محاكمة الفضول
الفصل الثالث: محاكمة الفضول
المسرح كان صغيراً إلى حد الاختناق. رائحة الخشب القديم والغبار المتألق. كايل جلس على المقعد الوحيد في الصف الأول، وكان يبدو وكأنه مقعد المتهم أكثر منه مقعد المتفرج.
على المنصة، الستة كراسي مرتبة في نصف دائرة. الخمسة الأولى مشغولة:
الكرسي الأول: نيون (الذكاء) - جالساً منتصباً، يقرأ من ملف ورق يبدو أنه يكتب نفسه.
الكرسي الثاني: لوريك (الغرور) - متكئة بثقة، تلمع أحذيتها في الضوء.
الكرسي الثالث: ميرابيل (الجنون) - يلعب بدمية قماشية تمثله هو.
الكرسي الرابع: زولت (الخوف) - منكمش على نفسه، يبدو وكأنه يريد الاختفاء.
الكرسي الخامس: سايْنت (النسيان) - جامدة، عيناها مغلقتان.
الكرسي السادس فارغ.
صوت من الظلام: "الجلسة مفتوحة. القضية: فضول كايل كوستراف. التهمة: تعريض الذات للخطر عبر البحث عن معنى في عالم بلا معنى."
كايل حاول أن يتكلم لكنه اكتشف أنه لا صوت يخرج. كان مشلولاً، مجرد متفرج في محاكمته.
نيون (دون أن يرفع عينيه): "الفضول ليس جريمة. إنه دافع الاكتشاف. بدون فضوله، لظل مستلقياً في الحقل ينتظر الفناء."
رفع عينيه فجأة، ونظر مباشرة إلى كايل: "لكن الفضول يحتاج إلى دليل. والمشكلة أنه يبحث عن دليل في مكان كل شيء فيه دليل على كل شيء."
لوريك (تضحك ضحكة مكتومة): "الفضول تافه. يبحث عن إجابات لأنه لا يملك الشجاعة لصنعها. أنا لا أسأل، أنا أقرر."
التفتت نحو الكرسي الفارغ: "المشكلة ليست في فضوله، بل في أنه فضول رخيص. يبحث عن 'لماذا' بينما السؤال الحقيقي هو 'لماذا لا'."
ميرابيل (يرمي الدمية في الهواء): "الفضول هو الحياة! كل سؤال انفجار صغير! أريد المزيد! أريد أن يسأل حتى تنفجر رأسه! هذا هو الجمال!"
وقف وبدأ بالرقص حول كرسيه: "اتهموه بأن فضوله قوي! بأنه يهدد السلام الوهمي! هذا مجيد!"
زولت (يهمهم): "الفضول... يفتح أبواباً... بعض الأبواب... أفضل أن تبقى مغلقة."
نظر إلى كايل بعينين دامعتين: "لو لم يكن فضولياً... لما رأى المرآة... لما عرف... كان يمكن أن يكون سعيداً في الجهل."
سايْنت (فتحت عينيها فجأة): "الفضول مرض. كل سؤال جرح جديد. وأنا طبيبة هذه الجروح. وصفتي: توقف عن السؤال."
صمت طويل. ثم التفتت نحو الكرسي الفارغ: "هناك كرسي آخر. لماذا هو فارغ؟ لأن هناك جزءاً منه يرفض حتى الحضور إلى محاكمته."
الضوء تحول فجأة. كرسي كايل في الصف الأول أصبح في وسط المنصة. هو مربوط إليه بحبال من ظل.
صوت الظلام: "الآن... شهود النفي."
من جانب المسرح، دخل خمسة أشكال. لكنهم لم يكونوا الشخصيات. كانوا انعكاسات مشوهة لهم.
الشاهد الأول (ظل نيون): "فضوله مزيف. يسأل لكنه يخاف الإجابات. يبحث عن الحقيقة لكنه يريدها أن تكون جميلة."
الشاهد الثاني (ظل لوريك): "يستخدم الفضول كعذر. 'أنا أبحث' يعني 'أنا لا أتحمل مسؤولية ما سأجد'."
الشاهد الثالث (ظل ميرابيل): "فضوله محدود. يخاف أن يسأل الأسئلة الحقيقية: ماذا لو لم يكن هناك معنى؟ ماذا لو كان الجنون هو الحل؟"
الشاهد الرابع (ظل زولت): "يسأل... ثم يندم على السؤال. يفتح... ثم يريد الإغلاق. هذا تعذيب."
