الفصل الثالث
ببيت فراس، وبعد ما خلصت العزيمة وراح معتز، جلسوا العائلة مجتمعين بمجلس الرجال، السوالف ماشية بهدوء.
فراس كان ساكت أكثر من العادة، نظره سرح أكثر من مرّة عند الباب، كأنه ينتظر شي ما بيجي. التفت فجأة.
فراس: راكان.
راكان: سمّ.
فراس: خويك… وش اسمه الكامل؟
راكان استغرب السؤال، بس ردّ بدون تردد:
راكان: معتز. هذا اللي أعرفه.
فراس هز راسه بهدوء، وقال كأنه يستوعب:
فراس: اها…
صيته لاحظت تغيّر صوته ونظراته، قالت وهي تطالعه:
صيته: وش فيك يا بو عادل؟ من شفته وانت مو على بعضك.
فراس عدّل جلسته، وصوته طلع طبيعي أكثر مما كان يحس:
فراس: ولا شي… بس حبيت أعرفه.
سكت بعدها، ورجع للسوالف،
لكن داخله كان شي ثاني… إحساس قديم صحا بدون إذن، وما لقى له اسم.
عند معتز.
كان يسوق والسيارة هادية، بس داخله ما كان كذلك. أسئلة فراس الغريبة تدور براسه، كلمة ورا كلمة، وكلها بدون جواب. حاول يبعدها، لكنه يوم طالع بالمراية، انتبه لسيارة وراه.
قال بنفسه: يمكن صدفة.
غير طريقه.
السيارة غيرت وراه.
شد على المقود، قلبه دق أسرع، ووقف على جنب. نزل من السيارة وهو يحاول يبين ثابت. اللي وراه نزل… وكان رافع.
معتز رفع حاجبه، وصوته طلع ببرود متعمّد:
معتز: يا هلا برافع.
رافع قرب، ونبرته مليانة حقد:
رافع: يا هلا بك… ما حسّيت بالذنب؟ أنا انفصلت من الشركة بسببك.
معتز ابتسم ابتسامة ما وصلَت لعيونه:
معتز: حسّيت… بس يوم شفت وضعك، أشفقّت عليك أكثر.
رافع شد فكه:
رافع: مسوي بريء؟
معتز: يا ولد، اتركني بحالي وخلاص.
رافع قرب زيادة، صوته صار أوطى وأخطر:
رافع: تحسبني بتركك؟ وانت خليتني مشرد بالشوارع؟
معتز حس بالغضب يصعد، بس كتمه:
معتز: لأنك تستاهل اللي صار لك.
رافع ضحك ضحكة قصيرة، وقال:
رافع: حلو… تبيني أفضحك قدّام الناس؟ أقول لهم إنك مخفي نفسك؟
معتز رفع راسه بثبات، كأنه يتحداه:
معتز: ها؟ سو اللي تبي. علِم الناس كلهم، حط تغريدة، علّمهم سالفتي…
وتنهد بسخرية:
معتز: مسكين، تحسب نفسك مخيف.
الشرارة اشتعلت بعين رافع. بدون إنذار، مد يده وضرب معتز.
معتز ما فكّر. الغضب انفجر، مسك رافع من ياقة ثوبه، شدّه بقوة، وصوته طلع حاد:
معتز: قليل أدب… صدق.
عند مازن.
كان قايل لمعتز إنه بينام عند أمه. جلس لحاله يتصفح جواله بهدوء، يقتل الوقت لا أكثر. فجأة، جاتْه رسالة.
فتحها بدون تفكير.
«أخبارك؟ والله وحشتيني يا نجود. آسفة ما حضرت اليوم، بس أبي أوريك فستاني لأني محتارة بين اثنين. خويتي عزمتني لأنها بتسافر عشان زواجها.»
وتحت الرسالة، صورتين.
وقف شوي وهو يطالع الشاشة. الصورة الأولى بفستان أحمر غامق، ملفت، والثانية بفستان رمادي ماسك على الجسم. مازن تنح لحظة، مو لأنه قاصد، بس لأن المفاجأة كانت أكبر من استيعابه.
بعدها، جاءه إحساس ثقيل.
استوعب إن الرسالة مو له، وإنه يشوف شي ما له حق يشوفه. قلبه توتر، وسكّر الصور بسرعة، كأنه يبغى يمسحها من عينه قبل جواله.
قال لنفسه بهمس: غلط… هذي مو لي.
جلس يفكر، ليه جا الرقم؟ وليه حس بالارتباك كذا؟ حاول يبعد الفكرة، بس رأسه كان مزدحم. بعد وقت، التعب غلبه، وغفا وهو لسه مو مرتاح… وإحساس غريب ما لقى له تفسير.
