الفصل الرابع عشر: دماء على الأبواب
الأرض المبتلة بالخيانة:
كانت دائرة جذوع البلوط الضخمة في غابة الشرق، التي شهدت قبل لحظات محاولة لقاء تاريخي، قد تحولت إلى مسرح لجريمة ولتضحية. ضوء القمر البارد، الذي كان قبل قليل شاهدا محايدا، أصبح الآن كضوء مصباح تشريح مسلط، كاشفاً قاسياً على كل تفصيلة من تلك المأساة.
على الأرض الرطبة المغطاة بورق الشجر، كان صقر العدالة جاثياً كتمثال من الألم المنحوت من ظلام الليل. بين ذراعيه، جسد فالاندر بلا حراك، والسهم الأسود الطويل ما زال بارزاً من منتصف ظهره كشجرة سوداء نمت فجأة من تربته البشرية. دم أحمر قاني، بلون العنب البري المضغوط حتى الثمالة، كان ينتشر على قميص فالاندر ويختلط بالتراب وورق الشجر الرطب تحتهم، مكوناً بركة صغيرة لزجة تلمع تحت القمر.
الصرخة التي أطلقها صقر العدالة كانت لا تزال تتردد في أرواح الحاضرين، كصدى لا يريد أن يموت. لكن الواقع كان أكثر صراحة من أي صدى.
"لا... لا تمُت... أرجوك..." كان صقر العدالة يهمس، صوته مكسوراً تماماً، كانت بطولته ونبل أسطورته تبخرت تحت وطأة هذه اللحظة. يداه المرتعشتان بشدة، كانتا تضغطان حول مكان الإصابة، محاولتين إيقاف النزيف الذي استمر في الخروج كجدول عنيد.
كاليب كان أول من تحرك. سقط على ركبتيه على الجانب الآخر من فالاندر، عيناه الزرقاوان واسعتان من الرعب، لكن يديه، يدي النحات المعتادة على الدقة، بدأتا العمل بسرعة محترفة.
"أعطني شيئاً لربط الجرح! أي شيء!" صرخ كاليب نحو إسفين.
إسفين، الذي كان يقف مذهولا، انتزع حزامه الجلدي بسرعة. "لا يمكننا إزالة السهم هنا! هذا سيقتله!"
"أعلم!" رد كاليب، صوته يرتفع من شدة التركيز. "سنثبته فقط. ساعدني!"
بدأ الاثنان بالعمل كفريق جراحي ميداني. كاليب ضغط على الجرح بينما لف إسفين الحزام حول جسد فالاندر، مثبتاً السهم في مكانه لمنع المزيد من التلف الداخلي.
أما داريو، فكان قد تحول إلى إعصار من الغضب الصامت. جسده العضلي، الذي وقف لحظة كجبل من الصدمة، انفجر فجأة في حركة غير متوقعة. التفت نحو أقرب رجل من المجموعة المتنكرة، أحد "رجال الصقر" المزيفين وكان يحاول الزحف للهروب بين الأشجار.
"إلى أين تظن أنك ذاهب؟!" زمجر داريو.
قبضته الضخمة أمسكت بالرجل من رقبته ورفعته من على الأرض بنية سحقها، لكن اوقفه صوت إسفين.
"داريو! لا!" صرخ إسفين وهو يلتفت. "نحن نريدهم أحياء! سنحصل منهم على المعلومات!"
داريو توقف. أنفاسه كانت تخرج كدخان من فتحات أنفه في الهواء البارد. ثم، بضربة واحدة دقيقة، ضرب الرجل على مؤخرة رأسه فأفقده الوعي، وأسقطه على الأرض ككيس دقيق.
تيرون،كان يعمل بصمت كظل مدرب. سيفه لم يقتل، بل يعطل. كان يضرب مقابض السيوف، يجرح بجروح طفيفة لكنها مؤلمة، يربط الأيدي بسرعة و بمهارة رجل اعتاد الأعمال السرية. ثلاثة رجال كانوا قد سقطوا تحت يديه الماهرة، مقيدين وأفواههم مكممة كي لا ينادوا لطلب النجدة.
من بين العشرة الذين هاجموا، فر ستة إلى ظلام الغابة، تاركين أربعة مقيدين على الأرض، يئنون تحت حبال تيرون المحكمة.
وفي وسط هذه الفوضى المنظمة، وقف الملك ثيودور والأمير إدموند.
إدموند كان يدعم ثيودور، الذي كان يتكئ على سيفه الملوث بالدماء. جرح في خصر الملك كان ينزف، ليس خطيرا لكنه مؤلم.
"دعني أرى إصابتك، يا ابن العم..." بدأ إدموند.
"لا تهتم بي!" قطع عليه ثيودور، صوته يحمل ألما مختلفا. "الفتى... ذلك الشاب... من هو؟"
نظرا معا نحو المشهد: صقر العدالة لا يزال جاثياً، يحمل فالاندر بين يديه، وكاليب وإسفين يحاولان إنقاذه.
إدموند تنهد، جرح كتفه يؤلمه لكن ألمه كان أقل من ألم المشهد أمامه. "اسمه فالاندر. صانع فخار. وهو... صديقاً للرجل الذي يحاول إنقاذه الآن."
كانت هناك لحظة من الصمت بين الأمير والملك، لحظة فهم مشترك لثقل الخيانة التي حدثت.
ثم، بخطوات ثقيلة كأنها تحمل أثقال العالم، تقدم الثنائي الملكي نحو دائرة الألم.
صقر العدالة رفع عينيه عندما سمع الخطوات القادمة.
تلك العيون العسليتان ذات الخطوط الزرقاء، التي كانت قبل قليل تحمل ذكاءً وتحدياً، كانت الآن تحمل شيئا مختلفا تماما: بركاناً من الغضب الممزوج بيأسٍ قوي.
"توقفوا." قال صقر العدالة، بصوت منخفض وخطير كهمس أفعى على وشك الانقضاض.
توقف ثيودور وإدموند.
"لقد جُرح بسببكم..." همس صقر العدالة، ثم رفع صوته فجأة: "كيف؟! كيف سمحتم لهذا أن يحدث؟! ألم تقولوا بأن اللقاء سيكون سرياً؟! ألم تقولوا بأنه آمناً؟!"
إدموند تقدم خطوة، يداه مرفوعتان في إشارة استسلام. "اسمعني... فالاندر نفسه جاء إلينا. حذرنا. وكنا في طريقنا إلى هنا لتحذيرك عندما..."
"عندما كان السهم على وشك أختراق صدري فألقى بنفسه أمام الموت من أجلي؟!" انفجر صقر العدالة، الدموع التي كان يكبحها بدأت تنهمر الآن، تختلط بغبار المعركة على القناع. "لقد رأيتموه يركض! رأيتم السهم ولم تفعلوا شيئا!"
"كان بعيداً!" حاول إدموند أن يشرح، صوته يحمل صدق الألم. "ركضنا بأقصى سرعة، لكن الوقت..."
"الوقت؟!" ضحك صقر العدالة ضحكة مريرة، مكتومة. "الوقت كان كافياً ليموت صديقي! كافياً ليكون جسده الآن بارداً بين ذراعي!"
ثيودور، الذي كان صامتاً حتى الآن، تقدم خطوة أخرى. جرح خصره يؤلمه لكنه تجاهله. "صقر العدالة..."
"لا تناديني بهذا الاسم اللعين!" صرخ صقر العدالة، وعيناه التقتا بعيني الملك. "هذا الاسم كان يمثل الأمل! العدالة! والآن... الآن يمثل الغباء! الثقة العمياء في وعود ملوكٍ لا يحفظونها!"
الكلمات جرحت ثيودور أكثر من أي سهم. لكنه استمر، وصوته هادئا رغم الألم: "لقد خدعنا جميعاً. فاليريان... كان أذكى مما توقعنا. لكن هذا لا يعني..."
"لا تحدثني عن الخداع!" قطع عليه صقر العدالة وهو يرفع فالاندر بلطف أقرب إلى صدره. "صديقي هنا... دماؤه على يديّ... كان يمكن أن يكون بين أصدقاءه، أو في ورشته، يصنع الأواني بيديه ويبدع في جمالها. لكنه جاء إليّ... ليحميني. وها هو الآن..."
توقف. الدموع غلبت صوته. رأسه انحنى على رأس فالاندر، كتلميذ يعترف بخطيئة قاتلة.
كاليب، الذي كان لا يزال يعمل على الجرح، رفع عينيه. "نبضه ضعيف، يا ألفارد. يجب أن ننقله فوراً. هنا لا نملك ما ننقذه به."
صقر العدالة رفع رأسه فجأة. عيناه كانتا محمرتين لكن حازمتين. "سنأخذه إلى مكان آمن."
نظر إلى إسفين وداريو وكاليب. "احملوه. برفق. لا تحركوه كثيراً. كل حركة قد تفتح الجرح أكثر."
داريو تقدم، جسده الضخم يلقي ظلا على فالاندر. انحنى، وبدون أن يقول كلمة، أخذ فالاندر من بين ذراعي صقر العدالة بلطف. كان يحمله كقطعة فخار ثمينة هشة.
إسفين وكاليب ساعداه في رفع فالاندر.
"إلى أين؟" سأل إسفين.
صقر العدالة وقف، ركبتاه ترتجفان من الصدمة والتعب. "إلى حيث نلتقي كل يوم كالعادة."
تيرون، الذي كان قد أنهى تقييد الأسرى، تقدم. "سمو الأمير... جلالة الملك... ماذا عن هؤلاء؟" أشار إلى الرجال المقيدين.
