الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل الثاني - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

أما بالنسبة لسعد، كان يعيش أيامه وهو يحترق من الداخل. القهر ياكل فيه أكل، والخوف من جاسم مكبّل قلبه قبل لسانه. ما كان يبي يزن يظلم أحد، ولا يبي يكون شريك بصمته في خيانة واضحة قدّام عينه. كل ليلة يجيه نفس الصوت: الساكت عن الحق شيطان أخرس. لين جا اليوم اللي قرر فيه يكسر خوفه. قال لنفسه: حتى لو كانت العواقب صعبة، السكوت أصعب. اختار يوم يتأكد فيه إن جاسم مو موجود بالدوام، وطلع على طول. عند يزن كان جالس بمكتبه، مميل على الكرسي، عيونه مثبتة على الطاولة بدون ما يشوفها فعلًا. أفكاره متشابكة، صدره ضايق، ويحس إن شي ثقيل فوق قلبه بس ما يعرف وش هو. فجأة… طق الباب. يزن، بصوت تعبان: – من؟ السكرتير: – أنا يا طويل العمر. يزن: – ادخل، وش تبي؟ دخل السكرتير وقال: – سعد يبي يدخل. يزن رفع راسه شوي، حس بانقباض غريب: – دخّله. طلع السكرتير، وبعدها دخل سعد. الجو كان مشحون، الصمت ثقيل بينهم. سعد جلس، ملامحه مشدودة، واضح عليه التردد. يزن حاول يبتسم ابتسامة خفيفة: – يا هلا… وش سر هالزيارة المفاجئة؟ سعد أخذ نفس طويل: – لأني جايك بخبر… صادم. يزن اعتدل بجلسته: – صادم؟! سعد: – إي… وصعب بعد. يزن، بنبرة توتر: – تكلم، وش هو؟ سعد سكت لحظة، كأنه يجمع شجاعته: – يزن… تعرف جاسم؟ يزن استغرب: – طبعًا أعرفه، ولد عمي، أخوي اللي ما جابته أمي. ليه؟ سعد ابتسم ابتسامة كلها مرارة: – يا ليته كان أخوك فعلًا. يزن فتح عيونه على وسعها، قلبه دق بقوة: – وش تقصد بـ يا ليته أخوك؟ سعد قرب بالكلام خطوة خطيرة: – لأنك يا يزن… عايش كذبة. يزن وقف فجأة: – وش تعني؟! سعد، بصوت واطي لكنه ثابت: – اللي أعنيه… إن جاسم مو أخوك. وسكت جزء من الثانية، ثم قالها: – جاسم جاسوس. الكلمة نزلت على يزن كأنها صفعة. يزن رجع وجلس، حس الدنيا تلف فيه. – جاسوس…؟! سعد: – إي، للأسف. يزن حط راسه على المكتب، صوته طلع مكسور: – سعد… اطلع. خلني لحالي. سعد كان يدري قد ايش الخبر قاسي، بس ما قدر يتركه. بدل ما يطلع، قرب منه وضمه وطبطب عليه. يزن رفع راسه بسرعة ومسح دموعه بعناد: – شلون عرفت؟ سعد جلس قباله: – أدري من زمان يا يزن… بس كل مرة أبي أقول لك، إما تكون مشغول أو أتردد. تنهد وقال: – غير كذا، هو هددني. يزن: – هددك؟ سعد: – إي. وكمل: – وإذا تبي تعرف كيف تأكدت… يوم كنتوا عازميني قبل فترة، طلعت أبغى أروح للحمام كرمتوا، وسمعته بالمجلس الخارجي. كان يتكلم… يقول أسرار تخصك وتخص الشركة. يزن، بصوت مخنوق: – مستحيل… وبعدها رفع راسه فجأة: – طيب عمي سطام؟ يدري؟ سعد هز راسه: – والله ما أدري. وسأله: – وش دخل عمك بالسالفة؟ يزن، وعيونه تقدح شرار: – لأنه أبوه… مستحيل ما يدري. قام من مكانه بعصبية. سعد مسكه بسرعة: – يزن، لا تسوي كذا. ما ينفع تهاجمه… هذا عمك. يزن شد يده وقال بحزم: – أنا ما راح أسمح لأي أحد يعيشني بكذبة. ولا أسمح إنهم يضحكون علي. وطلع. سعد وقف مكانه يطالع الباب بعد ما تسكر، وقال بصوت منخفض: – من حقه… والله من حقه. عند يزن ركب سيارته وهو مغلي من الداخل، صدره يعلو ويهبط، وأفكاره متشابكة. مد يده للجوال واتصل على عمه سطام. رد سطام: – هلا يا يزن. يزن، بنبرة مشدودة: – عمي، أنا جايك الحين، عندي موضوع مهم. سطام: – تمام، حياك الله. سكر يزن المكالمة، دعس البنزين وكأن الطريق قصير عليه. وصل بيت عمه، دخل، وتوجه مباشرة لمجلس الرجال وجلس وهو متوتر. سطام: – يا هلا بيزن. يزن، بدون مقدمات: – وين الزفت جاسم؟ قال لي بيروح عندك. سطام استغرب: – نايم بالمجلس الخارجي. يزن: – نايم… طيب. سطام قرب منه: – يزن وش فيك؟ شكلك مو طبيعي. يزن رفع نظره له، نظرة كلها غضب واحتقان: – يا عمي… أنتم تجيبون جاسوس يتجسس علي؟! سطام انصدم: – يزن هدّأ حالك، وش تقول؟ كيف نجيب جاسوس؟ ومن الجاسوس هذا؟ يزن وقف فجأة، صوته ارتفع: – ما تدري؟! تسوي نفسك ما تدري؟! سطام: – لأني فعلًا ما أدري. يزن: – الجاسوس… جاسم. سطام ضحك ضحكة مستغربة: – يا يزن شلون يصير جاسم جاسوس؟ يزن هز راسه بأسى وغضب: – ما تدري؟ يا عمي ليه تكذب؟ سطام جدّي صوته: – ومن قال لك هالكلام؟ يزن: – ما لك دخل من اللي قال لي… أنا توقعتها من الكل إلا منه. سطام حاول يهدي الوضع: – يا ابن الحلال، هذا خويك، تحبه ويحبك، شلون تصدق عنه شي كذا؟ يزن فجأة فقد أعصابه، مسك عمه من ياقة ثوبه وحطه على الجدار: – تكذب علي؟ تكذب علي؟! سطام غضب ودفعه: – يا ولد احترمني! أنا بمقام أبوك، وبعدين والله إني ما أدري وش قاعد تقول! يزن تركه وتراجع خطوة، صوته صار أهدى بس موجوع: – يا عمي… اللي قال لي مصدر أنا أصدقه. وبعدين… – كل مرة يجيب لي أكل أو مشروب أحس إني بنام، وهو عمره ما حضر أي اجتماع للموظفين. وقطع كلامهم دخول حرمة متغطية. قالت بصوت ثابت لكنه مكسور: – يا عمي… خلني أقول اللي عندي. سطام عرف الصوت، التفت: – نجود؟ قولي. نجود تكلمت، قالت كل شي عن جاسم، من البداية للنهاية، وعيونها تدمع، وختمت كلامها: – آسفة إني علمتكم متأخر… بس كان كل يوم يضربني ويهددني، واليوم بلغ الصبر محله، وضميري ما عاد يتحمل. يزن حس نفسه بدوامة، الدنيا تلف فيه، مو قادر يصدق اللي سمع. دخل عليهم ماجد، أخو جاسم: – وش السالفة؟ سطام شرح له كل شي. ماجد تعصب، طلع بسرعة، راح للمجلس الخارجي، جرّ جاسم وهو نايم، ودخله غصب. جاسم، متضايق: – يا ولد أنا أخوك الكبير. يزن تقدم خطوة: – ليه يا جاسم؟ جاسم حاول يقرب منه ويضمه، لكن يزن دفعه بقوة: – ليه؟ ليه تخون؟! وبصراخ: – أنا عطيتك مكانة ما عطيتها حتى أخوي، وانت تخون وتعطي شركة ثانية معلومات عني وعن حساباتي؟! جاسم: – من قالك هالكلام؟ أنا خويك. يزن بعصبية: – تحلم تكون خويي! – احشم العِشرة والعيش والملح اللي بينا! – معقول فلوس تغريك وتبيع مكانك؟ دخلت سلطانة أم جاسم، ومعها خواته، وقفوا يسمعون. جاسم لف عليهم واحد واحد: – يزن الله يهديك أنا ما سويت… قاطعه يزن بصوت موجوع: – ليه؟ جاوبني ليه؟ يا خاين! جاسم حس إن الموضوع صار جد وما فيه مهرب: – إي… أنا سويت كذا. يزن عض على شفايفه بقهر. ماجد صرخ: – يا قليل الحيا! وضربه كف. سلطانة بعصبية: – هذي آخرتها؟ الولد يعطيك مكانة خاصة وانت تخونه؟ جاسم انتبه لوجود نجود، اندفع لها يبي يضربها، لكن سطام وقف قدامها: – ما راح أسمح لك تمد يدك عليها. يزن قال بصوت مكسور: – الله لا يسامحك على فعلتك… ما توقعتها منك يا خاين العِشرة. سلطانة: – اطلع برا! لا أنا أعرفك ولا تعرفني، وأنا مو راضية عليك. جاسم ببرود: – عمرك ما رضيتي علي… رضاكم وزعلكم عندي واحد. ماجد: – اطلع برا. جاسم لف على نجود وقال: – وانتي طالق. وطلع. صيته تكمل وتروي: – وللحين… محد يدري وينه. معتز حس بغصّة فجأة وهو يسمع القصة، شي ثقيل ضغط على صدره. قال بهدوء: – طيب يا خالتي… بفكر وأشوف. وطلع برا الشقة. راكان: – يمه ليه قلتي له القصة؟ صيته تنهدت: – لأني أبيه يفهم ظروف البنت. راكان: – طيب. ودخل يبي ينام، والليل ساكت، بس القلوب ما نامت. عند نجود كانت تتسمع لكلام خالتها اللي هي زوجه ابوها تذكرت القصه وبكت من القهر. عند معتز كان جالس على طرف سريره، مسند ظهره للجدار، الغرفة هادية بس راسه مليان ضجيج. عيونه ثابته بنقطة قدامه، لكن تفكيره بعيد… بعيد مرّة. تنفّس بعمق وكأنه يحاول يرتّب اللي سمعه. معتز بنفسه: – والله اللي صار للبنت مو بسيط أبد… مو خسارة زوج وبس، خيانة، ضرب، تهديد، وتشويه سمعة. – وأهلها بعد… صدمة ورا صدمة، وكل واحد فيهم انكسر بطريقة. سكت شوي، مرّر يده على وجهه بتعب. معتز يكمل يفكر: – ويزن… وضعه مختلف، مو بس خيانة شخص، هذا انهدام ثقة عمر وشغل واسم. – تخيل واحد تعتبره أخوك، تعطيه ظهرك، ويطعنك بدون رحمة. نزل راسه وهو يحس بثقل غريب على صدره، إحساس ما هو متعود عليه. همس لنفسه: – بعض القصص ما تنتهي يوم تنقال… تظل عالقة بالقلب، وتغيّر أشياء ما كنا نحسب لها حساب. تمدّد على السرير، عيونه مفتوحة للسقف، بس النوم بعيد… مرّة بعيد. في اليوم التالي عند يزن كان جالس بمكتبه داخل الشركة، الهدوء يلف المكان إلا من صوت الكيبورد. يزن مركز على اللابتوب، لكن تركيزه كان نصّه حاضر ونصّه ضايع. فتح درج مكتبه يبي ملف، ووقعت عينه على ورقة مطوية. طلعها… أول ما شاف الاسم المكتوب عليها عرفها. ورقة من جاسم. تغيّر وجهه فجأة، شدّ فكه، ومن غير تردد مزّق الورقة قطع صغيرة وكأنها تستفزه. رماها بسلة المهملات وهو ياخذ نفس ثقيل. سعد كان جالس قدامه، يراقبه من دون ما يتكلم. سعد: يزن. يزن: هلا. سعد: وش رايك تسافر تغيّر جو؟ يزن وهو يحاول يكون طبيعي: ليه؟ سعد: لأنك متضايق، مهما حاولت تخبي. يزن: السالفة صار لها خمس سنين… خلاص تعدّيت. سعد بابتسامة خفيفة ما تخلو من قلق: بس وجهك يقول غير كذا. سكت يزن لحظة، أنزل نظره، ثم قال بنبرة أهدى: – طيب… بس أسبوع، وأرجع. سعد: تم. عند بيت يزن رجع البيت، فتح الباب واستقبلته أصوات عياله وضحكة زوجته. ذوق كانت بالصالة، ومؤيد وريان يلعبون. يزن: ذواقه. ذوق: هلا. قرب منها وقال بهدوء يخفي وراه قرار مفاجئ: – جهزي نفسك، بنسافر روسيا… الجو هناك حلو. ذوق انفتحت عيونها بفرح واضح. ذوق: صدق؟ يزن: اي. ذوق: الله! ومتى الطيارة؟ يزن: الليلة. قفزت من مكانها بحماس وراحت تجهز الأغراض، وعيالها وراها يسألون. يزن وقف لحاله، لفّ المكان بنظره، وقال بنفسه وهو يحس بشي غريب: – مدري ليه اخترت روسيا… بس كأنها الوحيدة اللي فيها رحلة اليوم… ويمكن الوحيد اللي أقدر أهرب له شوي. وسحب نفس عميق، كأنه يبي يترك ثقل سنين وراه ولو مؤقتًا. الساعة 9:30 مساءً عند يزن هبطت الطيارة على أرض روسيا، ومع أول لمسة للأرض حسّ يزن بثقل خفيف ينزاح من صدره، كأنه انتقل مكان بس مو شعور. الجو بارد، والليل هادي، والمدينة غريبة عليه بكل تفاصيلها. طلعوا من المطار، أخذوا سيارة، وتوجهوا لفندق قريب. ما كان يبي تعب ولا دوشة، بس مكان يريح فيه راسه. استلموا الغرفة، دخل، رمى الشنطة جنب السرير، جلس لحاله شوي وهو يطالع من الشباك أضواء المدينة. ذوق كانت مشغولة ترتب، والعيال تعبوا من السفر وناموا بسرعة. أما هو… فجلس يفكر: هل فعلًا يبي يغير جو؟ ولا بس يهرب؟ طفى النور ونام، بس نومه كان متقطّع، أفكار تجيه وتروح. في اليوم التالي في نفس الوقت، راكان كان يخطط لعزيمة بسيطة، حاب يجمع الناس اللي قريبين منه. اتصل على يزن ودعاه عنده، وكان بنفس الوقت معزّم معتز. راكان كان يبي اللقاء يكون هادي، بدون رسمية، بس جلسة ناس يعرفون بعض، يمكن الكلام يخفف، ويمكن الصدفة تجمع قلوب ما تدري وش مخبي لها القدر. وقت المغرب دخلت ذوق وسلمت على نجود أول، كان السلام فيه دفء وشي من الحذر، كأن كل وحدة تحمل داخلها كلام ما انقال. بعدها التفتت على مرام أختها، وابتسمت لها ابتسامة شوق. صيته قربت منها وقالت بحنية: «يا هلا بذوّاقه.» ذوق ردّت بابتسامة هادية: «ياهلا فيك يا خالتي.» مرام ضحكت وقالت وهي تمزح بنبرة اشتياق: «وأخيرًا شفناك، طولتي علينا.» نجود نظرت لذوق بنظرة فضول ممزوجة بتعجب: «شلون كذا؟ قرر يزن يجيبكم فجأة؟» ذوق رفعت كتوفها شوي وكأنها للحين مستغربة القرار، وقالت بهدوء: «مدري والله… هو قرر، وحنا رحنا.» وسكت المكان لحظة قصيرة، بس السكون كان مليان إحساس، كأن وراء هالزيارة حكاية لسه ما انقالت. عند الرجال كان راكان واقف يصب القهوة، صوته هادي وهو يمد الفنجال لـ يزن: «تو نور البيت.» يزن أخذ الفنجان بابتسامة خفيفة: «بنورك.» تردد راكان شوي قبل ما يتكلم، كأنه يبي يهيئ الجو: «يزن… ترى عزمت خويي، بعد شوي بيجي. قلت أقولك عشان لا تنصدم.» يزن هز راسه بهدوء: «آها.» ما مرت إلا دقايق، إلا ويدخل معتز. سلم على يزن، بس يده كانت ترتجف وصوته مو ثابت، التوتر واضح عليه رغم محاولته يخفيه. يزن رفع حاجبه وناظره بنظرة فاحصة: «ليه ترجف؟ متوتر؟» معتز حاول يضحك ضحكة خفيفة: «ههه لا… مو متوتر.» يزن ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شك: «باين.» راكان تدخل وهو يشير لمعتز: «معتز، هذا خويي اللي قفلت بوجهه ذاك اليوم.» يزن شهق بخفة، وكأنه تذكر الموقف فجأة: «آه! أنت اللي قفلت؟ الله يسامحك.» راكان ضحك وقال بنبرة مزاح: «يزن أنا دايم أقول له يشبه ماجد ولد عمي، وهو مصدق.» يزن ركز بنظره على معتز، من فوق لتحت، وبعدين قال وهو يهز راسه: «إي والله، بس لو يطول لحيته شوي يصير ماجد. سبحان الله، كأنك أخوه.» معتز حاول يغيّر الموضوع وهو للحين مو مرتاح: «طيب وروني صورته عشان أصدق.» راكان قال بثقة: «طيب.» طلع جواله وفتح صورة ماجد وخلا معتز يشوفها. راكان بابتسامة انتصار: «ها؟ صدّقت؟» معتز تردد، عيونه راحت للصورة ورجعت لهم: «يمكن…» يزن ضحك وقال بنبرة ضاغطة شوي: «وش يمكن؟ قل إي.» معتز تنهد: «طيب إي.» وبشكل مفاجئ قال وهو يحاول يطلع من الجو: «بروح شوي وأرجع.» قام معتز وتوجه للحمام أكرمكم الله. وقف قدام المراية، ناظر نفسه بقلق، وحط يده على وجهه وهو يكلم نفسه بصوت واطي: «ياخي توترت من وجود يزن… لازم أدور طريقة أهرب من هنا، بس شلون؟» وقف لحظة أطول من اللازم، وهو يحاول يرتب أفكاره، وقلبه يدق أسرع من الطبيعي. عند الحريم كانت ذوق جالسة بينهم، نبرتها فيها حماس خفيف وهي تناظرهم: «يا بنات…» نجود ومرام بنفس الوقت تقريبًا: «هلا.» ذوق ابتسمت وقالت وكأنها تقترح فكرة بسيطة لكنها متحمسة لها: «وش رايكم بكرا نطلع نغير جو شوي؟» مرام سكتت لحظة، تفكر، وبعدين ردت بنبرة مترددة: «مدري… يمكن راكان ما يقدر يوديني، لأني أتوقع—والله أعلم—عنده محاضرات كثيرة هالفترة.» بان التردد على وجهها، كأنها ودها تطلع بس الظروف مو مساعدتها. ذوق تنهدت بابتسامة خفيفة فيها تقبّل للأمر: «يا خسارة… يلا، مرة الجاية إن شاء الله.» سكتوا شوي، والجو رجع هادي، كل وحدة غارقة بأفكارها. عند راكان كان يزن جالس، يلتفت بين فنجاله وباب المجلس، ملامحه فيها استغراب: «ما كأن خويك طول؟» راكان رد بهدوء وهو يحاول يكون طبيعي: «إيه، بس خلّه على راحته.» يزن هز راسه بلا اهتمام كبير: «طيب، بكيفك.» عند معتز واقف قدام المغسلة، يتأمل نفسه بالمراية، قلبه يدق أسرع من اللازم. توتره واضح حتى وهو لحاله. قال بينه وبين نفسه: ما راح أقدر أجلس… لازم أطلع بأي طريقة. قرر يمثل. عدّل ملامحه، شد بطنه كأنه يتألم، وطلع من الحمام. دخل المجلس وهو ماسك بطنه، خطواته أبطأ من قبل. راكان انتبه له على طول: «وش فيك؟» معتز بنبرة متعبة ومكسورة شوي: «مدري… بس بطني يعورني مرة.» راكان قرب منه: «ليه؟ وش أكلت اليوم؟» معتز حاول يتذكر شي بسرعة: «والله ما أذكر… بس العذر والسموحة منكم، بروح للبيت أرتاح، لأني صراحة مقدر أتحمل.» كان واضح إنه يبي يطلع بأي ثمن. راكان ما طول: «تمام، الله يعافيك.» طلعوا مع بعض لين عند الباب. راكان قرب منه وهمس بصوت واطي: «أدري إن ما فيك شي.» معتز رفع حاجبه باستغراب مصطنع: «إلا وش فيني؟» راكان ناظر له بنظرة فاهمه: «أنت متوتر من وجود يزن.» معتز ما أنكر، بس اختصر الموضوع بابتسامة سريعة: «طيب… مع السلامة.» ومشى بسرعة، كأنه خايف يغيّر رأيه لو تأخر أكثر. رجع راكان للمجلس، جلس مكانه، والجو صار أهدى… لكن فيه إحساس إن شي مو طبيعي صار وخلص بسرعة. عند معتز ركب سيارته وهو ما زال يحس بثقل بالمكان اللي طلع منه، شغّل السيارة وطلع بهدوء. الطريق قدامه طويل، بس أفكاره أطول. قال بينه وبين نفسه وهو يسوق: ياخي متى راكان يستوعب إني ما أحب القرب من الناس؟ مو تكبّر… بس كذا طبعي. تنهد، وكمل حديثه مع نفسه: وبعدين الحين وش أقول لأم راكان عن موضوع بنتها؟ السالفة أكبر مني. زاد ضغطه شوي وهو يفكر، حس إن الموضوع كله انحط فوق راسه فجأة. وصل بيته، صف السيارة ونزل وهو تعبان نفسيًا أكثر من الجسدي. دخل البيت بدون ما يشغل أنوار كثيرة، توجه لغرفته مباشرة. بدل ملابسه، رمى نفسه على السرير، ومع أول نفس عميق… غلبه النوم، كأنه يهرب من التفكير ولو لساعات. في اليوم التالي عند راكان قام من النوم وهو يحس بثقل بسيط، مو واضح سببه، بس متعود يكتم اللي داخله. راح توضأ وصلى، وبعدها لبس ملابس الدوام وهو ساكت، ذهنه مشغول أكثر من العادة. أخذ أغراضه وطلع للجامعة، يحاول يركز على يومه ويتجاهل اللي صار. عند معتز قام من نومه بهدوء، توضأ وصلى، وكل حركة يسويها كانت تلقائية كأنه جسم بلا روح. لبس وتوجه للجامعة. وصل بدري، الساعة كانت 7:30، ومحاضرته تبدأ 8. جلس على أحد الكراسي ينتظر، عيونه تسرح قدامه وأفكاره بعيد… يرجع له وجه يزن، ونظراته، والتوتر اللي حسه أمس. بعدها قام ودخل محاضرته، يحاول يقنع نفسه إن اليوم عادي، وإنه يقدر يكمل بدون ما يفتح أبواب ما يبيها تنفتح. عند يزن كان جالس بهدوء، جواله بيده، أول ما شاف اسم خالته سلطانة طالع على الشاشة، حس بدفء غريب. رد وهو مبتسم ابتسامة خفيفة: يزن: يا هلا بخالتي، وش عندك داقه؟ سلطانة: فقدناك، قلت أطمن عليك وأسأل عنك. يزن وهو يريح ظهره: اها. سلطانة: وش أخبارك وأخبار العيال؟ يزن: الحمدلله بخير، وانتِ كيفك؟ وش علومك؟ سلطانة: بخير دامك بخير يا بعدي. يزن بابتسامة أوسع: الحمدلله… توصين على شي أجيبه معي؟ سلطانة: لا يا وليدي، سلامتك. يزن: خلاص أجل، ما أبي أطول عليك. وسكّر المكالمة وهو للحظة ساكت، الإحساس اللي جا مع صوتها خفف عنه شوي. جت ذوق عنده، لاحظت الهدوء اللي بوجهه: ذوق: حبيبي. يزن: عيوني. ذوق بابتسامة: وش عندك مبسوط؟ الله يديمه. يزن: خالتي داقه علي… انبسطت يوم سمعت صوتها. ذوق: اها. سكت شوي، كأنه يفكر، بعدها قال: يزن: اسمعي، احتمال نرجع بكرا. ذوق باستغراب: ليه؟ يزن: سعد زوجته ولدت، ونبي نحضر عشاهم. ذوق بفرح صادق: يا عمري… يا هيام، الله يقومها بالسلامة. متى ولدت؟ يزن: أمس. ذوق: تمام. لفّت وراحت وهي تبتسم، بينما يزن جلس مكانه، يحس إن الرجوع قرب… ومعه ترجع أشياء كثير ما كان ناوي يواجهها بهالسرعة. عند معتز خلص محاضرته وطلع وهو شايل همّه براسه، خطواته سريعة كأنه يبي يهرب من المكان. وهو ماشي سمع صوت راكان يناديه من وراه، مرة ومرتين… بس معتز تجاهله، لا لف ولا حتى خفف مشيه. راكان لحقه ووقف قدامه مباشرة: راكان: أناديك من اليوم، ليه ما ترد؟ معتز وقف، نظرته جامدة وصوته هادي بس فيه حدّة: معتز: لأنك غلطت علي. راكان استغرب: راكان: غلطت؟ بأيش؟ معتز عقد يده على صدره، نبرة صوته طالعة من ضيق متراكم: معتز: أنت عارف إني ما أحب أتكلم مع ناس غريبة، أمك ومشيتها لك تجيب لي ولد عمك، وانت تدري إني أتوتر من هالأشياء. راكان تنهد، حاول يخفف الجو: راكان: إلى متى بتظل كذا؟ ما تتكلم مع أحد؟ معتز رفع حاجبه، كلامه كان صريح ومباشر: معتز: إذا ما عجبتك شخصيتي، فيه غيري كثير… اختار اللي يعجبك وتعرف عليه. راكان حس بالكلام وضربه بقلبه: راكان: أنا ما أقصد كذا، أقصد إني أبيك تتغير. معتز هز راسه بنفي، صوته صار أثقل: معتز: ما راح أتغير. واسمع زين… إذا جبت لي أحد أتكلم معه أو نجتمع بنفس المكان، لا أعرفك ولا تعرفني. راكان انصدم من شدّة ردة فعله: راكان: الأمور ما تمشي كذا، ليه مكبّر الموضوع؟ معتز قرب خطوة، صوته منخفض بس حازم: معتز: لأنك عارف وش ما أبيه، ومع هذا تسويه. راكان حس بالعجز، قال وهو يبعد: راكان: أنا كنت أبي مصلحتك. لف وراح، تارك المكان وراه ثقيل. أما معتز، وقف ثواني يحاول يهدّي أنفاسه، بعدها اتجه لكوفي قريب، محتاج قهوة وهدوء… يحاول يروق راسه من زحمة الأفكار اللي ما رضت تسكت. عند راكان دخل شقته وهو عقله مشغول، يفكر بمعتز وكلامه القاسي. جلس بالصالة وهو شارد، يحاول يستوعب: هل فعلاً هو غلطان؟ أو إن معتز مكبّر الموضوع أكثر من اللازم؟ وهو على هالحال، دخلت نجود. نجود: يا هلا. راكان رفع راسه بابتسامة خفيفة: راكان: يا هلابك… وين يمّه؟ نجود: نايمة. راكان: نوم العوافي. لاحظت شروده ونبرته المطفية، قربت وجلست مقابله: نجود: يا راكان، وش فيك؟ شكلك مو على بعضك. تنهد، كأنه كان ينتظر أحد يفتح له الموضوع: راكان: مدري… بس اسمعي، بقول لك شي. وبدأ يحكي لها سالفة معتز من البداية للنهاية. نجود سمعت له باهتمام، وبعد ما خلص قالت بهدوء صريح: نجود: الصراحة؟ أنا أحسك غلطان. راكان رفع عيونه لها: راكان: ليه؟ نجود: لأنك عارف من أول إنه ما يحب هالأشياء، ولا يحب أحد يضغط عليه. راكان قال بنبرة فيها حيرة وضيق: راكان: طيب إلى متى؟ يعني بيظل كذا طول عمره؟ نجود هزت راسها بتفهم: نجود: أنت ما عندك مشكلة، بس هو عنده. يمكن يتفشل، يمكن يتوتر، هالشي بالنسبة له كبير. إذا تبي نصيحتي لا تعيدها. سكتت لحظة ثم كملت: نجود: وإذا ودك إنه يتغير، صارحه بالكلام، قول له بهدوء. وإذا رفض… خله على راحته. راكان حس بكلامها دخل براسه، تنهد وقال: راكان: يمكن معك حق… بروح أرتاح شوي. نجود قامت وهي تلبس عبايتها: نجود: على فكرة، أنا بروح عند أم مؤيد، أنا ومرام. راكان لف لها باستغراب: راكان: وليه؟ نجود: بكرا بترجع لديرتها. راكان: aha… ومن يوديكم؟ نجود بابتسامة: نجود: حنا نروح على رجلينا، فندقهم مو بعيد مره. راكان قام بسرعة: راكان: لا، أنا أوديكم. نجود: طيب. راحت تنادي مرام بسرعة، وطلعوا ثلاثتهم. وصلهم راكان ورجع للشقة، وهو بالطريق يفكر بكلام نجود… وكلام معتز… وكل واحد فيهم يشدّه من جهة. عند البنات دخلت نجود ومرام عند ذوق، واستقبلتهن بابتسامة دافيه تعبّر عن شوق. ذوق وهي تتحرك بخفة وتصب القهوة: ذوق: يا هلا والله، نورتوا. مرام بابتسامة: مرام: يا هلا بك. نجود وهي تناظر المكان كأنها تبحث عن أحد: نجود: وين عيالك؟ نايمين؟ ذوق بهدوء وراحة: ذوق: لا، مع أبوهم. مطلعهم للحديقة يغيرون جو. جلسن يتقهوين، والسوالف أخذت راحتها. سوالف خفيفة، ضحك بين وقت ووقت، وكلام عن السفر، وعن الأيام، وكل وحدة تحاول تنسى همها ولو لساعة. نجود كانت تضحك، بس ضحكتها فيها شيء مكسور ما يبان إلا للي يعرفها. مرام كانت تحاول تخفف الجو، وذوق كانت مستمتعة بوجودهن، كأن هالجلسة القصيرة تعوّضها عن تعب الأيام. مر الوقت بسرعة، وبعد تقريبًا ساعة قامت البنات. نجود: خلاص ما نطول أكثر. ذوق: تشرفونا بأي وقت. ودعنها وطلعن، وكل وحدة راجعة وهي تحمل معها شعور مختلف… بس كلها اتفقت إن الجلسة، رغم بساطتها، كانت دفا. عند معتز كان يتمشى بالحديقة على مهله، الجو غيم خفيف والهواء عليل يشرح الصدر، كأنه أول مرة يحس إن صدره يتنفس بعمق من أيام. خطواته كانت هادئة، بس تفكيره مزدحم. لفت انتباهه صوت بكاء. التفت وشاف ولدين توأم، واحد منهم يبكي بحرقة، والثاني حاضنه بكل قوته يحاول يهديه، صوته صغير بس فيه مسؤولية أكبر من عمره. قرب منهم معتز ونبرته صارت أهدى بدون ما يحس: معتز: وش فيه أخوك؟ الولد الثاني وهو متوتر بس يحاول يكون قوي: – طاح من المرجيحة… وبابا مدري وينه. نزل معتز لمستوى الطفل اللي يبكي وناظره بنظرة طمأنينة: معتز: وش يعورك؟ الطفل وهو يشهق من البكاء: – رجلي… معتز كان بيكمل كلامه ويهدّيه، لكن انقطع صوته فجأة. جاء يزن بسرعة، ملامحه مشدودة من الخوف، وشال مؤيد بين يديه. يزن بنبرة حادة من القلق: يزن: وش سويت فيه؟ معتز رفع يده بهدوء: معتز: ما سويت شي. ريان بسرعة وهو يدافع: ريان: بابا ما سوى شي. يزن تنفس شوي، هدى صوته: يزن: طيب. وأخذ عياله ومشى، ومعتز وقف مكانه ثواني، يحس بشي غريب… شيء بين الارتياح والوحدة. راح وجلس على أقرب كرسي، وسند ظهره، عيونه تراقب الناس بدون ما يشوفهم فعليًا. فجأة وقف قدامه واحد، صوته فيه حقد قديم: – معتز، تذكر ضربتك لي؟ رفع معتز عينه ببرود، ملامحه ما تحركت: معتز: ياخي وش تبي؟ الرجال بلهجة حاقدة: – أنت حرمت رزقتي. معتز ابتسم ابتسامة خفيفة فيها سخرية: معتز: ههه… أي رزق؟ تركض ورا البنات؟ الرجال تعصب: – أحسن منك، على الأقل! معتز ما رد، طنشه وقام ومشى، كأنه قرر ما يعطي أحد أكبر من حجمه. رن جواله. رد وهو يبتسم ابتسامة أخف شوي: معتز: يا هلا بمازن، وينك من زمان؟ مازن من الطرف الثاني بصوت مشتاق: مازن: آسف طولت الغيبة، بس زي ما تعرف صار لي سنة تقريبًا وما شفت أهلي. معتز: طيب ومتى ناوي تجي؟ مازن: الحين أنا بالمطار، أنتظر الرحلة. معتز: تجي بالسلامة إن شاء الله. مازن وهو يضحك يمازحه: مازن: إن شاء الله أجي وما ألقى البيت حوسة. معتز بابتسامة صادقة: معتز: إن شاء الله. سكر الخط، ورجع يسند ظهره، يحس إن رغم كل شيء… فيه ناس لسا تثبت إن الدنيا ما هي كلها ثقل ((وقفة تعريف)) مازن هو خوي معتز المقرّب، علاقتهم مو بس صداقة عادية، لا… روح بروح. يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة، ويعتبر الشخص الوحيد اللي يقدر معتز يكون معه على طبيعته بدون تصنّع ولا حذر. راكان يعرف مازن من كلام معتز عنه، بس ما قد شافه بحياته، ومازن بعد ما يعرف راكان، رغم إنهم يسكنون مع بعض. مازن عمره 31 سنة، طويل القامة، شعره بني فاتح، جسمه معضّل شوي يدل على اهتمامه بنفسه، ولون بشرته أسمر خفيف يعطيه حضور ووقار. نرجع معتز كان مشغول يجهّز البيت، يرتّب كل شي على مزاجه قبل يوصل مازن. رغم هدوءه المعتاد، إلا إن داخله كان مرتاح لفكرة وجود شخص يعرفه زين وما يحتاج يشرح له نفسه. عند راكان كان جالس بالصالة، كوب الشاي بيده، مروق زيادة عن اللزوم كأنه يحاول يهدّي باله. دخلت صيته وجلست قدامه، تراقب ملامحه. صيته: راكان… وش قال خويك؟ راكان تنهد وهو يحرك الكوب بين أصابعه: يا يمه، معصّب مني. صيته باستغراب: ليه؟ وش سويت له؟ راكان: لأني أبيه يتغير… وهو ما يبي. صيته رفعت حواجبها بدهشة: يتغير؟! يتغير وش بالضبط؟ راكان: يعني… يتقبل الناس، ما يتحسس من الغربا، يعيش حياته طبيعي. صيته هزت راسها بهدوء: طيب وانت عارف طبيعته من الأول؟ راكان: اي… عارف. صيته بنبرة حكيمة: أجل ليه تضغط عليه؟ كل واحد وله طبعه يا ولدي. راكان سكت شوي، يفكر بكلامها. صيته غيرت الموضوع وهي تبتسم: طيب خلنا نرجع لموضوعنا… وبدوا يسولفون عنه، وكل واحد فيهم داخله أسئلة أكثر من الأجوبة. عند نجود كانت واقفة ورا الباب، تتسمّع للكلام بدون ما تحس على نفسها. كل كلمة تدخل أذنها كانت تثقل صدرها أكثر. ابتعدت بهدوء، كأنها تخاف حتى من صوت خطواتها، وجلست على سريرها. نظرت قدّامها بشرود، ثم همست لنفسها: أمي وراكان… يبون يزوجوني خوي راكان؟ تنفست بعمق وكملت تفكيرها: ليش ما أخذوا رأيي؟ ليه كل شي يصير عني وأنا آخر وحده أدري؟ سكتت شوي، تحاول تقنع نفسها: يمكن أنا أصلاً ما أبي… وهم يتعبون نفسهم على الفاضي. رجعت الفكرة تلاحقها: صح هو مزيون… بس وش يفيد الشكل؟ أنا ما أدري عن أخلاقه، ما أدري وش داخله. قلبها انقبض، وذكريات الماضي طفت قدّامها غصب: أنا ما أبي أتزوج… ما أبي أنصدم مره ثانيه… ما أبي أعيش نفس الوجع. رفعت يدينها وحطتهم على وجهها، كأنها تبي تحمي نفسها من أفكارها. دموعها نزلت بهدوء، بدون صوت، بكاء مكبوت مليان خوف وتعب… بكاء وحدة خايفه تعيد نفس الغلط، وخايفه أكثر إنها ما يكون لها خيار. عند معتز كان مازن جنبه بالسيارة بعد ما وصله، الطريق هادي بس رأس معتز مليان ضجيج. سكت شوي ثم قال وهو يزفر: معتز: وهذا كل اللي صار وانت مسافر… مازن لف عليه باستغراب خفيف: مازن: يعني جاك عرض زواج بهالشكل، ومغري بعد، وانت رافض؟ معتز شد على المقود وتنهد تنهيدة طويلة، كأنها طالعة من صدره من سنين: معتز: مو لأني ما أبي… بس خايف ما أوفي بحقها. مازن عقد حواجبه وقال بنبرة صريحة: مازن: إلى متى بتظل كذا؟ ما تقرّب من الناس، ولا تبي تتزوج؟ ليه؟ معتز تردد، فتح فمه وكأنه بيقول شي ثقيل: معتز: لأني أخاف من— قاطعه مازن بسرعة وبنبرة حازمة: مازن: لا تقول أخاف. خلاص، كفاية. افتح صفحة جديدة، وانسى الماضي. معتز نزل نظره، صوته صار أهدى وأضعف: معتز: طيب لو خطبت؟ أمي وأبوي مو معي… وش أسوي؟ وش أقول لهم وقتها؟ مازن حاول يمسك الخيط من جديد: مازن: طيب انت مو ناوي ترجع لأهلك؟ تشوف ديرتك وناسك؟ معتز حس إن الأسئلة قربت من منطقة يتجنبها دايم، فحاول يغيّر الموضوع بسرعة: معتز: طيب خلنا منك… انت وش صار عليك؟ مازن فهمها على طول، وعرف إن معتز ما يبي يكمل، فابتسم ابتسامة خفيفة تخفي وراها تفهّم: مازن: ما صار شي. وصلوا للشقة. نزلوا ودخلوا. مازن جلس بالصالة بهدوء، يتأمل المكان، أما معتز فانسحب لغرفته، قفل الباب وترك نفسه مع أفكاره… أفكار أثقل من أي كلام قاله. في اليوم التالي طبعًا يزن وأهله رجعوا لديرتهم، والبيت رجع هادي بس الإحساس فيه فراغ. عند راكان كان جالس بالصالة، عيونه تروح وتجي، المكان ناقصه شي… ناقصه معتز. مسك جواله، قلبه ثقيل وهو يكلم نفسه: معقول زعلته لهالدرجة؟ يمكن أنا فعلًا غلطت… دايم أقول له تغيّر، وهو معه حق. إلى متى أضغط عليه؟ تنهد، وصوته داخله مكسور: والله فاقدك يا معتز… ضغط زر الاتصال. رد معتز، بس سكوته كان أقسى من الكلام. راكان بنبرة كلها ندم: راكان: معتز… والله إني آسف على اللي سويته فيك. أطلب منك تسامحني، وأوعدك ما أعيدها مرة ثانية. معتز بهدوء بارد، بس واضح إنه ماسك نفسه: معتز: زين إنك اقتنعت إنك غلطان. راكان بسرعة: راكان: يعني… مسامحني؟ معتز: إي، بس اعرف إنك لو عدتها، لا أعرفك ولا تعرفني. راكان حس بالكلام كأنه تحذير أخير: راكان: طيب… معتز: توّصّي على شي؟ راكان تردد، ثم قال: راكان: لا… بس بسألك عن موضوعنا، موافق؟ معتز تنهد، تنهيدة تعب مو رفض: معتز: اعطني وقت أفكر. راكان: طيب. وسكّر الخط. بعدها بدقايق، دخلت نجود للصالة، ملامحها مشدودة وصوتها متحامل: نجود: راكان، ليه انت ويمّه مصرّين تزوّجوني؟ افترضوا إني ما أبي؟ قبل ما يرد، جت صيته وجلست قدامها: صيته بنبرة أم خائفة: يا نجود يا بنتي، إلى متى بتضلين كذا؟ ننتظرك لين متى؟ وانتي لسى شباب. نجود عيونها لمعت بالدموع، وصوتها فيه غصّة قديمة: نجود: يمّه… أنا ما أبي أنصدم مرة ثانية. صدمتي الأولى كانت كافية، وما توقعتها منه. صيته حاولت تهديها: بس يا بنتي، الرجال مو مثل بعض. نجود هزّت راسها بعناد ممزوج بألم: ما أبي أتزوج… ما أبي. وقامت بسرعة، دخلت غرفتها، وقفلت الباب وانهارت بالبكاء. راكان لف على أمه باستغراب وضيق: راكان: يمّه ليه تجبرينها؟ صيته تنهدت، تنهيدة أم موجوعة: لأني أبي أشوفها تفرح… أدري إنها مصدومة، بس أحس إنها تخطّت، وأنا أخاف يضيع عمرها وهي تنتظر خوفها. عند يزن كان متجه لبيت سعد، عندهم عشاء بمناسبة ولده اللي توّه جاهم. دخل وسلم، وابتسامته هادية. يزن: بارك لك الواهب بما وهبك. سعد بابتسامة فخر: الله يبارك فيك. وقبل لا يكملون حديثهم، جاهم ماجد، يضحك وهو يمد يده: ماجد: إيه هذا يزن؟ من زمان عنك يا ولد. يزن بابتسامة خفيفة: إنت اللي من زمان عنك. كان الكلام عابر، بس العيون فيها أشياء ما تنقال. عند الحريم دخلن وسلمّن على هيام، وباركن لها بالمولود، الدعوات تعم المكان والفرحة واضحة. ذوق كانت جالسة مع بنات عمها: الجوهرة، نوف، وأسـيل. السوالف خفيفة، ضحك، ونظرات بين حين وآخر… كل وحدة بعالمها. ((وقفة تعريف)) عائلة سطام الأم: سلطانة الأب: سطام ماجد ولدهم اللي بعد جاسم. عمره 27 سنة، يشبه أخوه جاسم لكن مو مرة. طوله حلو، جسمه مثالي، شعره أسود كثيف. الجوهرة أختهم اللي بعد ماجد. عمرها 26 سنة، جسمها حلو، شعرها طويل وأسود. نوف بعد الجوهرة. عمرها 24 سنة، طويلة شوي، رشيقة، وشعرها بني غامق. أسـيل بعد نوف وآخر العنقود. عمرها 19 سنة. كانت متعلقة بأخوها جاسم قبل اللي صار. قصيرة، شعرها قصير يوصل لإذنها، وتلبس نظارات طبية. شكلها يبينها أصغر من عمرها، جسمها جسم عارضة أزياء، بيضاء وعيونها عسلية وتاخذ العقل. خطّابها كثير، لكنها دايم ترفض وتقول: لسا صغيرة. نرجع لقصتنا ذوق وهي متحمسة: تخيلوا الجو هناك يجنّن. نوف بابتسامة: الله يا حظك. أسيل وهي تميل براسها: أنا كنت دايم أسمع عن أجواء روسيا بس ما عمري رحت لها. الجوهرة: طيب وش صار فيه؟ فعاليات ولا بس تمشية؟ ذوق: إي، قابلت نجود ومرام. نوف باستغراب: ليه؟ وش جابهم؟ ذوق: نجود أخوها يدرس هناك، ومرام زوجها نفسه أخو نجود. وضحكن وكملن سوالفهن، كل وحدة تحكي عن سفر أو ذكريات أو خطط مؤجلة، والجو بينهم خفيف وبعيد عن التوتر… عند معتز كان منسدح بالصالة، جسمه ممدد لكن باله مو رايق، عيونه تتابع السقف كأنه يسرح بأفكاره. جنبه مازن، مركز قدام اللابتوب، أصابعه تتحرك بسرعة وهو غارق بشغله. معتز قال بنبرة فيها ملل خفيف: — ما مليت من شغلك؟ مازن رد وهو ما يرفع عينه عن الشاشة، بنبرة واقعية: — مليت طبعًا، بس من وين أجيب فلوسي إذا ما اشتغلت؟ معتز لف راسه له، بنص مزح ونص جد: — طيب متى ناوي تعرس؟ مازن وقف شغله للحظة وناظره باستغراب مصطنع: — وليه؟ تبي الفكّة مني؟ معتز ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها ود أكثر من المزح: — لا أعوذ بالله، بس أبي أفرح فيك. مازن رجّع نظره للشاشة وقال بثقة وهو يبتسم: — إذا تزوجت أنا بعدك. معتز رفع حاجبه وضحك بحدّة خفيفة: — كل تبن. مازن ضحك عليه من قلبه، كأنه ينتظر هالرد، وقال وهو يسكر اللابتوب: — طيب يا شاطر، اليوم دورك بالطبخ، أنا جوعان. معتز تنهد باستسلام وهو يقوم من مكانه: — اعتبرها تسكيته؟ مازن رد بسرعة وهو يبتسم: — إي. معتز هز راسه وهو يتمتم: — طيب طيب… وتوجه للمطبخ يسوي العشاء عند راكان وأهله كانت نجود جالسة بغرفتها، هدوء المكان يزيد ثقل اللي بقلبها. عيونها حايرة، وصدرها ضايق، فكرة إن أمها ممكن تجبرها على الزواج كانت تخنقها. قامت من مكانها بتردد وراحت لأمها. نجود بصوت واطي: — يمّه… صيته رفعت نظرها لها بحنان: — هلا يا بنيّتي. نجود ترددت ثواني، وبعدين قالت: — أبي أرجع لديرتنا. صيته استغربت: — ليه؟ نجود حاولت تخفي توترها وقالت بكذب خفيف: — لأني اشتقت لأختي. صيته ناظرتها بنظرة فاهمة أكثر من اللازم: — بس تغريد متزوجة ورايحة مع زوجها، ومحد بالبيت… تقعدين عند من؟ ولا إنك ما تبين هالزواج؟ نجود نزلت راسها، وشبكت يدينها ببعض بقوة، صوتها طلع مكسور: — إي يا يمّه، ما أبي أتزوج… وبعدين أنا ما أعرف عنه شي، كيف أتزوجه وأنا ما أعرفه؟ صيته قربت منها وجلست جنبها، ومسكت يدها بحنان أم يخاف على بنتها: — يا بنتي، أنا أدري إنك مصدومة، ومن حقك، وما ألومك أبد. بس يا نجود، هالسالفة صار لها أكثر من خمس سنين تقريبًا، وأنا ما أبي لك إلا الخير. ترى راكان مدح لي معتز كثير، يا بنتي استخيري، وبعدها قرري وانتِ مرتاحة. نجود رفعت عيونها شوي، ولسه التردد واضح فيها: — بس يا يمّه… صيته ابتسمت بهدوء، صوتها دافي: — يا بنتي فكري بالموضوع زين، لا تستعجلين. نجود تنهدت بخفة: — طيب. في اليوم التالي عند معتز صحى معتز من نومه بهدوء، قام وتوضّى وصلّى، وبعدها لبس بلوزة بيضا وبنطلون أسود. وقف قدام المراية، رفع شعره لورا وضبطه كعادته، ثم طلع للصالة. لقى مازن مجهز الفطور، الطاولة مرتبة وريحتها تفتح النفس. معتز بابتسامة خفيفة: — يسلم إيديك. مازن وهو يبتسم: — تسلم يا الغالي. جلسوا الاثنين يفطرون، الجو كان هادي بس فيه شي ثقيل بين السطور. بعد كم لقمة، قطع مازن الصمت. مازن بنبرة عادية بس وراها تفكير: — معتز، باقي لك أسبوعين وتتعطل صح؟ معتز: — إي، ليه؟ مازن رفع نظره له شوي وقال: — عندي لك اقتراح… بس فكر فيه زين. معتز: — قل. مازن: — وش رايك نرجع للديرة أسبوع بس؟ معتز رفع راسه فجأة وناظره باستغراب: — نرجع؟ ليه؟ مازن تنهد، وصوته صار أهدى وأصدق: — لأني والله مليت من جلستي بدولة غير مسلمة وأجنبية. ودي أشوف ديرتنا، اشتقت لها… صح إني قعدت هناك أسبوع، بس والله محد يكره وطنه. كلام مازن حز بخاطر معتز، حسّه ضرب على جرح قديم. هو يدري إن كلامه صح، بس الفكرة نفسها توجعه. سكت، اكتفى بالصمت وهو يكمل فطوره بدون نفس. مازن انتبه لسكوته وقال: — ها، وش قلت؟ معتز بعد تردد: — بس يا مازن… إذا رحت هناك وش أسوي؟ مالي أحد بالدنيا. مازن ابتسم بثقة وقرب صوته منه: — أنا معك، عادي. نروح نتونس هناك، نغير جو. بالله قل تم. معتز ظل ساكت لحظة، عيونه بعيدة وكأنه يشوف الديرة قدامه، بين شوق وخوف. عند نجود كانت واقفة عند المغسلة تغسل المواعين، الموية تنزل وصوتها يختلط بأفكارها. يدينها تشتغل، بس عقلها كان بعيد. كلام أمها يلف براسها بدون توقف. نجود تحدث نفسها بصوت مكتوم: أمي معها حق… يمكن فعلًا تبي لي الخير. بس أنا مابي أتزوج من بعده. أحس قلبي ما ملكه أحد غيره… بس هو صدمني. خانني وكسرني. وش علي منه؟ ليه أتعب نفسي وأقعد أفتش بالماضي؟ الماضي راح. خليني أفتح صفحة جديدة. خلاص… بتزوج عشان أنساه وأنسى كل اللي صار. تنهدت تنهيدة طويلة، وكأنها تحاول تطلع كل الثقل اللي داخلها. خلصت شغلها، نشفت يدينها وتوجهت لأمها. جلست جنبها بهدوء. نجود بصوت واطي: — يمه. صيته خفّضت صوت التلفزيون والتفتت لها: — هلا يا بنتي. نجود ترددت لحظة، ثم قالت بنبرة فيها حسم وفيها وجع بنفس الوقت: — يمه… أنا فكرت مليّا بالموضوع، وقررت إني أوافق عليه. صيته انفرج وجهها وفرحت واضح عليها: — صادقة؟! نجود: — إي. صيته بابتسامة ممزوجة بتنهيدة ارتياح: — بس تدرين وش المشكلة؟ نجود باستغراب: — لا، وش هي؟ صيته: — إننا ننتظر موافقته. نجود هزت راسها بخفة: — آها… وسكتت، وهي تحس إن القرار طلع من فمها، بس قلبها لسه يحاول يلحقه. عند راكان كان يتمشى بالحديقة بخطوات بطيئة، يدينه بجيوبه ونظره بالأرض. صدره ثقيل، واسم معتز ما يفارق باله. إحساس الفقد مأكله، وكل زاوية بالمكان تذكّره فيه. وبالصدفة، رفع عينه وشاف شخص قدامه… توقف قلبه لحظة. معتز. ما فكر، قرّب عليه بخطوات سريعة وضمه بقوة وكأنه خايف يختفي. راكان بنبرة صادقة ومليانة شوق: — معتز، والله لو أقول لك اللي في قلبي ما تصدق. معتز ابتسم ابتسامة خفيفة وهو متفاجئ: — إيش؟ قل، وش فيك؟ حمستني. راكان شد عليه بالضمّة شوي: — فقدتك… والله فقدتك. معتز تنفس بعمق، وصوته طلع أهدى: — راكان. راكان رفع راسه له: — هلا. معتز وهو يحاول يغير الجو، بس صوته فيه اهتمام: — وش مقرر تسوي بالإجازة؟ راكان: — مدري… بس يمكن نروح لديرتنا. معتز رفع حواجبه باستغراب: — إييه؟ وش هالصدفة؟ حتى أنا. راكان ابتسم: — يا ليت لو طيارتنا بنفس اليوم. معتز بنفسه، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة: لا… ما أتمنى، عشان لا تشوف مازن. وبصوت مسموع: — ها… إي. وكمّلوا يمشون جنب بعض، خطواتهم متناسقة، والصمت بينهم هذه المرة مريح أكثر من أي كلام. وتمشي الأيام وتجي الإجازة راكان سافر هو وأهله لديرتهم، وكل واحد فيهم يحمل شعور مختلف؛ شوق، حنين، وأشياء ما تنقال. أما معتز… فكانت رحلته اليوم. عند معتز كان بغرفته، شنطته مفتوحة قدامه، يرص أغراضه بهدوء بس عقله بعيد. كل قطعة يحطها بالشنطة تذكّره بشي من ديرته، ريحة المكان، الوجوه، الذكريات اللي حاول يدفنها سنين. مازن كان واقف عند الباب، عيونه على الساعة: — يلا يا ولد، تأخرنا. معتز وهو يقفل السحاب: — يلا يلا. مازن بنبرة استعجال: — باقي ساعتين على الرحلة، ومشوارنا للمطار ساعة… يلا. معتز وهو يشيل الشنطة: — قلت لك يلا. طلعوا من الشقة، وسكر معتز الباب ووقف لحظة كأنه يودّع المكان، بعدها ركبوا السيارة واتجهوا للمطار. الإجراءات عدّت بسرعة، وصعدوا الطيارة… ومع إقلاعها، حس معتز بقلبه ينشد من مكانه. مازن التفت له وهو يبتسم: — وش شعورك وانت راجع لديرتك بعد سنين؟ معتز بلع ريقه، صوته طلع مبحوح: — اسكت… لا تخليني أبكي. ديرتي… اشتقت لها. مازن هز راسه بتفهم: — ما ألومك أبد. ومعتز سكت، عيونه على الشباك، يشوف الغيم، وقلبه سابق الطيارة بخطوة… راجع لمكان ترك فيه أكثر مما يبي. وبعد ساعات وصلوا للسعودية عند معتز ومازن نزلوا من الطيارة، وإحساس الأرض غير… هواء الديرة، لهجتهم، كل شي حسّه أقرب للقلب. الجوع كان واضح عليهم، فتوجهوا مباشرة لمطعم بالمطار. مازن وهو يوقف: — دقيقة بس، الحين أرجع. معتز وهو يشيل الجوال: — خذ راحتك. راح مازن لدورة المياه، ولما طلع كان مستعجل شوي، فجأة صدم بواحدة، وانكب العصير اللي بيدها عليه. البنت بسرعة وارتباك: — آسفة… والله ما شفتك. مازن وقف لحظة، صوته كان هادي بس عيونه معلّقة فيها، ذاب من نبرة صوتها قبل ملامحها: — عادي… عادي، تصير. مدّت له مناديل: — تفضل. لما مد يده ياخذ المنديل، لمس يدها بالغلط… إحساس غريب مرّ فيه، كأنه كهرب ضربه فجأة. ترك المنديل بدون وعي، وهي بعد سحبت يدها بسرعة، ارتبكت، احمر وجهها، ولفّت ومشت بسرعه كأنها تهرب. مازن وقف مكانه، مستوعب اللي صار متأخر. جاء معتز وشاف العصير على ملابسه: — وش السالفة؟ وليه طولت؟ مازن وهو يشير على نفسه بنص ضحكة ونص إحراج: — والله… شوفه عينك. معتز ضحك: — هههههه، شكلك دخلت بموقف مع بنت. مازن لف عليه بنظرة: — انطم، إن شاء الله تبتلى. معتز وهو يضحك ويقوم: — قم يلا، العشاء جا. رجعوا لطاولتهم، بس مازن كان ساكت، مو مع الأكل… تفكيره كله عند لحظة، صوت، ولمسة صارت بثواني بس تركت أثرها. عند البنت اللي صدمت فيه (أسيل أخت ماجد) رجعت أسيل لطاولتهم وملامحها متلخبطة، مو مثل قبل. ماجد وهو يطالع بالكوب الفاضي: — ليه طولتي؟ وين عصيرك؟ أسيل بسرعة وبنبرة متحفظة: — كبّيته… ما أبيه. سلطانة رفعت حاجبها باستغراب: — غريبة، قبل شوي كان نفسك فيه. أسيل لفّت وجهها شوي، كأنها تبي تقفل السالفة: — خلاص، ما أبيه. ماجد قام وهو يعدل شماغه: — طيب بروح أحاسب العشا وأرجع. سلطانة: — انتبه لنفسك. راح ماجد للكاشير، وهو واقف ينتظر الحساب، وقعت عيونه على رجل واقف قريب. حس بإحساس غريب… الوجه مو غريب عليه، كأنه شايفه قبل، بس مو قادر يحدد وين. بدون ما ينتبه، ثبت نظره عليه. معتز حس بالنظرات، لف فجأة، توتره زاد، صوته طلع حاد شوي من القلق: — لو سمحت، وش فيك؟ ماجد انتبه لنفسه وتدارك الموقف بسرعة: — آسف، آسف. حاسب ماجد، وبعدها تردد ثواني، ثم قال: — لو سمحت… عادي أسألك سؤال؟ معتز بنفسه كان يقول: مو وقتك، وجودك مسبب لي توتر. قال وهو مستعجل وبنبرة يحاول يخفي ارتباكه: — طيب، بس بسرعة… أمي تنتظرني. ماجد: — هل أنت تعرفني؟ أو أنا أعرفك؟ بدون مجاملة لو سمحت. معتز انصدم من السؤال، حس بنبضة قلبه تزيد، بس تماسك: — لا، أنا ما أعرفك… وإذا أنت تعرفني، والله مدري. لف ومشى بسرعة، ما يبي يطوّل الحديث ولا يفتح باب هو أصلاً مو مستعد له. رجع ماجد لأهله، ركبوا السيارة، وطوال الطريق وهو ساكت، تفكيره كله عند ذاك الوجه… الإحساس اللي يقول له إن الموضوع مو عابر، وإن فيه شي ناقص بالصورة، بس ما يدري وش هو. عند معتز مازن وهو يمشي جنبه ويناظره بنظرة فضول: — ايه، من كان يسولف معك؟ معتز توتر شوي، وتلخبط بالكلام قبل لا يجمع نفسه: — ماجـ… أقصد مدري من هو، بس حسّيت كأنه يعرفني، وتخوّفت. مازن استغرب وناظر فيه باستفهام: — امداك تغيّرت، شلون بيعرفك أصلًا؟ معتز هز كتوفه، القلق باين بصوته: — مدري، بس توترت مره. مازن حس بتوتره وما حب يضغط عليه: — طيب خلاص، خلنا نمشي ندور لنا فندق ننام فيه. ومشوا مع بعض، ومعتز طول الطريق ساكت، باله مشغول، يحاول يقنع نفسه إن اللي صار مجرد إحساس وما له داعي. عند راكان كان راكان جالس مع أهله، الجو هادي بس فيه ثِقل خفيف، كل واحد مشغول بشي، وراكان ذهنه سرحان. وقبل ما يكمل المشهد، خلّونا نعرّف بالعائلة بشكل أوضح: أبوه فراس، رجل هادي بطبعه، حضوره قوي بدون ما يرفع صوته، دايم يحاول يجمع العائلة حوله. وأمه صيته، معروفة بقلبها الحنون وحرصها الزايد على عيالها، همّها دايم تشوفهم مستقرين وفرحانين. أكبرهم عادل، عمره ثلاثين سنة، متزوج من نوير، وعنده عيال: ولد اسمه راجح، وبنت اسمها أروى، دايم بيته مليان حركة وضحك. بعده يجي راكان، الثاني بينهم، دايم يحس بثقل المسؤولية، وكثير يفكر قبل لا يتكلم، بس قلبه طيب ويتأثر بسرعة. بعد راكان أختهم تغريد، عمرها 28 سنة، متزوجة من جبر، مستقرة بحياتها، وتحب دايم تكون بعيدة عن المشاكل. وآخر العنقود نجود، عمرها 25 سنة، الأقرب لقلب أمها، وأكثر وحدة حسّاسة بينهم، تمر بفترة صعبة وتحاول تبين إنها قوية، بس اللي يعرفها زين يدري إن قلبها مليان خوف وتردد. نرجع للرواية كانوا جالسين مع بعض بالصالة، الإخوان بس بدون زوجاتهم، الجو عادي بس فيه إحساس إن كل واحد مخبي شي بقلبه. عادل وهو يبتسم: — وأخيرًا جيتوا. تغريد التفتت على أمها بنبرة عتب خفيف: — ليه يا يمه سحبتي علينا ورحتي؟ صيته وهي تعدل جلستها وتتنهد: — أنتم مخليني لحالي بالبيت، قلت أغيّر جو شوي. تغريد لفّت بنظرها على نجود، تركز بملامحها: — كيف الجو هناك يا نجود؟ نجود ردّت بهدوء زايد، كأنها مو حاضرة: — حلو. تغريد حسّت إن الرد مو طبيعي، قربت منها أكثر: — نجود… وش فيك؟ أحسك مو على بعضك، فيك شي مضايقك؟ نجود هزّت راسها بسرعة، تحاول تسكر الموضوع: — لا، ما في شي. قامت بهدوء ودخلت الغرفة، كأنها تبي تهرب من العيون. تغريد ما ارتاحت، قامت وراها ودخلت عليها، جلست جنبها على السرير وقالت بصوت أهدى وأقرب: — نجود، قولي لي… وش فيك؟ أنا أختك. نجود سكتت لحظة، صدرها ارتفع ونزل، وبعدها تنهدت تنهدة ثقيلة كأنها تطلع اللي بقلبها كله، وقالت بصوت مكسور: — اللي صار… عند معتز ومازن وصلوا للفندق، خلصوا إجراءات الدخول وطلعوا لغرفتهم. كانت غرفة بسيطة لكنها مريحة؛ سريرين، صالة صغيرة، ومطبخ صغير قدّهم بالضبط، لا زحمة ولا فضاوة زايدة. رتبوا أغراضهم بهدوء، وكل واحد واضح عليه تعب السفر. بعدها انسدحوا على السراير، ظهورهم تصرخ من الإرهاق، والسقف فوقهم كأنه يفضح الأفكار اللي تدور براسهم. مازن التفت على معتز وهو متكي: — معتز… ما مليت من حياتك هذي؟ معتز سكت شوي، عيونه معلقة بالسقف، صوته طلع هادي بس فيه ثقل: — مليت… بس أنت تدري وش اللي حدّني عليها. مازن تنهد، حس بكلامه: — طيب… تتمنى تشوفهم؟ معتز ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شوق ووجع بنفس الوقت: — إي… وخصوصًا أمي. سكتوا لحظة، الصمت بينهم كان مريح، كأنه فاهم كل شي بدون شرح. مازن وهو يعدل وضعه: — طيب… تصبح على خير. معتز: — وانت من أهله. في اليوم التالي عند راكان البيت كان مليان، جمعة قرايب وضحك وأصوات، بس مو الكل مزاجه حاضر. عند الرجال ماجد جالس بينهم، بس ذهنه شارد، عيونه تروح وتجي وكأنها تدوّر على شي ضايع. صورة أمس ما فارقته، الإحساس الغريب اللي حسه وهو يشوف ذاك الشخص ما راح من باله. راكان قرّب منه ودقّه دقّة خفيفة على كتفه: — وينك؟ سرحت… وين وصلت؟ ماجد رفع عينه ببطء، صوته فيه ثقل: — بعيد. راكان حس إن فيه شي: — وش تفكر فيه؟ ماجد تنهد، كأنه متردد يفتح الموضوع: — أفكر بشي. راكان ابتسم ابتسامة يعرفها ماجد زين: — أدري… بس وش هو هالشي؟ ماجد حك راسه وهو يحاول يرتب أفكاره: — أمس صار لي موقف عجيب وغريب. راكان اعتدل بجلسته، اهتمامه زاد: — وش هو؟ ماجد بنبرة حيرة صادقة: — أمس شفت واحد… والله يا راكان حسّيت إني أعرفه من سنين، مو معرفة عابرة، لا… شي أعمق. راكان رفع حواجبه باستغراب: — تعرفه من سنين؟ منهو؟ ماجد هز راسه بضيق: — هنا المشكلة… مدري من هو. راكان حاول يساعده: — طيب اوصفه لي. ماجد تنفس بعمق، صوته فيه قهر: — والله أتمنى، بس هو هرب، وما لحّقت أحفظ ملامحه زين… بس الإحساس باقي. راكان، بدون ما ينتبه لنفسه، طلع الاسم من فمه: — شكله معتز. ماجد التفت له بسرعة: — إيش؟ ومنهو معتز؟ راكان هدأ نبرته: — خويي… شخصيته غريبة شوي، ما يحب يسولف مع الناس ولا يقعد مع أحد، دايم على حاله. ماجد هز راسه ببطء، كأنه يحاول يربط الخيوط: — آها… وسكت، بس قلبه ما سكت. الإحساس إن اللي شافه مو شخص عابر كان يزيد، وكأن الاسم هذا فتح باب ما كان مستعد له. عند نجود كانت نجود وتغريد داخل الغرفة، يفرزن الأغراض اللي ما لها داعي. الجو هادي، بس بين السكون فيه ثِقل واضح. تغريد وهي ترتب: — وانتي للحين مو راغبة بالزواج؟ نجود ردّت بدون ما ترفع راسها، صوتها فيه فتور: — إي. تغريد التفتت لها باستغراب: — غريبة… لك خمس سنين ناسيته، وبمجرد ما رحتي روسيا تذكرتيه؟ شي يحيّر. نجود وقفت شوي، تنهدت تنهيدة طويلة كأنها طالعة من صدر متعب: — آه يا تغريد… روسيا بالذات تذكرني فيه، لأن شهر العسل كان هناك… وكل زاوية فيها ذكرى حلوة، غصب عني يرجع كل شي. تغريد هزّت راسها بفهم: — آها… نجود بعد لحظة صمت، وبنبرة فيها حيرة: — بس معتز… أحس إني أعرفه، مدري كيف ولا من وين الإحساس هذا. تغريد ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها مزاح وفيها جد: — يمكن حبيتيه؟ نجود سكتت شوي، بعدها قالت بصوت واطي: — يمكن… قطع عليهم الكلام صوت أسيل من برا الغرفة وهي تنادي بحماس: — نجود! وين رحتي؟ نجود رفعت صوتها: — ها؟ ما رحت مكان. دخلت أسيل وهي مبتسمة: — طيب بس بقول لك موقف حلو… وأنا صراحة أعجبت بالشخص. نجود جلست وعدلت جلستها: — قولي. أسيل بدت تحكي موقفها مع مازن، وهي تتكلم بعفوية وحماس، وعيونها تلمع وهي تتذكر. نجود ابتسمت لها بنعومة: — طيب… انتي ما تعرفينه. أسيل رفعت كتوفها بثقة وبراءة: — أدري، بس ربك قادر. نجود ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها أمل: — إن شاء الله. ورجع الهدوء للغرفة، بس كل وحدة فيهم كانت غارقة بتفكيرها، وكل وحدة تحمل إحساس مختلف… بين خوف، وأمل، وذكريات ما تموت. عند الرجال كانوا جالسين بالمجلس، سوالف خفيفة وضحك متقطع، وراكان مسك جواله وابتعد شوي يكلم معتز. راكان بنبرة عتب خفيف ممزوجة بفرح: — ما شاء الله عليك… وصلت وما قلت لي؟ معتز بهدوءه المعتاد: — أمس وصلت ترى. راكان سكت لحظة، كأنه يجمع كلامه، ثم قال: — طيب… أمي تسأل عن موضوعنا. معتز تنفس بعمق، صوته كان ثابت بس وراه تفكير طويل: — بكرا أرد لك خبر إن شاء الله. راكان حاول يخفي توتره: — طيب… الله يكتب اللي فيه الخير. وسكر الخط. ماجد كان يراقبه من بعيد، وقرب منه وقال: — من كنت تكلم؟ راكان رد بسرعة وبنبرة عادية: — خويي. ماجد باستغراب بسيط: — طيب ليه ما عزمته؟ راكان كذب وهو يحاول ما يبين شي بوجهه: — هو اعتذر مني. ماجد ما دقق، هز راسه وقال: — طيب يلا، العيال يبون يلعبون بلوت، تعال. قاموا مع بعض واتجهوا للمجلس الثاني، وراكان وهو يمشي كان باله مشغول… كلمة “بكرا أرد لك خبر” ترن براسه، وهو ينتظرها أكثر من أي لعبة أو سوالف. عند معتز سكّر المكالمة مع راكان، وهو للحين حاس بثقل القرار على صدره. لف على مازن، ملامحه مترددة وعينه شارده: معتز: مدري… أوافق ولا لا؟ مازن رفع نظره من جواله، بنبرة هادئة لكنها واثقة: نصيحة مني، وافق. معتز تنهد، صوته طالع من قلبه: بس… مازن قاطعه بلطف: عادي، جرّب حظك، وش خسران؟ معتز حك راسه بتوتر: يعني أقدّم خلاص؟ مازن: إي نعم. معتز سكت لحظة، وبصوت فيه مقاومة وخوف: والله ما ودي. مازن هز كتوفه: بكيفك، سو اللي يريحك، أهم شي تكون مرتاح. معتز مسك جواله، تردد ثواني، وبإحساس متناقض بين ارتياح وندم، كتب رسالة لراكان يبلغه فيها إنه رافض طلبهم. عند راكان كان توه مخلص عشاء، وواقف عند المغاسل يغسل يدينه بهدوء، يحاول يروق باله بعد يوم طويل. خلص، نشّف يدينه، وفتح جواله بشكل عفوي. أول ما طاحت عينه على رسالة معتز، انقبض قلبه. قرأها مره ومرتين، والحزن تسلل لملامحه بدون ما يحس. سكر الجوال وهو ياخذ نفس عميق، كأنه يحاول يبتلع خيبة الأمل. قرر بينه وبين نفسه إنه ما يعلم أمه الحين، وخلّى الموضوع لبعد العزيمة، يمكن يكون أهدى ويعرف شلون يقولها لها بدون ما يوجعها. وبعد ساعتين خلصت العزيمة كان راكان جالس بالصالة بهدوء، قدامه صحن فيه بقايا حلويات، ياكل منها بدون نفس، واضح إن باله مشغول. عيونه شاردة وكأنه مو حاضر بالجسم إلا بس. دخلت صيته وجلست مقابله، تراقب ملامحه وتلاحظ شروده. صيته: كيف شفت عيال عمك؟ بما إنك من زمان ما شفتهم. راكان حاول يبتسم ابتسامة خفيفة، بس ما ضبطت معه. راكان: الحمدالله… هذا زينهم. سكت لحظة، وبعدين رفع راسه لها بنبرة مترددة: راكان: عندي لك خبر… إن شاء الله ما يزعلك. صيته اعتدلت بجلستها، وملامحها انشدّت بحماس وفضول. صيته: وش هو؟ راكان أخذ نفس طويل كأنه يتهيأ يقولها، وبصوت هادي لكنه مثقل: راكان: معتز… رفض طلبنا. بمجرد ما سمعت صيته الكلام، تجمعت الدموع بعيونها، بس تماسكت وما نزلت. نزلت راسها شوي وكأنها تستوعب الصدمة. صيته بصوت مبحوح فيه قهر ورضا بالقضاء بنفس الوقت: صيته: يلا… خيره. عند معتز كان منسدح على السرير، سقف الغرفة قدامه، عيونه مفتوحة بس تفكيره بعيد. إحساس غريب بين الراحة واللخبطة، كأنه للحين مو مستوعب المكان. لف راسه بهدوء وناظر مازن اللي جنبه وقال بنبرة فيها استغراب ممزوج بفرح خفيف: معتز: مازن… مو مصدق إني بالسعودية. انتظر رد، بس ما جاه شي. لف عليه زين وشاف مازن غاط بنوم عميق، نفسه منتظم وكأنه مفصول عن العالم. معتز ابتسم ابتسامة جانبية فيها شي من الوحدة وشي من الطرافة. معتز بصوت واطي شبه مسموع، وهو يرجع يناظر السقف: وانا أسولف على جدار… تنهد تنهدة طويلة، وحس لأول مرة إن رجوعه للديرة مو مجرد سفر، فيه شي أكبر قاعد يتحرك داخله، حتى لو للحين ما يعرف وش هو. بعدها سحب الغطا شوي، وحاول يغمض عيونه، بس الأفكار كانت أسرع من النوم. في اليوم التالي عند راكان كان راكان جالس مع معتز بكوفي هادي، سوالفهم ما وقفت، ضحك وذكريات وعتب قديم انمسح مع الوقت. من كثر ما لهم فترة ما شافوا بعض، كل واحد يحاول يعوض الغياب بالكلام. راكان كان مرتاح، ومعتز رغم هدوءه المعتاد إلا إن وجود راكان خفف عنه شي كثير. بعدها قام راكان وهو يلبس شماغه: راكان: يلا أنا بروح البيت، نشوفك بعدين. معتز بابتسامة خفيفة: روح الله معك. طلع راكان، وبقى معتز شوي يكمل قهوته، سرح بنظره وهو يفكر بالكلام اللي دار بينهم، بعدها قام وراح لشقته. فتح الباب ودخل وهو ينادي: معتز: مازن؟ ما جاءه رد. لف بنظره بالصالة، المكان فاضي. استغرب، لأن مازن غالبًا يكون موجود أو على الأقل يقول وين رايح. طلع جواله واتصل عليه. مازن: هلا. معتز بنبرة فيها استغراب: وينك؟ مازن: بالممشى اللي قريب من هنا، طلعت أغير جو شوي. معتز: اها… طيب دقايق وأجيك. سكر الخط، لبس حذاءه بسرعة، وهو طالع حس إنه محتاج يمشي، يطلع اللي داخله بدون كلام. راح باتجاه الممشى، وقلبه هادي بس عقله مزدحم، وكل خطوة يحس إنها تقربه أكثر من مواجهة أفكاره. عند ماجد وأهله دخلت أسيل الصالة وجلست بهدوء، ملامحها شاردة وكأن بالها بمكان ثاني. سلطانه التفتت عليها بنظرة أم تعرف بناتها زين: سلطانه: يا بنتي. أسيل: هلا يمه. سلطانه بعد لحظة صمت: ما ناوية تتزوجين؟ أسيل رفعت حواجبها باستغراب خفيف: ليه؟ سلطانه تنهدت: أقول خلاص… من باب الكلام بس. بنفس اللحظة دخل ماجد عليهم، لابس ملابس خفيفة تبين إنه ناوي يطلع. ملامحه متعبة، بس يحاول ما يبين. سلطانه لاحظت عليه: وين يا مجود؟ وانت تعبان كذا؟ ماجد بابتسامة متكلفة: يمه والله مليت من جلسة الفراش، بروح أتمشى شوي وأرجع. سلطانه بقلق: خذ معك أحد. ماجد هز راسه: ما يحتاج، بتمشى بس. طلع من البيت واتجه للممشى. وهو يمشي، كل خطوة يحس بثقل بجسمه، كأن التعب ماسكه من كتوفه. صدره ضايق، ونَفَسه مو مثل أول، ويحس لو أحد دفّه دفعة بسيطة ممكن يطيح، بس مع هذا كان محتاج يطلع، يغير جو، يهرب من إحساس الخمول والضغط اللي فيه. كان يمشي بخطوات بطيئة، يحاول يرتب أفكاره، وفجأة جا شعور غريب… إحساس إن فيه أحد وراه. مو صوت، ولا ظل واضح، بس ذاك الإحساس اللي يخليك تشد ظهرك وتلتفت بدون سبب. قلبه دق شوي أسرع، وكمل مشيه وهو يحاول يقنع نفسه إن التعب هو اللي مأثر عليه، بس الإحساس ما راح. عند نجود كانت نجود جالسة بهدوء، بس داخلها مو هادي أبد. زعلها كان ثقيل، مو لأنه رفض يتزوجها قد ما هو إحساس الخيبة اللي جاها فجأة. كانت تحاول تقنع نفسها إن اللي صار خيره، وترددها بين نفسها أكثر من مرّة، كأنها تبي تثبت هالكلمة بقلبها قبل لسانها. قالت بصوت منخفض وهي تحدّث نفسها: نجود (بنفسها): يمكن خيره… أكيد خيره. تغريد كانت تراقبها من بعيد، شايفة الشرود بعيونها والسكوت اللي مو من طبعها. قربت منها وجلست جنبها: تغريد: نجود، عادي حبيبتي… لا تكبرين الموضوع. نجود رفعت عيونها بسرعة وكأنها تبي تقطع أي شك: نجود: لا، مو زعلانة. بس نبرة صوتها خانتها شوي، فيها شي مكسور تحاول تخبيه. تغريد ابتسمت ابتسامة حنونة وقالت وهي تحاول تغيّر الجو: تغريد: طيب خلينا نتمشى شوي، نغير نفسيتك. نجود سكتت لحظة، وبعدين هزت راسها بالموافقة، يمكن المشي يخفف ثقل الفكرة اللي علقت براسها، ويمكن لا… بس كانت محتاجة تطلع من هالمكان بأي طريقة. نرجع لماجد كان ماجد يتمشى بالممشى، خطواته بطيئة وجسمه واضح عليه التعب، بس رغم كذا كان يحاول يقنع نفسه إن الطلعة بتخفف عنه. فجأة بدأ يحس بإحساس غريب… كأن فيه أحد وراه. قلبه دق أسرع، وتوتره زاد مع كل خطوة. حاول يتجاهل الشعور، بس الإحساس ما راح. وقف فجأة، لف بجسمه كله وهو متحفّز وقال بنبرة حذرة فيها عصبية: ماجد: انت قاعد تمشي وراي ليه؟ الشخص اللي وراه شافها فرصة، شاف إن ماجد تعبان ومهدود حيله، وإنه يقدر يضغط عليه. قرب شوي وقال بنبرة باردة: رافع: أنا عندي سؤال. ماجد عقد حواجبه، نبرته صارت أقسى: ماجد: من انت؟ رافع: أنا رافع. ماجد: طيب وش تبي؟ رافع قرب أكثر، وصوته صار حاد: رافع: وين أخوك؟ ماجد ضحك ضحكة قصيرة فيها استهزاء أكثر من الضحك نفسه، وقال: ماجد: هههههه، ضحكتني… وش قلت؟ أخوي؟ رافع بجدية: رافع: إي، وينه؟ ماجد شد كتوفه وقال بنبرة متحدّية: ماجد: مدري. رافع رفع صوته، الغضب واضح بعيونه: رافع: وينه؟! ماجد: غبي انت ولا تستغبي؟ جاي تدوره بعد خمس سنين؟ رافع من غير تردد: رافع: إي، لأني أبي أنتقم منه. ماجد حس بالخطر، بس تمسك بهدوءه وقال: ماجد: أقول لك مدري. فجأة رافع فقد أعصابه، ضرب ماجد بقبضته وضيق عليه، ومسكه من ياقته بقوة وهو يقرب وجهه منه: رافع: إذا ما تتدري وينه، أجل بنتقم منك انت. ماجد تألم بس حاول يثبت نفسه، قال وهو يضغط على أسنانه: ماجد: وش سوى لك؟ رافع شد قبضته أكثر وقال بحدّة: رافع: مالك دخل. عند معتز كان معتز يسولف مع مازن بهدوء. معتز: إي ياخي… أحس إني فرحان إني قرر— انقطع كلامه فجأة على صوت مرتفع جاي من بعيد: – ياخي اتركني بحالي، والله مدري وينه! معتز التفت على مازن بسرعة وقال: معتز: خلك هنا، بروح شويات وأجي. وتحرك باتجاه مصدر الصوت. أول ما قرب وشاف الهوشة قدامه، وقف لحظة. ما كان ناوي يتدخل. عقله كان مليان أسئلة، وإحساس قديم يحاول من زمان يتجاهله. قال بنفسه: مالي دخل. لكن أول ما شافه… قلبه سبق تفكيره. ما عرف ليه تحرك، ولا من وين جته الجرأة. بس شي داخله قال له: «لا». لا للظلم. ولا لفكرة إنه يوقف ويتفرج. دخل بينهم بدون تردد، كأن جسمه تحرك لحاله، وكأن قوة خفية تدفعه. وهو يدافع عنه، حس بنار في صدره. غضب مو طبيعي، حرقة ما كانت بس عشان الهوشة. كان يدافع عنه كأنه يدافع عن نفسه… عن شي ضايع منه من سنين. كل كلمة قالها، كل حركة، طالعة من مكان أعمق من العقل. بعد ما انتهى كل شي، وقف مكانه مذهول. أنفاسه متقطعة، وعيونه مثبتة عليه. سأل نفسه: ليه سويت كذا؟ وليه ما قدرت أتركه؟ كان يعرف الجواب… بس ما كان مستعد يعترف فيه. بعض الحقايق، حتى لو كانت واضحة، تحتاج وقت عشان تنقال. وقف قدام ماجد وقال بعصبية: معتز: غبي انت؟ الرجال تعبان وانت تستقوي عليه؟ رافع كان ماسك خده ويناظره بحقد: رافع: وانت شدخلك؟ معتز قرب خطوة: معتز: اتركه بحاله وتعال لي. رافع وقف مستقيم وناظره بتركيز: رافع: وليه؟ تعرف وين الزفت جاسم؟ معتز: حتى لو أعرف، ماجد ماله دخل. ويا ويلك تمس شعره منه. رافع ابتسم ابتسامة تهديد: رافع: والله لو أدري إنك تتدري وينه، حسابك راح يكون عسير عندي. معتز بنبرة حازمة: معتز: أقول انقلع من هنا. رافع لف وراح. معتز التفت لماجد، كان جالس على الأرض. نزل لمستواه وقال بهدوء: معتز: سوى لك شي؟ ماجد رفع عيونه وقال باستغراب: ماجد: أنا بسألك… شلون عرفت اسمي؟ معتز توتر شوي: معتز: ها؟ راكان قال لي عنك. ماجد هز راسه: ماجد: راكان… آها. معتز ساعده يقوم ووصله للسيارة. ماجد وهو يمشي: ماجد: طيب انت تعرف هالرجال؟ وليش تهدده؟ معتز: لأني أحب أساعد الناس اللي مالهم ذنب باللي صار. ماجد: طيب… مشكور. وركب وراح. جاء مازن عند معتز وهو يضحك بخفة: مازن: أوف أوف، والله طلعت تخوف وانت معصب. معتز: طيب لا تمدح عشان ما أغتر. مازن: غريبة… ما خفت إنه يع— قاطعه معتز: معتز: لا إن شاء الله. مازن: طيب. معتز بعد لحظة صمت: معتز: مازن… أنا بقعد هنا مدة شهر. مازن باستغراب: مازن: غريبة؟ انت ما كنت حاب ترجع من الأساس، ليش قررت تقعد شهر؟ معتز: أدري… بس أنا حاب أشوف الناس اللي انظلمت بسببه. وسكت. مازن ما ناقشه ولا سأله ليه سكت، لأنه يعرف إن معتز ما يحب هالحركات. وراحوا لفندقهم. عند ماجد كان ماجد جالس بالسيارة، ساكت، عيونه قدامه بس عقله بعيد. المشهد كله يعيد نفسه براسه. قال بنفسه: من هو هذا؟ وكيف عرف اسمي أساسًا؟ شد على المقود، وأفكاره تتشابك. أشك إنه يكذب… بس معقول؟ هز راسه بسرعة وكأنه يبي يطرد الفكرة. لا لا، مستحيل… هو مات من زمان. تنهد، شغل السيارة، وتحرك بهدوء. رجع للبيت، ولسه الأسئلة تدور براسه بدون جواب. بعد أسبوع قرر معتز يزور راكان عند معتز كان معتز يتجهز بهدوء، حركاته بطيئة شوي وكأن التوتر ماسكه. مازن يراقبه وقال بابتسامة: — أخيرًا قررت تروح. معتز تنهد وهو يعدل ملابسه: — متوتر… أحس إني بكون غريب بينهم. مازن قرب منه وقال بنبرة صادقة: — لو أقدر أجي معك، كان جيت بدون تردد. معتز ابتسم ابتسامة خفيفة فيها قلق: — إن شاء الله العشاء ما يطوّل. مازن هز راسه وقال: — تعال، أوصلك للمكان وبعدين أروح لشغلتي. معتز أخذ نفس عميق، كأنه يشجع نفسه: — يلا. بقسم الرجال راكان كان ينتظره على أحرّ من الجمر. كل شوي يلتفت للباب، ولما أخيرًا رنّ الجرس، انتفض مكانه. دخل معتز، وراكان رحّب فيه وهو يحاول يخفي توتره، ودخلوا المجلس. عادل: يا هلا بمعتز. معتز: يا هلا بك. راكان التفت له وقال بهدوء مصطنع: راكان: أبوي اللحين يجي… تسلّم عليه. الكلمة نزلت على معتز ثقيلة. حس بدقّات قلبه تتسارع، ونَفَسه ضاق بدون سبب واضح. معتز (بتردد): أبوك؟ راكان: إي… ليه؟ معتز هز راسه بخفة، كأنه يقول: ما فيه شي، بس داخله كان غير. دخل فراس. تقدّم وسلّم على معتز، لكن يده ما انفلتت بسرعة. مسكها زيادة عن اللزوم، ونظرته ثابتة عليه. فراس (بصوت منخفض): يا هلا فيك. معتز حاول يبتسم، بس صوته طلع مشدود: معتز: يا هلا بك… يا عمي. فراس قرّب شوي، صوته هادي بس ثقيل: فراس: وين كنت؟ وليش الغيبة؟ معتز حس إن السؤال أكبر من كذا، بس اختار أقرب جواب. معتز: يا عمي… أي غيبة؟ أنا أول مرّة أشوفك أصلًا. سكت فراس لحظة، نظر له نظرة ما كانت واضحة معناها، بعدها قال بهدوء:طيب.ترك يده ومشى. معتز بقى واقف مكانه، يحس إن السلام هذا خلّى شي يهتز داخله… شي ما قدر يفسّره. عند الحريم كانت نجود لابسة تنورة لنص الساق لونها أسود، وعليها بلوزة نمريّة ماسكة على الجسم. مسوية شعرها ويفي وصابغته أسود خيالي، وحاطة ميكب ترابي، وطالع شكلها زي القمر. تغريد كانت لابسة فستان أسود ماسك على الجسم، وعلى خصرها حزام لونه فضي مبيّن خصرها المرسوم. سوت شعرها ويفي ومسكت خصلتين بفيونكة. كانت نجود عازمة ذوق ونوف لأنهم أقرب الناس لها من بعد تغريد. نوف بابتسامة: — وأخيرًا شفتك. ذوق: — إي والله. نجود بفرح: — والله إن لكم وحشة. نوف قربت وهمست لنجود: — من اللي عند الرجال؟ لأني توّي شفته داخل وأنا جاية. نجود هزت كتفها: — مدري، بس راكان قال إنه خويه وبيجي. عند مازن راح عند أمه وسلم عليها. أم مازن بابتسامة ولهفة: — يا هلا بولدي. مازن: — يا هلا بك. أمه: — وين كنت؟ وكيف روسيا معاك؟ مازن تنهد: — يمه أنا ودي أجي هنا، بس زي ما تعرفين خويي يحتاجني. بس فيه حاجة غريبة… كان ما يبي يجي، بس لما وصلنا قال إنه يبي يطول، مدري ليه. أمه باستغراب: — غريبة. مازن تردد شوي ثم قال: — يمه بقول لك حاجة، بس أتمنى تنفذين طلبي زي ما أبي. أمه بجدية: — وش هو؟ مازن: — يمه… أنا بتزوج. أمه زغرطت من الفرحة: — ومن سعيدة الحظ؟ مازن ابتسم بخجل: — مدري… صار لي موقف معها وأبيها، حبيتها. أمه: — وش رأيك أخطب لك بنت أم ماجد؟ مازن بسرعة: — يمه إذا عرفت البنت إن شاء الله أخطبها. أمه: — طيب أوصف لي اللي تبيها وأنا أدور لك. مازن ضحك: — شلون أوصافها لك؟ أنا ما مداني أحفظ شكلها. أمه بابتسامة: — طيب، على راحتك.