الشاهد الخامس (ظل سايْنت): "أسئلته كلها توجه نحو الخارج. لم يسأل أبداً: 'ماذا لو توقفت عن السؤال؟'"
الظلال اختفت. كايل شعر بأن الحبال الظلية تضيق.
نيون: "لكن بدون أسئلته، لن يكون هو. سيكون قشرة."
لوريك: "وهل 'هو' شيء يستحق الحفاظ عليه؟"
ميرابيل: "نعم! لأنه يضحك! لأنه يتألم! لأنه يحاول!"
زولت: "التألم... ليس فضيلة."
سايْنت: "والضحك وهم مؤقت."
الصوت من الظلام عاد: "الدفاع الآن."
من الجانب الآخر، دخل شكل واحد. كان كايل نفسه، لكن أصغر، بعمر العشرين. نظراته متوهجة.
كايل الشاب: "الفضول ليس تهمة، بل هو براءة. هو الدليل الوحيد على أنه لا يزال حياً. لقد مات في العالم الآخر لأن فضوله مات. هنا، فضوله يعيده للحياة."
نظر إلى كايل المربوط: "اتهموه بأنه يسأل كثيراً. لكن العالم يقدم إجابات قليلة. الفجوة بينهما هي ما نسميه 'حياة'."
نيون: "جميل. لكن غير كافٍ."
لوريك: "شاعرية رخيصة."
ميرابيل: "أعجبني!"
زولت: "جميل... وخطر."
سايْنت: "الكلمات لا تشفي الجروح."
كايل الشاب نظر إلى الكرسي الفارغ: "هناك قاضٍ مفقود. المحاكمة لا تكتمل بدونه."
الكل نظر إلى الكرسي السادس. بدأ يهتز.
فجأة، ظهر عليه شخص. كان كايل أيضاً، لكن ليس هو ولا الشاب. كان رجلاً في الأربعين، مرتدياً بذلة مهترئة، بعيون تظهر أنها رأت كل شيء ولم تعجبها.
القاضي (الكايل الأكبر): "أخيراً حضرت. كنت مشغولاً بمحاكمة نفسي."
جلس. صوت خشبة المسرح أنت تحت قدميه كانت كأنفاس متعبة.
القاضي: "لقد سمعت كل شيء. الفضول جريمة. الفضول براءة. كلا الجوابين صحيح."
نظر إلى كايل المربوط: "المشكلة ليست في فضولك. المشكلة في نوع فضولك."
وقف. مشى نحو حافة المنصة: "تسأل عن العالم. عن الشخصيات. عن الموت. لكنك لم تسأل السؤال الوحيد المهم."
سكت. المسرح بأكمله بدا وكأنه يحبس أنفاسه.
القاضي: "لم تسأل: لماذا خلقني فضولي هؤلاء الشخصيات بالذات؟"
ضربة صاعقة. كايل المربوط شعر وكأن شيئاً انكسر داخله.
نيون: "لأنك تحتاج إلى ذكاء."
لوريك: "لأنك تحتاج إلى ثقة."
ميرابيل: "لأنك تحتاج إلى حرية!"
زولت: "لأنك تحتاج إلى حماية."
سايْنت: "لأنك تحتاج إلى راحة."
القاضي: "كل هذه إجابات خاطئة."
مشى باتجاه كل شخصية:
"خلقت نيون لأنك تخاف من الغباء."
"خلقت لوريك لأنك تخجل من ضعفك."
"خلقت ميرابيل لأنك تشتهي الفوضى لكنك تخافها."
"خلقت زولت لأنك تتذكر الألم وتريد إنذاراً منه."
"خلقت سايْنت لأنك تتمنى الموت لكنك تسميه نسياناً."
وقف أمام كايل المربوط: "الشخصيات ليست أجزاء منك. هم دروع. تخلقهم لحماية نفسك من حقيقة واحدة بسيطة."
القاضي: "الحقيقة هي: أنت خائف من أن تكون عادياً."
الصمت كان ثقيلاً كالرصاص.
"تخاف من أن لا يكون لك معنى. تخاف من أن تكون مجرد حادثة في كون لا يهتم. لذا تخترع هذا العالم المعقد، هذه الشخصيات المتصارعة، هذه الدراما الوجودية... كلها لتثبت لنفسك أنك خاص."
"الفضول ليس بحثاً عن الحقيقة. هو هروب من حقيقة أنك قد تكون تافهاً."
كايل المربوط حاول أن ينطق. أخيراً، خرج صوت: "وهل أنا... تافه؟"
القاضي: "لا أعرف. ولا أحد يعرف. وهذا هو الرعب الحقيقي."