إدموند نظر إلى ثيودور، ثم إلى صقر العدالة الذي كان يستعد للمغادرة. "سنأخذهم إلى القصر. سنستجوبهم. وسيعترفون بكل شيء."
صقر العدالة، الذي كان قد بدأ بالابتعاد مع أصدقائه الذين يحملون فالاندر، توقف. التفت ببطء. القمر سلط ضوءه على قناعه، وجعل العينين العسليتين تلمعان بنيران باردة.
"أستجواب؟!" كرر الكلمة كما لو كانت نكتة سيئة. "في قصركم؟! حيث الجدران لها آذان والأرضية تبتلع الأسرار؟! حيث فاليريان ما زال يتنفس نفس الهواء الذي تتنفسونه؟!"
ثيودور حاول أن يتقدم. "سيكون هناك عدالة. أقسم لك."
"تقسم؟!" ضحك صقر العدالة ضحكة قصيرة، جافة، خالية من أي روح. "وماذا قيمة قسم ملكٍ خانته مستشاروه، وخانته أمه، وخان نفسه؟!"
كانت تلك هي الطعنة الأخيرة. ثيودور تراجع خطوة كأنه تلقى ضربة في الصدر.
صقر العدالة نظر إلى وجه فالاندر الباهت بين ذراعي رفاقه. ثم عاد ينظر إلى الملك والأمير.
"اسمعاني جيداً." صوته كان هادئا الآن، لكن هذا الهدوء كان أخطر من أي صراخ. "إذا مات صديقي... إذا فقدت هذا الرجل الذي ضحى بحياته من أجل شخص مجهول مثلي..."
توقف، تنفس بعمق، ثم استمر: "فلا تبحثا عن تحالف مع متمرد. لأنه لن يكون هناك متمرد. سيكون هناك بركان. بركان من الانتقام سيلتهم فاليريان وكل من وقف معه، وكل من سكت عنه، وكل من ظن أن الدماء رخيصة إلى هذه الدرجة."
كانت عيناه تحدقان في ثيودور. "وأي أحد... أي أحد سيحاول الوقوف في طريقي... سأدهسه تحت قدمي. ليس لأنني بطل كما تدّعون. بل لأنني سأكون شيطاناً خرج من الجحيم الذي صنعتموه بأنفسكم."
الكلمات سقطت في صمت الغابة. حتى حفيف الأشجار توقف، كأن الطبيعة نفسها ارتعبت مما سمعت.
ثم، فجأة، رفرفة أجنحة.
من السماء المرصعة بالنجوم، هبط آرس. الطائر، الذي كان يحلق عاليا كحارس سماوي، نزل الآن وهبط على كتف صقر العدالة. منقاره الصغير لمس خد سيده بلطف، ثم صاح صيحة حزينة تناسب الحزن الذي يلف المجموعة.
صقر العدالة رفع يده، لمس ريش صقره. ثم وبدون أن يقول كلمة أخرى، التفت.
بدأ يمشي. داريو حمّل فالاندر بحذر أكثر وتبعه هو إسفين وكاليب الذين تبادلا نظرة مع تيرون وإدموند، ثم تابعوا طريقهم.
المشهد كان سريالياً: فارس أسطوري بملابس سوداء ممزقة، يسير في غابة مظلمة، وصقر على كتفه، وأصدقاؤه يحملون جريحا بينهم قد يكون في طريقه إلى الموت. وكان ظلهم الطويل، الممتد تحت ضوء القمر، يشبه موكب جنازة لشيء أكثر من مجرد رجل: لثقة، لأمل، لتحالف كان يمكن أن يغير مصير مملكة.
ثيودور وقف يشاهدهم يبتعدون. يده كانت تضغط على جرح خصره، لكن الألم الحقيقي كان في مكان آخر.
"لقد خسرناه." همس الملك، صوته يحمل هزيمة كاملة.
إدموند وضع يده على كتف ابن عمه. "لم نخسره بعد. لكننا... كدنا أن نخسره."
ثم نظر إلى الأسرى المقيدين. عيناه البنيتان تضيئان بذكاء استراتيجي ممزوج بغضب نادر. "هؤلاء... سيتكلمون. وسأجعلهم يتكلمون بكل شيء. لأن دم ذاك الشاب هناك... لم تسقط هباءً."
وفي ظلام الغابة الذي ابتلع صقر العدالة وأصدقاؤه، كان صدى آخر كلمات الفارس لا يزال يتردد:
"بركان من الانتقام..."
وكانت الكلمات، في ذلك الليل البارد تحت أشجار البلوط العتيقة، تبدو كنبوءة. نبوءة سوداء لمستقبل قد يكون دموياً أكثر من أي ماضٍ عرفته إيفرونيا.
غضب الأفعى في جحره:
كان جناح فاليريان الخاص في القصر يشبه جوف حوت ميت في قاع البحر المظلم. الستائر السوداء الثقيلة كانت مسدولة على النوافذ، تبتلع حتى أدنى شعاع ضوء يتسلل من أضواء القصر الخارجية. في زاوية الغرفة، مدفأة من الرخام الأسود كانت تلهث بنيران خفيفة، تلقى ألسنة لهب حمراء وبرتقالية تلمع على جدران الغرفة.
فاليريان واقف أمام المدفأة، ظهره للباب، يداه متشابكتان خلف ظهره بإحكام حتى أن عظام كفيه كادت أن تنكسر تحت الجلد الشاحب. ملابسه السوداء، التي كانت دائماً مثالية كجلد ثعبان حديث الانسلاخ، كانت الآن متسخة بغبار الطرقات وأغصان الغابة، وقد مزقها شوك نبات العليق في طرف كمها الأيمن.
فاروس وهيليوس وقفا على بعد عدة أقدام، ككلبين ضربا حتى أدميت ظهورهما وخافا من الاقتراب أكثر. فاروس كان يحدق في ظهر فاليريان كما يحدق المحكوم عليه في المقصلة قبل سقوط النصل.
"فشل." خرجت الكلمة من فم فاليريان بصوت منخفض، لكنه قطع صمت الغرفة كضربة سيف على جرس من بلور رقيق. "ليس مجرد إخفاق. ليس مجرد خطأ تكتيكي. بل فشل من الطراز الذي يكتب في سجلات الحمقى."
التفت ببطء. ضوء النار لعب على وجهه الطويل النحيل، فأبرز عظام وجنتيه العاليتين كجبال صغيرة تحت جلد شمعي. عيناه الخضراوان، اللتان كانتا دائماً تحملان برودة الجليد في أعماق البحار، كانتا الآن تتقدان بشرارة حمراء غريبة، كجمرتين دفنتا تحت رماد بارد لسنوات وانفجرتا فجأة.
"عشرة رجال." استمر، كلماته تخرج مقصوصة، كل كلمة كضربة سيف قاتلة. "خمسة متنكرين كرجال الصقر. خمسة كحراس الملك. خطة محكمة بدقة عالية. كل التفاصيل متقنة. كل احتمال كان محتسب."
مشى خطوة نحوهم. حذاؤه الناعم على الأرضية الرخامية لم يصدر صوتاً، لكن وجوده كان كضغط جبل يتحرك.
"وما كانت النتيجة؟" سأل، لكنه لم يكن يستمع لإجابة. "أربعة رجال أُسروا و الستة الآخرون فروا كالفئران المذعورة. الملك أصيب بجرح سطحي لا يكاد يذكر. وصقر العدالة..." توقف، وشفتاه الرقيقتان ارتعشتا قليلاً. "وصقر العدالة لم يصب إطلاقاً. بل جاء ذلك... ذلك الشاب الأحمق الذي لا قيمة له وضحى بنفسه!"
ضرب قبضته على سطح المدفأة. الصوت صدح في الغرفة كدوي الرعد. فاروس وهيليوس ارتعدا معاً.
"وأين كورفن؟" صوت فاليريان أصبح أكثر حدة. "أين ذلك التاجر القذر الذي وعد بتنفيذ الخطة ثم اختفى كالظل الذي ينتمي إليه؟"
هيليوس تقدم خطوة، صوته أجش من الخوف. "لقد رأى... رأى الشاب يسقط. أيقن حينها أنه سيعاقب على فشل رجاله. اختفى بين الأشجار، و لم نره بعد ذلك."
"اختـفى!" صرخ فاليريان فجأة، صوته ارتفع لأول مرة منذ دخولهم الغرفة. "مثل كل الجبناء الذين يحيطون بي! يختفون عندما تصبح الأمور صعبة!"
فاروس، الذي كان يحاول أن يختفي في ظله، قال بصوت خافت: "لكن الخطة... كانت ستنجح لو لم يظهر ذلك الشاب. من كان يتوقع مثل هذا الفعل؟ من كان يتصور أن شخصاً سيدفع بنفسه ليأخذ سهمًا قاتلاً ويضحي بحياته من أجل شخص آخر؟"
فاليريان حدق فيه بنظرة طويلة، ثقيلة، كتلك التي ينظر بها الصياد إلى فريسة أفسدت عليه الصيد بعد أن بذل جهداً شاقاً للإمساك بها.
"هذا هو الفرق بينكم وبين أولئك البائسين." قال، صوته عاد هادئاً لكنه أكثر خطورة. "أنتم تفكرون في الخطط، في التكتيكات، في الاحتمالات. أما هم... يفكرون في المشاعر. في الولاء. في هذه الامور التي تسمى 'صداقة' و'تضحية'."