عند نجود.
كانت ماسكة جوالها، تتصفح بدون تركيز. عقلها مشغول، وعيونها تمرّ على الشاشة وهي ما تنتبه لشي معيّن. فجأة، رن الجوال.
نجود: هلا سوسو.
أسيل: يا هلا بك.
نجود عدّلت جلستها، مستغربة من نبرة صوتها:
نجود: وش عندك داقّة؟
أسيل: ليه ما رديتي علي؟ الحفلة بكرا.
نجود عقدت حواجبها، صوتها طلع مستغرب بصدق:
نجود: ما رديت عليك؟ وحفلة؟ وش قاعده تقولين؟
أسيل: نجود بلا استهبال، أنا قبل ساعة أرسلت لك.
نجود نزلت عينها على الجوال، فتحت المحادثات بسرعة:
نجود: لا… أنا صادقة، ما جتني أي رسالة.
جاءها صوت شهقة من الطرف الثاني، وصار صمت ثواني.
أسيل (مصدومة): تمزحين؟ أجل أنا أرسلت الصور لمين؟
نجود حسّت بقلبها يطيح شوي، بس حاولت تثبت صوتها:
نجود: مدري… والله مدري.
أسيل: طيب… باي.
انقفل الخط فجأة.
نجود بقت تطالع الشاشة، تحس بشي مو طبيعي صار، إحساس خفيف بالقلق، كأن موضوع بسيط فتح باب أكبر مما كانت تتوقع.
عند راكان وأهله.
كان الجو هادي، بس التوتر واضح بملامح فراس. فجأة قطع الصمت ونظر لراكان بنظرة ما كانت مريحة.
فراس: راكان… خويك هذا، من متى وانت تعرفه؟
راكان استغرب السؤال، لكنه رد بهدوء:
راكان: من يوم رحت روسيا، هناك تعرّفت عليه.
صيته لاحظت تغيّر ملامح فراس، قالت بقلق:
صيته: يا بو عادل، وش فيك؟
فراس شد فكه شوي، وصوته طلع منخفض:
فراس: خويك… مشكوك بأمره.
راكان انتفض بالكلام:
راكان: يبه، وش تقصد؟
فراس ما رد. لفّ ومشى باتجاه غرفته، تارك وراه صمت ثقيل.
راكان نادى وراه أكثر من مرة، بس بدون جواب.
بعدها رجع راكان وجلس بالصالة، الحيرة واضحة بوجهه.
راكان: يمّه، وش فيه أبوي اليوم؟
صيته هزّت راسها:
صيته: والله ما أدري وش فيه.
تغريد دخلت بالسالفة تحاول تخفف الجو:
تغريد: يمكن معصب من شي.
عادل ردّ وهو متأمل الوضع:
عادل: لا… أبوي إذا عصب، ما يحب يسولف كثير.
راكان تنفّس بعمق، وقال بصوت فيه شك:
راكان: إي… وهذا اللي مشككني بالموضوع.
وسكت.
الإحساس بعدم الارتياح بقى معلّق بالمكان، كأنه سؤال بدون إجابة.
عند يزن.
كان جالس بالصالة يتفرج على التلفزيون، بس عيونه ما كانت مركّزة. أفكاره تروح وتجي.
ذوق كانت تنوّم العيال، وبعد ما ناموا طلعت من الغرفة. وقفت لحظة عند باب الصالة تشوفه؛ شعره طايح على وجهه، وأزرار بلوزته مفتوحة، شكله متعب أكثر من اللازم.
دخلت وجلست قريبة منه.
يزن طفى التلفزيون وناظرها.
يزن: ذوق.
ذوق: عيونها.
تنفّس بعمق، وكأنه يبي يطلع شي كان حابسه:
يزن: أنا شاك بخوي راكان.
ذوق رفعت نظرها له بهدوء:
ذوق: من أي ناحية؟
يزن: مدري… بس أحس فيه إن بالموضوع شي مو واضح.
ذوق لاحظت توتره، حاولت تغيّر الجو:
ذوق: طيب، جوعان؟
يزن قرّبها له وحطها بحضنه، كأنه يبي ينسى كل شي:
يزن: أنا ما أشبع إلا منك.
ذوق ابتسمت بخفة، تحاول تفلت نفسها:
ذوق: يزن، بروح أسوي العشاء.
شدّها له أكثر، صوته طلع عنيد بس دافي:
يزن: ما راح تروحين.
ذوق (تضحك): طيب طيب…
حطّت يدها على وجهه، وصوتها صار أهدى:
ذوق: يا حبيبي، اتركني بروح.
