الفصل الرابع
سلطانة سحبت أسيل على جنب، وقربت منها وهمست بإذنها بنبرة فيها حماس وشي من التوتر:
— اللي جاي يخطبك… هو نفسه اللي بالغلط أرسلتي له صورتك.
أسيل فتحت عيونها على آخرها، قلبها دق بقوة وهي تقول:
— صدق؟
سلطانة أكدت بهزة راس:
— إي، وهو نفسه بعد اللي صدمتي فيه وكبيتي عليه العصير ذاك اليوم.
أسيل سكتت فجأة، كأن الكلام نزل عليها دفعة وحدة. عقلها لف، وصور الموقف رجعت قدامها، ومشاعرها لخبطت.
سلطانة كملت بهدوء ونبرة أم تطمّن:
— يا بنتي، هو رجال والنعم فيه.
أسيل بصوت متردد وعيونها مو ثابتة:
— مدري وش أقول يا يمه…
نوف دخلت بينهم بحماس:
— يا خيتي تكفين!
أسيل حاولت تتكلم:
— بس…
قاطعتها الجوهرة بسرعة وكأنها ما تبيها تتراجع:
— وافقي.
أسيل أخذت نفس عميق، تحاول ترتب أفكارها، وقالت:
— عطوني وقت أفكر… العصر أرد لكم إن شاء الله.
وقامت بهدوء، ومشت للغرفة. كانت محتاجة تكون لحالها، تفكر براحتها، بعيد عن الأصوات والضغط، وتسمع صوت قلبها قبل أي أحد.
عند معتز
اتصل على مازن، وطلعوا من المستشفى، وهم بالطريق للفندق.
مازن كان يطالع معتز من طرف عينه، ملامحه مو مريحة.
مازن:
— يا معتز، وجهك مو عاجبني… وش فيك؟ يا ليتني ما قلت لك إني بتزوج، شكلك أنت تبي البنت.
معتز لف له بنظرة هادئة لكن فيها ثقل:
— لا يا حبيبي، أنا ما أبي البنت… بس تذكرت شي.
مازن بدون تردد غيّر الوجهة، ولف على كوفي قريب. نزلوا وجلسوا، والهدوء بينهم كان أوضح من الكلام.
مازن:
— ها؟ ما تبي تقول لي؟
معتز بعد لحظة صمت:
— عندك أمل كبير إني أقول لك… بس إذا أنت مستعد تسمع.
— لأني أنا مو مستعد أقول.
مازن تنهد وهو يهز راسه:
— يا ربي منك بس.
معتز:
— طيب بقول لك شي واحد.
مازن:
— وش هو؟
معتز:
— أنت تبي ترجع لروسيا ولا لا؟
مازن باستغراب:
— إي، ليش لا؟
معتز قرب شوي وقال بنبرة جدية:
— اسمع وركز معي.
مازن:
— ها، كلي آذان صاغية.
معتز:
— لا تاخذ البنت لروسيا… ولا تروح لها.
مازن عقد حواجبه:
— ليه؟ وشغلي كله هناك!
معتز:
— أدري، بس البنت ما راح يعجبها وضعك.
— وعن شغلك… أنا أضمن لك شركة تقبلك.
مازن شبك يديه:
— ياخي كلامك كله ألغاز، ممكن توضح؟
معتز:
— مو لازم تفهم اليوم.
— اسمع، روح لشركة اسمها الـ… أتوقع.
مازن:
— طيب، زي ما تبي… بس شلون عرفت هالشركة؟
معتز:
— لقيت بالنت حاطين إعلان إنهم يبون موظفين ذوي خبرة،
— وأنت عندك خبرة.
مازن سكت شوي، ثم رجع لنقطة تشغله:
— طيب، وموضوع البنت… ليه ما راح يعجبها الوضع؟
معتز بنبرة مختصرة:
— بتفهم بعدين.
مازن:
— طيب… راح أسوي كل اللي تبي.
معتز ارتاح شوي:
— زين.
— أبي منك توصلني للفندق إذا ممكن،
— وإذا رحت تقدم للشركة قل لهم عندك خبرة، عشان تكون فرصة القبول أعلى.
مازن:
— طيب، يلا عشان نروح للفندق.
وقاموا من مكانهم، وراحوا للفندق، وكل واحد فيهم يحمل بأسئلته… بس واحد فيهم يعرف الأجوبة، ومو مستعد يقولها للحين.
عند أسيل
كانت جالسة تفكر بموضوع خطوبتها، عقلها مليان أفكار وقلبها متلخبط.
قالت بنفسها:
— سبحان الله… كنت أحسبه حلم وصار حقيقة.
— أنا انعجبت فيه، وحسيت إني ما راح أشوفه مرة ثانية، وإذا به يجي بنفسه.
— والله حبيته…
— أساسًا أنا قلت أعطوني أفكر عشان أكون ثقيلة بس.
انفتح باب الغرفة، ودخلت أمها.
سلطانة:
— ها؟ ما قررتي للحين؟
أسيل رفعت عيونها لها بهدوء:
— يمه، أنا قلت العصر… ليش مستعجلة؟
سلطانة بابتسامة خفيفة:
— ولا شي، بس أنا ما أحب الانتظار.
— أجل على راحتك.
طلعت من الغرفة، وبقيت أسيل لحالها، تفكر أكثر…
هل ثقلها كان خوف؟
عند نجود
كانت ترتب الغرفة بهدوء، بس عقلها ما كان حاضر. يدينها تشتغل آليًا، وأفكارها كلها معلّقة بالموقف اللي صار أمس.
كل ما تذكّرته، قلبها يدق أسرع.