أدار ظهره لهم مرة أخرى، ونظر إلى النار. "وهذا هو سبب فشلكم دائماً. لأنكم تحسبون كل شيء إلا قلب الإنسان. وهذا القلب... هذه القطعة الرخوة المتحكمة... هي التي تفسد كل الحسابات الدقيقة."
ساد الصمت. فقط صوت طقطقة النار في المدفأة. ثم قال هيليوس، محاولاً استعادة بعض الكرامة: "لكن الملك أُصيب. والعلاقة بينه وبين الصقر قد تكون تضررت. ربما..."
"ربما؟!" التفت فاليريان فجأة، وعيناه تضيئان بغضب. "هل سمعتهم يتكلمون؟ هل رأيت كيف نظر الصقر إلى الملك؟ كان هناك ألم، نعم. لكن هل رأيت كراهية؟ هل رأيت الرغبة في الانتقام منه؟"
توقف، ثم أضاف بنبرة مليئة بالمرارة: "لا. كل غضبه كان موجهاً لنا. بل وأسوأ من ذلك... إنه الآن يعرف. يعرف أن الملك كان ضحية ولم يكن المتسبب في كل هذا. بل ربما أكثر ضحايا خديعتنا."
فاروس حاول أن يقول شيئاً، لكن فاليريان رفع يده. "كفى. كلماتكم أصبحت كصراخ البوم في الليل، مزعجة ولا تحمل معنى ولا فائدة."
مشى إلى طاولة كبيرة عليها خرائط وأوراق مبعثرة. "الآن، الملك سيعود إلى القصر مصاباً. والأمير إدموند معه. وسيحضران الأسرى. وهؤلاء الأسرى... سيتكلمون. ليس لأنهم ليس لديهم ما يخسرونه، بل لأنهم جبناء. وسيذكرون أسماء. أسماء قد تصل إليّ وإليكم، وبهذا سيكون ثيودور قد حصل على دليل ماديّ ضدنا."
نظر إليهم مرة أخرى. "لذا، يجب أن نتحرك. الآن. قبل أن يجف دمه على ملابسه."
"ماذا تريد منا أن نفعل؟" سأل هيليوس.
فاليريان لم يجب مباشرة. بدأ يمشي في الغرفة، خطواته المقاسة ترسم دائرة حول الرجلين كما يلف الثعبان فريسته قبل خنقها.
"الملكة أورسولا ماتت. والآن الملك مُصاب. وولي العهد... ذلك الصبي المريض." توقف، وابتسامة باردة ظهرت على شفتيه. "لو حدث شيء للملك... من سيتولى الحكم؟ الأمير ليوس ضعيف القلب؟ الذي قد يموت في أي لحظة من نوبة قلبية؟"
فاروس وهيليوس تبادلا نظرة. كان الخوف في عينيهما يختلط الآن بشيء آخر: فهم لخطورة ما يقترح.
"لكن الأمير إدموند..." بدأ فاروس.
"الأمير إدموند جريح أيضاً." قطع عليه فاليريان. "وجرحه أعمق. ولو تعرض ل... بعض المضاعفات... فمن سيكون الحاكم الفعلي في فترة انتقال السلطة؟"
سؤال معلق في الهواء. والجواب كان واضحاً في عيون الثلاثة.
فاليريان اقترب من النافذة، ودفع الستارة جانباً قليلاً. من خلال الزجاج المعتم، كان يمكن رؤية أضواء القصر تتلألأ في الليل كعيون وحوش نائمة.
"الخطة الجديدة بسيطة." قال وهو يطلق الستارة فتعود لتسدل الظلام. "دواء الأمير ليوس. ذلك الدواء الذي يتناوله ثلاث مرات يومياً لقلبه الضعيف."
التفت إليهم. "ماذا لو... زادت جرعة مكون معين فيه؟ مكون يجعله... ينام. نوماً طويلاً. ليس قتلاً مباشراً، بل... تدهوراً بطيئاً. تصبح نوبات القلب أكثر حدة. حتى يأتي اليوم الذي لا يستيقظ فيه."
فاروس شهق. "ولكن الحكيم... الحكيم إلدريد سيكتشف..."
"الحكيم إلدريد عجوز. وعيونه لم تعد تركز جيداً." قال فاليريان ببرودة. "وماذا لو مرض هو أيضاً؟ مرض مفاجئ يجبره على البقاء في فراشه؟ ومن سيحل محله؟ حكيم شاب... موالٍ لنا."
كانت الخطة تنسج أمام أعينهم كنسيج عنكبوت شيطاني. كل خيط يؤدي إلى الآخر، كل حركة تحقق هدفين في آن.
"والملك..." همس هيليوس.
"الملك مصاب." كرر فاليريان. "والإصابات... أحياناً تتعفن. حتى مع أفضل حالات العناية. وأحياناً... الحزن على فقدان الابن الوحيد... قد يضعف المناعة."
لم يقل أكثر من ذلك. لم يكن بحاجة للكلام أكثر.
الغرفة أصبحت أكثر برودة، رغم النار في المدفأة. كانت برودة تأتي من الداخل، من فهم عمق الشر الذي كانوا يتحدثون فيه.
"اذهبا الآن." قال فاليريان فجأة، صوته عاد إلى هدوئه المعتاد. "استعدا. وسأرسل إليكما تعليمات مفصلة لكل شيء. وتذكّرا... هذه المرة، لا مجال للفشل. لأن الفشل هذه المرة... سيكون نهايتنا جميعاً."
فاروس وهيليوس انحنا انحناءات سريعة، ثم انسحبا من الغرفة كظلين يريدان الاختفاء في الظلام الأكبر خلف الباب.
بعد أن أغلق الباب، بقي فاليريان واقفاً في منتصف الغرفة. نظرة تأمل عميقة مرت على وجهه. ثم مشى إلى مكتبه، وجلس. أخرج رقعة جلدية صغيرة، وبدأ يكتب بخط صغير، متقن.
لكن ما لم يعرفه... أن جدار الغرفة له آذان.
خارج الباب، في الممر المظلم المليء بتماثيل الفرسان الحجرية الذين بدوا في الظلام كأشباح تحرس سراً قاتلاً، كانت ليوريلا ملتصقة بالجدار، يدها على صدرها، وفمها مفتوح في صمت من الرعب.
كانت قد جاءت لتقدم الدواء المسائي للأمير ليوس، الذي كان جناحه في الطرف الآخر من هذا الممر. لكن صوت غاضب من داخل جناح فاليريان جذبها. صوت لم تسمعه من قبل بهذه الحدة. فضولها، وربما غريزة الخادمة التي تعرف أن بعض الأسرار قد تكون خطيرة على من تحب، جعلتها تقترب.
وضعت أذنها على الباب الخشبي السميك. وكانت الفجوة بين الباب والإطار، رغم صغرها، كافية لتوصيل أصوات مرتفعة.
سمعت كل شيء.
سمعت كلمة "فشل". سمعت الحديث عن الخطة في الغابة. عن الرجال المتنكرين. عن السهم. عن صانع الفخار الذي ضحى بنفسه. سمعت اسم كورفن. وسمعت... سمعت الخطة الجديدة.
الخطة لتسميم دواء الأمير ليوس.
الدم تجمد في عروقها. رئتاها توقفتا عن العمل للحظة. العالم دار حولها.
كانت تعرف أن ليوس، الأمير الهادئ الحزين الذي عاملها بإنسانية نادرة في هذا القصر البارد، كان في خطر. خطر لا يأتي من مرض قلبه، بل من سمٍّ يُعدُّ في الظلام.
يداها بدأتا ترتجفان. فكرت في الدخول، في الصراخ، في فضح كل شيء. لكن عقلها، الذي نشأ في قصر يعلم أن الجدران لها آذان وأن الأرضيات لها أفواه، أوقفها.
إذا دخلت الآن... ستُقتل. ولن يُنقذ ليوس.
تراجعت ببطء. قدمها وطأت على طرف سجادة قديمة فأصدرت حفيفاً خفيفاً. تجمدت، قلبها يخفق كطبل جنوني في صدرها.
لا صوت من الداخل. فاليريان لم يسمع.
استمرت في التراجع، حتى وصلت إلى منعطف الممر. ثم انطلقت.
لم تركض. الخدم لا يركضون في قصور الملوك إلا إذا كان هناك حريق أو غزو أو كارثة. مشيت بسرعة، خطواتها خفيفة كأوراق الخريف المتساقطة، لكن قلبها كان يدق كفراشة محبوسة في قبضة يد قوية.
عقلها كان يعمل بسرعة. يجب أن تخبر ليوس.
وصلت إلى جناح الأمير ليوس. الحارس عند الباب نظر إليها، عيناه تلمعان في ظلام المشاعل المتذبذبة.
"الدواء المسائي للأمير." قالت، صوتها أكثر ثباتاً مما تتوقع.
أومأ الحارس، وفتح الباب.
داخل الجناح، كان ليوس جالساً بجانب النافذة، يحدق في الليل خارجاً. وجهه الشاحب في ضوء القمر كان يشبه وجهاً من المرمر المنحوت، جميلاً، لكن بلا حياة حقيقية. عند صوتها، التفت.
"ليوريلا." قال، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه. "تأخرتِ قليلاً الليلة."
"سمو الأمير..." بدأت، لكن كلماتها علقت في حلقها. كيف تبدأ؟ من أين تبدأ؟
لاحظ شيئاً في عينيها. نهض ببطء. "ما الخطب؟ تبدين شاحبة."
أغلقت الباب خلفها. يداها كانتا ترتعشان بشكل واضح. "سمو الأمير... يجب أن تستمع إليّ. ولا يجب أن يسمعنا أحد."