يزن حس إن صوته يذوب قدّامها، بس رد بنفس العناد:
يزن: لا.
قرّبت وباسته على خده، كانت حركة بسيطة، بسها كفت.
يزن ما قدر يقاوم، وتركها.
قامت وهي تبتسم،
وهو رجع يسند ظهره، الأفكار لسه براسه… بس أخف شوي.
عند معتز.
كانت الهوشة بينهم شدّ وجذب، مرّة الكفة له، ومرّة لرافع. التعب بان عليهم الاثنين، والأنفاس صارت ثقيلة.
رافع فجأة قدر يثبّت معتز، نظرته تغيّرت، ما عاد فيها لعب.
رافع (بحدّة): ما راح أتركك.
معتز حاول يخفف، ضحك ضحكة قصيرة وهو يلهث:
معتز: هه… ضحكتني.
رافع قرّب أكثر، صوته صار أخطر:
رافع: تبي تشوف الجد؟
معتز: ورني.
في لحظة، الجو تغيّر. اللعب اختفى، والتهديد صار واضح.
معتز تحرّك بسرعة، قدر يفلت نفسه، وضرب رافع وخلّاه يطيح.
وقف معتز وهو يحاول يستعيد نفسه، قال وهو يبتعد:
معتز: خلاص… انتهى.
بس فجأة حس بألم حاد خلاه يتوقف مكانه. لفّ وهو متألم، صوته طلع مخنوق:
معتز: وش تبي؟ خلاص!
رافع كان واقف قدّامه، عيونه مليانة حقد:
رافع: ما راح أتركك.
معتز حس إن قوته تخونه، حاول يبعده عنه وهو يتألم:
معتز: زودتها…
رافع: لين أبرّد كبدي.
وسط الدوخة، لمح معتز ظل شخص يقرّب، حاول يركّز، يعرف مين…
لكن الدنيا سوّدت بعينه،
وآخر شي حس فيه… إنه طاح.
في اليوم التالي
عند معتز
فتح عيونه ببطء. السقف أبيض، والضوء مزعج. لفّ راسه يمين ويسار وهو يحاول يستوعب المكان.
فجأة فزّ من السرير، لكن الألم وقفه، حس بشد قوي خلاه يرجع ينسدح وهو يتنفس بصعوبة.
انفتح الباب، ودخل يزن.
يزن: الحمد لله على سلامتك.
معتز ناظر فيه باستغراب:
معتز: الله يسلمك… بس أنا شلون جيت هنا؟
يزن: اللي صار باختصار، شفت هوشتك انت ورافع بالصدفة… ولحّقت أنقذك.
معتز سكت لحظة، ثم قال:
معتز: مشكور.
يزن رجع ظهره ورا، وحط رجل على رجل، ونبرته صارت جادة:
يزن: سؤال… رافع ليه كان يتهاوش معك؟
معتز حس بالتوتر يرجع له فجأة، صوته خانَه شوي:
معتز: ها؟ مدري… ليه.
يزن طالع فيه نظرة ما كانت مقتنعة:
يزن: ليه تكذب؟ مستحيل تصير هوشة كذا بدون سبب.
معتز: يا أخي، ما أكذب عليك.
يزن: طيب… أنا عارف إن رافع هدفه جاسم. انت وش دخلك؟
معتز شد على يده، ونفَسه صار أسرع:
معتز: يزن، ليه مصر تعرف؟ مو لازم كل شي ينقال.
يزن قرّب بنظره وقال:
يزن: يعني مصر تكذب وتقول إن اسمك معتز… واسمك هو—
وفجأة،
معتز فزع وهو يلهث.
جلس مكانه، قلبه يدق بقوة. ناظر حوله مرة ثانية… نفس السرير الأبيض.
تنفّس بارتياح وهمس:
كابوس… الحمد لله بس كابوس.
انفتح الباب، ودخل الدكتور.
الدكتور: الحمد لله على سلامتك.
معتز: الله يسلمك… بس من جابني هنا؟
الدكتور: ماجد. وهو من أمس ينتظر تقوم بالسلامة.
معتز: آه… طيب.
الدكتور: هو برا، تحب أقول له يدخل؟
معتز: إذا يبي يدخل، دخّله. وإذا لا، بكيفه.
الدكتور: تمام.
بعد دقايق، دخل ماجد.
ماجد: الحمد لله على سلامتك.
معتز: الله يسلمك.
ماجد جلس على الكرسي جنبه، ونبرته كانت هادئة بس مباشرة:
ماجد: ممكن أعرف انت من؟ وليه ساعدتني ذاك اليوم؟ سببك وقتها… ما كان مقنع.
