الإختيار
لم تعد الحقيقة تهمس.
كانت تصرخ.
انتشرت في الحيّ كما ينتشر الدخان، لا يُرى مصدره لكن رائحته تخنق الجميع. النظرات تغيّرت، الهمسات طالتنا، وكل خطوة صارت محسوبة كأننا نسير فوق زجاج مكسور.
واجهني أبي أخيرًا.
لم يصرخ، لم يغضب، وهذا ما أخافني أكثر.
قال بهدوء قاتل:
«إن اقتربتِ منه مرة أخرى، فلا تعودي ابنتي.»
سقطت الكلمات ثقيلة، لكنها لم تُفاجئني. كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي. خرجتُ من البيت وأنا أحمل داخلي خوفًا لم أعرف له اسمًا: هل يمكن أن يكون الحب أقوى من الدم؟
التقيتُه ليلًا، بعيدًا عن العيون. كان واقفًا تحت الضوء الخافت، كأن الظل جزء منه. عرفتُ من نظرته أنه خسر الكثير أيضًا.
«لن أطلب منكِ شيئًا»، قال بصوت مبحوح،
«لن أكون سببًا في خسارتك.»
اقتربتُ خطوة.
قلت: «وأنا لن أكون جبانة.»
ساد الصمت.
صمت الاختيار.
كنا نعلم أن البقاء معًا يعني حربًا طويلة، وأن الابتعاد يعني نجاة ناقصة. لم يكن هناك خيار صحيح، فقط خيار نتحمّل عواقبه.
قررنا أن نواجه الحقيقة علنًا.
لا لنبرّئ أنفسنا، بل لنوقف الكذبة.
كانت المواجهة قاسية. الاتهامات انهالت، واللوم وُزّع بعدل ظالم. خسرنا ثقة كثيرين، وخسرنا الأمان… لكننا لم نخسر احترامنا لأنفسنا.
في تلك الليلة، افترقنا دون وعد.
دون دموع.
دون عناق.
عرفتُ حينها أن الحب الحقيقي لا يصرخ ولا يتوسّل،
بل يترك لك حرية النجاة…
حتى لو كان الثمن هو الفراق.
وكان هذا اختياري.