_قصة راقت لـــــي
في زمنٍ كانت فيه الصحراء تُمسك بزمام الحياة، وكان الناس يفتشون عن الرزق كما يفتش العطشان عن قطرة ماء، بدأت حكاية بركةٍ لم تعرفها الأرض من قبل، حكاية طفلٍ ما إن حلّ بمكانٍ حتى تبدّل القحط خصبًا، والفقر غنى، والجدب حياة. إنها حكاية محمد ﷺ في طفولته، كما روتها المرضعة التي اختارها الله له، حليمة السعدية.
خرجت نسوةٌ من بني سعد بن بكر إلى مكة يبحثن عن أطفالٍ يرضعنهم، وكانت السنة سنة قحطٍ وجدب، حتى إن حليمة تقول:
«خرجتُ ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، ومعنا طفلٌ صغير، وما في صدري ما يشبعه، فكيف أطلب طفلاً آخر أرضعه؟ كان صغيري يبكي الليل كله من الجوع، فلا نكاد ننام».
فلما وصلن إلى مكة، عُرض عليهن محمد ﷺ، فكانت كل امرأةٍ ترفضه، لأنه يتيم، لا أب له يرجون عطاياه، ولا مال يُؤمل من ورائه. تقول حليمة:
«قلن: ماذا نصنع بطفلٍ يتيم؟ فتركناه جميعًا».
وأخذت كل امرأةٍ رضيعًا غيره، وبقيت حليمة وحدها لم تجد أحدًا. فالتفتت إلى زوجها وقالت:
– والله إني لأكره أن أرجع إلى صاحباتي ولم آخذ طفلًا أرضعه، والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فآخذه.
قال زوجها بهدوء الواثق بالله:
– افعلي يا حليمة، فلعل الله أن يجعل لنا فيه بركة.
تقول:
«فأخذته وأنا كارهة، إذ لم أجد غيره، فلما وضعته في حجري، أقبل ثديي باللبن، فشرب حتى روي، ثم ناولته لأخيه من الرضاعة فشرب حتى شبع، ثم ناما معًا. والله ما رأيت مثل تلك الليلة راحةً بعد عناء».
وفي الصباح قال زوجها:
– يا حليمة، لقد أخذتِ نسمةً مباركة.
قالت:
– إني لأرجو ذلك من الله.
وتقول:
«شاتنا التي ما كان فيها قطرة لبن امتلأ ضرعها، وأتاننا التي كنت أركبها صارت نشيطةً سريعة».
حتى قالت النسوة متعجبات:
– يا حليمة، أربعي علينا! أهذه هي أتانك التي جئت بها إلى مكة؟
قالت:
– نعم، هي هي.
قلن:
– والله إن لهذا الحمار شأنًا!
وما علموا أن الشأن كله فيمن حملته بين ذراعيها.
فلما وصلوا إلى ديار بني سعد، وكانت أرضًا جدباء لا ماء فيها ولا مرعى، تقول حليمة:
«ما إن دخل محمد ﷺ أرضنا حتى امتلأت شياهنا لبنًا، فصرنا نحلب كل يوم ونشبع ونُرضع أبناءنا ولا ينقصنا شيء، بينما كانت شياه جيراننا جياعًا هزيلة».
حتى صاروا يقولون لبعضهم:
– اسرحوا غنمكم حيث ترعى غنم بنت أبي ذؤيب.
وتقول حليمة كلمتها التي صارت شاهدًا على الحقيقة:
«فترجع غنمي شباعًا، وترجع أغنامهم جياعًا. هذا اللبن ليس لحليمة، وليس لهذه الشياه، وليس لهذا المكان، إنما هو ببركة محمد ﷺ».
ومرت سنتان من الخير والبركة لم تعرف مثلهما قط.
فلما فُطم، كرهت حليمة أن تعيده إلى أمه، لكنها فعلت. ثم قالت لآمنة:
– أبقيه عندنا، فإني أخاف عليه أمراض مكة.
فأبت، فلم تزل بها حتى رضيت.
وعاد محمد ﷺ إلى بني سعد، وعادت البركة معه.
وفي يومٍ وهو يلعب مع أخيه من الرضاعة، جاء رجلان عليهما ثياب بيضاء، فأخذاه، ففزع أخوه وجاء يصرخ:
– يا أمي، أدركي أخي!
فلما جاءت حليمة وجدتهما قد شقا صدره، وغسلا قلبه في طستٍ من ماء، ثم أعاداه مكانه، فالتأم صدره كأن لم يكن شيء.
تقول حليمة:
«رأيناه قد تغيّر لونه، فضممته إلى صدري وأنا أرتجف خوفًا عليه».
قال زوجها:
– يا حليمة، قد يكون لهذا الغلام شأنٌ عظيم، وأخشى أن يظهر عليه أمرٌ يضره، فأعيديه إلى أهله.
فأسرعت به إلى أمه آمنة.
فلما دخلت عليها قالت آمنة:
– ما الذي جاء بك يا حليمة؟
قالت:
– أديت الأمانة، وخفت عليه، فجئت به إليك.
ثم أخبرتها بخبر شق الصدر.
فقالت آمنة بثبات المؤمن الواثق:
– أخشيتِ عليه الشيطان؟
قالت:
– نعم والله.
قالت:
– ما للشيطان عليه من سبيل، إن لابني هذا لشأنًا عظيمًا.
ثم قالت:
– أتحبين أن أخبرك بخبره؟
قالت:
– بلى.
قالت:
– رأيت حين حملت به نورًا خرج مني فأضاء قصور بصرى من أرض الشام، وما وجدت حملاً أيسر من حملي به، وإن له شأنًا عظيمًا.
هكذا بدأت قصة النور، وهكذا كانت البركة تسير أمامه حيث سار، وكأن الأحداث نفسها كانت تتسابق لتشهد له قبل أن يشهد العالم بنبوته.
ومن يتأمل هذه القصة يدرك أن الخير إذا دخل بيتًا عمّه، وأن البركة إذا نزلت بقلبٍ صادقٍ غيّرت وجه الحياة كلها.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أنها لا تطلب إلا أن تُروى، لتبقى البركة حاضرة في القلوب كما كانت حاضرة في الأرض