نظرة القلق زادت على وجه ليوس. تقدم نحوها. "ماذا حدث؟"
تطلعت إلى الباب، ثم إلى النافذة، كما لو كانت تتأكد أن لا أحد يستمع. ثم همست، بصوت منخفض جداً لكن واضح كسقوط دبوس في صمت الغرفة:
"المستشار فاليريان... يخطط لإيذائك."
كلماتها سقطت في الغرفة كحجارة في بركة ساكنة. ليوس تجمد. عيناه العسليتان اتسعتا قليلاً.
"ماذا تقصدين؟"
"سمعته... في جناحه." كانت كلماتها تخرج متقطعة، مختنقة بالخوف. "يتكلم مع فاروس وهيليوس. كانوا في الغابة الليلة... هم من خططوا للهجوم. هم من أرسلوا الرجال للهجوم على الملك وصقر العدالة."
رأت كيف شحب وجه ليوس أكثر. "وهناك أكثر من ذلك... إنهم يخططون... لك. يقولون إنهم سيغيرون تركيبة الدواء. ليصبح... قاتلاً ببطء."
كانت العبارة الأخيرة قد خرجت منها كأنها طعنة في الظلام. ليوس تراجع خطوة إلى الوراء، يده تمسك بظهر الكرسي.
"دوائي؟" كرر الكلمة، وكأنه لا يفهمها.
"نعم." دموع بدأت تملأ عيني ليوريلا. "يقولون إن الحكيم إلدريد عجوز، وسيمرضونَه أيضاً. وسيأتون بحكيم موالٍ لهم."
صمت طويل. ليوس حدق في الفراغ، عيناه لا ترى شيئاً. كان عقله يعمل بسرعة، يربط الخيوط. الهجوم على والده في الغابة. محاولة توريط صقر العدالة. والآن... محاولة قتله هو.
ثم سأل، صوته هادئاً بشكل غريب: "ووالدي؟ ماذا قالوا عن والدي؟"
"قالوا... إن جرحه قد يتعفن. وإن الحزن على... على فقدانك..." لم تستطع إكمال الجملة.
لكن ليوس فهم. فهم كل شيء.
أغلق عينيه للحظة. تنفس بعمق. عندما فتحهما مرة أخرى، كان هناك شيء جديد في عينيه. لم يكن خوفاً. بل كان قراراً.
"حسناً." قال، صوته الآن أكثر حزماً. "إذن يجب أن نتحرك."
"لكن كيف؟" سألت ليوريلا، يداها لا تزال ترتجفان. "هم يسيطرون على كل شيء! الحراس، الخدم، حتى الحكماء!"
ليوس نظر إليها، وفي عينيه لمعة من الذكاء الذي كانت تخفيه دائماً هالة المرض والحزن. "ليس كل شيء. وهناك شخصان على الأقل لا يسيطرون عليهما: أنا وأنتِ."
ثم أضاف، وهو يتحرك نحو مكتبه: "وإذا كانت خطتهم تعتمد على دوائي... فهذا يعني أن لدينا سلاحاً."
"سلاحاً؟"
"نعم." قال وهو يجلس ويكتب شيئاً على ورقة صغيرة. "سنعطيهم ما يريدون. لكن على طريقتنا."
كتب بسرعة، ثم طوى الورقة وأعطاها لها. "خذي هذا. غداً في الصباح، اذهبي إلى السوق كما تفعلين كالعادة. ستجدين رجلاً يدعى براين، يجلس في حانة المرسى القديم. أعطيه هذه الرسالة. هو سيعرف ما يتوجب عليه فعله."
نظرت إلى الورقة المطوية في يدها. "وماذا عنك؟ ماذا عن دوائك؟"
ابتسم ليوس ابتسامة خفيفة، فيها شيء من المرارة. "سأتناول دوائي كما أفعل دائماً. لكنكِ ستجلبينه أنتِ من الآن فصاعداً مباشرة من الحكيم نفسه. وستشاهدين كل خطوة في صنعه."
ثم أضاف، ونظرة حماية غريبة مرت في عينيه: "وأنتِ... يجب أن تكوني حذرة جداً. إذا شكوا بأنكِ تعرفين شيئاً..."
"أعلم." قالت ليوريلا، صوتها أصبح أكثر ثباتاً الآن. "لكنني لا أخاف. لأن الخوف... أصبح رفاهية في ظل هذه المؤامرات."
نظر ليوس إليها، وفي عينيه شيء من التقدير والإعجاب. "شكراً لكِ، ليوريلا. لأنكِ لم تكوني مجرد خادمة بالنسبة ليّ."
ابتسمت، وكانت الابتسامة الأولى الحقيقية منذ أن دخلت الغرفة. "وأنا أشكرك، سمو الأمير. لأنك لم تكن مجرد أمير بالنسبة ليّ أيضاً."
بعد أن غادرت ليوريلا، بقي ليوس واقفاً في منتصف غرفته. نظر إلى زجاجة الدواء على الطاولة بجانب سريره. السائل الداكن بدا الآن مختلفاً. لم يكن دواءً، بل سلاحاً محتملاً. وخيطاً في لعبة خطيرة.
ثم نظر إلى النافذة، حيث كانت أضواء القصر تتلألأ في الليل. وكان يعرف أن المعركة الحقيقية قد بدأت الآن. ليست معركة بالسيوف والرماح، بل معركة بالسموم والمكائد. وكان عليه أن يلعب، ليس من أجل عرشه، بل من أجل حياته. ومن أجل حياة والده. ومن أجل مملكة كان يريد أن يراها مختلفة عما هي عليه.
وفي جناح فاليريان، كان المستشار لا يزال جالساً على مكتبه، يكتب خطته الجديدة بتفاصيل دقيقة. وكان يظن أنه يلعب اللعبة بمفرده، ولا يعلم أن قطعة أخرى على رقعة الشطرنج قد تحركت. قطعة صغيرة، ضعيفة القلب، لكنها قررت أن تقاتل.
والليل، بطوله وظلمته، كان شاهداً على أن بعض الحروب لا تبدأ بالصراخ والسيوف، بل بهمسات في ممرات مظلمة، وورقة مطوية في يد خادمة شجاعة، وقرار أمير مريض بأن يكون بطلاً في معركته الخاصة.
الجرح والدواء والعهد بالانتقام:
كان كوخ إيديث المنعزل في تلك الليلة الظلماء يشبه قبراً من خشب ينتظر أن يمتلئ. لا ضوء يخرج من شقوقه، ولا دخان يتصاعد من مدخنته، فقط ظلام مكتمل يلفه ك كفن من قماش السماء السوداء. حتى الرياح توقفت عن العويل حوله، كأن الطبيعة نفسها حبست أنفاسها خوفاً مما سيحمل.
ثم... اقتحام.
الباب الخشبي القديم انفتح بعنف، صوت خشب يصرخ تحت الضغط صدح في الليل الهادئ. ظل طويل دخل أولاً ألفارد، ملابسه السوداء ممزقة ومغطاة ببقع قاتمة بلون الدم تحت ضوء النجوم. وجهه تحت القناع كان شاحباً كالرخام، وعيناه العسليتان تلمعان في الظلام بنيران القلق والذعر.
وراءه، كظلال تحمل نعشاً، دخلوا: داريو يحمل جسد فالاندر بذراعيه القويتين كأنه يحمل طفلاً نائماً، لكن وجه الطفل كان وجه رجل بالغ شاحب، والسهم الأسود البارز من ظهره. إسفين وكاليب على جانبيه، يساندونه، وجوههم مكسوة بعرق المجهود والرعب.
"هيا بسرعة!" صرخ ألفارد، صوته مبحوحاً من الركض والتوتر.
إيديث، التي كانت تجلس على كرسيها الخشبي بجانب المدفأة الخامدة، قفزت واقفة. عينيها العمياوين اتسعتا برعب.
"ألفارد؟ ما الذي حدث؟"
"فالاندر جريح... أُصيب بسهم... في ظهره." كانت كلمات ألفارد متقطعة. "لنضعه على الفراش بسرعة!"
بدون أن تنتظر كلمة ثانية، تحركت إيديث بسرعة مذهلة لامرأة عمياء. يداها تلمسان الهواء حتى وجدت سريرها البسيط، وبدأت ترتب البطانيات والوسائد.
"لا، سنضعه على الأرض! أكثر اتساعاً!" صحح ألفارد وهو يرمي قناع صقر العدالة بعيداً. القناع الأسود سقط على الطاولة الخشبية كطائر ميت. ثم خلع العباءة السوداء ذات القلنسوة ورمها، فكشفت عن جسده المتعرق والمرتجف تحت ملابسه الجلدية.
داريو، بإشارة من ألفارد، انحنى بلطف مطلق. وضع جسد فالاندر على البطانيات التي فرشتها إيديث على الأرض، جعلوه مستلقياً على بطنه، رأسه إلى الجانب، والسهم البارز يبدو أكثر رعباً في ضوء الشموع التي أشعلها كاليب بسرعة.
المشهد تحت الضوء الخافت كان أشبه بلوحة من الكوابيس: فالاندر شاحب كالشمع، شعره الأشقر الداكن ملتصق بجبينه من العرق، عيناه مغلقتان، وجفناه يرتعشان رغم فقدان الوعي. السهم دخل من منتصف الظهر على الجانب الأيسر، بجوار العمود الفقري. الدم، الذي كان قد تباطأ بسبب تثبيت كاليب له، بدأ يسيل مرة أخرى بلون أحمر داكن كالنبيذ القديم.
