسيل عند الباب: — استعدي.
نجود: — لأي شي؟
أسيل بدون ما تلتفت: — للصدق.
وطلعت.
عند نجود
أقفلت نجود الباب بهدوء.
ولا كلمة.
ولا صوت.
وقفت ثانيتين…
ثلاث…
وفجأة
ركبتها خانتها.
انسدحت على الأرض،
ظهرها مسنود على الباب،
وكأنها تمنع الحقيقة ترجع تدخل.
يدينها ارتجفت،
قربتهم من فمها تحاول تكتم شهقة
لكن الصوت طلع رغماً عنها.
— يا رب…
دموعها نزلت دفعة وحدة،
مو بكاء هادي…
بكاء مكتوم يوجع الصدر.
مسكت راسها: — ليش؟ ليش الحين؟
تذكرت نظرات معتز،
سكوته،
طريقته لما يهرب من الأسئلة.
— كنت أحس… وكنت أضحك على نفسي.
ضربت الأرض بكفها: — أنا ضعيفة.
قامت بصعوبة،
مشّت للمطبخ،
فتحت درج…
طلعت منديل،
بس يدها كانت ترتجف لدرجة ما قدرت تمسكه.
جلست على الكرسي،
حدقت بالفراغ: — لو طلع هو… وش أسوي؟
حطت يدها على قلبها: — هذا ما يتحمل صدمة ثانية.
عند فراس
فتح الباب بهدوء.
شاف نجود جالسة،
عيونها حمراء،
القهوتين على الطاولة ما انلمسن.
— نجود؟
رفعت راسها بسرعة،
مسحت دموعها بكمها.
— ها يبه؟
قرب خطوة: — مين كان عندك؟
سكتت ثانية…
السكوت كان أطول من اللازم.
— أسيل.
عيون فراس ضاقت شوي.
— وش تبي؟
نجود حاولت تبتسم: — تسولف…
ناظر القهوتين: — تسولف وبكيتي؟
ما ردّت.
فراس جلس: — نجود…
رفعت راسها: — يبه خلني شوي.
نبرته صارت أهدى بس أخطر: — أنتِ وأسـيل… عرفتوا شي؟
قلبها دق بقوة.
— لا.
سكت،
طالعها طويل.
— لا تكذبين علي.
نجود بصوت مكسور: — أنا ما كذبت… بس مو كل شي يقال.
فراس قام ببطء: — واضح إن البنات بدوا يوصلون قبلنا.
وقف عند الباب: — واللي جاينا… أكبر منّا كلنا.
طلع.
نجود أول ما سمعت صوت الباب
انفجرت بالبكاء مرة ثانية.
— يا رب استر.
عند مازن
كان مازن جالس بالصالة،
التلفزيون شغال… بس عيونه عليها.
أسيل كانت قدامه،
تمشي رايحة جاية،
ترتب شي ما يحتاج ترتيب.
فتح درج، سكرته.
عدّلت المخدة.
رجعت نفس المكان.
مازن طفى التلفزيون: — أسيل؟
ما ردّت.
قرب منها: — أسيل حبيبتي؟
لفّت عليه متأخرة: — ها؟
ناظر بعيونها…
ما شافها.
— وش فيك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة: — ما فيني شي.
مازن رفع حاجبه: — تسوين كذا وانتي بخير؟
سكتت.
جلس قدامها، مستوى نظره معها: — من أمس وانتي مو انتي.
حاولت تقوم: — أنا بس تعبانة شوي.
مسك يدها بلطف: — لا تكذبين علي.
ارتجفت يدها.
سحبها وجلسها: — أسيل، أنا زوجك… مو غريب.
بلعت ريقها: — مازن لو قلت لك…
وقف قلبه: — لو؟
نزلت عيونها: — يمكن أظلم ناس… ويمكن أظلم نفسي.
مازن تنفّس بعمق: — أنا ما أبي الحقيقة كاملة… أبي أعرف ليه وجعك.
دمعتها نزلت: — لأني حسّيت إن أخوي كان قريب مني… وأنا ما شفته.
مازن صُدم: — وش تقصدين؟
مسحت دمعتها بسرعة: — ولا شي… كلام فاضي.
