_نبذة صغيرة عن رسولنا الكريم
عاش نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حضن أمه آمنة بنت وهب، وفي كنف رعايتها وعطفها، حتى بلغ السادسة من عمره. كانت أمه ترى فيه نورًا خاصًا، وتشعر أن لهذا الغلام شأنًا عظيمًا، فأرادت أن تفرحه، وأن تصل رحمه بأخواله من بني عدي بن النجار في يثرب.
خرجت به من مكة إلى المدينة، وهو طفل لم يتجاوز السادسة، يمشي بجانبها أو تركبه الدابة، ووجهه يشرق بالبراءة، وعيناه تمتلئان دهشة لكل ما يراه. ما أجمل هذا الغلام، وما أحلى طلّته، كأن النور يسير معه حيثما سار. وصل إلى أخواله، فاستقبلوه بفرح عظيم، واحتضنوه بمحبة صادقة، ورأوا فيه ملامح النبوة قبل أن تُبعث، فامتلأت قلوبهم به سرورًا، وأمضى بينهم أيامًا من السعادة والطمأنينة.
وبعد أن اطمأنت آمنة على صلة ولدها برحمه، عزمت على العودة به إلى مكة. خرجت القافلة من المدينة، وسارت في طريق العودة، حتى بلغوا موضعًا يُقال له الأبواء. هناك، وفي ذلك المكان الهادئ من صحراء الحجاز، بدأت آمنة تشعر بالتعب والمرض. اشتد بها الوجع، والغلام إلى جوارها ينظر إليها بعينين صغيرتين لا تفهمان معنى الفراق، لكنه يشعر أن شيئًا خطيرًا يحدث.
وفي تلك اللحظات، قضى الله أمره، فقبض روحها الطاهرة، وانتقلت إلى رحمة ربها.
ماتت الأم، وبقي الطفل وحيدًا.
ماتت الأم، والغلام لم يبلغ السادسة بعد.
ماتت الأم أمام عيني ابنها الوحيد، الذي لم يعرف أباه قط، فقد مات عبد الله بن عبد المطلب قبل أن يولد.
يا لعِظم المصيبة…
طفل يفقد أباه قبل أن يرى النور، ثم يفقد أمه وهو في السادسة من عمره.
أي قلب يحتمل هذا الألم؟
وأي روح تصبر على هذا الفقد؟
دُفنت آمنة في الأبواء، وبقي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقفًا أمام قبرها الصغير، يحمل في قلبه أول جراح اليُتم، وأثقل أحزان الطفولة. ومع ذلك، كان في رعاية الله وحفظه، فالذي اختاره لحمل الرسالة لن يضيعه، ولن يتركه، وإن اشتد عليه الألم في بدايات حياته.
ثم أُخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمه، وعاد به مرافقوه إلى مكة، وهو يتيم الأبوين، لا أب له ولا أم، إلا أن له ربًا لا يغفل ولا ينام.
فلما بلغ مكة، تكفّل به جدّه عبد المطلب بن هاشم، سيد قريش، وصاحب المكانة العظيمة في قومه. ضمّه إلى صدره، وأحاطه بعناية خاصة، وكان يُجلسه إلى جواره، ويقدّمه على أبنائه، وكأن قلب الجد كان يشعر أن هذا الغلام ليس كغيره، وأن له شأنًا عظيمًا ينتظره.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مرحلة اليُتم في كنف الجد، تمهيدًا لحياة اصطفاها الله، ليكون فيها رحمة للعالمين، ونورًا يهدي الحائرين، وسراجًا لا ينطفئ في ظلمات البشرية.
ومن يقرأ هذه الصفحات من سيرته الشريفة، يدرك أن أعظم القلوب قد تبدأ حياتها بالألم، وأن أقسى الابتلاءات قد تكون أول طريق العظمة، ولعل في نشر مثل هذه القصص تذكيرًا بأن الصبر يصنع المجد، وأن العناية الإلهية لا تغيب أبدًا عن من اختارهم الله لرسالته.