"يا إلهي..." همست إيديث، يداها تتحركان في الهواء حتى وجدت جسد فالاندر. أصابعها المرتعشة تلمس ظهره حول السهم، ثم تتراجع فوراً كما لو لامست جمراً. "السهم... لا يزال فيه."
"أعلم." قال ألفارد، صوته أصبح فجأة هادئاً، هدوء الجراح قبل إجراء العملية. عيناه كانتا تركزان على الجرح بتركيز شبه هوسي. "كاليب، قم بغلي الماء. إسفين، أحضر بعض الأربطة النظيفة. داريو، امسكه من كتفيه إذا تحرك."
"هل ستخرجه؟ هنا؟ بدون حكيم؟" سأل إسفين، صوته يحمل قلقاً واضحاً.
"إذا انتظرنا حكيماً، سيموت." رد ألفارد بنبرة قاسية. "أنا سأعالجه بنفسي... أنت تعلم أنني قرأت كثيراً، وتعلمت الكثير أيضاً."
تطلع إلى رفوف الكتب القديمة في زاوية الكوخ، تلك التي جمعها من سنوات من التنقل بين القرى والمدن، كتب الطب الشعبي، علاجات الأعشاب، حتى مخطوطات قديمة عن جراحة الميدان.
إيديث، التي كانت جالسة على الأرض بجانب فالاندر، يداها تلمسان جبينه، قالت: "حرارته مرتفعة. يبدو أن العدوى قد بدأت."
"لذلك يجب أن نسرع." ألفارد كان يخلع قميصه الآن، كاشفاً عن عضلاته المفتولة المتوترة. "كاليب، أحضر الماء!"
كاليب الذي كان قد أشعل النار في الموقد الصغير، ووضع قدراً من الماء. "لم يغلي بعد يا ألفارد."
"لا نملك الكثير من الوقت." ألفارد تقدم إلى الجرح. اليدان اللتان كانتا قبل ساعات فقط تمسكان سيفاً وتقاتلان، كانتا الآن ترتجفان. أغلق عينيه، تنفس بعمق، ثم فتحهما.
دخل في حالة التركيز النفقي المطلق.
العالم تضاءل. لم يعد هناك كوخ، لا أصدقاء، لا أم بالتبني تبكي على الأرض. كان هناك فقط: الجرح. السهم. اللحم الممزق. الاتجاهات. الزوايا.
"سأخرج السهم الآن." قال بصوت بلا عاطفة. "داريو، أمسكه بقوة."
داريو وضع يديه على كتفي فالاندر. إسفين أمسك بقدميه. كاليب وقف جاهزاً بالأربطة والماء.
ألفارد أخذ خنجره من حزامه، قام بتعقيم طرف النصل في النيران ثم وضعه حول مكان دخول السهم، وبدأ يوسع الجرح برفق. والدماء بدأت تنساب من جديد.
فالاندر، حتى في غيبوبته، تأوه. جسده تقوس قليلاً تحت أيدي داريو القوية.
"إهدأ." همس ألفارد له. يده اليسرى أمسكت بالسهم من قاعدته. كانت باردة، معدنية، ثقيلة. أغمض عينيه مرة أخرى، شعر بإتجاه الدخول. "مائل قليلاً إلى الأعلى. لم يلمس الضلوع. العمود الفقري على بعد... نصف إصبع تقريباً أو أقل."
كان يحسب، يتخيل، يرى بعين عقله ما لا تراه عيناه.
ثم... سحب.
الصوت كان رطباً، كصوت جذر يُقلع من تربة مشبعة. السهم خرج. طرفه الحاد ملوثاً، و خرج مع تدفق دماء جديدة.
فالاندر صرخ، صرخة مكتومة خارجة من أعماق غيبوبته، ثم سكن.
"الآن يجب أن نكوي الجرح." قال ألفارد، صوته أجش. "كاليب، ضع سكيناً في النار."
كاليب أخرج سكينا معدني طويلاً ووضعه في النار. المعدن بدأ يحمر تحت اللهب.
إيديث، التي كانت تدعو بصمت، يداها تمسكان بيد فالاندر، قالت: "تحمل يا بني... تحمل."
ألفارد كان يركز على الجرح المفتوح والدم كان يتدفق لكن ليس بنزيف قاتل. السهم لم يصل إلى الرئة، لحسن الحظ. لكن الجرح عميق، وملوث.
"السكين جاهز." قال كاليب، صوته يرتجف.
ألفارد أخذ قطعة قماش ولفها حول مقبض السكين، وأخرج المعدن المحمي من النار. طرفه كان محمر كعين شيطان خرج من الجحيم.
"جميعكم، امسكوه جيداً."
داريو وإسفين وكاليب أمسكوا بفالاندر من جميع الجهات. إيديث أمسكت بيد فالاندر، ضاغطة عليها.
ثم وضع ألفارد المعدن المحمي على الجرح المفتوح.
فالاندر تقوس كالقوس، عضلات ظهره تشنجت، صرخ مرة أخرى،ثم انهار و عاد إلى الغيبوبة.
ألفارد رفع المعدن. الجرح كان الآن مغلقاً، محروقاً، أسود حول الحواف. لكن النزيف توقف.
تنهد، وكان التنهد أول دليل على أنه كان متماسكاً طوال هذه العملية. عيناه كانتا تدمعان من الدخان والألم المعنوي.
"الآن... لنضمده." قال، صوته منهك.
بدأوا بالتضميد. إسفين يصب الماء الدافئ على الجرح لتنظيفه. كاليب يضع مرهماً أخضر مصنوعاً من عسل وشمع النحل ممزوجاً بأعشاب مجففة، مضاد حيوي طبيعي كان ألفارد قد صنعه. داريو رفع جسد فالاندر بلطف بينما يلف ألفارد الضمادات حول الجذع.
عملوا في صمت، كفريق جراحة ميداني متمرس. لم يتكلموا إلا بالإشارات، بالنظرات. وكانت الدقائق تمر، لكن الوقت توقف داخل الكوخ.
عندما انتهوا، كان فالاندر ملفوفاً بضمادات بيضاء نظيفة، مستلقياً على بطنه، تنفسه منتظماً لكن ضعيفاً. وجهه ما زال شاحباً، لكن شيئاً من السلام عاد إليه، كأن الألم الأكبر قد ذهب.
ألفارد انهار على الارض بجانب الفراش المؤقت. يده كانت ترتعش بشدة. نظر إليها، إلى الدماء التي تغطيها، إلى الجرح الذي أغلقه.
إيديث تقدمت نحوه. يداها المرتجفتان وجدتا وجهه، ثم مسحت العرق من جبينه. "لقد أنقذته، يا بني."
"لم أنقذه بعد." رد ألفارد، صوته مكسوراً. "الحمى ستصيبه... الساعات القادمة هي التي ستقرر حالته."
نظر إلى أصدقائه. داريو جالس على الأرض، ظهره إلى الحائط، عيناه مغلقتان من التعب. إسفين كان يفحص باقي الأدوية على الرفوف. كاليب جالس بجانب فالاندر، يمسح جبينه بقطعة قماش مبللة.
"لقد فعلنا ما في وسعنا." قال إسفين، وهو يلتفت. "والآن... يجب أن نفكر فيما بعد."
كاليب رفع عينيه. "اعتقد أن كريكور وكالوم لهم فائدة في مثل هذا الوقت."
نظر ألفارد إلى كاليب. "أجل، معلوماتهم... قد تكون الآن أهم من أي وقت مضى. فاليريان لم يعد يخفي خططه. إنه يهاجم مباشرة."
"لنذهب ونستجوبهما." قال داريو دون أن يفتح عينيه. "الليلة."
"لا." قطع ألفارد. "أنتم ستبقون هنا. تحمون فالاندر وهذا المكان. أنا سأذهب وحدي."
إسفين هز رأسه بالرفض. "هذا جنون. أنت متعب، وغاضب، و..."
"وأنا الوحيد الذي يعرف كيف يجعلهم يتكلمون." قال ألفارد، وعيناه تلتمعان ببريق خطر. "لن احتمل صمتهم أكثر من ذلك."
نهض. ركبتاه ترتجفان لكنه تماسك. "أمي... ستبقى مع فالاندر. أنت يا كاليب، ستساعدها. داريو وإسفين، ستحرسان المكان من الخارج."
"وأنت؟" سألت إيديث، يداها تمسكان بذراعيه.
"سأعود قبل الظهيرة." قال وهو يلبس عباءته السوداء مرة أخرى، ووضع القناع على وجهه الذي كان محفوراً بالتعب والألم والغضب. "وبعد ذلك... سأجعل فاليريان يرى ما معنى أن يلمس من أحبهم."
كانت نبرة صوته خطيرة. ليست نبرة البطل النبيل الذي يحارب من أجل العدالة. بل نبرة رجل وصل إلى حافة الهاوية، ونظر إلى الأسفل، وقرر أن يسحب معه كل من دفعه إلى هناك.
"ما الذي تخطط له، يا ألفارد؟" سأل إسفين بحذر.
ألفارد نظر إلى فالاندر النائم، الجريح، الذي ضحى بحياته من أجله. ثم نظر إلى أصدقائه، الذين خاطروا بكل شيء من أجله. ثم إلى إيديث، المرأة التي وجد فيها أماً، والتي قد تكون في خطر بسبب ارتباطها به.
"فاليريان يلعب لعبة القصور." قال، كلماته تخرج بطيئة، محسوبة. "المكائد، السموم، الاغتيالات الخفية. وهو يعتقد أنه يتفوق فيها."
ابتسم. كانت ابتسامة باردة، لا تصل إلى عينيه. "لكنه نسي شيئاً واحداً."