لكن الصوت خانها.
مازن شدّ يدها: — أسيل…
قاطعته: — خلّينا ننام، بكرا نتكلم.
وقامت.
مازن جلس مكانه،
عينه على الباب،
قلبه مو مرتاح.
بصوت واطي: — واضح إن في شي كبير… ومو ناوي يطلع بسهولة.
عند معتز
دخل الشقة وهو يحس بثقل غير طبيعي بصدره،
كأن الهواء صار أضيق.
سكر الباب ووقف مكانه ثواني،
ما تحرّك.
مشّى يده على وجهه بتعب،
ثم اتجه لغرفته.
فتح الدولاب…
طلع شنطة صغيرة.
حطها على السرير.
جلس قدامها،
ناظرها بدون ما يلمسها.
قام فجأة وكأنه تذكّر شي،
اتجه للدرج، فتحه…
قلبه.
ولا شي.
فتح درج ثاني.
ولا شي.
تنفّسه بدأ يسرع.
— لا… مو هنا.
راح للمجلس،
فتح الطاولة،
قلب الكنب،
فتّش جيوبه.
جلس على الأرض.
رجع وقف بسرعة،
فتح حقيبة قديمة،
قلب الأوراق.
وقف مكانه،
يده ترجف.
همس: — مستحيل.
راح للدرج الأخير،
طلع كل اللي فيه.
وقف ساكت.
الشنطة قدامه،
مفتوحة…
وفاضية.
جلس على السرير،
حط كفوفه على راسه.
ضحكة قصيرة طلعت منه…
ضحكة مكسورة.
— حتى هذا…
سكت.
قام،
مشى للشباك،
فتح الستارة شوي.
الشارع هادي،
ناس رايحة جاية،
ولا أحد داري وش يصير داخله.
رجع وسكر الشنطة،
حطها بمكانها.
جلس على الأرض،
مسند ظهره على السرير.
غمّض عيونه.
— واضح إن ما لي طريق.
فتح عيونه ببطء: — ولا حتى مهرب.
وسكت.
عند عائلة فراس
كان البيت هادي زيادة عن اللزوم،
النوع من الهدوء اللي ما يطمن.
فراس جالس بالصالة، الفنجان قدامه من غير ما يقربه،
عيونه ثابتة على الجدار،
بس عقله بمكان ثاني.
دخلت نجود بخطوات مترددة،
واضح عليها التعب…
مو تعب جسد، تعب روح.
جلست بدون ما تتكلم.
فراس التفت لها بنظرة سريعة،
لاحظ عيونها المنتفخة شوي.
— «وين كنتِ؟»
نجود عدلت جلستها: — «طلعت شوي.»
سكت.
سكوته كان أثقل من أي سؤال.
دخل راكان من الغرفة،
حس بالجو المشدود على طول.
— «خير؟»
فراس رفع عينه: — «وش اللي صاير؟»
راكان حاول يضحك: — «وش صاير يعني؟»
فراس نزل الفنجان بقوة خفيفة: — «أبي الصدق.»
نجود شدّت أصابعها ببعض،
صوت أنفاسها صار واضح.
فراس ناظرها مباشرة: — «نجود…»
عيونها لمعت.
— «لا تقولين لي إنكم عرفتم شي من غيري.»
سكتت.
وهنا،
عرف.
وقف بهدوء،
لكن نبرته تغيّرت:
— «البنات يعرفون شي، صح؟»
نجود حاولت تمسك دمعتها: — «ما كان قصدنا…»
قاطعتها نبرته، مو صراخ،
بس حادة:
— «القصد ما يغيّر النتيجة.»
راكان لف على نجود: — «وش اللي تعرفونه؟»
نجود قامت فجأة،
صوتها متكسر:
— «كلنا تعبانين! مو أنا لحالي!»
وسكتت.
البيت صار أثقل.
فراس رجع جلس،
مسح وجهه بكفه:
— «اللي خايف منه قاعد يصير…»
راكان قرب: — «وش تقصد؟»
فراس رفع عينه ببطء: — «إن السالفة قاعده تطلع من يدنا.»
سكتوا كلهم.
الهدوء رجع…
بس هالمرة،
كان إنذار.