قالت بنفسها وهي توقف لحظة:
— هو ساعدني… وأنا ما أدري من هو.
— بس فيه شي غريب…
— يوم قلت له اسمي «نجود» حسّيت كأنه انصدم، كأنه مو مصدق اللي سمعه.
— كأنه شافني قبل… أو يعرفني.
سكتت شوي، عقدت حواجبها وهي تحاول تركّب الفكرة:
— بس شلون؟
— متى؟
— وليه؟
حاولت تطرد الأسئلة من راسها، كملت ترتيب الغرفة لين خلصت.
طلعت للصالة وهي تحس بثقل خفيف على صدرها، جلست على الكنبة، وشغلت التلفزيون بس عشان تكسر الصمت…
مو لأنها تبي تشوف، بس عشان ما تفكر أكثر.
عند معتز
وصل للفندق وهو منهك، التعب كان باين عليه جسديًا ونفسيًا. فتح الغرفة، ما كان فيه طاقة حتى يبدّل ملابسه.
سكر الباب وراح على طول للسرير، انسدح كأنه يهرب من كل شي.
أول ما لمس جسمه السرير، حس بالفرق. سرير المستشفى كان قاسي، ما خلاه يرتاح ولا دقيقة، وكأن التعب كله متكدّس بجسده.
غمض عيونه، نفسُه كان ثقيل بالبداية، وبعد ثواني طويلة استسلم للنوم…
نوم عميق، هادئ، كأنه يحاول يعوّض كل الإرهاق اللي مر فيه.
عند مازن
راح للشركة اللي قاله عنها معتز، وهو بالطريق قلبه يدق أسرع من العادة. مو خوف قد ما هو توتر البداية، إحساس غريب بين أمل وحذر.
دخل الشركة، عينه تلفت بالمكان، شاف مجموعة موظفين واقفين يسولفون بشكل عفوي، بدون رسميّات.
قرب منهم وقال بهدوء:
مازن: لو سمحتوا، وين مكتب المدير؟
رد واحد منهم بابتسامة هادئة: نعم، أنا المدير… يزن شخصيًا.
مازن انصدم شوي، رفع حواجبه بدون ما يحس:
مازن: أنت المدير؟
يزن وهو يبتسم: اي، ليش مستغرب؟
مازن: لا بس… غريب أشوف مدير يسولف مع موظفينه بهالطريقة.
يزن بنبرة مريحة: حنا هنا فريق واحد، تعال معي المكتب ونسولف براحتنا.
راحوا سوا، دخلوا المكتب. يزن رحّب فيه، ضيّفه، وسوّى له قهوة بنفسه.
يزن وهو يمد الفنجال: يا هلا.
مازن وهو ياخذه: يا هلابك.
مازن حس بشي من الارتياح، الجو كان أبسط مما توقع.
مازن: أنا اسمي مازن الـ…
يزن بابتسامة: عاشت الأسامي.
مازن: عاشت أيامك.
يزن جلس قباله وقال:
يزن: تفضل، سم… وش بغيت؟
مازن أخذ نفس خفيف، كأنه يرتّب كلامه:
مازن: عندي خبرة تقريبًا أربع سنين بإدارة الأعمال، وودي أقدّم عندكم.
يزن هز راسه بإعجاب بسيط:
يزن: حلو، إحنا فعلًا عندنا نقص بالموظفين. عطِني ملفاتك ومعلوماتك، وإن شاء الله من بكرا تبدأ معنا.
مازن فتح عيونه شوي، ما كان متوقّع السرعة هذي:
مازن: يعني… أنا توظفت؟
يزن بابتسامة واثقة: اي، بس بسألك سؤال… من دلّك علينا؟
مازن بدون تردد:
مازن: واحد من أخوياي.
يزن: تمام، حياك الله بيننا.
مازن طلع من المكتب وهو يحس بخفة غريبة، بداية جديدة انفتحت له بدون ما يحس، وكل اللي بباله وقتها… كلام معتز.
العصر
عند أسيل
كانت جالسة بالصالة، عيونها سارحة، تفكيرها مشتّت بين الفرح والخوف. تحاول تستوعب القرار اللي اتخذته، قلبها يدق بهدوء لكن داخله ضجة.
جت عندها أمها، جلست جنبها وقالت بنبرة مترقبة:
سلطانه: ها… وصلنا العصر، قررتي؟
أسيل رفعت راسها، صوتها كان ثابت بس إحساسها لا:
أسيل: الصراحة… اي، قررت أوافق عليه.
سلطانه ما قدرت تمسك نفسها، ضمّتها بقوة، والفرحة غلبتها وبدت تزغرط. خوات أسيل عرفوا بالخبر، تجمعوا حولها، يباركون لها ويضحكون، جو البيت تغيّر فجأة لفرح.
وبعدها، كل وحدة رجعت لشغلها، لأن أسيل خلاص… عروس، وما عاد لها شغل غير تجهيز نفسها.
أسيل بهدوء:
أسيل: يمه…
سلطانه: هلا يا قلبي.
أسيل بنبرة فيها حنين:
أسيل: أتمنى أخوي يحضر.
سلطانه تنفست بعمق، الحزن مرّ بعينها بسرعة:
سلطانه: وأنا بعد أتمنى، بس زي ما تعرفين… راح من زمان.
أسيل نزلت عيونها، صوتها صار واطي:
أسيل: اي… أذكر اليوم اللي جانا الخبر.
سلطانه حاولت تماسك نفسها:
سلطانه: خلاص يا بنتي، المهم إننا مسامحين، بس والله كان ودي أشوفه وأقول له بنفسي إني مسامحته.
هنا ما قدرت أسيل تمسك دموعها، نزلت بهدوء، بدون صوت.