جلس مرة أخرى على كرسيه: "الحكم: الفضول مذنب. لكن ليس بالتهمة المذكورة. مذنب بأنه وهم. يسأل أسئلة كبرى ليتجنب السؤال الصغير: ماذا أفعل الآن؟"
رفع مطرقته الخشبية: "العقوبة: أن تختار واحدة منهم. فقط واحدة. والباقي يختفون."
كايل صرخ: "لا! كلهم جزء مني!"
القاضي: "بالضبط. ولهذا يجب أن يختفي البعض. لا يمكنك أن تعيش وأنت مقسم إلى خمسة سجون."
نيون: "اخترني. سأعطيك الفهم."
لوريك: "اخترني. سأعطيك القوة."
ميرابيل: "اخترني! سأعطيك الحياة!"
زولت: "اخترني... سأحميك."
سايْنت: "اخترني. سأعطيك السلام."
كايل نظر إليهم جميعاً. كل واحد يمثل شيئاً يحتاجه. كل واحد يمثل سجناً.
ثم نظر إلى القاضي. إلى انعكاسه الأكبر. وسأل سؤالاً لم يكن في النص:
"وماذا أنت؟ لماذا أنت هنا؟"
القاضي ابتسم للمرة الأولى. ابتسامة حزينة: "أنا الخيار الذي ترفضه. أنا القبول بأنك قد تكون عادياً. وأن العالم قد يكون عشوائياً. وأن الأسئلة قد لا تجد إجابات."
"أنا الكرسي الفارغ في كل محاكمة داخلية. أنا الصمت بين الأسئلة."
رفع المطرقة: "الوقت ينفد. اختر."
كايل أغلق عينيه. تذكر الحقل. تذكر القهوة. تذكر المرآة. تذكر الفضول الأولي الذي أيقظه.
فتح عينيه: "أرفض الاختيار."
الصمت.
القاضي: "ماذا؟"
كايل: "أرفض أن أختار جزءاً على آخر. وأرفض أن أقبل أنني عادي. وأرفض حتى رفضك."
الحبال الظلية بدأت تتلاشى. وقف: "لقد فهمت. هذه ليست محاكمة. هذه مسرحية. وأنتم جميعاً ممثلون في مسرحيتي."
نظر إلى الشخصيات: "أنتم لستم أجزائي. أنتم لغتي. طرق مختلفة لقول شيء واحد: أنا موجود."
القاضي: "وهذا ما يجعلك عادياً! الجميع موجود!"
كايل: "لكن لا أحد موجود بهذه الطريقة. لا أحد لديه نيون ولا لوريك ولا ميرابيل ولا زولت ولا سايْنت. هذا ما يجعلني غير عادي."
المسرح بدأ ينهار. الجدران تذوب.
كايل: "لن أختار. سأحافظ على الفضول. سأحافظ على الأسئلة. حتى لو لم تكن هناك إجابات. لأن الأسئلة نفسها هي الإجابة."
القاضي بدأ يختفي: "ستتعب. ستمل. سترغب في النهاية."
كايل: "ربما. لكن هذه ستكون نهاية مختلفة."
الشخصيات الخمس بدأن تتلاشي أيضاً. لكن ليس بالموت. بالتحول.
نيون أصبح كتاباً.
لوريك أصبح مرآة.
ميرابيل أصبح آلة موسيقية.
زولت أصبح باباً.
سايْنت أصبح فراغاً.
وكلهم طافوا حول كايل.
المسرح اختفى. عادوا إلى الحقل. لكن الحقل تغير. الآن كان فيه منزل حقيقي. البيت الصغير من النور أصبح مادياً.
على الباب، لافتة جديدة:
"منزل كايل. السكان: جميع إمكانياته."
دخل. الداخل كان بسيطاً. غرفة واحدة. في المنتصف، طاولة. عليها خمسة أشياء: الكتاب، المرآة، الآلة الموسيقية، الباب، الفراغ.
وجلس على كرسي. ليس متهم. ليس قاضياً. فقط جالس.
من النافذة، رأى الأفق. لم يعد فراغاً. كان فيه جبال، وبحار، ومدن بعيدة.
عرف أنه لن يصل إليها أبداً. وهذا كان حسناً.
لأن الرحلة ليست للوصول. بل للمشي.
وفي الخارج، سمع صوتاً يهمس. صوت سادس، مختلف:
"الفصل الرابع: الحياة بعد الفهم. أو: كيف تعيش عندما تعرف أن اللعبة من صنعك."
كايل ابتسم. أخذ الكتاب وفتحه. صفحاته ما زالت بيضاء.
أخذ قلماً ظهر على الطاولة. وكتب الكلمة الأولى:
"الآن..."
---