عند عائلة سطام
كان البيت عادي،
ضحكة خفيفة،
قهوة تنصب،
لكن فيه شي ناقص…
شي ما له اسم.
سلطانه كانت بالصالة ترتب الوسايد،
حركتها بطيئة،
بالها مو معها.
سطام داخل من برا،
وقف عند الباب شوي قبل يدخل،
كأنه متردد.
— «السلام عليكم.»
سلطانه: — «وعليكم السلام.»
ناظرته،
حست إن وجهه مو طبيعي.
— «وش فيك؟»
سطام جلس: — «ما فيني شي.»
كذبة مهذبة.
دخل ماجد بعدها،
كان توه راجع من مشوار،
حط مفاتيحه وناظر أبوه.
— «يبه؟»
سطام رفع عينه: — «ها؟»
ماجد: — «تحس ما فيه شي غريب صاير هالفترة؟»
سلطانه التفتت بسرعة: — «غريب شلون؟»
ماجد تنفس: — «مدري… بس كأن الناس اللي حولنا كلهم يعرفون شي واحنا آخر من يدري.»
سكتوا.
الجملة علقت بالجو.
سلطانه جلست: — «يمكن تعب… كثرة تفكير.»
ماجد هز راسه: — «يمكن.»
بس صوته ما كان مقتنع.
بعد لحظة،
سطام قال بهدوء:
— «ذاك الشخص…»
التفتوا له.
— «اللي شفته يوم العرس.»
سلطانه: — «وش فيه؟»
سطام: — «كل ما أفكر فيه… أحس إن وراه شي.»
ماجد شد انتباهه: — «شي شلون؟»
سطام: — «نظراته… سكوته… كأنه موجود غصب عنه.»
سلطانه بلعت ريقها: — «يمكن طبع.»
سطام هز راسه ببطء: — «يمكن… بس قلبي مو مطمّن.»
ماجد فجأة قال: — «ويمه… تتذكرين الطفل اللي قال لأمه إن ذاك الرجال يشبه خاله؟»
سلطانه تجمدت.
— «اي.»
ماجد: — «من ذاك اليوم وأنا أفكر…»
سكت.
سطام ناظره: — «تفكر بشنو؟»
ماجد: — «إن فيه أشياء تتكرر… صدفة ورا صدفة.»
سلطانه قامت وقفت: — «لا تفتحون باب ما نعرف وش يطلع منه.»
سطام بهدوء: — «أحيانًا الباب ينفتح لحاله.»
سكتوا.
لكن كل واحد فيهم حس بنفس الشي…
إنهم مسكوا خيط
رفيع،
غير واضح،
بس إذا شدّوه أكثر…
يمكن يوصلهم لشي يغيّر كل شي.
عند أسيل
أسيل كانت جالسة بغرفتها،
النور مطفي إلا أباجورة خفيفة جنب السرير،
جواز السفر قدامها…
مغلق.
بس وجوده لحاله كان يضغط على صدرها.
تحطه بعيد.
ترجع له.
ترفعه.
ترجع تحطه.
أنفاسها مو منتظمة.
— معقول؟
— لا… مستحيل.
بس الاسم ما يروح من بالها.
جاسم سطام…
قامت ووقفت قدام المراية،
ناظرت نفسها.
— «اهدّي يا أسيل… يمكن مو هو.»
لكن صوتها كان ضعيف،
حتى هي ما صدقته.
راحت للمجلس،
جلست على نفس المكان اللي كان جالس فيه معتز،
تحاول تتذكر حركاته… صوته… سكوته.
تذكرت الطفل بالحديقة.
تذكرت كلام ماجد.
تذكرت نظرة فراس.
دمعتها نزلت بدون إذن.
مسحتها بسرعة.
— «لا… لا تبكين.»
سمعت صوت مازن بالمطبخ.
— «أسيل؟ تبين شي؟»
ارتبكت: — «لا… لا عادي.»
دخل مازن،
وقف شوي وهو يناظرها.
— «وش فيك؟»
أسيل رفعت عيونها: — «ها؟»
مازن: — «من يوم أمس وانتي مو انتي.»
سكتت.
حاولت تبتسم: — «يمكن تعب.»