سلطانه ضمّتها لصدرها، تمسح على شعرها:
سلطانه: خلاص يا بنتي… انسِي، اللي راح راح.
أسيل بين شهقتها وأنفاسها:
أسيل: بحاول…
وكانت تحاول فعلًا، بس بعض الفقد، حتى مع الوقت، يظل له وجع ساكن بالقلب.
عند معتز
كان بالمطبخ، يسوي له أكله بهدوء. حركاته ميكانيكية، ذهنه مو حاضر بالكامل. خلّص الأكل، أخذه وراح للصالة، جلس وهو يحاول يأكل، بس أفكاره كانت سابقة ليده.
عقله كله عند سؤال واحد: هل مازن انقبل أو لا؟
يحاول يقنع نفسه إنه ما يهمه، بس قلبه ما كان مرتاح.
رن جواله.
شاف الاسم… مازن.
رد بسرعة:
معتز: يا هلا.
صوت مازن كان واضح فيه الفرح:
مازن: يا هلابك، أبشرك… قبلوني.
معتز حس بشي ينسكب بصدره، ارتياح ممزوج بفرحة صادقة:
معتز: الله يبشرك بالجنة.
مازن وهو يضحك بخفة:
مازن: بس قولي، شلون عرفت إن هالشركة بتقبلني؟ أنا دورت إعلانهم إنهم يبون موظفين وما لقيت شي.
معتز توتر لحظة، سكت ثانية كأنه يسترجع شي غامض:
معتز: ها؟… أنا كأني شفته.
مازن ما ركّز، كان فرحان أكثر من أي شك:
مازن: يلا عادي، أهم شي إني انقبلت.
معتز بابتسامة صارت واضحة بصوته:
معتز: اي والله، هذا الأهم.
مازن: طيب مع السلامة.
وسكر الخط.
معتز حط الجوال جنبه، وأسند ظهره.
ابتسامة خفيفة رسمت على وجهه بدون ما يحس.
حس براحة داخلية، إحساس دافي…
انبساط حقيقي إن مازن انقبل، وكأن حمل انشال من على صدره، حتى لو ما اعترف لنفسه ليه هالقبول كان مهم له لهالدرجة.
وتمر الأيام… ويجي اليوم المنتظر، يوم ملكة مازن وأسـيل
اليوم اللي الكل كان ينتظره، يوم الفرح اللي صار حديث البيت، والقلوب فيه بين حماس وتوتر وفرح مكتوم.
عند مازن
كان قدام المراية، يضبط شماغه، يعدّل لبسه للمرة اللي ما يدري كم. ملامحه فيها ابتسامة، بس وراها رهبة خفيفة، إحساس مسؤولية جديد توه يحس فيه.
مسك جواله ودق على معتز.
مازن: خلاص قررت إنك ما تحضر؟
معتز جاء صوته هادي بس واضح فيه الإصرار:
معتز: اي، قررت… لأنك تعرف إني ما أحب كثرة الناس.
مازن تنهد، حس بخيبة خفيفة، بس حاول يضغط عليه:
مازن: طيب يا معتز حاول، كثرة الناس مو عذر.
معتز عض على أسنانه، كأنه يحاول يقاوم شي داخله:
معتز: أدري… بس والله ما ودي.
مازن بنبرة ما بين المزح والجد:
مازن: أجل العرس تحضره.
معتز بعد لحظة صمت:
معتز: طيب أجي، وبعدها أطلع تمام… والعرس اعذرني.
مازن رفع حاجبه وهو يكلم نفسه هذا ما يتغير:
مازن: شلون تطلع يا ذكي؟ فيه عشاء.
معتز بابتسامة خفيفة ما تنشاف بس تنحس بصوته:
معتز: ما عليك، أدبّر نفسي وأدبّر عذر.
مازن هز راسه وهو يضحك:
مازن: طيب نشوف… بس أهم شي تجي.
سكر مازن الجوال، رجع قدام المراية.
هالمرة ابتسامته كانت أهدى…
يعرف معتز زين، ويعرف إن مجرد حضوره—even (حفل يعني) لو دقائق—يعني الكثير.
عند أسيل
كانت جالسة بالصالون، الكرسي مائل شوي وهي تحت يد خبيرة التجميل، أنوار المكان قوية، وريحة المكياج والعطور معبّية الجو. خواتها حولها، يراقبونها بنظرات فرح وفخر.
الجوهرة بابتسامة دافية وعيونها تلمع:
الحمدالله إني شفتك عروس.
نوف وهي تتأملها من فوق لتحت:
إي والله، مبروك يا خيتي.
أسيل ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس ملامح الحزن كانت أسرع، طلعت على وجهها بدون ما تستأذن. صوتها طلع مكسور شوي:
كلكم راح تحضرون… إلا هو يا—
قاطعتها نوف بسرعة، كأنها تبي توقف الوجع من بدايته:
يا أختي خلاص، هو راح مات، انسيه. شلون راح يطلع من القبر ويحضر؟
أسيل نزلت عيونها، دمعتها كانت قريبة تنزل:
أدري والله… بس أنا ودي أقول له: أختك تزوجت.
الجوهرة قربت منها ومسحت دمعتها بأطراف أصابعها، صوتها حنون وفيه محاولة تهدئة:
يا حبيبتي… خلاص، أنتِ عروس. المفروض تفرحين بهاليوم.
أسيل أخذت نفس عميق، كأنها تحاول تطرد الذكرى من صدرها:
صح… مدري ليه تذكرته.
