الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع - الفصل الأول - بقلم على كيف كيفك - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الزمان اللي رحل ما عاد بيرجع
المؤلف / الكاتب: على كيف كيفك
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

الهدوء اللي يسبق السقوط كان واقف قدّام المراية، يضبط ياقة قميصه ويرتّب شعره بعناية. وقف لحظة، طالع انعكاسه، وابتسم ابتسامة رضا خفيفة… مو غرور، قد ما هي ثقة متعودة. مدّ يده، أخذ عطره، وتعطّر بنفَس هادي، كأنّه يجهّز نفسه ليوم طويل. التقط مفتاح سيارته وطلع، عقله مشغول بأشياء أكثر من محاضرة. وصل الجامعة، دخلها بخطوات ثابتة. المحاضرة باقي لها ربع ساعة. جلس في البهو، حوله أصوات الطلبة، ضحكات، لغات مختلفة… وهو بينهم حاضر جسدًا، غايب فكرًا. وقفة تعريف: معتز عمره 31 سنة. طويل، طوله متناسق، حضوره يسبق اسمه. شعره أسود، كثيف وناعم بشكل ملفت. جسمه مثالي، مو مبالغ فيه، بس واضح إنه يهتم بنفسه. شخصيته؟ بين أخوياه يحب المزح والمقالب، خفيف دم. لكن مع الناس اللي ما يعرفهم؟ يتوتر، يتلخبط، ويصير أقل كلام… كأنه يحط جدار ما يحب أحد يتجاوزه. يدرس الدكتوراه في روسيا، والغربة صقلت فيه أشياء كثير… وبعضها كسرتها. راكان صديق معتز، عمره 30 سنة. طويل، لكن أقصر شوي من معتز. شعره بني غامق، جسمه مرتب. شخصيته تميل للجدّية، حساس أكثر مما يبي يبيّن. تعرف على معتز في روسيا، جمعتهم الغربة قبل الصداقة… اثنين عرب، بلغة وحدة، وحنين واحد. يدرس مع معتز بنفس الجامعة، لكن بقسم مختلف. وفيه شخصيات ثانية بتطلع مع الوقت… شخصيات وجودها ما يمر مرور الكرام، لكن خلّونا نكتشفهم خطوة خطوة. نرجع للروايه : وهو جالس بالبهو، يسرّح نظره قدامه، جا عنده راكان وجلس جنبه. راكان: معتز، جاي بدري اليوم. معتز: إي… ما سهرت زي العادة. رفع راكان حاجبه بخفة: راكان: اها، وكم باقي على محاضرتك؟ معتز: خمس دقايق، الحين بروح… وبعد المحاضرة نتقابل، أوك؟ راكان: أوك. قام معتز واتجه للمحاضرة. جلس على الكرسي، ظهره مستقيم بس باله مو حاضر. الدكتور بدأ يشرح، الكلمات تمر، ساعتين ونص عدّت وهو يحاول يركز… بس ذهنه كان يروح ويرجع. خلصت المحاضرة. طلع معتز، راح للكوفي اللي داخل الجامعة، أخذ قهوته وجلس ينتظر. بعد شوي جا راكان وجلس قدامه. معتز: كم عندك محاضرة اليوم؟ راكان: وحدة… وانت؟ معتز (يبتسم): وش هالصدفة؟ حتى أنا. راكان: أجل خلنا نطلع من الجامعة دامنا خلصنا. معتز: يلا. كان معتز يسوق، الطريق هادي، والمطعم مو بعيد. فجأة رن جوال راكان. راكان: هلا… سكت شوي. — يا أهلا وسهلا يا يزن… — لا، لا… الجامعة تمام. — وش عندك داق؟ — تطمّن، الأمور تحت السيطرة… — لا تخاف، حسستني إنك أخوي ترى حنا عيال عم… — طيب، مع السلامة. سكر الجوال. معتز ناظره بنظرة سريعة: معتز: راكان، من اللي دق؟ راكان: ولد عمي… يشوف وش ناقصني. معتز: طيب هو مو أخوك؟ غريبة. راكان: أدري، بس حنا قريبين من بعض. هو اللي اقترح علي الدراسة برا، ويبي يطمن على الوضع. معتز: اها. سكتوا شوي. راكان: معتز… بسألك سؤال. معتز: تفضل. راكان: بما إن عمرك 31… هل أنت متزوج؟ تدارك نفسه بسرعة: — لا تفهم غلط، بس فضول. ابتسم معتز ابتسامة خفيفة، كأنها درع: معتز: إي… وصار ظرف، وانفصلنا. راكان: اها. وقف معتز السيارة: معتز: وهذا حنا وصلنا. نزلوا، طلبوا أكلهم، وجلسوا ينتظرون. راكان: معتز… ودي أعرف عنك أكثر. صار لنا تقريبًا ست شهور. سكت شوي ثم قال: — وش ترتيبك بين إخوانك؟ معتز ناظره بنظرة فيها شي من المزح وشي من الحذر: معتز: حلو… أنت تبي تعرف عني، وحتى أنا أبي. راكان: طيب. معتز: بين إخواني أنا أكبرهم… وانت جاوب على نفس السؤال. راكان: أنا ثاني واحد. معتز: طيب، وانت متزوج؟ راكان: إي، وعندي بنت. معتز (بصدق): ما شاء الله، الله يحفظهم لك. راكان: آمين. وصل الأكل، أكلوا بهدوء. بعدها راحوا لحديقة قريبة، يمشون بدون استعجال. الهواء بارد شوي. راكان: معتز. معتز: هلا. راكان: مفكر تتزوج؟ ضحك معتز بخفة، يحاول يكسر الجو: معتز: ياخي… من وظفك محقق؟ راكان حك راسه بإحراج: راكان: محد… بس أحسك غامض. وقف معتز شوي، ناظر قدامه: معتز: طيب… ثم التفت عليه: — أنت تسألني من اليوم، والحين دوري أنا أسألك. ونظرات راكان قالت إن الأسئلة الجاية… ما راح تكون بسيطة. راكان: طيب. معتز: متى تحلّ عني؟ راكان (يضحك): حرام عليك، وين أروح؟ معتز: طيب لا تسأل كثير. سكت راكان ثواني، وكأنه يتردد، ثم قال بنبرة عادية: راكان: تصدق… إنك تشبه واحد من قرايبي، اسمه ماجد. الاسم نزل على معتز كأنه حجر. وقف فجأة، قلبه دق بقوة. معتز: ماجد؟؟ ناظره راكان باستغراب: راكان: إي… وش فيك؟ انصدمت؟ تنفّس معتز بعمق، رجّع نفسه بسرعة: معتز: ولا شي. راكان ضحك بخفة: راكان: طيب بمشيها لك… أحسك تكذب علي، بس عادي. معتز ناظره بطرف عينه، بدون تعليق: معتز: طيب. راكان: امسك جوالي، بروح شويات وأرجع. معتز: وين؟ خذه معك. راكان: ما أقدر… بعدين تعرف. أعطاه الجوال وراح. جلس معتز على أقرب كرسي، أرخى جسمه. نظره ثابت قدامه، بس عقله رجع سنين ورا. وجوه، أصوات، مواقف حاول يدفنها… طلعت دفعة وحدة. قطع حبل أفكاره اتصال. رفع الجوال، الاسم ظاهر: (يزن مروان – ولد عمي) تجمّد لحظة، بعدها أعطاه مشغول. قال بنفسه: ياخي هالآدمي بس يدق على راكان… غريبة. رجع راكان وأخذ جواله. راكان: معتز، فيه أحد اتصل؟ معتز: ها؟ إي. راكان: رديت عليه؟ معتز: لا، ما رديت. راكان: طيب. سكت معتز شوي ثم قال: معتز: وش عنده ولد عمك؟ بس يدق عليك. راكان: ترى كل يوم يتصل مرتين، بس اليوم كثّرها… مدري ليه. معتز: طيب. اتصل راكان على يزن. يزن: يا ولد، وش فيك قفلت بوجهي؟ راكان: يابن الحلال هدّ حالك، كنت بدورة المياه وجوالي مع خويي. يزن: اها. راكان: طيب وش عندك؟ كثرّت اتصالاتك اليوم. يزن: لأني كل ما بقول لك أتردد. راكان: طيب قل. يزن: أُمك تبي تجي عندك، وعادل مسافر، ومدري كيف أوديها. راكان (ينتبه): أمي؟ وانت كنت عندها اليوم؟ يزن: إي، هي قالت لي. راكان: اها. يزن: ترى حجزت تذكرتين، لها ولي. أوديها وأرجع. راكان: طيب بس بسألك… يزن: اسأل، مع إنك راعي أسئلة. راكان: ليه هي اختارتك من بين عيال عمي؟ يزن: لأني أنا الفاضي. راكان: طيب متى الطيارة؟ يزن: بكرا 6:30 الصبح. راكان: اها… مع السلامة. سكر. معتز: وش السالفة؟ راكان: أمي بكرا تجي، وهو بيجيبها. معتز: اها… ومتى الطيارة؟ وليه أنت ما تروح عندها؟ راكان: الطيارة 6:30 الصبح، وأمي تحب السفر. قررت تجي هي. ثم تنهد: — الحين استأذن، بروح أنام عشان أستقبلها بكرا. ومشى. بقى معتز بمكانه، السكون حوالينه ثقيل. يفكر… بكرا وش بيسوي؟ راكان بيكون مع أمه، وهو دايم يخطط للويكند، بس هالمرة الفراغ مو مريح. رجع لشقته. دخل، راح أخذ شاور يبرد راسه. لبس ملابس عادية، وجلس بالصالة. فتح جواله… طلع له صورة قديمة. هو، وزوجته… حبيبة روحه. كانت جالسة، تمسح على قطوتها البيضاء، وابتسامتها هادئة. ابتسم لا إراديًا. طفى الجوال. قام لغرفته، ضبط المنبه على صلاة الفجر، وانسدح… والنوم أخذه، بس أفكاره لا. في اليوم التالي قام معتز من النوم، الظلام ما زال يلف المكان. الساعة كانت أربع الفجر. توضّى وصلّى، ركعتين خلت صدره أهدى شوي، ولو إن الأفكار ما اختفت. رجع لغرفته، فتح الدولاب ولبس هودي أسود عليه كتابة بالإنجليزي، وبنطلون جينز أبيض، وانتعل بوت أسود. مشّط شعره الأسود ورا، ووقف قدّام المراية. طالع نفسه لحظة وقال بصوت واطي: أبروح أتمشى بالحديقة… الجو بارد شوي. طلع بهدوء، الشوارع شبه فاضية، والهواء الفجري يلفحه ببرود منعش. وصل الحديقة، خطواته على الأرض كانت خفيفة، كأنه ما يبي يوقظ أفكاره أكثر. جلس شوي، ثم قام يتمشى. السكينة حوالينه، بس داخله ما كان بنفس الهدوء. كل شي ساكت… إلا قلبه. ومشى، وهو يحاول يخلّي اللحظة تمر بدون ما يفتح أبواب الماضي. عند راكان استقبل راكان يزن وأمه، أخذهم بالسيارة. كان الصباح لسه جديد، والهدوء يغطي الشوارع. راكان (بابتسامة): يا هلا بأمي. صيته: يا هلا بك يا وليدي. راكان: ويا هلا بيزن. يزن: يا هلا فيك. نظرت صيته حولها وهي تجلس براحة: صيته: يا ولدي، تعرفت على أحد؟ راكان: إي الحمد لله، تعرفت على واحد… وعربي بعد. ابتسمت صيته باهتمام: صيته: حلو. وكيف شخصيته؟ عساك انسجمت معه؟ تنهد راكان وهو يسوق، صوته فيه ارتياح: راكان: أوف… والله يدخل القلب بدون استئذان. تدخل يزن بنبرة فضول: يزن: طيب وش اسمه؟ راكان لف عليه بنظرة جانبية، يبي يمازحه: راكان: أشوف أسئلتك كثّرت. يزن: ياخي أنا وأنت تربّينا مع بعض خمس سنين، كأننا إخوان. جاوب. راكان ابتسم: راكان: وش تعطيني؟ يزن: أجل لا تجاوب. راكان (يضحك): طيب… اسمه معتز. يزن: اها. وصلوا لشقة راكان المتواضعة. دخلهم، جلسهم بالصالة، وحط أغراضهم. بعد شوي وقف يزن: يزن: راكان، بروح أتمشى شوي وأرجع. راكان: طيب. طلع يزن، وبقى المكان هادئ عند معتز راح لمطعم قريب عشان يفطر. طلب أكله وجلس ينتظر، عيونه تسرح بدون ما يحس. قال بنفسه بصوت داخلي مكسور: يا رب… بس وينك يا يمّه؟ تشوفين ولدك وين وصل… وكيف يحاول يوصل لشهادة عليا. وصل الطلب. غسل يديه بهدوء، أكل على عجل، كأن المكان ما عاد يريّحه. وبنفس الوقت… يزن دخل نفس المطعم، بس عشان ياخذ قهوة. معتز خلص وطلع. وأول ما وصل عند الباب… تزحلق وطاح. رفع راسه بسرعة، الإحراج سابق الألم. شاف واحد واقف قدامه. يزن: عربي؟ معتز، من شدّة توتره، ومن “ذكاءه الخارق” بهاللحظة، طلع الرد بدون تفكير: معتز: No. يزن عقد حواجبه: يزن: أجل شلون فهمت علي؟ معتز بنفسه، وهو يلعن الموقف: والله إني غبي… رفع نفسه بسرعة وقال بنبرة دفاعية: معتز: طيب وش تبي؟ يزن ابتسم ابتسامة بسيطة: يزن: بس حبيت أتأكد من إحساسي… حسّيت إنك عربي. شدّ معتز على نفسه، وقال ببرود مصطنع: معتز: طيب… بروح. ومشى. ركب سيارته، شال الكمام والنظارة، ومسح على شعره بقوة وهو يتنفس بارتياح. معتز: الحمد لله… فكني منه. شغّل السيارة واتجه لشقته. بس الإحساس الغريب… ظل معه أطول من الطريق. عند راكان كان راكان واقف بالمطبخ يصب لأمه شاي أعشاب، البخار يطلع خفيف، والجو هادي. حط الكاسة قدامها وجلس قريب منها. صيته: يا ولدي… والله أختك هالفترة حزّنتني. رفع راكان راسه باستغراب بسيط: راكان: مع إنها مو بنتك… غريبة حزّنتك كذا؟ نزلت صيته الكاسة ببطء، ونظرتها كانت صادقة: صيته: أدري يا ولدي، بس هي مؤدبة ومحترمة… وليه ما أعتبرها بنتي؟ ثم أضافت بنبرة أم: — قلبي ما يفرق. راكان: تمام، بس على وش حزّنتك؟ تنهدت صيته، تنهيدة طويلة كأنها شايلة هم سنين: صيته: أخاف محد يبيها… وهي توها بالعشرينات. سكتت شوي، ثم قالت بصوت أخفض: — وأكثر شي يوجعني… كل ما تشوف أم ومعها عيال تبكي. حس راكان بثقل الكلام، قرب منها أكثر: راكان: أفهم شعورك يا يمّه… بس زي ما تعرفين، زوجها خرب سمعتها. هزّت راسها بحزن: صيته: إي… الله لا يوفقه. سكت راكان لحظة، يفكر، ثم قال بتردد محسوب: راكان: طيب… أنا عندي خوي. رفعت راسها. — يقول إنه مطلّق… وش رايك أعرض عليه موضوع الزواج من أختي؟ — بما إنه ما يعرف شي عن الماضي. لمعت عيون صيته، وكأن أمل صغير اشتعل: صيته: إي والله… اعرض عليه. ليش لا؟ ابتسم راكان بخفة، كأنه هو نفسه ارتاح للفكرة. في هاللحظة مرّ يزن، توجه لغرفته بدون كلام. كان واضح عليه التعب… نام، لأن بكرا طيارته، وكل واحد في البيت كان نايم… إلا الأفكار. تشرق شمس الأمل من بعد ليل طويل كان يوم ويكند بالنسبة لمعتز وراكان. عند معتز فتح عيونه على ضوء الشمس اللي متسلل من الشباك. استوعب إنه نايم بالصالة… وعلى الطاولة قدامه قراطيس الساندويتش مبعثرة، وبقايا ليلة حاول فيها ينسى نفسه. تنهد، قام بهدوء. توضّى وصلّى، وكأن الصلاة رجّعت له توازنه شوي. بعدها رتب الكارثة اللي صارت بالصالة، كل شي رجع مكانه، إلا اللي داخله. راح أخذ شور، الموية نزلت على راسه تبرد أفكاره. طلع، لبس جينز أسود وتيشرت أحمر، مشّط شعره اللي بدأ يطول ويغطي عيونه، وعدّله ورا. تعطّر، أخذ نفس عميق، وكأنه يقول لنفسه: يلا… نبدأ يوم جديد. طلع متوجه للكوفي اللي اتفق هو وراكان يلتقون فيه. الجو لطيف، والشوارع أهدى من العادة. وفي قلبه إحساس غريب… مو راحة كاملة، بس أمل خفيف، يكفيه لليوم. ومشى، وهو ما يدري إن هالويكند… بيغيّر أشياء أكثر مما يتوقع. عند راكان وصل يزن للمطار، ودّعه بكلمات سريعة. المكان مزدحم، والوقت يمشي أسرع مما يتوقع. بعدها اتجه مباشرة للكوفي. دخل، شاف معتز جالس، ملامحه هادئة كعادته. سلّم وجلس قدامه. طلب معتز قهوته وكرسون ساده، أما راكان فطلب قهوة وقطعة كيك. وصل الطلب. معتز (بنبرة مزح): وش فيك طالبني من الصبح؟ تحمّست. أنزل راكان كوب القهوة بهدوء، وصوته تغيّر شوي: راكان: معتز… عندي لك عرض. سكت لحظة. — وبعطيك الوقت اللي يناسبك عشان تفكر. رفع معتز حاجبه: معتز: ياخي فضولي ذبحني، قل بدون مقدمات. تنهد راكان: راكان: طيب… أنا عندي أخت مطلّقة. — وبما إنك منفصل، يمكن تناسبك. كان معتز يقطع الكرسون، وقف لحظة: معتز: طيب… من هي أختك؟ ثم أضاف بهدوء: — وآسف لو أتدخل، بس ليه انفصلت عن زوجها؟ أرخى راكان نفسه، كأنه يشيل حمل: راكان: اختي انفصلت عن زوجها… تنهد. — لأنه سوّى شي صراحة مدري كيف قدر يسويه. معتز: وش سوّى؟ راكان: خان… سكت شوي. — خان العائلة كاملة. شرق معتز بالقهوة: معتز: كح… كح… خان؟ راكان (بحزن): إي، للأسف. رجع معتز يحط الكوب، ملامحه ثابتة بس داخله مو كذلك: معتز: طيب… بفكر بالموضوع. راكان: خذ راحتك. معتز: بس سؤال… أختك هنا ولا بديرتكم؟ راكان: بديرتنا. ثم سأله باستغراب: — ليه تسأل؟ معتز: بس سؤال. قام معتز: معتز: والحين أستأذن. وهو ماشي لفّ على راكان: معتز: ولد عمك… راح؟ راكان: إي، اليوم الصبح. معتز: تمام، يوصل بالسلامة. وطلع. بقى راكان جالس شوي، يفكر بالكلام اللي قاله… وبالكلام اللي ما قاله. بعدها قام، ودخل شقته. والهدوء اللي رجع للمكان، كان يخبي وراه تغييرات قريبة… أكثر مما يتوقع الاثنين .عند معتز كان يسوق بهدوء، متجه للحديقة. الطريق شبه فاضي، والهواء يدخل من الشباك ويخفف شوي من ثقل الأفكار اللي براسه. وهو يسوق، كأن صوته الداخلي ما رضي يسكت: «مدري… أتزوج مرة ثانية ولا لا؟ قلبي ما عاد يتحمّل قرب الناس… كل ما قربت، تعلّقت، وكل ما تعلّقت… تأذيت.» تنهد، وضغط على المقود شوي. «بس يمكن… يمكن الله ييسر. يمكن هالمرة تكون مختلفة.» وصل للحديقة. صفّ سيارته، ونزل. جلس على أحد المقاعد، يراقب الأشجار تتحرك مع الهوا، والناس تمشي بدون هموم واضحة. كان يحاول يفرغ رأسه، بس الأفكار ترجع له بهدوء مزعج. حط يده على جبينه، وأخذ نفس عميق. ما كان محتاج إجابة الآن… كان محتاج بس لحظة سلام. وجلس. عند راكان دخل شقته، وأول ما أغلق الباب لفحته رائحة الطبخ… ريحة دافئة، مألوفة، خلت صدره يرتاح بدون ما يحس. من الصالة كان يسمع صوت أمه تقرأ القرآن بصوت هادئ، نبرة مليانة طمأنينة. ما حب يقطع عليها، عدّى بهدوء للمطبخ. مرام كانت واقفة تطبخ، و رهام جالسة على كرسي المطبخ تحرك رجلينها بملل. راكان بابتسامة خفيفة: — مرومه. مرام التفتت له: — هلا. راكان بنبرة مهتمة: — أمي شكت من شي اليوم؟ مرام هزت راسها بابتسامة مطمئنة: — لا. راكان تنفس براحة: — زين… كم باقي على الغدا؟ مرام: — نص ساعة بالكثير إن شاء الله. راكان بابتسامة صادقة: — طيب، انتظرك وأكلك اللذيذ. طلع من المطبخ وجلس بالصالة. بعد شوي، سكّرت صيته المصحف، وحطته بهدوء على الطاولة. نظرت له وقالت: — راكان، نجود اتصلت عليك. راكان استغرب: — لا، ليه؟ صيته: — توقعت… لأنها جايه بالطائرة الحين، ويمكن ما لحقت تكلمك. راكان استقام بجلسته: — طيب يا الغالية، ليه سافرت؟ صيته تنهدت: — تقول إنها لحالها بالبيت، وتبي تغيّر جو. راكان: — اها… ومتى كانت طيارتها؟ صيته: — الساعة عشر الصبح. راكان رفع عينه للساعة المعلقة على الجدار… كانت تشير لـ 10:30. انقبض قلبه شوي: — طيب… بروح أجيبها. صيته بابتسامة دعاء: — بحفظ الله ورعايته. قام بسرعة، أخذ مفاتيحه، وطلع متجه للمطار وقلبه مشغول أكثر مما يحب يبين. عند معتز كان داخل البقالة، يتنقّل بين الرفوف بهدوء، ياخذ أغراضه بدون تفكير كبير. خلص، وتوجّه للكاشير. وقبل لا يوصل بخطوتين… انتبه لوجودها. بنت واقفة قدامه، جسمها متناسق كأنها عارضة أزياء، بشرتها بيضاء، شعرها يوصل لآخر رقبتها بلون بندقي ناعم، عيونها عسليّة تلفت الانتباه بدون مجهود. كانت لابسة بنطلون كاجوال أسود، وبدي أبيض، وفوقه جاكيت طويل يوصل للركبة لونه بيج، والنظارة رافعتها فوق شعرها. معتز حس بتوتر مفاجئ. لفّ على طول وأعطاها ظهره كأنه فجأة مهتم بالأغراض اللي بيده. معتز بنفسه: والله البنت حلوة… لكن قبل لا يكمل فكرته، سمع صوت مألوف كسر تركيزه. صوت راكان… واضح إنه كان يستقبلها ويتكلم معها، وأخذها ومشى. معتز وقف لحظة، قلبه دق أسرع بدون سبب واضح. رجع انتبه للكاشير، حاسب أغراضه بسرعة أكثر من المعتاد، وطلع. ركب سيارته، شغّلها، وتحرك باتجاه شقته. كان ساكت، عيونه على الطريق، لكن فكره… كان ما زال واقف عند ملامح بنت البقالة، يحاول يقنع نفسه إن الموضوع عابر، لكن الإحساس ما كان بنفس بساطته عند راكان دخل راكان ونجود الشقة، كانت مرام أول من استقبلهم بابتسامتها الهادية، وصيته لحقتهم وجلسوا بالصالة. مرام اعتذرت بهدوء واتجهت للمطبخ تجهّز الغداء. صيته: يا هلا ببنتي. نجود: يا هلا بك. صيته: كيف شفتي روسيا؟ نجود: حلوة… والجو فيها معتدل. مرت لحظات بسيطة، ثم خرجت مرام وقالت: مرام: تفضلوا على الغداء. تغدّوا مع بعض، الجو كان هادئ أكثر من اللازم، وكل واحد بعد الغداء راح بطريقه. نجود جلست بالصالة لوحدها، سرحت بنقطة قدامها. جت مرام وجلست جنبها. مرام: نجود، تبين أصب لك كاسة شاي على كيف كيفك؟ نجود: اي، صبي لي. مرام: من عيوني. صبت لها الشاي ومدّت لها الكاسة. نجود مسكتها، ترددت شوي، وبعدين رفعت نظرها. نجود: مرام… عندي تساؤل، بس ما كان عندي شجاعة أقوله لأحد. مرام: قولي لي. نجود: بس خليه سر بيني وبينك. مرام: اعتبريه مدفون. تنهدت نجود وكأنها تفتح باب قديم. نجود: أنا صار لي مطلقة خمس سنوات… اللي محيرني وين راح جاسم؟ اختفى، ولا أحد يدري عنه شي. مرام سكتت لحظة، ثم سألت بهدوء محسوب: مرام: بجاوبك، بس أبيك تكونين صريحة… تساؤلك هذا لأنك تحبينه؟ ولا لسبب ثاني؟ نجود نزلت عيونها. نجود: كنت أحبه… بس خان. وانا انصدمت. تساؤلي مو حب، قد ما هو حيرة… وين راح؟ مرام هزّت راسها بأسف. مرام: والله يا نجود… ما أدري وين راح. سكتوا، الصمت كان أثقل من الكلام. نجود: وين أنام؟ أبي أرتاح. مرام: تعالي معي. دخلتها لغرفة تجمع بينها وبين صيته. غرفه هادئة، فيها سريرين. انسدحت نجود على أحدهم، طلعت جوالها، وشغّلت فيديو قديم… هي وجاسم. كانوا يطبخون، يضحكون، كأنهم عالم ثاني. ابتسمت غصب عنها. نجود بنفسها: ليش تذكرته بعد خمس سنوات؟ معقول سامحته؟ جاءها صوت داخلي أقسى: شلون تسامحينه وهو خانك؟ خرب سمعتك… وباع أهله عشان فلوس. غمضت عيونها بقوة. ليش يا جاسم؟ من متى الإنسان يبيع أهله؟ نفضت راسها، سكرت الجوال، بدلت ملابسها ولبست بجامتها، وانسدحت. لكن النوم… ما كان أعمق من الذكريات. العصر عند راكان وأهله طلعهم راكان للحديقة، الجو كان لطيف والنسيم بارد شوي. جلسوا مع بعض، وكل واحد مستمتع بهالهدوء. صيته: الله الجو يجنن. راكان: اي الحمد لله. مرام قامت تصب لهم القهوة، ورتبتها بهدوء. جت رهام تركض عند أبوها ومسكت يده. رهام: بابا. راكان: هلا يا روح بابا. رهام: تعال معي، أخاف أروح لحالي هناك. راكان: بس يا بابا المكان بعيد، روحي للألعاب القريبة منا. رهام: طيب. وراحت وهي تلتفت له كل شوي. نجود كانت ساكتة، عيونها تلف في الحديقة. وفجأة ثبت نظرها على واحد يهرول… لابس كاجوال مرتب، واضح ذويق بلبسه، حاط سماعات، وشعره طويل شوي يغطي عيونه، وكل مرة يرفعه بيده. مالت على راكان وهمست: نجود: راكان… هذاك مين؟ تعرفه؟ راكان لف للجهة اللي تشير لها. راكان: اي… هذا واحد من ربعي. وقام قبل لا يسمع سؤالها الثاني عن اسمه. نجود اكتفت تراقب من بعيد. راح راكان ووقف قدام معتز. معتز شال السماعات وطفي الموسيقى. معتز: من متى وانت هنا؟ راكان: توّنا، ما صار لنا خمس دقايق. معتز: اها. سكتوا لحظة. راكان: طيب… وش قلت عن موضوعنا؟ معتز رفع عيونه للسماء كأنه يهرب من الجواب. معتز: يا راكان… أدري هالشي بيصدمك، بس أنا ما أبي أتزوج بعد زوجتي الأولى. راكان: غريبة… ترى انت لسى شبابي ويمديك تتزوج، ليش رافض؟ معتز حاول يتكلم، ثم سكت. راكان: لأنه وش؟ معتز شبك يديه ببعض. معتز: لأنه… ما أبي أتزوج وأنا مو راغب. راكان هز راسه. راكان: طيب، على راحتك. معتز: انت هنا لحالك ولا مع أهلك؟ راكان: لا، مع الأهل. معتز: طيب سلم لي عليهم. ومشى. رجع راكان وجلس عند أهله. نجود طالعته بنص ابتسامة. نجود: أوف… طلع قزم بالنسبة لخويك. راكان: أقول بلا تتطنزين… ترى خويي يسلم عليكم. صيته: عليه وعليك السلام. راكان قرب من أمه وهمس: راكان: يمه… ترى رفض طلبنا. صيته: غريبة، ليه؟ راكان: مدري والله. صيته: طيب ما عليه. نجود لاحظت الهمس. نجود: لا والله… وش تتهامسون فيه؟ راكان: سر. نجود تكتفت. نجود: طيب طيب. مرام: نجود، خلينا نفر بالحديقة. نجود: يلا. وراحوا يتمشون. راكان ارتكى على يديه، وصيته ناظرت له بتفكير. صيته: يا ولدي… تتوقع ليه رفض؟ راكان: مدري، بس أحسه كان يخبط بالكلام قبل شوي، يعني فيه سبب… بس ما أعرف وش هو. صيته: اها. راكان: تصدقين يا يمه؟ أول ما تعرفت عليه كان ما يحب أي أحد يقرب منه. صيته: ليه؟ راكان: ما سألت. صيته سكتت شوي، ثم قالت: صيته: حاول تقنعه… اختك منفصلة وهو منفصل، ظروفهم متشابهة. وإذا ما قدرت… اعزمه بكرا، وأنا أكلمه بنفسي. راكان تنهد. راكان: والله مدري… الله يكتب اللي فيه الخير. والحديقة استمرت بهدوئها، لكن كل واحد كان داخله شيء… أثقل من النسيم. عند نجود ومرام كانوا يتمشّون جنب بعض، الهواء عليل والأصوات حولهم خفيفة. نجود: مرومه… الجو خرافي. مرام: اي الحمد لله. سكتت نجود لحظة، ثم صوتها نزل شوي. نجود: مرام… تتدرين؟ لما أشوف صديقاتي وبنات قرايبي، أحزن. أنا تطلّقت وأنا صغيرة، وهم الحين عندهم عيال وحياة. ما قدرت تكمل، ودموعها خانتها ونزلت بهدوء. مرام وقفت، قربت منها وطبطبت على كتفها. مرام: يا حبيبتي… طيب، ما جاك أحد من بعد الانفصال؟ نجود مسحت دمعتها بابتسامة مكسورة. نجود: لا. كلهم إذا عرفوا إني زوجة الخاين… يفسخون الخطوبة. سمعتي راحت، وأنا اللي دفعت الثمن. مرام حسّت بثقل الجو، حاولت تغيّر الموضوع. مرام: طيب خلينا نروح للكشك ذاك، نطلب شي. نجود: روحي اطّلبي، أنا انتظرك هنا. مرام: طيب. راحت مرام، وبقيت نجود لحالها. لفّت نظرها في الحديقة، تحاول تهرب من أفكارها، من الماضي اللي كل مرة يرجع بدون استئذان. وفجأة… صوت: كيفك يا حلوة؟ لفّت بسرعة لمصدر الصوت، وكشّرت. قدامها رجل، ملامحه بعيدة عن الذوق، ابتسامته مستفزة. طنّشته ولفّت تبي تمشي. لكن فجأة حسّت بيده تمسك يدها. نجود: اتركني! حاولت تفك يدها، بس ضغطه زاد، وقلبها دق بقوة. لفّت تدور راكان بعينها… ما شافته. الرجال: وين رايحة؟ نجود بحدة: اتركني يا اللي مو متربي! قرب منها أكثر، حاول يقرّب وجهه. وقبل ما تلحق تصرخ… طق! ضربة قوية خلّته يطيح على الأرض. الرجال وهو يتألم: وليش تمد يدك علي؟ وبأي صفة تفزع لها؟ معتز بنبرة حادة: مالك دخل. والحين انقلع، لا أفصل راسك عن جسمك. الرجال رفع راسه وناظر فيه بابتسامة غريبة. الرجال: انت معتز؟ معتز: اي… وليه مصدوم؟ الرجال: ليش مخفي هو— ما كمل. جته ضربة ثانية. معتز: انقلع من وجهي. الرجال وقف وهو يتراجع. الرجال: أنا وراك… والزمن طويل. راح تندم. ومشى. معتز لفّ ومشى بدون ما يلتفت. نجود لحقت خطوتين. نجود: لو سمحت… وقف معتز. سمع صوتها، بس ما التفت. معتز: نعم؟ نجود: شكراً… شكراً إنك ساعدتني. معتز: العفو. ومشى. رجعت مرام ومعها عصير. مرام: آسفة تأخرت عليك. نجود: عادي… بس وين راكان؟ مرام: قال لي بيروح عنده شغلة. نجود سكتت لحظة، ثم قالت بهدوء: نجود: خلينا نرجع عند أمي. وهما يمشون، كانت نجود تحاول تفهم… ليش الاسم اللي قاله الرجل خلّى هذا الغريب يتغيّر بهالشكل. والسؤال بقى بدون جواب. في الليل عند نجود كانت جالسة قدّام المراية، تمشط شعرها بهدوء. الغرفة ساكنة، بس عقلها مو راضي يهدأ. كل ما مرّ المشط بين خصلات شعرها، يرجع ببالها وجه معتز… نبرته، وقفته، وطريقته وهو يدافع عنها بدون تردد. نجود تحدث نفسها بصوت خافت: هذا خوي راكان… وساعدني بدون ما يعرفني… ليه؟ معقول بس لأني عربية وهو عربي؟ لا… وش دخل؟ مدري… مدري ليه أحس كذا. تنهدت، وكأنها تحاول تطرد الفكرة، لكن قلبها كان أسرع من عقلها. خلصت تمشيط شعرها، طفّت النور، رفعت اللحاف وانسدحت. غمضت عيونها… لكن صورة معتز كانت آخر شي مرّ بخاطرها قبل ما تغفو عند راكان كان جالس على السرير، مسند ظهره، ومرام جنبه ترتب الغطا. الهدوء يعم الغرفة، ما يقطعه إلا صوت أنفاسهم. راكان بهدوء: مرومه… مرام بغنج عفوي وهي تناظر له: عيونها. راكان وهو شارد شوي: أشوف نجود متنكدة بالسيارة، حسّيتها مو على بعضها… صار لها شي؟ أو تذكرت شي؟ مرام تنهدت بخفة: إيه… تذكرت طليقها. مدري وش طراها عليه فجأة. راكان حرك راسه بتفكير: أنا عرضت الزواج على خويي… قلت يمكن يناسبها، ظروفهم متشابهة، هي منفصلة وهو بعد… بس صراحة فاجأني بالرفض. مرام باستغراب بسيط: غريبة. راكان تثاءب، والتعب غلب صوته: تصبحين على خير. مرام بابتسامة هادئة: وأنت من أهله. وسكن المكان، كل واحد فيهم غرق بأفكاره قبل ما يسرقهم النوم. عند معتز كان جالس بالصالة، الأنوار خافتة، والسكوت يضغط عليه أكثر من أي صوت. عقله كان مشغول… وكل طريق تفكير يرجعه لها. نجود. الاسم لحاله صار يربك قلبه. جمالها الهادئ، نعومتها، نظرتها… كل شيء فيها مرّ بخاطره بدون استئذان. حاول يقنع نفسه إن اللي يحس فيه مجرد إعجاب عابر، بس قلبه كان يكذّبه. قال بنفسه وهو يزفر بضيق: يا راكان… أنا ما أبي آخذ خطوة بعد زوجتي الأولى، ما أبي أفتح باب سكّرته بنفسي. وسكت لحظة، ثم كمل بصوت أخفض: بس أختك… فتنة، سبحان من خلقها. حس إن الأفكار بدت تثقل صدره، فهز راسه كأنه يطردها بالقوة. قام من مكانه، دخل غرفته، لبس بجامته بهدوء، وكأنه يهرب من نفسه. انسدح على السرير، حاول ينام… وعلى رغم تعبه، نام وقلبه صاحي. في اليوم التالي عند راكان قام من النوم قبل شروق الشمس، توضأ وصلى وهو هادئ البال. بعدها دخل غرفته يتجهز للدوام، لبس بلوزة بيضاء مرتبة وربطة عنق، وبنطلون أسود. وقف قدام المراية يعدّل شكله، ابتسم لنفسه وهو راضي، وبخ من عطره بخة خفيفة. طلع للصالة، ولقى أمه جالسة تنتظره بالقهوة. صب لها فنجان وقربه منها. راكان: صباح الخير يا الغالية. صيته بابتسامة: صباح النور يا ولدي. راكان وهو يناولها القهوة: تفضلي. صيته وهي تاخذ الفنجان: عشت يا ولدي. تردد لحظة قبل ما يتكلم، ثم قال: راكان: يمه… بقول له يجي العصر وش رايك؟ ولا نأجلها ليوم ثاني؟ صيته حركت الفنجان بهدوء: لا، اليوم إن شاء الله… إلى متى نأجل؟ راكان: عندي محاضرتين، أخلص بعد صلاة الظهر إن شاء الله. صيته: أجل خله يجي بعد صلاة العشاء. راكان: إن شاء الله. أخذ مفاتيحه، طالع أمه بنظرة طمأنينة، وطلع وهو يفكر كيف بيكون اللقاء… وش اللي راح يصير بعده. عند معتز وصل للجامعة، وبمحض الصدفة وقف بسيارته بنفس الوقت اللي وصل فيه راكان. نزلوا مع بعض، وتبادلوا نظرة سريعة قبل ما يتكلم راكان. راكان: معتز. معتز: هلا. راكان بتردد بسيط: لو أمي حابة تكلمك… عادي عندك؟ معتز حس بنبضة قلق داخله، هو بطبعه ما يرتاح بالكلام مع ناس ما يعرفهم، بس حاول يبين هدوءه. معتز: إي… ما عندي مشكلة، بس متى؟ راكان: بعد صلاة العشاء إن شاء الله، يناسبك؟ معتز بعد لحظة صمت: إي مناسب. افترقوا عند المدخل، كل واحد راح لمحاضرته، ومعتز وهو يمشي حس بثقل غريب على صدره… إحساس ما عرف له تفسير، غير إن هاللقاء الجاي يمكن يغيّر أشياء أكثر مما يتوقع. بعد صلاة العشاء عند معتز كان واقف قدام المراية، يضبط شكله وهو يحاول يقنع نفسه إن الموضوع بسيط… بس قلبه ما كان مقتنع. لبس جينز أسود وبدي أبيض، وفوقهم جكيت جلد بني. مشّط شعره لورا، وكل ما رفعه نزل على عيونه كأنه يعاند توتره. تنرفز، شد نفس عميق وسوى عزلة على جنب، يحاول يسيطر على شكله… وعلى نفسه أكثر. وقف يتأمل انعكاسه، وصار يتخيل الحوار قبل لا يصير. وش بتسأله؟ وش بيقول؟ وليـه أصلًا حاس إن اللقاء هذا مو عادي؟ ضحك ضحكة قصيرة، كأنه يستهين بتوتره، بس صدره كان مشدود. أخذ مفاتيحه، شغل سيارته، وتحرك باتجاه بيت راكان. الطريق كان قصير… بس أفكاره كانت أطول من اللازم. عند راكان كان راكان جالس بمجلس الرجال، وأمه جنبه، الجو هادي بس فيه انتظار ثقيل. راكان لف عليها بنظرة سريعة. راكان: يمه… خلاص قررتي تكلمينه؟ صيته بثبات: إي. ما كملوا كلامهم إلا وجرس الباب يرن. قام راكان بسرعة، فتح الباب، ورحب بمعتز ودخّله المجلس. معتز دخل وهو يحاول يثبت نفسه، بس توتره كان واضح في عيونه. جلس، وراكان صب له القهوة. راكان بابتسامة: تنوّر البيت. معتز: بنورك. صيته كانت تراقبه بهدوء، كأنها تقرا اللي وراه الكلام. صيته: يا معتز، أنا سمعت عنك كثير من راكان… وكان دايم يمدحك. معتز حاول يخفف الجو: راكان راعي مبالغات، مدري يمكن كان يبالغ. راكان ضحك: هيه، ترى أنا ما أبالغ. صيته نزلت الفنجان شوي، ونبرتها صارت أهدى… وأثقل. صيته: يا معتز، ودي إنك تتزوج بنتي… المسكينة محد يبيها، وهي لسى صغيرة. معتز حس بقلبه ينقبض، والتفت بعينه على راكان كأنه يقول وش سويت فيني؟ تنفس وقال بهدوء محترم: يا خالتي، أنتم ناس والنعم فيكم، بس أنا… مو راغب. صيته: وليه يا ولدي؟ ما تبي تستقر؟ يجيك عيال؟ وأنت لسى في عز شبابك. معتز شد على يده بدون ما ينتبه: بس يا خالتي، لو كنت راغب كان وافقت من أولها، بس صدق… مو راغب. سكتت صيته لحظة، نظرتها ما كانت زعل… كانت تفكير. ثم قالت بهدوء: صيته: طيب، فاضي أقول لك شي؟ معتز: إي. صيته مالت شوي للأمام: بقول لك قصة صارت لنا… وبعد ما تسمعها، قرر بنفسك، هل تتزوج بنتي أو لا. وش رايك؟ معتز بهدوء يخفي توتره: «بما إني فاضي اليوم… ليش لا.» صيته أومأت براسها، وصوتها صار أهدى، كأنه راجع سنين ورا: «طيب… القصة صارت قبل خمس سنين بالضبط.» وسكتت لحظة، كأنها تجمع نفسها. قبل خمس سنوات كانت نجود قدام المراية، تلمس فستانها بخوف وفرح بنفس الوقت. تغريد كانت واقفة جنبها، تبتسم. تغريد: ما شاء الله… تجننين، لو يشوفك جاسم الحين يدوخ. نجود بابتسامة كلها أمل: أخيرًا… بتزوج حب الطفولة. تغريد: الله يتمم لك على خير. نجود: آمين. عند الرجال المعازيم يسلّمون على جاسم، الفرح مالي المكان. خلص السلام، وجلس. يزن قرب منه: أخيرًا… الحمد لله شفتك عريس. جاسم: الحمد لله. لف على ماجد: وانت يا خيي… عقبالك. ماجد: آمين. كل شي كان طبيعي… ضحك، فرح، زفّة. ودخل جاسم على نجود. في اليوم التالي صيته تكمل، ونبرتها صارت أثقل: «جاسم كان يعامل نجود كأنها أميرة… وهي كانت تحبه حب أعمى.» الأيام تمر، يطلعون سوا، الحياة حلوة. جاسم ويزن أقرب من الإخوان، تربّوا بنفس البيت خمس سنين. شركتهم مع بعض، الثقة بينهم كاملة. مرت ثلاث شهور. وكان يزن ماسك الشركة، وما رضي أحد ينافس جاسم على منصبه. يزن يغلي لجاسم، وإذا تضايق واحد فيهم، الثاني يتنكد معه. لين جاء اليوم… اليوم اللي ما كان أحد مستعد له. كانت نجود بالمطبخ تجهز الغدا. قررت تروح لغرفة جاسم. وقبل لا تطق الباب… وقفها الصوت. جاسم وهو يتكلم بالجوال، صوته واطي بس واضح: «ما عليك يا طويل العمر… عندي لك معلومة. إي، سجل… هذا حساب شركة يزن، وهذا الباسورد. إذا قدرت تهكره، اعتبر الفلوس كلها لك. ولا تخاف، بكرا أجيب لك بطاقة يزن المصرفية… باقي خطوة وحدة بس، نقلعه من كرسيه وانت تاخذ مكانه.» سكت. نجود فتحت الباب ودخلت. وجهها شاحب، صوتها يرتجف بس ثابت: «من كنت تكلم؟ وليه تعطيه يوزر يزن؟ يزن مو خويك؟ مو حاط ثقته فيك؟ بهالبرود تخونه؟» جاسم مسك عضدها بقوة، عيونه تغيّرت: «يعني… سمعتي المكالمة؟» نجود بصوت مكسور: «إي… سمعتها. ما توقعتك خوان.» جاسم قرب منها أكثر، صوته صار مخيف: «والله لو أدري إن هالمكالمة توصل لأحد… أذبحك.» صرخ: «فاهمة؟» نجود دموعها نزلت بدون ما تحس: «أنت خاين… ما أبيك… ما أبيك.» جاسم ضحك ضحكة باردة: «هاه؟ ما راح أطلقك، لأنك لو تكلمتي… تخربين علي.» تركها وطلع. نجود جلست على الكنبة، تحاول تستوعب. القلب اللي كانت تحبه… طلع أخطر مما توقعت. معقول جاسم… خوان؟ عند جاسم دخل الشركة بخطوات ثابتة، كأن كل شي محسوب. ما إن فتح باب مكتب يزن إلا وارتسمت الابتسامة على وجه الأخير. يزن بصدق واضح: «يا هلا بأخوي.» الكلمة كانت ثقيلة… لكنها خرجت بعفوية. جاسم رد بهدوء: «يا هلا بك.» يزن أشار له يقرب: «تعال، أبيك بشغلة… اجلس.» جلس جاسم قدامه. يزن قال وهو يقلب ملف قدامه: «بكرا في شركة ناوية تسوي معنا تحالف… وش رايك؟» جاسم، بدون حماس ولا رفض: «على حسب الشركة وسمعتها.» يزن رفع صوته: «يا السكرتير.» دخل السكرتير بسرعة: «سم طال عمرك.» يزن: «جيب قهوتين.» جاسم قاطعه بابتسامة خفيفة ما وصلت لعيونه: «لا… خلني أذوقك قهوتي، تعلمت طريقة جديدة.» يزن ضحك: «دامها من يدك، ليش لا.» طلع السكرتير. ما طول الوقت، دخل سعد وجلس. نظراته كانت تراقب أكثر مما تسمع. سعد بنبرة مترددة: «يزن… ما تحس إنك معطي جاسم فوق حقه؟» يزن رفع عينه له ببرود: «وليه؟ غيران؟» سعد: «لا والله، بس… لا تعطي أحد فوق حقه، حتى لو كان أخوك.» يزن قرب من الكرسي، صوته صار حازم: «تفهم من كلامك إنك تبي تفرق بيني وبين جاسم؟» سعد: «أنا أبي مصلحتك بس.» يزن بدون تردد: «جاسم رجال، والنعم فيه… ومستحيل يخونني.» سعد سكت، قام وطلع. وعند الباب… لمح جاسم واقف. تلاقى نظرهم لحظة، وسعد صرف عينه. دخل جاسم ومعه كوبين قهوة. حط واحد قدام يزن. يزن بابتسامة: «الله… ريحة القهوة لحالها تشكر.» جاسم: «بس باقي تذوق.» يزن رشف… وسكت. رجع لأوراقه، لكن بعد دقيقة مسك راسه. صوته تغير: «جاسم… أحس صداع غريب.» جاسم قرب بسرعة، تمثيل الخوف متقن: «أجيب لك بنادول؟» يزن: «لا… بروح أنسدح شوي.» قام… وتهاوى. جاسم لحقه، مسكه قبل لا يطيح، وسنده للكنبة. تأكد إن عيونه مسكرة. وساعتها… تغير كل شي. راح مباشرة للكمبيوتر. شاشة، ملفات، أرقام… أشياء ما المفروض أحد يشوفها. صور. نسخ. كل حركة محسوبة. وفجأة… انفتح الباب. سعد. صوته مشدوه: «وش تسوي؟ ليه تنسخ هالأوراق؟» جاسم لف ببطء. قرب، بعد ما حط الأوراق في الشنطة. مسك سعد بقوة، جره، ولصقه بالجدار. صوته كان واطي… لكنه مرعب: «اسمعني زين. إذا فكرت تقول ليزن شي… يمكن ما تطلع من هنا كامل.» سعد بصوت مرتجف: «هذا… هذا اسمه خيانة.» جاسم ابتسم ابتسامة باردة: «سمّها اللي تبي. بس لا تخلي اسمك يطلع من فمك.» تركه. وطلع. وسعد واقف… ما يدري الخطر الحقيقي: اللي صار، ولا اللي جاي. عند يزن فتح عيونه ببطء. أول إحساس جا له… صداع خفيف وثقل غريب في راسه. اعتدل وجلس، ونظر حوله. صمت. تمتم باستغراب: «وين جاسم؟» قام وتوجه لمكتبه بخطوات سريعة. جلس على الكرسي، ولسه يمد يده للجهاز… رن جواله. رسالة. فتحها. تجمد مكانه. انسحب مبلغ كبير من حسابات الشركة. عيونه اتسعت، قلبه دق بقوة. وقف فجأة، صوته ارتفع وهو ينادي: «يا السكرتير!» دخل السكرتير مرتبك: «سم طال عمرك.» يزن وهو يلوح بالجوال بعصبية: «انسحب مبلغ ضخم من الشركة! وش قاعد يصير؟ حساباتنا تتهكر وانتوا وينكم؟» السكرتير بلع ريقه: «والله يا طويل العمر… ما ندري عن أي شي.» يزن قرب منه، صوته صار أقسى: «شلون ما تدرون؟ هاا؟!» السكرتير بتوتر واضح: «صدقني… ما جانا أي تنبيه.» يزن سكت لحظة، أخذ نفس عميق يحاول يسيطر على نفسه. نزل صوته لكنه كان أخطر: «طيب… تصرفوا. لا أسمع أعذار.» لف وطلع. دخل على الموظفين، ملامحه مشدودة، غضبه واضح. صوته كان حاسم: «اجتماع… الحين.» بعد ما اجتمعوا، قال: «هذا اللي صار.» سكت المكان. تكلم صالح بعد تردد: «يا طويل العمر… ما يعرف اليوزر اللي يدخل على حسابات الشركة إلا قسم الإحصائيات.» يزن لف مباشرة، عينه وقعت على مدير القسم. نبرته كانت باردة لكنها حادة: «وأنت وش تقول يا رافع؟» رافع حاول يثبت نفسه: «والله حتى أنا مصدوم زيك… وما أدري عن شي.» يزن ضحك ضحكة قصيرة، بلا فرح: «يعني… محد يدري؟» قرب خطوة، صوته ارتفع فجأة: «طيب يا رافع… شكلك مو مناسب لهالمكان.» الكل انصدم. يزن كمل بدون تردد: «والحين… ضف وجهك من الشركة. أنت مفصول.» رافع بان عليه الذهول: «يا طويل العمر لا تتسرع… والله ما سويت شي.» يزن أشار بيده للباب: «اطلع برا.» طلع رافع… والصمت ثقيل. يزن لف على الموظفين، ملامحه صارمة، وصوته مليان قلق مخفي: «أبي حلول. أبي أعرف وش صار… وبأسرع وقت.» وبدأ النقاش، لكن داخل يزن… كان شي واحد يلف براسه: الخيانة… جاية من أقرب الناس؟ عند جاسم وصل البيت، أول شي سواه قفل جواله الأساسي وكأنه يبي يقطع أي أثر له. طلع جوال ثاني، اتصل على رقم محفوظ بدون اسم. صوته كان واطي وحذر، بدأ ينقل معلومات، أرقام، تفاصيل… كلامه بارد، كأنه يتكلم عن شي عادي، مو خيانة. خلص المكالمة. وهو لسه ما ارتاح… دخلت نجود. كانت ملامحها متوترة، عيونها مليانة غضب ووجع. قالت بصوت مخنوق: «ما تخاف ربك؟ يزن عطاك ثقته… وانت تخونه بهالطريقة؟» جاسم لف عليها بعصبية: «اسكتي يا مره.» نجود وقفت قدامه، تحاول تكون قوية: «هذا مو من طبعك… معقول فلوس تغريك وتخليك تخون؟» كلامها أشعل غضبه. قرب منها، مسك فكها بقسوة، صوته كان مرعب: «اسمعي… والله إن ما سكتي… أذبحك. فاهمه؟» نجود عيونها دمعت بس ما تراجعت: «ما راح أسكت… وراح أفضحك.» صفعتها كانت مفاجئة. وقعت على الأرض، الألم سبق دموعها. قال ببرود وهو يبتعد: «خلي كلامك ينفعك.» وتركها… تبكي، مكسورة، وهو كمل شغله كأنها ما كانت يوم الإنسانة اللي حبته. صيته تكمل القصة، وصوتها صار أثقل بالحزن: مرت الأيام… مشاكل يزن مع الشركة كانت تكبر يوم بعد يوم. ضياع، خسائر، شكوك… وهو ما يدري إن أقرب شخص له كان السبب. أما نجود… كل ما جابت طاري الشركة، كان الرد قسوة. ضرب… تهديد… وصمت موجع. إلى أن جا اليوم اللي تجاوز فيه كل حدوده، وتعرضت لأذى كبير… وخسرت طفلها، وهو بعيد عنها، ولا حس، ولا اهتم. أما سعد… كان يعيش صراع داخلي. قهره يحرقه كل يوم. خايف من جاسم، وخايف أكثر إن يزن يظلم ناس أبرياء. كان ساكت… لكن سكوته صار يثقله. وتذكر: الساكت عن الحق شيطان أخرس. بهاللحظة… قرر. قرر إنه يتكلم. ويصارح يزن… بيوم ما يكون فيه جاسم موجود.