مازن قرب: — «أسيل…»
نبرته كانت أهدى من اللازم.
— «لو في شي مضايقك قولي.»
ناظرت الأرض: — «مو شي أقدر أقوله الحين.»
مازن ما ضغط، بس ملامحه تغيرت.
— «طيب… بس لا تكتمين على نفسك.»
طلع.
أسيل أول ما طلع،
انهارت.
جلست على الأرض،
حضنت ركبها.
— «لو طلع هو… وش بسوي؟»
تذكرت نجود.
ملامحها.
وجعها.
ترددت.
بعدها مسكت جوالها.
تكتب… تمسح…
ترجع تكتب.
أخيرًا ضغطت اتصال.
نجود: — «هلا أسيل؟»
أسيل حاولت تثبت صوتها: — «نجود… تقدرين تجين لي شوي؟»
نجود: — «الحين؟»
أسيل: — «اي… لو تقدرين.»
سكتت نجود ثواني.
— «حسيت صوتك مو طبيعي… بجي.»
قفلت.
أسيل حطت الجوال جنبها،
حطت يدها على صدرها.
— «يارب لا تخذلني الحقيقة…»
ومن برا الغرفة،
مازن كان واقف،
يسمع الصمت اللي بعدها،
وحاس إن شي كبير قاعد ينكتم داخل بيته.
عند معتز
ليل.
الغرفة شبه مظلمة،
نور الجوال هو الوحيد اللي يكسر السكون.
معتز جالس على طرف السرير،
رجله تهتز بعصبية،
وعينه معلّقة على شاشة الجوال.
فتح تطبيق حجز الرحلات.
مرر بإصبعه بسرعة.
الوجهة: موسكو.
أقرب رحلة: بعد يومين.
تنفّس بعمق.
— «خلاص… بس أطلع من هنا.»
قام فجأة،
راح للدرج،
فتح شنطته،
قلبها.
ولا شي.
فتح الدرج الثاني.
ولا شي.
وقف مكانه.
— «لا…»
راح للجاكيت،
فتّش الجيوب بعجلة.
رجع للشنطة.
فتحها مرة ثانية،
قلب الملابس على الأرض.
أنفاسه صارت أعلى.
— «وينه؟»
قعد على الأرض،
يمد يده تحت السرير.
خلف الطاولة.
بين الكتب.
ولا أثر.
وقف،
حط يده على راسه.
— «مو معقول…»
رجع بذاكرته: البيت…
سيارة مازن…
المجلس…
أسيل…
توقف.
شد فكه.
— «لا… لا يمكن.»
مسك الجوال،
فتح الصور،
دور على صورة الجواز.
وقف عند صورة قديمة له.
— «حتى هذا… ضاع.»
جلس على السرير،
أسند ظهره على الجدار.
لأول مرة من زمان،
حس إنه محاصر.
لا قادر يروح،
ولا قادر يواجه.
— «كنت احسب الهروب حل…»
ضحكة قصيرة،
ما فيها فرح.
— «حتى الهروب صار له شروط.»
ناظر للسقف.
— «يمكن هذي رسالة…
أني ما أقدر أهرب أكثر.»
سكت.
بس عيونه كانت تقول شي ثاني:
الخوف…
والوقت اللي قاعد يضيق.
عند فراس
البيت هادئ…
هدوء مو مريح،
هدوء يضغط على الصدر.
فراس جالس بالمجلس،
الفنجان قدّامه من زمان،
القهوة بردت وهو ما لمسها.
يسند ظهره،
ويشبك أصابعه ببعض.
كلام معتز يلف براسه…
مو بصوته،
بإحساسه.
— «أخيرًا اعترفت.»
الكلمة ترجع تتكرر.
مو اعتراف عادي…
اعتراف شخص عاش سنين وهو يهرب.
فراس يغمض عيونه شوي،
ثم يفتحها فجأة كأنه تذكّر شي.
نادى بصوت هادي لكنه حاد: — «نجود.»
ما جا رد.
قام،
اتجه للممر،
وقف عند باب غرفتها.
الباب مقفول.
دق دقّة خفيفة. — «نجود؟»
تأخر الرد…
وبعدين: — «نعم؟»
صوتها مبحوح.