وسكتت،
بس قلبها كان يعرف…
بعض الغياب حتى الفرح ما يقدر يغطيه
المغرب
بدأ الضيوف يتوافدون، وصالة البيت صارت تعج بالحركة والأصوات، ضحكات خفيفة، همسات، ولمعة فساتين تخطف العين. البنات كأن كل وحدة فيهم تقول: الزين عندي، وكل وحدة داخلة بطلتها الخاصة، مختلفة، واثقة، وحاضرة بقوة.
الجوهرة
كانت لابسة فستان ماسك على جسمها، عاري الأكتاف، لونه أسود أنيق يعطيها هيبة وجاذبية. الفستان يبرز قوامها بدون تكلف. شعرها مسويته تكسير على جنب، ناعم بس فيه حركة، كأنه مكمل لشخصيتها الهادية. حاطة ميكب خفيف، بس مضبوط، يبرز ملامحها ويعطيها جمال هادي يخطف بدون صراخ.
نوف
كانت مختلفة بطلتها، لابسة فستان واسع من تحت، ومن فوق ماسك بشكل ناعم، وأكمامه طويلة وواسعة، يزينه كرستلا ت بيضا تعطيه لمسة رقي. لون الفستان تيفاني، منعش ومريح للعين. شعرها مسويته ستريت، مرتب وبسيط، وميكبها متناسق مع لبسها، لا زايد ولا ناقص، يعطيها شكل أنثوي ناعم وواثق.
نجود
كانت لابسة فستان ماسك على جسمها، لونه كحلي غامق يعطيها وقار وأناقة. أكمامه واسعة، ومن عند اليد يضيق شوي، ومزين بكريستالات فضية تزيده فخامة. شعرها مسويته تسريحة ناعمة، منزلة خصل ملفوفة بخفة حول وجهها، وكأنها تأطر ملامحها. ميكبها كان خفيف ومرتب، متناسق مع الفستان، بس يبرز جمالها بدون مبالغة.
أسيل
كانت غير عن الكل… حضورها مختلف.
لابسة فستان طويل يغطي رجولها وله ذيل ناعم وجميل، لون الفستان فضي يلمع بهدوء، وأكمامه طويلة وواسعة، ومزين بكريستالات بيضا تعكس الضوء مع كل حركة. شعرها مسويته ويفي، ناعم وينزل بانسيابية، وحاطة زينة بسيطة على شعرها تزيدها رقة. لبست عدسات طبية بدل نظارتها، وملامحها كانت هادية، جميلة، وفيها شيء يخطف القلب بدون ما تحاول.
كلهم كانوا جميلات…
بس كل وحدة بطريقتها،
وكأن المكان كله يبتسم بطلتهم.
عند الحريم
كانت نوف والجوهرة واقفات عند المدخل، يرحبن بالضيوف بابتسامات دافية، أصواتهن هادية بس مليانة ترحيب، وكل وحدة تمر تسلم عليها تحس إنها مرحب فيها من القلب. يتحركن بخفة، يضيفن الضيفات، ويوجهنهن لأماكن الجلوس وكأنهن حافظات المكان عن ظهر قلب.
سلطانة كانت واقفة تسلم على خواتها وحدة وحدة، الأحضان طويلة والكلمات مليانة دعاء ورضا. خواتها يباركن لها بفرح صادق، وهي تبتسم، بس عيونها تلمع من كثر المشاعر.
وبجنبهم، أم مازن كانت تتعرف عليهن بهدوء، تسلم وتبتسم، تحاول تحفظ الأسماء والوجوه، واضح عليها الارتياح وكأنها بين أهلها.
ذوق جلست جنب أسيل، قربها أكثر من غيرها، ناظرتها بنظرة حب وفخر وقالت بصوت دافي:
«مبروك يا حبيبتي».
أسيل ابتسمت ابتسامة خجولة، فيها فرح وفيها توتر بسيط، وردت:
«الله يبارك فيك».
بعدها بدقائق، جت نجود وجلست عندهن، نظرت لأسيل من فوق لتحت بإعجاب واضح وقالت:
«طالعه تهبلين، ما شاء الله تبارك الله، ألف مبروك».
أسيل حسّت بالكلمة تدخل قلبها قبل أذنها، وابتسمت وقالت بهدوء:
«الله يبارك فيك».
الجو كان مليان فرح، بس كل وحدة تحمل شعورها بطريقتها…
فرح هادي، امتنان، وشي خفي بين السطور ما ينقال.
عند الرجال
الجو كان مليان ضيوف، السلامات ما توقف، أصوات الترحيب تعلو وتختلط بالضحك الخفيف. الرجال يدخلون واحد ورا الثاني، وكل واحد له وقفة وسلام وكلمة طيبة.
مازن كان جالس بمكانه، هادي بس واضح عليه التوتر، خصوصًا إن عمه جالس جنبه. أبوه متوفي، ووجود عمه جنبه اليوم كان يسد فراغ كبير، مو بس رسميًا، حتى نفسيًا. كان يحس بثقل المناسبة، وبفرحها بنفس الوقت.
جلس مازن يعدل جلسته، يرفع نظره بين فترة وفترة، وكأن عيونه تدور على شخص معيّن…
معتز.
بالـه كله معه: بيجي؟ ولا كالعادة بيعتذر؟
جاء راكان عنده بابتسامة ودودة وقال:
«شخبارك؟ أنا راكان، ولد عم ماجد».
مازن وهو يعرفه بس قرر يسوي نفسه ما يعرفه، ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بهدوء:
«الحمدالله بخير، وأنا مازن».
راكان مد يده له بحرارة وقال:
«تشرفت».
بعدها قال بحماس:
«خلني أعرّفك على العايلة الكريمة».
وبدأ راكان يلف فيه، يعرّفه واحد واحد، أسماء، قرابات، ضحكات خفيفة، ومازن يهز راسه ويبتسم، يرد السلام، بس عقله مو حاضر بالكامل.