"ما هو؟" همس كاليب.
"أنني لا أنتمي إلى عالم القصور." قال ألفارد، وهو يعدل سيفه في غمده. "أنتمي إلى عالم الجبال. إلى عالم الصقور. وهناك... توجد قوانين مختلفة تماماً."
نظر إليهم جميعاً. "إذا أراد حرب القصور، فسأجلب عليه حرب الجبال. إذا أراد سموماً ومكائد، فسأجلب عليه ريحاً صافية تكشف كل شيء. وإذا أراد أن يلعب بخيوط الظل... فسأجلب عليه ضوءاً يحرق كل ظل."
كانت الكلمات تحمل نذراً، وعداً، وتهديداً.
"ولكن كيف؟" سأل داريو.
"كما قُلتم... كريكور وكالوم لهم فائدة كبيرة الآن أكثر من أي وقت مضى." رد ألفارد "لكن قبل كل هذا... يجب أن أرجع الحق الضائع لأصحابه."
توقف، ثم أضاف: "والملك إذا أراد تحالفاً حقيقياً... فيجب أن يكون أكثر يقظة لتلك المكائد... لأن فاليريان بالتأكيد لن يتوقف عند مجرد مجموعة رجال مزيفين لعمل فتنة بتلك الطريقة الهزلية."
إيديث مدت يدها، وجدت وجهه مرة أخرى. "كن حذراً، يا بني. فالغضب رفيق سيء في الظلام."
"ولكنه سلاح جيد في المعركة." رد وهو يقبل جبينها. "لا تقلقي... لن أذهب بغضبٍ فقط. بل بذكاءٍ أيضاً. لأن الصقر لا ينقض بعنف فقط، بل بدقة."
بعد أن جهز نفسه، وقف على الباب. التفت للمرة الأخيرة نحو فالاندر النائم.
"اعتنوا به." قال، صوته يحمل لأول مرة ذلك اليوم حناناً حقيقياً. "وإذا استيقظ... قولوا له... أنني مدين له بحياتي. وأن دين كهذا... لا يُنسى أبداً."
ثم فتح الباب، واختفى في ظلام الليل. والصقر الصغير آرس، الذي كان يحلق فوق الكوخ، انطلق خلفه صارخاً، صيحته اختفت في الريح.
داخل الكوخ، بقي الآخرون. إيديث جلست بجانب فالاندر، يداها تلمسان جبينه بينما كانت تهمس بالدعوات. كاليب كان يراقب التنفس، ويغير الكمادات. داريو وإسفين تبادلا النظرات، ثم خرجا إلى الخارج للمراقبة.
والسكون عاد إلى الكوخ، لكنه لم يكن سكون سلام. بل كان سكوناً كالسكون الذي يسبق العاصفة. سكوناً يحمل في طياته ألم جريح، ودموع أم، وقلق أصدقاء، ووعود بطل قرر أن يغير قواعد اللعبة.
كان ألفارد يسير في الظلام. وكانت خطواته، رغم التعب والألم، ثابتة. لأن هناك شيئاً ما ولد في قلبه في تلك الليلة: ليس غضباً فقط، بل قراراً. قرار بأن الحرب لم تعد بين ظالم ومظلوم، بل بين عالمين. عالم القصور الذي يخنق بالخيوط الخفية، وعالم الجبال الذي يحرر بالريح العاتية.
وكان يعرف أن الطريق سيكون دامياً. لكن بعد أن رأى دم فالاندر يسيل على يديه، لم يعد يخاف الدماء. بل أصبح يخشى شيئاً واحداً فقط: أن يأتي يوم ويجد أنه لم يفعل كل ما في وسعه لوقف هذا الجنون.
والليل، بطوله وظلمته، كان يشهد على ولادة شيء جديد. ليس بطل العدالة فقط، بل منتقم. وربما، في بعض الأحيان، يكون الانتقام هو العدالة الوحيدة الممكنة في عالم انقلبت فيه كل الموازين.
عتبات الظل:
بحانة "المرسى القديم" على ضفاف النهر قبل الفجر بقليل. كانت رائحة البيرة الحامضة والنبيذ الفاسد تخنق الهواء البارد، وتتمسك بالجدران المتشققة كعفن أخضر. على الطاولة في أقصى الزاوية، جلس براين وحيداً، كتلة من الغضب المتجمد. يده اليمنى، ذات الأصابع الثلاثة المقطوعة، تضغط على كوب خشبي حتى كاد يحطمه. في عينيه العجوزتين، عينيّ صياد بحر اعتاد قراءة العواصف في أمواج عيون الرجال، كانت عاصفة من الخيبة والغضب تدور.
كان غاضباً ورأسه منشغل بالتفكير، فخ فاليريان لم يُصب الملك فحسب، بل أصاب ثقة براين في قدرته على حماية سيده. كل خطأ في الخطة كان يشع كسكين في خاصرته: الحرس القليل جداً، الثقة الزائدة بالسرية، الغرور في اعتقاده أن فاليريان سيكون غبي.
رفع الكوب إلى شفتيه، لكنه لم يشرب. طعم الخمر كان كالسم بفمه.
ثم... حفيف خفيف على نافذة الحانة المتسخة.
رفع براين عينيه. على الإطار الخشبي المتآكل، وقف آرس. صقر ألفارد الصغير، ريشه يلمع تحت ضوء القمر الباهت، وعيناه تحدقان إلى الداخل بتلك النظرة الحادة الذكية التي تجعل من المستحيل الخلط بينه وبين أي طائر عادي.
قلب براين قفز في صدره قفزة مجنونة. الصقر هنا يعني أن سيده قريب.
دفع الطاولة بقوة، الكوب تدحرج وسقط على الأرض الخشبية بصوت مكتوم. لم يلتفت للمضيف النائم على المنضدة، بل انطلق نحو الباب الخلفي، خطواته ثقيلة سريعة.
خارج الحانة، في الزقاق الضيق خلف الحانة وقف في الظل.
كان صقر العدالة واقفاً بجانب حصانه الأسود، ملاصقاً للحائط كقطعة منه. عباءته السوداء ذابت في ظلام ما قبل الفجر، لكن عينيه العسليتين كانتا تشعان في الظلام كجمرتين من ذهب سائل محاط بخطوط زرقاء متجمدة. لم يكن واقفاً بل مرتكزاً، كسيف مسلول مستند إلى الجدار، كل عضلة في جسده مشدودة كوتر قوس.
عندما رأى براين، لم يتحرك. لكن براين شعر بالضغط يزيد في الزقاق، كأن الهواء أصبح أثقل.
"لقد جُرح صديقي." قال صقر العدالة. صوته لم يكن ذلك الصوت العميق، بل كان مكسوراً، محمّلاً بتربة المعركة وألم خسارة الدم. "جُرح بسهم فاليريان. ضحّى بنفسه ليحميني."
براين اقترب، عيناه تمسحان جسد الفارس. رأى الدم المتجفف على الجلد الأسود، التمزقات في الملابس، الارتعاشة الخفية في اليد التي تمسك زمام الحصان. هذا لم يكن بطلاً عائداً من نصر. هذا كان حيواناً جائعاً يتحضر للانقضاض على فريسته.
"الانتقام الآن سيكون خطأً فادحاً." قال براين، صوته أجش محاولاً النصح. "فاليريان ينتظر منك أي تحرك. القصر أصبح فخاً كبيراً."
"لم آتِ للانتقام الأعمى." رد صقر العدالة، وكلماته كانت سريعة، حادة، كضربات السكين. "بل أتيت لاسترداد الحق. فالاندر ممدد بين الحياة والموت بسبب لعبة قذرة. ولن أسمح بأن يذهب دمه هباءً."
عيناه التقتا بعيني براين مباشرة. النظرة كانت ثقيلة، تحمل ثقل جبل كامل. "أريد منك وسيلة. وسيلة تدخلني إلى القصر قبل أن تشرق الشمس. ولا شأن لك بما سيحدث."
براين هز رأسه رفضاً. "هذا انتحار. الحراس تضاعفوا. كل مدخل مراقب. فاليريان يخشاك الآن أكثر من أي وقت مضى."
"بالضبط." قال صقر العدالة، وابتسامة باردة ظهرت على شفتيه. "لذلك سيركزون على المداخل، على الأسوار، على الأماكن التي يتوقع فيها الصقر أن سينقض. لكنهم لن يبحثوا عن شيء دخل بالفعل."
"وماذا ستفعل هناك؟ أي تهورٍ سيكلفك الكثير." سأل براين، لكنه كان يعرف الإجابة. كان يراها في عيني الفارس: إرهاب. ليس قتلاً، بل رسالة. علامة.
"لا تقلق لن أفعل شيئاً متهوراً." قال صقر العدالة بهدوء مخيف. "سأترك رسالة فقط، لكنني لن أكتبها بالحبر."
صمت. نسمة باردة مرت في الزقاق، جعلت ريش آرس يرفرف. الحصان الأسود صهل بهدوء، كأنه يستعجل سيده.
براين حدق في الفارس. رأى التعب الذي يحاول إخفاءه، الألم الذي يكتمه، والقرار الصلب الذي لا يتزعزع تحت كل ذلك. هذا لم يكن طلباً. كان تحدياً. اختباراً للولاء، للجرأة، للرغبة في قلب الطاولة.
"إن أمسكوا بك..." بدأ براين.
"لن يمسكونني." قطع عليه صقر العدالة. كلمته كانت حقيقة، ليست تبجحاً. "لأنني لن أذهب لمقاتلتهم. سأذهب لأريهم أن مخبأهم ليس مغلقاً تماماً. وأن الشبح الذي يخافون منه سيظهر في عُقر دارهم."