فراس عقد حواجبه.
— «افتحي.»
ثواني،
وانفتح الباب شوي.
نجود واقفة،
عيونها حمراء،
واضح إنها كانت تبكي.
فراس ما قال شي أول لحظة،
بس نظرته كانت كافية.
— «وش فيك؟»
نجود تحاول تتماسك: — «ولا شي… تعب.»
فراس حس إن الجواب مو مقنع.
ولا قريب حتى.
— «التعب ما يطلع الدموع بهالشكل.»
سكتت.
سكون ثقيل.
فراس قال بهدوء أخطر من العصبية: — «البنات يعرفون شي؟»
نجود رفعت راسها بسرعة: — «لا.»
الجواب جا أسرع من اللازم.
فراس شد فكه.
— «نجود…
أنا ما أسألك عبث.»
تنفّست،
وحاولت تغيّر الموضوع: — «بابا تعشى؟»
فراس قطعها: — «نجود.»
نظرت له،
وعيونها خانتها.
فراس ما ضغط.
بس قال جملة واحدة،
وكانت كفيلة تخلي الشك يكبر:
— «إذا شي طلع بدون علمي…
بيكون وجعه أكبر.»
تركها،
ومشى.
ونجود،
أول ما ابتعد،
سندت ظهرها على الباب
وانهارت بصمت.
ننتقل لبيت سطام
المجلس عامر،
لكن النفوس مو مرتاحة.
سطام جالس،
قدّامه ماجد،
وسطام يقلب المسبحة بين أصابعه.
سلطانه تدخل بالقهوة.
— «تفضلوا.»
سطام يشرب رشفة،
ثم يقول فجأة: — «ماجد.»
ماجد رفع راسه: — «هلا يبه.»
— «الخاتم…
ترى للحين مو داخل راسي.»
ماجد تنهد: — «ولا أنا.»
سطام يوقف المسبحة. — «وفراس…
كلامه مو مريح.»
سلطانه جلست: — «وش تقصد؟»
سطام: — «يحسسك إنه يعرف،
بس ما يبي يقول.»
سكت شوي،
ثم أضاف بنبرة أخف لكنها أخطر: — «وأخوك يا ماجد…
لو كان حي،
كان عمره تغيّر.»
ماجد قال بدون تفكير: — «بس مو لهالدرجة.»
الجملة طلعت تلقائية.
سطام رفع نظره له بسرعة. — «وش تقصد؟»
ماجد توتر: — «أقصد…
يعني الناس تتغير…
بس الملامح؟»
سلطانه حسّت بشي.
— «ليه تقول كذا؟»
ماجد سكت.
وسطام رجع للمسبحة،
لكن عقله كان بعيد.
— «الرسالة…
الخاتم…
كلام فراس…»
وقف فجأة.
— «فيه خيط.»
الكل ناظره.
— «يمكن ضعيف،
بس موجود.»
سلطانه قلبها دق. — «وش الخيط؟»
سطام: — «إنه مو بعيد…
أقرب مما نتوقع.»
ساد صمت ثقيل.
وكل واحد فيهم،
كان يحس
إن الحقيقة
قاعده تزحف…
بس ببطء موجع
عند أسيل – بعد اتصالها بنجود
الشقة هادئة،
لكن صدر أسيل مليان ضجيج.
من يوم سكرت على نجود وهي تحس إن اللحظة الجاية بتغيّر كل شي.
رن الجرس.
فتحت.
نجود واقفة،
ملامحها مشدودة،
واضح إنها جاية وهي متوقعة الأسوأ.
دخلت بدون كلام.
جلست بالصالة،
ما التفتت يمين ولا يسار.
أسيل بهدوء متوتر: — «اجلسي.»
نجود جلست،
شبكت أصابعها ببعض،
واضح إنها تحاول تسيطر على نفسها.
أسيل: — «نجود…
أبي أكون واضحة معك.»
نجود رفعت عيونها: — «قولي.»
أسيل طلعت الجواز من شنطتها
وحطته على الطاولة بينهم.
ولا كلمة.
نجود ما تفاجأت.
ناظرت الغلاف…
تنهدت تنهيدة طويلة، كأنها كانت تنتظر هاللحظة.