معتز أخذ نفس عميق قبل ما يرد:
معتز: اسمي معتز. وساعدتك لأنك ذكّرتني بشخص من الماضي.
ماجد: اها…
قام ماجد، وقبل لا يطلع لفّ عليه:
ماجد: تحتاج شي؟
معتز: لا، يعطيك العافية.
ماجد: طيب.
طلع.
معتز أرخى نفسه على السرير، وعيونه معلّقة بالسقف.
الأفكار ما وقفت، وصوت داخله كان واضح:
لازم أحط حد لرافع…
هالمرة عدّت،
بس المرة الجاية؟
يمكن ما أطلع منها.
سكر عيونه، وهو حاس إن الوقت ما عاد في صالحه
عند ماجد
طلع من الغرفة وهو متجه للبوابة، خطواته هادئة بس راسه مليان أفكار. كان ناوي يطلع بسرعة، كأنه يبي يترك المكان كله وراه.
وبالصدفة، لمح راكان جاي من الجهة الثانية.
توقّفوا قدّام بعض.
راكان قرّب شوي، ملامحه فيها استغراب:
راكان: عسى ما شر… وش فيك هنا؟
ماجد تردد لحظة، بعدها ردّ بنبرة طبيعية أكثر مما كان يحس:
ماجد: لا لا، ما فيه شي.
راكان عقد ذراعيه، نظرته صارت أدق:
راكان: أجل ليه انت هنا؟
ماجد حس بالسؤال يضغط عليه، بس ما بان عليه:
ماجد: جاي أزور واحد.
راكان: اها…
صار بينهم صمت قصير، كل واحد يطالع الثاني كأنه يحاول يفهم شي ما ينقال.
ماجد كسر الصمت وهو يلفّ:
ماجد: يلا… مع السلامة.
مشَى،
وهو يحس إن اللقاء هذا كان عابر،
بس مو بسيط…
وإن فيه أشياء لسه ما طلعت على السطح.
عند راكان
دخل راكان عند معتز بخطوات مترددة، ونظره سبق كلامه.
وقف عند السرير وقال بنبرة فيها ارتياح واضح:
راكان: الحمد لله على سلامتك.
معتز رفع عينه له، حاول يبتسم رغم التعب:
معتز: الله يسلمك.
راكان ما طول، قرب الكرسي وجلس، صوته صار جاد:
راكان: قل لي وش صار من البداية للنهاية… وليه انت هنا؟
معتز حس بالسؤال يضغط عليه. لحظة صمت مرّت، بعدها أخذ نفس خفيف، وبدأ يرتّب كلامه بعناية.
لازم تكون القصة بسيطة… وما تفتح أبواب.
معتز: اللي صار… دخلت هوشة مع واحد.
وقف شوي وكمل:
معتز: ما أعرفه، ولا أعرف ليه كان يبيني. فجأة الموضوع كبر، وانتهيت هنا.
كان يتكلم وهو يتجنب عيون راكان، صوته ثابت بس داخله مو كذا.
راكان اكتفى بهز راسه.
راكان: اها…
سكت،
بس نظرته كانت تقول إنه سمع الكلام…
مو بالضرورة إنه صدّقه.
عند مازن
كان جالس بالصالة جنب أمه، التلفزيون شغال بس صوته منخفض. مازن شكله شارد، يطالع قدّامه بدون تركيز.
أم مازن: يا ولدي، وش فيك؟
مازن تنهد وقال بصوت فيه قلق:
مازن: ولا شي… بس خويي من أمس ما دق علي، وخايف يكون صار له شي.
أمه طالعته بحنان:
أم مازن: طول بالك، إن شاء الله خير.
سكت شوي، وبعدين كأنه تذكر شي:
مازن: طيب يا يمّه… بقول لك مواصفات البنت اللي أبيها.
أمه رفعت حاجبها باستغراب:
أم مازن: مو انت قلت لي تبي وحدة معيّنة؟ ولا حتى لحقت تحفظ شكلها… شلون بتوصف لي؟
مازن توهّق، حس نفسه انحشر. لفّ الكلام بسرعة:
مازن: طيب إلى متى وأنا أدورها؟ خلاص… انتي دوري لي.
أمه ابتسمت:
أم مازن: تمام.
مازن ارتاح، حس إن الموضوع عدّى.