اسمه ينقال، وهو يسمع… بس قلبه بمكان ثاني.
كان يجاوب، يضحك، يسلم،
لكن بين كل اسم واسم، يرجع السؤال يضغط عليه:
معتز… بتحضر ولا لا؟
عند معتز
كان يسوق بهدوء، الشارع قدّامه طويل، والأفكار براسه أطول. كل ما قرّب، زاد توتره. فجأة خفف السرعة، لف يمين ثم يسار، واستوعب الحقيقة اللي حاول يتجاهلها…
هو ما يعرف الطريق.
تنهد بقهر خفيف، وضرب المقود بخفة وهو يتمتم:
زين يا عبقري… وتاليها ضايع.
طلع جواله واتصل على مازن. ما طول الرد.
مازن:
«هلا، وينك؟»
معتز بنبرة متوترة شوي:
«وين البيت؟ شكلي ضيّعت.»
مازن وهو يحاول يكون هادي:
«طيب خلك معي، لا تقطع.»
وبدأ يوصف له الطريق بالتفصيل، شارع، لفّة، إشارة، ومعتز يسمع وهو مركز بس قلبه مو ثابت. كل ما سمع وصف جديد، حس إنه أقرب… مو للمكان، بل للشي اللي يحاول يهرب منه من زمان.
معتز بعد ما فهم الطريق قال بسرعة وكأنه يبي يحط حدود من الحين:
«اسمع… ساعة وأطلع، طيب؟»
مازن انصدم:
«ساعه؟ قليل.»
معتز بنبرة حاسمة ما فيها نقاش:
«أنا قلت أكثر من كذا ما أجي.»
سكت ثانيتين، بعدها مازن استسلم وقال:
«طيب طيب، اللي يريحك.»
سكر معتز المكالمة، ووجهه جدّي، عيونه على الطريق، بس داخله صراع.
ضغط البنزين وتوجّه للموقع، وهو يحاول يقنع نفسه إن ساعة وحدة…
ساعة وبس.
عند الحريم
كانت الأجواء دافية، ضحك خفيف، وهمسات بين البنات. اسيل كانت جالسة بينهم وملامحها تجمع بين الفرح والذهول، كأنها للحين مو مستوعبة اللي صاير.
اسيل بابتسامة وهي تلف على نجود:
«نجود… تذكرين ذاك اليوم اللي قلت لك إني أرسلت صورتي بالغلط؟»
نجود رفعت حاجبها وهي تبتسم، وكأن الذكرى رجعت قدّامها:
«اي، اذكره زين.»
اسيل ضحكت ضحكة فيها استغراب وفرحة بنفس الوقت، وكأنها تقول: وش هالصدفة:
«تخيّلي… هو نفسه اللي خاطبني الحين.»
نجود انصدمت شوي، وبنبرة فيها يقين:
«سبحان الله… الأمور إذا كُتبت تمشي لو من ألف طريق.»
ذوق كانت تراقبهم وابتسمت وهي تهز راسها:
«جاك واحد شكله ما كان بالحسبان أبد.»
نوف ضحكت بخفة وقالت بسرعة، وكأنها تعترف:
«أبد، ما توقعتّه نهائي.»
اسيل لفّت عليها بنظرة مزاح ورفعت صوتها شوي:
«من عطاك لساني؟»
نوف رفعت يدينها باستسلام وضحك:
«العذر والسموحه منك.»
اسيل ابتسمت، وهالمره ابتسامتها كانت أهدى، فيها رضا:
«لا عادي…»
وسكتت، بس داخلها كانت تقول:
اللي صار يمكن بالغلط… بس اللي جاي شكله مكتوب
عند الرجال
كان مازن جالس بالمجلس، عيونه كل شوي تروح للباب، ينتظر معتز على أحرّ من الجمر. قلبه مو مطمّن، وكل دقيقة تمر يحسها أطول من اللي قبلها.
وفجأة… رن الجرس.
قام ماجد بسرعة وراح يفتح الباب. أول ما فتحه، تجمّد مكانه ثواني، عيونه وسعت وهو يحدّق بالشخص اللي قدّامه.
قال بنبرة اندهاش واضح:
«هذا انت؟»
معتز وقف قدّامه متوتر، بس حاول يثبت نفسه:
«ها… اي انا.»
ماجد تنفّس بعمق، وكأنه يستوعب الموقف، وبنبرة ترحيب:
«يا هلا، تفضّل.»
دخل معتز وسكّر الباب وراهم. وهم ماشيين باتجاه المجلس، ماجد كسر الصمت:
«مازن يقرب لك، صح؟»
معتز حس بنبضة قلبه تزيد، ورد بسرعة وهو يكذب:
«اي… يصير ولد عمي.»
ماجد هز راسه باستغراب بسيط:
«اها… الصراحة ما توقعت.»
دخلوا المجلس. معتز سلّم على الضيوف واحد واحد، بابتسامة متعبة يخفي فيها توتره. ولما وصل عند سطام، كان الموقف أثقل من البقية.
نبضات قلبه تسارعت، حس العرق يتجمع بكفوفه، ونَفَسه صار أقصر. قرب منه وسلم.
سطام لاحظ ارتباكه، وابتسم بنبرة خفيفة فيها دعابة:
«يا هلا… وش فيك ترجف؟ ترى أنا مو وحش.»
معتز بداخله: يا ربي وش هالفشيلة
ورد وهو يحاول يضحك:
«لا… ولا شي يا عمي.»
تحرّك بسرعة وراح جلس جنب مازن.