— «كنت متأكدة.»
صوتها كان هادي
بس مكسور.
أسيل: — «يعني…
كنتِ تعرفين؟»
نجود هزّت راسها ببطء: — «مو أعرف…
بس أحس.»
مسكت الجواز،
فتحته،
ناظرت الاسم بدون دموع بالبداية.
— «كل شي كان يودّي له.»
— «الشبه…
التصرفات…
حتى صمته.»
سكتت.
وبعدين
انهارت.
دموعها نزلت دفعة وحدة.
— «كنت أقول لنفسي لا…
مستحيل.»
— «أكذب إحساسي كل يوم.»
أسيل قربت منها: — «ليش ما قلتي؟»
نجود بصوت يرتجف: — «لأني خفت أكون مجنونة.»
— «وخفت إذا طلع صح…
أنكسر للأبد.»
مسكت الجواز بقوة: — «وهذا كسرني.»
أسيل دمعت: — «أنا لما شفته…
حسّيت الدنيا تلف.»
نجود رفعت راسها: — «أبوي بدأ يشك.»
أسيل توترت: — «فراس؟»
نجود: — «إيه…
نظراته…
أسئلته.»
سكتوا.
الهواء صار ثقيل.
أسيل: — «يعني ما عاد فيه وقت.»
نجود بصوت مبحوح: — «ولا فيه مجال نغلط.»
فجأة نجود غطّت وجهها: — «أسيل…
أنا تعبت.»
— «تعبت أحبه وأنا ما أعرف حقيقته.»
— «وتعبت أخاف أفرح.»
أسيل مسكت يدها: — «ولا أنا.»
نجود رفعت راسها: — «أبوي لو حس إن البنات عرفوا…
بيشدها.»
أسيل: — «وأنا مازن بدأ يلاحظ تغيّري.»
سكتوا.
الحقيقة صارت قريبة…
والكل يحس فيها
بس محد يقدر يقولها.
عند مازن وراكان
دخل مازن المجلس.
راكان رحّب فيه كعادته، بس ملامحه هالمرّة مو مرتاحة.
جلسوا.
مازن: — «راكان… بسألك سؤال.»
راكان: — «تفضل.»
مازن: — «أنت ملاحظ شي على أبوك هالأيام؟»
راكان رفع حاجبه: — «وش تقصد؟»
مازن: — «أحسه مشغول،
ساكت أكثر من اللازم.»
راكان تنهد: — «إيه…
حتى أنا ملاحظ.»
— «مو بس أبوي…
نجود بعد.»
مازن انتبه: — «نجود؟»
راكان: — «إيه.
صارت شاردة،
عصبيتها زايدة،
وتسكت فجأة كأنها ضايعة.»
مازن: — «تدري ليه؟»
راكان هز راسه: — «لا والله.»
— «بس أحس في شي…
شي يصير من غير ما نعرفه.»
سكت شوي ثم قال: — «حتى أبوي…
صاير يناظرنا كأنه يفكر بشي كبير.»
مازن: — «تتوقع له علاقة بمعتز؟»
راكان فكر: — «يمكن.»
— «معتز دخل حياتنا فجأة،
وصار موجود بكل زاوية تقريباً.»
مازن: — «وأنا بعد ملاحظ شي.»
راكان: — «وش؟»
مازن: — «أسيل تغيّرت.»
راكان باستغراب: — «كيف؟»
مازن: — «توتر،
سكوت،
ونظراتها كأنها تخبي شي.»
راكان حرك راسه: — «غريبة…
كلكم تغيرتم بنفس الفترة.»
وقف راكان: — «أدري وش أحس؟»
مازن: — «وش؟»
راكان: — «إني واقف بنص صورة
وأنا الوحيد اللي ما يفهمها.»
مازن بابتسامة خفيفة لكنها متوترة: — «يمكن قريب نفهم.»
راكان: — «أو يمكن ننصدم.»
عند راكان (لحاله بعد ما طلع مازن)
جلس يفكر.
ناظر السقف: — «نجود…
أبوي…
مازن…
أسيل…»
— «كلهم متغيرين…
إلا أنا.»
قام وراح لغرفته،
وقف عند باب نجود،
كان بيفتح…
بس تراجع.