قال بسرعة قبل لا تتغير:
مازن: أبيها قصيرة، وشعرها طوله متوسط، وتلبس نظارة، ونحيفة و—
قاطعته أمه وهي تضحك:
أم مازن: ما شاء الله! وش رايك أكمل؟
وسكتت شوي:
أم مازن: تدري إن هالمواصفات تنطبق على بنت خويتي؟
مازن ضحك بخفة وهو يقول بينه وبين نفسه «ههههه… وش هالذكاء، ليه وصفت بتعمق كذا»
وبعدين قال بصراحة:
مازن: الصدق؟ البنت أرسلت لي صورتها بالغلط.
أمه ضحكت:
أم مازن: صدق؟ هههه… الله يعينها، أكيد مصدومة.
مازن قرّب منها وقال بحماس:
مازن: طيب متى تروحين تخطبينها لي؟
أم مازن: ورّني الصورة.
مازن فتح المحادثة، بس وقف عند الاسم:
مازن: ادخليها بنفسك.
أمه دقّقت شوي وقالت:
أم مازن: والله… هذي بنت أم ماجد.
عيون مازن لمعت:
مازن: يمّه! اخطبيها لي.
أمه ابتسمت بثقة:
أم مازن: أبشر.
مازن باس راسها بحب:
مازن: الله يخليك لي يا الغالية.
جلس بعدها وهو مبتسم،
أول مرة من فترة طويلة يحس إن الأمور ماشية لصالحه.
عند أسيل
كانت جالسة وهي مو على بعضِها، تمسك جوالها وتتركه، تقوم وتقعد. الصدمة للحين ما راحت، والتوتر باين بملامحها. فكرة الصور ما تفارقها… راحت لمين؟ وكيف؟
نجود كانت معها بالبيت، تراقبها من بعيد.
نجود: يا بنت الحلال، طولي بالك شوي.
أسيل لفت لها بنظرة متعبة، بعين وحدة أكثر من الثانية:
أسيل: لا والله أطوّل بالي؟ كيف؟ وأنا للحين ما أدري الصور راحت لمين!
نجود: معك حق، بس يمكن اللي بالغلط أرسلتي له صورتك يكون شريك حياتك.
أسيل وقفت فجأة، ناظرت نجود بصدمة:
أسيل: ها؟ وش قلتي؟ شريك حياتي؟
ضحكت ضحكة قصيرة متوترة:
أسيل: لا أكيد تمزحين معي… أنا ما أبي أتزوج، بدري مرّة.
نجود تنهدت، وصوتها صار أهدى بس فيه وجع:
نجود: بس يا سوسو… انتي تقدرين تتزوجين. مو مثلي، أنا تزوجت واحد خاين وخرب سمعتي.
أسيل حسّت بالكلام يوجعها أكثر مما توقعت، ردّت بسرعة:
أسيل: بس لا تنسين… إنه أخوي!
نجود انتبهت، وسكتت لحظة قبل ما تقول:
نجود: صح… راحت عن بالي.
سكتوا الاثنين.
الجو صار ثقيل،
وأسيل رجعت تطالع جوالها، تحس إن غلطة صغيرة سوت دوشة أكبر من قدرتها على التحمل.
.عند معتز
كان جالس بالغرفة، الطفش ذابحه. ما يقدر يطلع، والدكتور قال له يقعد يومين على الأقل. الوقت يمر ببطء، وأفكاره أسرع منه.
رن جواله.
معتز: هلا مازن.
جاءه صوت مازن وفيه عتب واضح:
مازن: وينك من أمس؟ وأنا أدق عليك!
معتز تنهد:
معتز: سالفة طويلة عريضة.
مازن: طيب وينك؟
معتز: بالمستشفى…
سكت الطرف الثاني لحظة، وبان الخوف بصوته:
مازن: ليه؟ وش صار لك؟
معتز: تعال وأنا أقول لك كل شي.
مازن: طيب، مسافة الطريق وأنا عندك.
سكر الخط.
وبعد نص ساعة، دخل مازن الغرفة وجلس جنبه.
مازن: ها… قل لي وش صار؟
معتز أخذ نفس عميق، وبدأ يحكي له السالفة من البداية للنهاية.
مازن كان يسمع بهدوء، ومع كل كلمة يرتاح أكثر.
مازن: ما تشوف شر.
معتز: الشر ما يجيك.
سكت مازن شوي، كأنه يجمع شجاعته، وبعدين قال:
مازن: طيب… بقول لك شي.
معتز: قل.
مازن: أنا قررت أتخذ خطوة كبيرة.
معتز ابتسم بخفة:
معتز: تتزوج؟
مازن: إي.
وجه معتز انشرح من قلبه:
معتز: صدق؟ أخيرًا! طيب بنت من؟
مازن: بنت سطام.
الكلمة نزلت ثقيلة.