راكان شهق وهو يناظرهم:
«وانت يا مازن تعرفه؟»
معتز سبق مازن بالكلام، يحاول يمسك زمام الموقف:
«خلني أعطيك نبذة… مازن خويي، وهو يعرفك من كثر ما أسولف له عنك، وبس.»
راكان رفع حاجبه:
«طيب ليه ما خليتني أعرفه من قبل؟»
معتز قال بهدوء:
«الحين عرفته، خلاص.»
راكان ما اقتنع تمامًا، وناظره بنظرة شك:
«مو هذا المهم… المهم انت شلون قررت فجأة تجي؟»
مازن تدخل بثقة وهو يبتسم:
«لأني أنا قلت له يجي.»
راكان ضحك باستغراب:
«يا سبحان الله… وأنا لو أقول له من هنا لبكرا ما يرد علي.»
ومعتز كان ساكت، بس داخله كان ضجيج كامل…
لو يدرون بس وش اللي قاعد يصير داخلي
عند البنات
كانت البنات جايبات الدي جي ومشغلاته، والصالة مليانة أصوات الموسيقى والضحك. الجو كله فرح وحماس، كأن المكان ينبض حياة. البنات يرقصن بصدق، مو استعراض… فرحة حقيقية طالعة من القلب، لأن أسيل أخيرًا قررت تتزوج.
كل وحدة ترقص بطريقتها، بعضهم يصفق، وبعضهم يضحك من قلبه، وبعضهم يلف حول أسيل وهي بالوسط، والعيون كلها عليها.
أسيل كانت تضحك، بس داخلها إحساس مختلط… فرح، توتر، وشي خفيف من الحنين. تحاول تعيش اللحظة، وتقول لنفسها إن هذا يومها، وإنها تستاهل هالفرحة.
الدي جي عالي، والزغاريد تتقطع بين الأغاني، والفرح كان واضح على وجيه الكل… فرحة تأجلت كثير، وجت أخيرًا.
ومرت ساعة وجاء الوقت اللي يطلع فيه معتز
عند معتز
سوّى نفسه جاه اتصال، وقف بهدوء وطلع برا كأنه يرد، وبعد دقايق رجع للمجلس وملامحه فيها اعتذار واضح وقال:
«العذر والسموحة منكم بس أنا ماشي.»
سطام استغرب وناظره:
«وين؟ اقعد توّ الناس.»
معتز ابتسم ابتسامة متكلفة، يحاول يخبي توتره:
«والله يا عمي أمي تبغاني ضروري.»
سطام هز راسه:
«طيب مع السلامة.»
طلع معتز وهو يحس صدره انفتح لأول مرة من دخل. شغّل سيارته، وأول ما تحرك حس كأنه كان حابس أنفاسه طول الوقت، واللحين بس يقدر يتنفس. الطريق للفندق كان ساكت، بس راسه مليان ضجيج.
دخل الفندق، ما بدّل ولا شي، على طول ارتمى على السرير، وعيونه بالسقف، ونفسه متقطع. قال بينه وبين نفسه:
«والله إني دايم أحب أفضح نفسي… دايم.»
ضحك ضحكة قصيرة فيها قهر:
«ما كنت مصدق إني مسكت يده وسلّمت عليه… أخ بس.»
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت أهدى، موجوع:
«والله ودي أقعد وأطوّل عندهم… بس ما أقدر. فيه شي داخلي يقول لي لا.»
تنهد بعمق، كأنه يشيل حمل سنين:
«بس إلى متى وأنا كذا؟ أبعد عن أقرب الناس لي؟ أخ بس… ما أقدر أسامح نفسي على اللي سويت.»
لف على جنبه، وعقله ما وقف:
«طيب ليه ما أصارحهم؟ لا… لا ما ينفع. الله أعلم وش بسوون لي، خصوصًا راكان… راح ينصدم أساسًا.»
سكر عيونه بقوة، وكأنه يهرب من الفكرة:
«شلون راح أفتح الموضوع أصلًا؟»
وسكت… بس قلبه ما سكت.
عند البنات
كانت أسيل جالسة بينهم، تحرك يدينها بتوتر واضح وهي تسولف، عيونها تلمع بين فرح وخوف.
قالت وهي تتنهد:
«نجود تتدرين إني متوترة؟ أخاف يقول لي العرس بعد شهر.»
نجود لفّت عليها وابتسمت بثقة:
«لا مستحيل، توّه ملك.»
أسيل عضّت على شفايفها بخجل وضحكة خفيفة:
«إيه بس… انتِ ما شفتي وجهه يوم شافني بالشوفة، أحسه انهبل على شكلي.»
نجود ضحكت وضربت كف بكف:
«والله معه حق، انتِ تاخذين العقل ما شاء الله تبارك الله.»
أسيل نزلت عيونها بخجل، وابتسامتها صارت أوسع، بس قلبها يدق بسرعة، بين خوف من السرعة وفرحة إنها أخيرًا حسّت إنها مرغوبة ومحبوبة
عند الرجال
بعد ما خلصوا من العشاء، كان الجو هادي شوي. يزن وقف عند المغاسل يغسل يده، والمويه تنزل وهو شارد. فجأة لفت انتباهه شي يلمع على الأرض. خلص غسيله، نشف يده، وانحنى وأخذه بهدوء. قلبه ما ارتاح وهو يناظر الخاتم بين أصابعه.
جاء ماجد عنده وقال باستغراب:
ماجد: وش معك؟
يزن مد له يده بالخاتم وقال:
يزن: هذا لك؟
أخذ ماجد الخاتم، وأول ما وقع نظره عليه تغيّر وجهه فجأة. توقف الزمن عنده لحظة.