— «مو وقته.»
رجع غرفته
وقلبه أول مرة يحس إنه خارج اللعبة
عند معتز
كان يسوق سيارته بلا هدف.
الطريق قدّامه واضح، بس رأسه مليان ضباب.
وقف عند إشارة، نزل نظره على يده المرتجفة وهو ماسك الدركسون.
تنفّس بعمق، كأنه يحاول يثبت نفسه.
— «لازم أطلع…
لازم أختفي شوي.»
رجع شقته.
دخل وهو مو حاس بالوقت، رمى المفاتيح، وراح على طول لغرفته.
فتح الدولاب.
طلع الشنطة الصغيرة اللي دايم يحط فيها أوراقه المهمة.
جلس على السرير.
فتحها بهدوء…
قلبها مرة…
مرتين…
توقف.
قلب الشنطة مرة ثانية بعصبية.
قام وقف، فرش محتوياتها على السرير.
ملابس.
أوراق.
مفاتيح قديمة.
بس الجواز… مو موجود.
نزل على الأرض، بدأ يدور بكل زاوية.
فتح الأدراج.
قلب الطاولة.
حتى تحت السرير.
— «لا… لا لا.»
صوته بدأ يختنق.
رجع جلس على الأرض، مسك راسه بإيدينه.
نفسه متسارع، صدره يضيق.
— «مو وقته…
مو الحين.»
حاول يهدّي نفسه: — «يمكن نسيته بمكان ثاني…
يمكن عند مازن…
يمكن…»
لكن داخله كان يعرف.
الإحساس الثقيل اللي يضغط صدره قال له إن الموضوع أكبر من نسيان.
قام ببطء.
راح للمراية.
وقف قدامها،
ناظر نفسه.
— «كل مرة أقرر أهرب…
ينقفل الطريق.»
ابتسم بسخرية خفيفة: — «يمكن هذا عقاب.»
جلس على الكنب،
طلع جواله،
فتح الأسماء…
وقف عند اسم مازن.
سكر الشاشة.
— «لو دروا…
كل شي بينهار.»
رجع يفتح الجوال،
هذه المرة دخل على الملاحظات،
كتب سطر…
ومسحه.
قام، فتح الشباك.
دخل هواء بارد.
غمض عيونه.
— «أنا تعبت.»
جلس كذا دقائق طويلة،
ولا فكر إنه الوقت يمشي.
وفجأة…
جته رسالة.
ما فتحها.
الجوال رن مرة ثانية.
اتصل.
معتز ما رد.
كان يعرف إن كل خطوة جايّة
تقربه أكثر من مواجهة
ما كان مستعد لها.
عند عائلة سطام
كان البيت هادي على غير العادة.
هدوء ثقيل… مو مريح.
سطام كان جالس بالصالة، الجوال بيده، يطالع الشاشة ويطفيها، كأنه ينتظر شي وما يدري وش هو.
من يوم كلام فراس، وهو مو على بعضه.
سلطانه كانت بالمطبخ، تجهز القهوة، بس يدها تتحرك آليًا، عقلها بعيد.
رجعت للصالة وحطت الفنجان قدامه.
جلست، سكتت شوي، بعدها قالت بهدوء:
— «سطام… أنت من يوم جيت من عند فراس وانت شارد.»
رفع راسه لها، تنهد: — «لأن كلامه مو سهل.»
— «وش يقصد؟»
هز راسه: — «يقصد إن اللي ندور عليه… كان قريب منا.»
تجمّدت سلطانه بمكانها. — «قريب كيف؟»
— «يعني مو ميّت…
وكان بيننا.»
سكتت، قلبها دق بسرعة.
حست برجفة تمر بجسمها.
— «سطام… لا تلعب علي.»
— «ما ألعب، بس أحاول أفهم.»
قاطعهم صوت الباب.
دخل ماجد، شكله متوتر. — «يمه، يبه.»
— «تعال.» قالها سطام.
جلس ماجد قدامهم. — «وش فيكم؟»
تبادلوا نظرات.
بعدين قال سطام:
— «أنت لاحظت شي غريب الفترة اللي راحت؟»
ماجد فكر شوي: — «غريب كيف؟»
— «أشخاص…
مواقف…
أحد حسّيته مألوف؟»
ماجد سكت.