تغيّر وجه معتز فجأة، ونزل راسه بدون ما يحس.
مازن: وش فيك؟
معتز: ها؟ ولا شي… بس انصدمت.
رفع عينه شوي:
معتز: بس سطام أيش؟
مازن (مستغرب): يا ولد وش فيك؟
معتز (بحدة خفيفة): جاوبني.
مازن: طيب… سطام الـ—
قاطعه معتز بسرعة:
معتز: طيب مبروك. وخطبتها ولا لا؟
مازن: بما إنك خويي، الصراحة أمي راحت تزورهم اليوم… عشان تشوف اللي بخطبها.
معتز حس بشي يضغط على صدره. الدموع تجمّعت بعينه، بس شد على نفسه.
صوته طلع مكسور شوي:
معتز: الله يتمم لك على خير.
مازن حس بالجو تغيّر، حاول يخفف:
مازن: طيب… متى يجي دورك؟
معتز لفّ وجهه بعيد وقال:
معتز: مازن بالله… ما أبي أتكلم. أحس إني مخنوق.
مازن: طيب على راحتك. متى تطلع؟
معتز: بعد بكرا… ويمكن أقعد لحالي.
مازن: تمام. مع السلامة.
طلع مازن.
معتز انسدح على السرير، عيونه معلّقة بالسقف.
الدموع نزلت بدون إذنه.
غمض عيونه يحاول ينام…
بس بعض الأشياء، مهما حاولت تهرب منها،
تلحقك. ومازن راح
عند مازن
كان يسوق والسيارة تمشي بهدوء، بس راسه ما كان هادي. الطريق قدّامه واضح، لكن أفكاره ملتفّة حول شخص واحد.
معتز.
شدّ يده على الدركسون وتنهد، وكأنه يحاول يرتّب أفكاره.
وش فيك يا معتز؟
صحيح أعرفك من مدة طويلة… بس من يوم جيت هنا وانت غير.
حس إن الصورة مو مكتملة. كل موقف يتذكره يزيده حيرة.
مرة ساكت، مرة متضايق بدون سبب، ومرة فجأة تحس إن الدموع قريبة من عينه.
هز راسه وهو يكمل لنفسه:
أسباب زعلك غريبة… ناس يطلعون فجأة، يتهاوشون معك، وانت دايم تسكر الموضوع.
ولا عمرك رضيت تقول لي من انت صدق.
خفف السرعة شوي، وصوته الداخلي صار أهدأ:
أنا مو أبي أفتّش وراك… بس أخاف عليك.
وأخاف إنك شايل شي أكبر من قدرتك.
سكت، وناظر للطريق قدّامه.
كان يعرف شي واحد بس…
إن معتز مو شخص عابر بحياته،
وإن الغموض اللي حوله،
مو راح يطول بدون ما يترك أثر.
عند أسيل
كانت الغرفة هادئة، إلا من أنفاس أسيل المتسارعة.
وقفت قدّام المراية تحط لمساتها الأخيرة، تعدّل شعرها شوي، وترش عطرها بحذر كأنها تخاف يفضح توترها.
دخلت نوف وهي تبتسم:
نوف: يا بنت يلا، المرة جاية تبي تسلّم علينا.
أسيل بلعت ريقها، وحاولت تبين طبيعية:
أسيل: يلا… بس أبخ من عطري.
ابتسمت نوف وطلعت، وأسـيل لحقتها بخطوات مترددة.
قلبها يدق أسرع مع كل خطوة، وهي متجهة للصالة عشان تسلّم على أم مازن.
أول ما شافتها أم مازن، وقفت للحظة.
نظرة إعجاب صامتة، كأنها تشوف شي نادر.
كانت أسيل لابسة تنورة بيضاء توصل لنص الساق، مع بلوزة وردية بأكمام واسعة من تحت، مزينة بنقوش ذهبية ناعمة.
شعرها الويفي ينسدل لآخر رقبتها، وكعبها الأبيض زادها أناقة، ونظارتها الذهبية مع ميكبها الناعم عطاها ملامح هادئة تشد الانتباه بدون ما تطلبه.
تقدمت أسيل وسلمت بأدب:
أسيل: يا هلا…
أم مازن: يا هلا بأسيل، أخبارك؟
أسيل: الحمد لله بخير يا خالتي.
ابتسمت سلطانة بفخر وقالت:
سلطانة: هذي بنتي يا أم مازن، وبآخر سنة بالجامعة.
أم مازن: ما شاء الله.
أسيل، تهرب من العيون اللي تراقبها، قامت بهدوء وقالت إنها بتغسل الفناجين وتصّب القهوة.