التفت إلى الشرق، حيث اقتراب الفجر. "الوقت يمر. الشمس ستشرق. قراري اتخذته. سؤالي هو: هل ستكون الجسر الذي أعبر عليه، أم عليّ أيجاد جسراً آخر؟"
كان الاختيار واضحاً. براين نظر إلى يده المبتورة، تذكاراً عن الولاء الذي كلفه أصابعه قبل سنوات. ثم نظر إلى الفارس الذي وقف أمامه، يحمل آمال شعب ودم صديق على كتفيه.
تنهد تنهيدة طويلة، كمن يرمي حمولة عن كاهله.
"حصانك." قال فجأة، صوته حاسماً. "اتركه هنا. سيبقى آرس معه ليرعاه."
صقر العدالة لم يتردد. أطلق زمام الحصان، وأشار لآرس الذي هبط على سرج الحصان ببراعة.
"اتبعني." قال براين وهو يتحرك. "واعلم أن الطريق الذي أسلكه الآن... قد يكلفني ما تبقى من أصابعي. وقد يكلفك حياتك."
"لقد كلفني الطريق الآمن صديقاً." رد صقر العدالة وهو يتبعه كظله. "فما بالك بالطريق الخطير؟!"
انطلقا في الزقاق الضيق، براين في المقدمة بخطوات الرجل العجوز الذي يعرف كل حجر، وصقر العدالة خلفه، خطواته لا تصدر صوتاً، كأنه جزء من الظلام المتحرك.
وكان الفجر يقترب، حاملاً معه وعداً ليس بالنور، بل بظل أطول، وأسود، وأكثر رعباً. ظل قرر أن يزور قصر الملك، لا كضيف، بل كشبح يحمل في قلبه غضب الجبال، وفي عينيه بريق دم صديق، وعلى شفتيه وعداً صامتاً: لن أنسى. وسأعود.
ظل في عُقر الدار:
كان الهواء داخل أنفاق قصر إيفرونيا ضيقًا، رطبًا، يحمل رائحة العفن القديم وتراب القرون. براين كان يتقدم، مصباحه الزيتي الخافت يرسم دوائر متذبذبة على الجدران الحجرية الملساء التي تلمع بالرطوبة. صقر العدالة خلفه، ظل صامت، يتحرك بسلاسة القطط في الليل. كل خطوة له كانت حسابًا دقيقًا، حذاءه الجلدي الناعم يلامس الأرض بحذر الصياد الذي يمشي على جليد رقيق.
لم يتحدثا. الكلام في هذا الظلام كان ثقيلًا وخطيرًا. فقط صوت أنفاس براين المتقطعة أحيانًا، وحفيف عباءة ألفارد الخافت ضد الجدار، كانا يقطعان الصمت.
ثم توقف براين عند جدار يبدو عاديًا. ضغط بكفه على حجر بارز قليلاً، بحركة اعتادها آلاف المرات، وانزلق الباب الحجري إلى الداخل بصوت خفيف كتنيهد، مكشفًا عن فجوة ضيقة ومنحدر حجري يؤدي لأعلى.
"هنا." همس براين، وصوته يتردد في الممر الضيق. "هذا الممر يؤدي إلى مخزن سجاد قديم خلف المطبخ الملكي. الآن، اسمع جيدًا..."
أخذه في تفاصيل دقيقة: عدد الخطوات إلى الباب الخشبي المهترئ، طريقة فتحه دون صرير، المسار عبر القاعة الخلفية حيث تتراكم صناديق الخضراوات والفاكهة، ثم السلم الخشبي الضيق المؤدي إلى الطابق الثاني.
"ولكن الأهم من الدخول هو الخروج." قال براين، وعيناه في الظلام تشعان بجدية قاتلة. "حراس الليل سيتناوبون مع حراس الفجر عند دقة الجرس الثالثة. ستكون هناك دقيقتان، دقيقتان فقط، يكون فيها الممر الرئيسي خاليًا. دقيقتان لكي تختفي كما ظهرت."
صقر العدالة أومأ، عيناه العسليتان تمتصان كل كلمة كالإسفنجة الجافة.
"وإذا فشلت؟" سأل براين أخيرًا، والسؤال معلق في الهواء كسكين حاد.
"لن أفشل." كانت الإجابة بسيطة، صلبة. "لأن الفشل يعني موت فاليريان بيدي الليلة والخروج من هنا جثة هامدة، وأنا لم آتِ لقتله بعد."
نظر براين إلى هذا الشاب الذي كان في مثل عمر ابنه الراحل الذي قُتل في إحدى المعارك، ورأى فيه صلابة الجبال التي نشأ فيها. رأى الغضب المضغوط كالفحم تحت الرماد، والتركيز الحاد الذي يجعل من المستحيل ثنيه.
"اذهب." قال براين أخيرًا، وصوته خشن بالعاطفة المكبوتة. "لكن عدني بشيء واحد فقط."
"ما هو؟"
"أن تعود حيًا. فالاندر يحتاجك. و نحن... نحتاجك."
لم يرد صقر العدالة بكلمات. فقط وضع يده على كتف براين للحظة لمسة خفيفة، لكنها حملت وعدًا. ثم انحنى واندفع في الفجوة الضيقة، اختفي في الظلام كما يختفي الدخان في الهواء.
كان القصر نائمًا، لكن نومه كان مضطربًا. ظلال الحراس تتحرك على الجدران ككائنات أسطورية، وأصوات الخطى البعيدة تتردد في الممرات الفارغة كنبضات قلب حي. تسلل صقر العدالة بين الظلال، جسده منسجمًا مع الهندسة المعمارية للقصر كأنه جزء منها. مر عند منعطفٍ، ظهر كلب حراسة ضخم، من فصيلة بوليسية ذات عيون صفراء، وقف فجأة، أنفه يرتجف في الهواء.
توقف ألفارد. لم يتراجع، لم يتوتر. فقط بقي ساكنًا، وعيناه تلتقيان بعيني الكلب. كانت لحظة طويلة، ثقيلة. ثم هز الكلب ذيله مرة واحدة، بخفة، ونظر بعيدًا كأنه لم يرَ شيئًا. ربما شم رائحة الجبال عليه، رائحة الحرية التي تفتقدها كلاب القصور المسجونة. مضى ألفارد في طريقه، والكلب لم يصدر أي صوت.
الجناح الغربي بالطابق الثاني. كانت الأبواب الضخمة من خشب الجوز المنحوت، كل منها يحمل شعار العائلة المالكة. عند الباب الثالث في الممر، توقف. على المقبض البرونزي، كان منحوتًا ثعبانًا يلتهم جناحي طير، شعار فاليريان. الهواء هنا كان مختلفًا: ثقيلًا برائحة الخيانة والطمع.
فتح قفل الباب ببطء بخنجره. ثم دخل.
كانت الغرفة فخمة بشكل بارد. سجاد ثقيل يبتلع الأصوات، جدران مغطاة بديباج أرجواني غامق، مدفأة ضخمة من الرخام الأسود فيها جمرات محتضرة توشك على الانطفاء. وفي السرير الضخم، تحت أغطية الحرير والفراء، نام فاليريان.
كان نومه غير هادئ. وجهه الشاحب، عادة ما يكون مقنعًا بابتسامة ثعبان، كان الآن عاريًا: تجاعيد القلق حول عينيه المغلقتين، شفتاه مضغوطتان كأنهما حتى في النوم لا تريدان أن تفلتا بكلمة. تنفسه كان ضحلًا، متقطعًا.
وقف صقر العدالة بجانب السرير، ينظر إليه. رأى الرجل الذي سمم المملكة، الذي خطط لقتل إدموند، الذي دبر فخًا كاد يكلف فالاندر حياته. رأى مصدر كل الألم الذي عانى منه، وعانى منه من يحبهم. وشعر بغضب أسود، حار، يغلي في صدره كالحمم.
لكنه كبحه. الغضب العشوائي هو سلاح الضعفاء.
بدلاً من ذلك، تحرك بسرعة الصاعقة. يده اليسرى انقضت على فم فاليريان وكتمته بقوة. في نفس اللحظة، كان الخنجر البارد قد استقر على رقبته، عند النقطة حيث النبض يخفق تحت الجلد الرقيق.
انتفض فاليريان من نومه، عيناه توسعتا بالرعب الصافي. حاول الصراخ، لكن الكف كان قوي خنق الصوت. حاول المقاومة، لكن جسده كان مثقلًا بالنوم والخوف. رأى الوجه المقنع فوقه، عينين عسليتين بخطوط زرقاء تحدقان فيه ببرودة الموت.
"لا تتحرك." قال صقر العدالة، وصوته هادئ، منخفض، لكنه قطع صمت الغرفة كشفرة باردة. "أصدر صوتًا واحدًا، وسيكون نفسك الأخير قد خرج بعده."
تجلد فاليريان، عيناه تلمعان بالذعر. كان يحاول أن يفهم، أن يخطط، لكن الخنجر على رقبته جعل التفكير مستحيلًا.
"أنا لم آتِ لقتلك الليلة." تابع ألفارد، كلماته تقطر كـ سمّ بارد. "لو أردت موتك، لكنت نائمًا نومًا أبديًا منذ دقيقة واحدة. بل جئت لأقول لك شيئًا واحداً."