مر شريط الأحداث قدامه.
معتز.
نظراته.
توتره.
وقوفه معه أكثر من مرة.
قال بتردد: — «فيه واحد…»
رفعت سلطانه راسها بسرعة: — «من؟»
— «معتز.»
سكت المكان فجأة.
سطام عدل جلسته: — «ليش؟»
— «ما أدري… بس دايم أحسه يعرف أكثر مما يقول.
وكل مرة يكون حاضر لما نحتاجه.»
سلطانه حطت يدها على صدرها. — «هو اللي عطيناه الساعة؟»
— «اي.»
سطام ناظر قدامه، صوته صار أثقل: — «وفراس قال إن الشخص هذا…
كان يحاول يوصل رسالة.»
ماجد: — «يعني…
يمكن الخاتم…
يمكن الساعة…»
سلطانه دمعت عيونها: — «يعني ممكن يكون حي؟»
ما حد جاوبها.
بس الصمت كان جواب.
قام سطام: — «ما نبي نستبق الأحداث،
بس من اليوم…
نفتح عيوننا زين.»
ماجد: — «وش تسوي لو طلع هو؟»
سطام وقف عند الشباك، صوته منخفض: — «أسأله ليه خلانا نحترق عليه سنين.»
سلطانه بصوت مكسور: — «وأنا…
أبي حضنه وبس.»
انقطع الحديث،
لكن الشعور إن الحقيقة صارت قريبة
كان أوضح من أي كلام.
عند يزن
كان يزن جالس بمكتبه، قدامه ملف ورقي قديم، أطرافه مهترئة من كثر ما انفتح.
اسم مكتوب بخط واضح:
جاسم سطام الـ…
يزن مرّر إصبعه على الاسم، ثم فتح صفحة ثانية فيها ملاحظات بخط يده: غياب مفاجئ – رسالة بعد سنتين – لا جثة – لا تأكيد.
تنهد وقال: — «ولا زلت تقولون لي مات…»
رن جواله.
رقم الفندق.
رد: — «هلا.»
الموظف: — «أستاذ يزن، بخصوص سؤالك عن يوم الملكة…
تأكدنا إن المغاسل ما فيها كاميرات.»
يزن ما تفاجأ، بالعكس، ابتسم: — «كنت متأكد.»
الموظف: — «بس في شي غريب.»
يزن اعتدل: — «تكلم.»
— «الخاتم ما انلقط صدفة.
عامل النظافة قال إنه شاف شخص واقف عند المغاسل فترة طويلة،
مو كأنه ينتظر أحد…
كأنه ينتظر لحظة.»
يزن سكت ثواني، بعدها قال: — «وقدر يوصفه؟»
— «قال لابس قبعة، هادي، ما يلفت النظر…
بس عيونه كانت تراقب المكان.»
قفل يزن الخط، فتح درج مكتبه، طلع صورة قديمة.
رجل بنفس الوصف…
نفس النظرة.
يزن همس: — «تحب تسويها كذا… تترك أثر بدون ما تترك نفسك.»
قام وقف قدام الشباك، يفكر. — «خاتم ينرمي قدام أهل العائلة…
بدون كاميرات…
يعني الرسالة مو لي، الرسالة لهم.»
رجع لمكتبه، كتب ملاحظة جديدة: العودة بدأت – بس مو بالوقت اللي نبي.
جاله اتصال ثاني.
رقم غير محفوظ.
— «هلا.»
الصوت: — «يزن… تحس إنهم قربوا يعرفون؟»
يزن: — «البنات دايم أذكى مما نظن.»
— «وهو؟»
يزن ابتسم ابتسامة خفيفة: — «واضح إنه متردد…
بس اللي يخوف مو تردده،
اللي يخوف إن جوازه ضايع.»
سكت الطرف الثاني.
يزن كمل: — «إذا طلع الجواز…
تنفتح أبواب ما راح يقدر يقفلها.»
قفل الخط، وجلس مرة ثانية.
— «اللعبة بدأت،
والمشكلة إن كل واحد يحسب نفسه يتحكم فيها.»