ماجد بصوت منخفض ومشدود:
ماجد: يزن… هذا خاتم أخوي الله يرحمه. وش جابه معك؟
يزن حس بثقل السؤال وقال بسرعة:
يزن: أنا لقيته طايح هنا.
ماجد رفع عيونه له، عدم التصديق واضح بنظرته:
ماجد: نعم؟ طايح هنا؟
يزن هز راسه:
يزن: اي.
ماجد ضحكة خفيفة طلعت منه غصب، فيها توتر أكثر من إنها ضحك:
ماجد: تمزح انت؟
يزن عقد حواجبه وقال بنبرة جدية:
يزن: تشوف الوضع يسمح إني أمزح؟
سكت ماجد لحظة، قلبه يدق بسرعة، وأسئلة كثيره تهاجمه.
ماجد: لا… بس شلون جاء هنا؟ دقيقة.
طلع جواله بإيد مرتجفة شوي واتصل على نوف.
نوف: هلا مجود.
ماجد حاول يكون ثابت:
ماجد: نوف، لما كنتِ تنظفين قسم الرجال اليوم شفتي خاتم طايح على الأرض؟
نوف بدون تردد:
نوف: لا ما شفت شي.
ماجد تنفس بعمق:
ماجد: طيب مع السلامة.
وقبل لا يقفل، جاء صوتها متوتر:
نوف: دقيقة لا تسكر… أي خاتم تتكلم عنه؟
ماجد حس شي يعصر صدره:
ماجد: خاتم أخوي الله يرحمه.
نوف شهقت:
نوف: أخوي؟ أصلاً كان معه… شلون جاء هنا؟
ماجد سكت ثواني، ما لقى جواب، وقال:
ماجد: مدري… والحين مع السلامة.
وسكّر، وهو يناظر الخاتم بإيده، إحساس ثقيل غريب مسيطر عليه، كأن الماضي رجع فجأة بدون استئذان
عند البنات
نوف سكّرت الجوال ببطء وجلست مكانها ساكته، عيونها ثابتة قدامها بس واضح إن أفكارها بعيدة. يدها كانت ماسكة الجوال بقوة وكأنها تحاول تستوعب اللي سمعته.
الجوهره لاحظت تغيّرها وقربت منها:
الجوهره: نوف وش فيك؟ ماجد وش قال لك؟
نوف رفعت راسها، صوتها كان هادي بس فيه ارتباك واضح:
نوف: قال لي إنه لقى خاتم أخوي… طايح.
الجوهره واسيل بنفس اللحظة، وبصوت واحد مليان صدمة:
الجوهره واسيل: نعم؟!
اسيل قربت أكثر، عدم التصديق واضح بملامحها:
اسيل: تمزحين؟
نوف هزّت راسها، ونبرتها كانت جادة:
نوف: لا والله ما أمزح. الليلة إن شاء الله ماجد بيقول لنا سالفته.
ساد صمت ثقيل بينهم، وكل وحدة تحاول تربط الأحداث ببعضها، وإحساس غريب بدأ يتسلل لقلوبهم… إحساس إن فيه شي مو طبيعي قاعد يصير.
وخلصت العزيمة، وماجد وأهله اجتمعوا بالصالة
الجو كان ثقيل، والسكوت مسيطر على المكان كأن الكل ينتظر أحد يتكلم.
سلطانه بصوت متردد:
سلطانه: يا ولدي… وين لقيته؟
ماجد تنفّس بعمق قبل يرد:
ماجد: يزن لقاه طايح عند المغاسل.
سطام عقد حواجبه، الشك واضح بصوته:
سطام: يمكن يزن يمزح معك؟
ماجد هز راسه بنفي:
ماجد: لا، يزن مستحيل يمزح بهالأمور.
نوف بصوت مهزوز، تحاول تمسك نفسها:
نوف: يعني أخونا… ما مات؟
سلطانه نظرت لهم كلهم، وصوتها كان مكسور بس فيه أمل:
سلطانه: مدري… بس الواقع يقول لنا إنه حي.
وسكتوا، وكل واحد غارق بأفكاره، والصدمة أكبر من أي كلام.
قبل ثلاث سنوات
كانت سلطانه جالسة تقرأ قرآن بهدوء، وسطام يتابع التلفزيون، وماجد منشغل بجواله. فجأة تغيّر الجو كله.
جاءت رسالة على جوال سطام. وقف فجأة، صوته ارتجف:
سطام: لا… لا… وش ذا؟
سلطانه رفعت راسها بخوف:
سلطانه: بسم الله، وش فيك؟
سطام وهو يناظر الجوال بذهول:
سطام: فيه رسالة تقول إن جاسم… توفّى.
سلطانه حاولت تنكر، الألم سبق عقلها:
سلطانه: لا تمزح… أكيد غلط.
سطام هز راسه، صوته مخنوق:
سطام: لا يا مرة… ما هو غلط.
ماجد كان يسمع من بعيد، ثابت بمكانه، عقله رافض يستوعب اللي قاعد يصير.
سلطانه جلست، غطت وجهها بيدينها، وبكت بحرقة:
سلطانه: يا حسرتي عليك يا ولدي… يا ليتني شفتك قبل… يا ليتني قلت لك إني مسامحتك.
نوف ركضت عند أمها، تحاول تهديها وهي تبكي معها:
نوف: يمه… خلاص… ادعي له.
الجوهره كانت داخلة تحمل صينية، أول ما سمعت الكلام، طاحت من يدها. انكسرت الكاسات، وجلست على الأرض تبكي بصمت، الألم كان أكبر من الصوت.
اسيل دخلت الصالة، انصدمت من المشهد:
اسيل: يمه؟ يبه؟ وش فيكم؟
سطام بصوت مكسور:
سطام: أخوك… توفّى يا بنتي.
