الفصل الخامس: دوخة متكررة
نزلتُ من السيارة…
قال لي:
– نسمة، عندما أناديكِ أجيبي، عيشي واعتني بابني…
إن وفيتِ بكلمتكِ فقط يا رمزي…
أحبكِ…
دخلتُ إلى البيت،
وجدتُ أمي جالسة تُحضّر القهوة لأبي،
مسكين أبي… هكذا هي الدنيا، كيف تتقلب…
قالت لي:
– جئتِ يا ابنتي؟ اجلسي واشربي قليلًا من الحليب،
هذه الأيام لستِ على ما يرام أبدًا…
وفي قلبي قلت:
آه يا أمي، لو تعلمين…
لكنني لا أزيدكِ همًّا فوق همّك،
لعلّ الله يفرجها من عنده…
جلستُ، شربتُ الحليب،
وأكلتُ قليلًا من الفطير والتمر…
أخذت أمي أبي إلى غرفته ليرتاح،
وقالت لي:
– حضّري العشاء، سأذهب لأستريح قليلًا…
قلت:
– نعم يا أمي، أنا هنا…
بدأتُ أغسل الأواني،
ورأسي يدور…
عادني الدوار…
الدنيا تدور وتجيء…
غلبتني دموعي،
وبدأتُ أبكي… أبكي…
لم أعد أستطيع أن أتحمّل ما حدث لي،
ولماذا يحدث لي هذا يا رب؟
امنحني صبرًا وقوة من عندك…
أنا أصلًا ضعيفة الصحة،
أعاني من فقر الدم،
وصُدمتُ بمرض أبي…
أخرجتُ قارورة عطر قويّة لأشمّها لعلّي أفيق،
لكن بلا فائدة…
وضعتُ نفسي على الأرض،
نقّيتُ البطاطا على عجل،
ووضعتها في القدر،
وطهت بسرعة…
دخلتُ غرفتي متعبة…
تذكّرتُ الدواء الذي اشتراه لي رمزي…
أعطتني الطبيبة الحديد،
ودواءً آخر لتثبيت الحمل…
عندما قرأتُ النشرة وكيفية استعماله،
عدتُ أبكي…
ما حافظتُ عليه طوال حياتي،
وفي عزّ ما أملك،
ذهب هكذا…
هل أتناولها وينتهي كل شيء؟
بقيتُ هكذا، عاجزة،
والدوار يقتلني…
جاءت أمي تناديني للعشاء،
سمعتُ خطواتها في الممر،
أسرعتُ، مسحتُ وجهي،
وتظاهرتُ بأنني بخير…
قالت:
– يا ابنتي، تعالي نتعشّى،
إخوتكِ هؤلاء لا يأتون، نهارهم ليل، وليلهم نهار…
قلت:
– يا أمي، أكلتُ من قبل،
أنا مشغولة بالدراسة…
قالت:
– ربي ينجّحكِ ويوفقكِ،
لكن لا تتعبي نفسكِ،
الدراسة لا تسبق الصحة،
لقد صرتِ مثل حبة الليمون، صفراء…
خرجت…
اهتزّ هاتفي…
رمزي…
لم أكن أنوي الرد،
ثم قلت: سأرد، لعلّه يخبرني أنه تحدث مع أمه…
– نعم، نسمة، هل أنتِ بخير؟
قلت:
– كيف تريدني أن أكون بخير؟
الدوار قتلني يا رمزي،
افعل حلًا قبل أن يكبر الأمر، بالله عليك…
قال:
– أعلم، والله أعلم…
لكنني فرحان،
سيكون عندي طفل…
قلت:
– حقًا؟
طفلك في الحرام؟
قال غاضبًا:
– لماذا تقولين هذا؟
حرام عليكِ…
قلت:
– هذا هو الواقع،
وأنتَ أمامك أسبوع،
إن لم تفعل حلًا،
إما أن أقتل نفسي،
أو أُسقطه وأُنهي كل شيء…
قال بسرعة:
– بعيد الشر، إياكِ أن تفعليها!
أقسم بالله آتي ونتزوج،
ربي يحييكِ…
قلت:
– دعني الآن، الدوار يقتلني…
قال:
– لا تطفئي الهاتف،
غدًا لديكِ دراسة…
قلت:
– نعم، لماذا؟
قال:
– اخرجي باكرًا،
نذهب لإجراء التحاليل…
قلت:
– حسنًا…
قال:
– سأنتظركِ،
وإن اشتهيتِ شيئًا،
أحضر لكِ عشاءكِ الآن…
قلت:
– لا، لا أستطيع الأكل…
قال:
– حسنًا، قليلًا بعد…
إلى اللقاء…
أغلقتُ الهاتف،
وبقيتُ أحدّق في الفراغ،
أفكّر في حظي العاثر…
عاد الهاتف يهتز…
رمزي…
قلت في نفسي:
ما به الآن؟
رددتُ:
– نعم، ماذا هناك؟
قال:
– افتحي الباب،
أنا في الأسفل…