ضغط الخنجر قليلاً، ليس كافيًا لقطع الجلد، بل كافيًا ليشعر فاليريان ببرودته المعدنية وحدته القاتلة. "لقد جرحت ما هو أغلى من نفسي. وصديقي الآن بين الحياة والموت بسببك، وكل نبضة من قلبه الضعيف هي تذكير ليّ بأن دمك هو الثمن الانسب."
فاليريان حاول أن يهز رأسه، أن ينفي، لكن القبضة على فمه منعته.
"اسمع جيدًا، أيها الخائن." قال صقر العدالة، وصوته أصبح أكثر حدة. "لقد أخطأت عندما ظننت أن اللعبة بيننا لعبة ثعابين في حفرة. أنا لست ثعبانًا. أنا صقر. وأعلى ما يمكن للثعبان أن يتسلقه هو شجرة. أما أنا فأعيش في قمم الجبال، حيث الهواء نقي والرؤية واضحة لكل تحركاتك الزاحفة."
أطلق كفه قليلاً عن فم فاليريان، بما يكفي لهسهسة الكلمات.
"ماذا... تريد؟" كان صوت فاليريان مكسورًا، خائفًا، بعيدًا كل البعد عن الثقة المزيفة التي يعرفها الجميع.
"لا أريد شيئًا منك." رد ألفارد. "جئت فقط لأثبت لك شيئًا: أن جدران قصرك، وحراسك، ومكائدك، كلها لا تساوي شيئًا. لأنني هنا الآن، في غرفة نومك، وخنجري على رقبتك. ويمكنني أن أعود في أي ليلة. في أي وقت، كما أشاء."
نظر إليه فاليريان، وعيناه تعكسان رعبًا حقيقيًا هذه المرة. لم يكن يخاف من الموت فحسب، بل كان يخاف من فكرة أن هذا الشبح، هذا الكابوس، يمكن أن يظهر في أي لحظة، أن يخترق كل دفاعاته وكأنها وهم.
"سأكون شبحك، يا فاليريان." همس ألفارد، وكلماته كانت كالسم يقطر في أذن المستشار. "في كل ظلمة، في كل صمت، وفي كل لحظة تظن فيها أنك آمن... سأكون هناك. لأنني لم أعد الصقر الذي يدافع عن الغنم. أصبحت الصقر الذي يطارد الثعابين في أعمق جحورها."
ثم، بسرعة خاطفة، حرك الخنجر. ليس إلى الرقبة، بل إلى وجه فاليريان. شفرة باردة مرت على خده الأيسر بحركة سريعة، حادة، مؤلمة ولكن غير قاتلة. ثم أخرى، تعامد مع الأولى. شكل علامة ثلاث خطوط متوازية أو بشكل أدق، شكل أثر مخالب الصقر.
صرخ فاليريان صرخة مكتومة، مزيج من الألم والذل والرعب. الدم الدافئ بدأ يسيل على خده، يقطر على وسادة الحرير البيضاء.
"هذا مجرد تذكار." قال صقر العدالة وهو يتراجع عن السرير. "ولتتذكر في كل مرة تنظر في المرآة، أن مخبأك ليس آمنًا. وأن ليّ عينان تراك، ومخالبي ستصل إليك أينما كنت."
التفت ليرحل، لكنه توقف عند الباب. نظر إلى فاليريان مرة أخيرة، الرجل الذي كان قبل دقائق سيد القصر، كان الآن جالسًا في سريره، يده ترتعش وهي تلمس الجرح الدامي على وجهه، عيناه واسعتان بالصدمة.
"نومًا هنيئًا، أيها المستشار." قال ألفارد بهدوء قاتل. "بلا أي كوابيس... لكن الواقع سيكون جحيماً لن تهرب منه."
ثم فتح الباب وانزلق خارجه، يختفي في الظلام كما ظهر.
في الممر، كانت صرخات فاليريان الخافتة قد بدأت تجذب الانتباه. أصوات خطى سريعة تسمع من بعيد، أصوات استفسار قلق. كان ألفارد يتحرك بسرعة نحو السلم، عقله يحسب الدقائق: أقل من دقيقة للخروج الآمن.
ثم، عند المنعطف، اصطدم بشخص فجأة. كان الأمير ليوس.
وقف الاثنان، يتقاسمان صدمة اللقاء المفاجئ. ليوس، بملابس النوم البسيطة، شعره الأسود مبعثرًا، وجهه الشاحب يلمع في ضوء المشاعل الخافتة نظر إلى الفارس المقنع، ثم إلى اتجاه صرخات فاليريان، ثم عاد لينظر إليه. في عينيه، لم يكن خوف، بل فهم سريع، حاد.
"ليس هناك وقت." همس ليوس، كلماته سريعة وواضحة. "الحراس قادمون. تعالى معي."
أمسك بمعصم ألفارد بقوة وجذبه إلى باب جانبي. كان جناحه الخاص. أغلق الباب خلفهما.
كانت الغرفة مختلفة تمامًا: بسيطة، مرتبة، رائحتها تشبه الكتب القديمة والأعشاب الطبية. ليوس لم يضيع ثانية.
"هناك!" أشار إلى خزانة ملابس ضخمة من خشب الجوز. "اختبئ بالداخل! الآن! هيا!"
ألفارد تردد للحظة. لكن خطوات الحراس كانت تقترب في الممر، وأصواتهم أصبحت مسموعة.
"ثق بي... لن أغدر بك." قال ليوس، وعيناه تلتقيان بعيني الصقر. في عمقهما، كان هناك شيء، إلحاح، صدق، وحتى شيء يشبه التوسل.
دلف ألفارد إلى الخزانة. كانت مظلمة، ضيقة، مليئة برائحة الصندل. أغلق ليوس الباب عليه، وسمع ألفارد صوت تحريك قطعة أثاث، ربما كرسي وضع أمام الخزانة.
ثم، بعد لحظات، دق الباب.
"سمو الأمير!" صوت حارس، متوتر. "هل كل شيء على ما يرام؟ لقد سمعنا أصواتًا..."
فتح ليوس الباب. ألفارد، من خلال فتحة صغيرة في الخزانة، رأى ظلال الحراس تقف في المدخل.
"كل شيء على ما يرام." كان صوت ليوس هادئًا، ناعمًا، مقنعًا في نعومته. "كنت أقرأ، وربما سمعتم صوت سقوط الكتاب... أخبروني ما به فاليريان... لماذا يصرخ هكذا؟"
"تعرض لهجوم، سمو الأمير! في غرفته! والمجرم لا يزال داخل القصر!"
"يا إلهي." قال ليوس، وصوته يحمل الدهشة المثالية. "إذن تحركوا فوراً. ابحثوا في كل مكان. وأنا... سأبقى هنا، لا بد أن تجدوا هذا المجرم قبل أن يهرب."
"هل تريدنا أن نضع حارسًا على بابك، سمو الأمير؟"
"لا داعي." كان رده سريعًا، حاسمًا. "أنا لست الهدف. اذهبوا، ابحثوا. و احموا جناح الملك."
انصرف الحراس، خطاهم السريعة تبتعد في الممر. انتظر ليوس حتى ابتعد الصوت تمامًا. ثم، ببطء، أزال الكرسي من أمام الخزانة، وفتح الباب.
خرج ألفارد، يتنفس الصعداء في الظلام.
نظر إليه ليوس، وتلمست عيناه العسليتان القناع الأسود. "أنت... أنت هنا حقًا؟! أنا لا أصدق!" همس.
"لماذا ساعدتني؟" سأل صقر العدالة، صوته خشن.
"لأن ما تفعله هو الصواب. أنت لم تأتِ لقتله." قال ليوس ببساطة. "بل لتوصل له رسالة يستحقها. وهذا ما كنت أتمناه أنا أيضًا، أن يخاف، يشعر بأنه غير آمن بداخل حصنه."
صمت. ثم أضاف ليوس، وصوته يحمل ثقلًا لا يليق بشاب في سنه: "وأيضًا... لأنني رأيت عينيك ما يستحق مجازفتي هذه... الصدق والشجاعة."
ألفارد شعر بشيء يتحرك في صدره شيء غريب، دافئ، وربما... خطير.
"لا يمكنك البقاء هنا." قال ليوس. "سيبحثون عنك في كل مكان. لكني أعرف طريقًا آخر للخروج. طريق لا يعرفه أحد... إلا أنا."
نظر إلى ألفارد، وفي عينيه كان هناك عزم جديد، قوي، كالنبتة الصغيرة التي تخترق الصخر.
"هل تثق بي؟" سأل ليوس.
نظر ألفارد إلى هذا الأمير الهادئ، الذي أخذه إلى مخبئه وكتم سره. ورأى فيه ليس أميرًا متغطرساً ومتكبراً، بل إنسانًا. إنسانًا مثله، عالقًا في شباك هذا القصر، يحاول أن يجد طريقة للتنفس.
"نعم." قال أخيرًا. "أثق بك."
ابتسم ليوس ابتسامة خفيفة، حزينة وجميلة. "إذن، فهيا بنا. لنخرجك من هذا القفص."
وأخذ يقوده إلى جزء آخر من الغرفة، حيث كانت لوحة على الحائط تبدو عادية... لكنها لم تكن كذلك.
وفي الخارج، كان القصر كخلية نحل مذعورة. صرخات فاليريان لا تزال تتردد، وأصوات الحراس تتقاطع في كل مكان، والشروق بدأ يلوح في الأفق، حاملاً معه يومًا جديدًا يومًا لن يكون كسابقيه، لأن ظل الصقر قد زار القصر، وترك وراءه جرحًا لن يندمل، ووعدًا لن ينسى. والاختباء في جناح الأمير المريض كان مجرد البداية.