اسيل تجمّدت مكانها:
اسيل: جاسم؟ أخوي جاسم؟
سطام: إي.
وفجأة، سقط سطام مغشيًا عليه.
ماجد تحرك فورًا، أخذه للمستشفى، والضغط كان منخفض.
وماجد، وهو واقف عند غرفة أبوه، كان منهار… فقد أخوه، وكل شي تغيّر من بعدها.
نرجع للحاضر
السكوت لفّ الصالة، وكل واحد فيهم يحمل سؤال ما له جواب.
اسيل بصوت منخفض، مليان خوف وأمل بنفس الوقت:
اسيل: يا رب إن الرسالة ذيك كذب.
سلطانه رفعت يدينها، عيونها تلمع:
سلطانه: يا رب… يا رب.
سطام كان شارد، ملامحه مشدودة، يفكر بصوت مسموع:
سطام: بس… كيف جاء الخاتم؟
ماجد حك راسه بتوتر، ونبرة صوته فيها حيرة:
ماجد: والله يبه أنا زيّك، أفكر وشلون جاء.
سطام تنهد تنهدة ثقيلة، كأنها طالعة من صدره من سنين:
سطام: والله حاجة غريبة.
والسؤال ظل معلق بينهم، أكبر من أي إجابة.
عند معتز
كان واقف بالمطبخ يغسل المواعين، والمويه تنزل وهو يضحك بخفة على نفسه.
معتز وهو يهز راسه:
معتز بنفسه: والله صرت أغسل وأكنس وأنظف… صار عندي مهارات كثيرة.
خلص من الغسيل، نشف يده، وراح للصالة وجلس قدام التلفزيون بدون تركيز حقيقي. الصور قدامه، بس باله بمكان ثاني. بعد شوي، قام فجأة وكأنه تذكر شي، ومد يده لجيوب بنطلونه. قلبها جيب جيب، مرة بهدوء ومرة بعصبية، ما لقى شي.
وقف بنص الصالة، سكت لحظة، وبدا يسترجع.
معتز بنفسه، بنبرة متوترة:
أنا آخر مكان كان معي… عند مغاسل أبو ماجد.
وفجأة ضرب جبينه بكفه بقوة، وملامحه امتلأت بالندم.
معتز: أنا غبي… ليه أخذته معي؟ ليه؟ والله ما فيه أغبى مني.
مشى خطوتين، حاول يهدأ نفسه، وتنفس بعمق.
معتز: يلا عادي… بس شلون؟ هذا الشي مهم عندي.
سكت ثانية، ثم قرر.
معتز: خلاص… بتصل على راكان.
أخذ جواله واتصل.
راكان: هلا.
معتز، متردد بالبداية:
معتز: راكان… أدري إنه شي غريب، بس أبي رقم ماجد ضروري.
راكان، بنبرة فيها عناد واستغراب:
راكان: ليه؟
معتز ضم شفايفه، وكتم ضيقه:
معتز: يا ربي منك… أبيه ضروري.
راكان بعد لحظة صمت:
راكان: طيب، سجل عندك.
معتز بتنفس ارتياح واضح:
معتز: الله يجزاك خير.
سكر الخط، كتب رقم ماجد، وبقي يناظر الشاشة. إصبعه قريب من زر الاتصال، لكن قلبه مو مطاوعه. رفع عينه على الساعة… 11.
معتز بنفسه:
إن شاء الله ما أزعجه.
وظل واقف، متردد بين إنه يتصل أو ينتظر، وقلقه يكبر مع كل ثانية.
عند ماجد
كان جالس بالصالة، الإضاءة هادئة، وماسك الخاتم بين أصابعه. يقلبه شوي شوي، يناظره كأنه ينتظر منه جواب. عقله مشغول، وسؤاله واحد ما يفارقه: شلون جاء هنا؟
كل ما تذكر أخوه، شدّ على الخاتم أكثر، وكأن فيه بقايا إحساس ما وده يضيع.
رن الجوال فجأة، قطّع أفكاره.
ماجد رد وهو ما زال يناظر الخاتم:
ماجد: هلا، من معي؟
جاءه صوت مألوف:
معتز: أنا معتز… تذكرتني؟
ماجد رفع راسه شوي، صوته ثابت بس داخله متوتر:
ماجد: إي تذكرتك، سمّ وش بغيت؟
معتز، بنبرة مترددة:
معتز: أنا ضيعت شي عند المغاسل… شفته؟
ما إن سمع هالكلام، إلا وماجد فز من مكانه، قلبه دق بقوة، وصوته طلع بدون تفكير:
ماجد: خاتم؟؟
جاءه الرد بسرعة:
معتز: خاتم؟؟ لا الله يهديك، ساعتي.
ماجد وقف لحظة، يحاول يخفي ارتباكه، وتنفس براحة خفيفة:
ماجد: اها… إي لقيتها. متى تبي تستلمها؟
معتز: بكرا إن شاء الله إذا فاضي.
ماجد: طيب، مع السلامة.
سكر الجوال، وناظر الخاتم مرة ثانية. ملامحه تغيّرت، صار فيه حذر أكثر من قبل. بهاللحظة دخلت سلطانه عليه.
سلطانه: من دق عليك؟ صاحب الخاتم؟
ماجد بسرعة، وكأنه يبي يقفل الموضوع:
ماجد: لا يا يمه، صاحب الساعة هذي.
وطلع الساعة ورفعها لها.
سلطانه ناظرت الساعة وهزت راسها بهدوء:
سلطانه: اها.
لكن ماجد رجّع عينه للخاتم، وهو يحس إن الأسئلة توها تبدأ، مو تنتهي.