كانت تحتاج شي تسويه… أي شي يخفف رجفة يدينها.
في الصالة، صوتهم صار أوطى.
سلطانة: وش صار لمازن؟ هو تزوّج؟
قربت أم مازن منها وهمست:
أم مازن: والله يا أم ماجد، الصراحة… هو طلب مني أسيل.
سلطانة فتحت عيونها بدهشة:
سلطانة: صادقة؟
أم مازن: إي، افتحي معها الموضوع وردّي لنا خبر.
سلطانة: إن شاء الله… بس شلون كذا طلبها؟
ابتسمت أم مازن بخفة وقالت:
أم مازن: أتوقع ما قالت لك… هي أرسلت له صورتها بالغلط، وقبلها صار لهم موقف.
ضحكت سلطانة وهي تهز راسها:
سلطانة: تمزحين؟
وبنبرة أخف:
واضح… وأنا أشوفها متوترة.
عند معتز
كان جالس على السرير، ظهره مسنود، وعينه معلّقة بالنجوم اللي تلمع من خلال الشباك.
ليل هادي… بس راسه ما كان هادي أبدًا.
الأفكار تتصادم داخله، وصوته الداخلي صار كأنه شخصين يتجادلون.
– أخ… إلى متى وأنا مختفي؟
– وشلون بتصارحهم إنك أنت؟ وانت مسوي هالعملة؟
– أدري… عشان كذا، وشلون ما أحضر زواجها؟
– أنا كنت أتمنى أشوفها عروسة.
– بس لو ما سويت اللي سويت… كان تقدر تحضر.
شد على فكه، ونفض راسه بقوة كأنه يبي يطرد كل شي.
قام من السرير، وراح للكنبة وجلس عليها، محاول يقنع نفسه إنه إذا غير المكان… يمكن يوقف التفكير.
لكن ما وقف.
وهو سارح، لمح حركة خفيفة.
باب الغرفة ينفتح بهدوء… ثم ينقفل.
تصلّب مكانه.
معتز: من اللي دخل؟
ما شاف شي، النور مطفي.
لحظة صمت ثقيلة… بعدها انضغط زر النور.
انصدم.
قدامه بنت.
قام بسرعة وقرب منها بحذر:
معتز: من أنتِ؟
صوتها كان يرتجف، مو من خوفه… من الموقف.
البنت: أمانة… لا تقول لأحد إنك شفتني.
عقد يده على صدره، صوته صار حاد:
معتز: انتِ من؟
سكتت لحظة، كأنها تجمع شجاعتها، أخذت نفس عميق:
البنت: أنا… نجود.
رفع حاجبه باستغراب:
معتز: صادقة؟
نجود: إي… ليه؟
معتز: طيب ليه جيتي هنا؟
تنهدت وقالت بسرعة، كأنها تبي تخلص:
نجود: اللي صار باختصار… كنت رايحة أزور صديقتي، وأبوي كان حارمني أطلع عقاب… وجاء فجأة، مادري ليه. يمكن حظي النحس.
نظر لها بنظرة متفحصة:
معتز: وآخر شي قررتي تدخلين أي غرفة قدامك؟
انخفض صوتها، وعينها بالأرض:
نجود: إي… وآسفة إذا أزعجتك.
هدأ صوته:
معتز: لا، مافي إزعاج.
وقبل لا يكمل،
طق… طق…
تجمدت نجود مكانها.
معتز: مين؟
الصوت: أنا فراس… أدخل؟
قلب نجود طاح بمكانه.
يا ويلي… وش هالحظ؟
معتز قرب منها وهمس بسرعة:
معتز: ادخلي الحمام وتخبّي.
سوت مثل ما قال بدون نقاش.
رجع للكنبة، انسدح وكأنه نايم:
معتز: إي.
دخل فراس، نظر للمكان بعين شكاكة.
فراس: بنتي مختفية من البيت… هل هي متخبية عندك؟
اعتدل معتز شوي، صوته متماسك:
معتز: يا عمي، شلون تتدخل علي؟ وبعدين أنا أصلًا ما شفتها.
سكت فراس لحظة، ثم قال:
فراس: طيب… آسف إذا أزعجتك.
وطلع.
بعد ما انقفل الباب، طلعت نجود من الحمام وهي تتنفس براحة:
نجود: طلع؟
معتز: إي… يمديك تروحين.
هزت راسها، وطلعت بسرعة.
رجعت البيت مع السواق… قبل لا يرجع أبوها.
وبقي معتز لحاله.
الغرفة نفسها…
لكن الإحساس أثقل.
.في اليوم التالي
عند مازن
دخل على أمه، ابتسامته واضحة، قرب منها وباس راسها.
مازن: صباح المسرّات.
أمه: صباح الخيرات يا ولدي.
جلس قدامها، ما قدر يخفي لهفته.
مازن: وش قلتي عن موضوع البنت؟
ابتسمت وهي تصب القهوة:
أمه: والله البنت ما عليها أبد، وأنا علمتهم إنك تبيها، وأمها قالت بتفتح معها الموضوع.
انشرح صدره، وطلع النفس اللي كان حابسه:
مازن: صدق؟ الله لا يحرمني منك يا رب.
ضحكت بخفة:
أمه: الحمد لله إنك جيت وطلبت قبل لا أختار لك بنفسي.
مازن: طيب إذا ردّوا خبر، علميني بسرعة تمام؟
أمه: أبشر.
ثم سألته:
أمه: وانت وين رايح الحين؟
لف عليها وهو يلبس شماغه:
مازن: بروح عندي شغلة.
أمه: الله يحفظك من كل شر.
عند معتز – المستشفى
دخل مازن الغرفة وهو شايل كيس فطور.
كان معتز جالس، شكله أهدى… بس عيونه تقول غير كذا.
مازن: يا معتز… من تركتك أمس وانت على هالحالة. وش فيك؟ قل لي؟
رفع معتز عينه، وابتسم ابتسامة خفيفة لكنها مو صادقة:
معتز: ولا شي، بس أفكر متى أطلع. مليت من المستشفى.
مازن جلس قدامه، نبرته جادة:
مازن: اكذب على نفسك، إي… علي لا.
سكت معتز شوي، ثم قال بعناد:
معتز: ياخي قلت لك ما فيني شي.
مازن غير الموضوع وهو يطلع الأكل:
مازن: طيب… هذا الفطور.
انصدم معتز:
معتز: ليه تتكلف على نفسك؟
ابتسم مازن:
مازن: وين التكلفة؟ بالعكس… انت خويي.
هز معتز راسه بهدوء:
معتز: الله يقويك.
جلسوا يفطرون مع بعض.
السكوت بينهم كان مريح…
بس في قلب معتز كلام كثير ما طلع.
عند أسيل وأهلها
صحَت من النوم كعادتها، توضّت وصلت، ورتّبت شكلها بهدوء.
وهي طالعة للصالة كانت حاسّة بشي غريب… إحساس ما له تفسير.
دخلت، ووقفت مكانها ثواني.
كل أخوانها جالسين بالصالة… يناظرونها ويبتسمون.
استغربت، بس تجاهلت الشعور، وجلست تفطر.
ماجد: سوسو، ناقصك شي؟
ناظرته باستغراب قبل ترد.
نوف: سوسو، أنا اليوم أخذت مسؤولية المطبخ عنك.
الجوهرة: وأنا الترتيب.
رفعت أسيل نظرها، تطالعهم واحد واحد، الشك بدأ يكبر داخلها:
أسيل: وش فيكم اليوم؟ شاربين شي؟
ضحكوا.
الجوهرة: لا أعوذ بالله، بس حنا نحب ندلّع أختنا.
حركت الملعقة بدون شهية:
أسيل: والله أحس هالدلع نهايته مأساوية.
ماجد: لا يا شيخة، لا تفكرين كذا.
في هاللحظة دخلت سلطانة بابتسامة هادئة.
سلطانة: صباح الخير والسعادة.
الكل: صباح النور.
جلست جنب أسيل، وحطت يدها على كتفها بنعومة.
سلطانة: سوسو، أخبارك اليوم؟
أسيل تخصّرت تلقائيًا، قلبها دق بسرعة:
أسيل: وش فيكم؟ صاير شي؟
سلطانة تنهدت وكأنها تختار كلماتها:
سلطانة: لا يا بنتي… بس فيه خاطب جاي يطلب يدك على سنة الله ورسوله ﷺ.
تجمّدت أسيل بمكانها.
ماجد (بسرعة): وافقي.
نوف: نبي نفرح فيك.
الجوهرة: مو كل مرة يجيك خاطب.
الضجة حولها، لكن عقلها كان بمكان ثاني…
اسم واحد بس دار براسها.
قربت سلطانة منها، وسحبتها شوي وهمست بإذنها:
سلطانة: اللي جاي يخطبك… هو نفسه اللي بالغلط أرسلتي له صورتك.
فتحت أسيل عيونها على كبرها، إحساس مختلط بين صدمة، توتر، وخجل:
أسيل: صـ… صدق؟
وقلبها قال أشياء أكثر مما قدرت تقول.